المنشور

متلازمة عقدة العصر الذهبي لليسار

بعد الانفراج السياسي الذي شهدته البحرين في العام 2002 بدأت المنظمات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في إعادة نسج علاقاتها الممتدة، وكنا في جمعية الشبيبة البحرينية قد أعدنا تفعيل عضويتنا في اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي (وفدي) واتحاد الشباب العربي، بعد تجمد شبه تام لنشاط جبهة التحرير الوطني البحرانية، واتحاد الشباب الديمقراطي البحراني.

 كنا مزهوين في وقتها بماضٍ مشرف لعبت خلاله الحركات اليسارية في البحرين والمنطقة دوراً محورياً في موجة تصاعد الحركات الثورية والتحررية وصعود نجم الاتحاد السوفيتي وتنامي دوره في المنطقة. ونحن في قمة الحماس لاستعادة هذا الدور تندرنا فيما بيننا من اعمار ممثلي معظم الوفود العربية المشاركة في اجتماعات اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي، واتحاد الشباب العربي، حيث كانت تتجاوز سن الأربعين فيما كنا شباناً في مطلع العشرينات من عمرنا، مدعاة السخرية الثانية كانت في “الكلاشيه” الذي ظل يتكرر في كل اجتماعات المنظمات العربية عند تشخيص وضع اليسار حيث تبدأ المداخلة بجملة: “بعد سقوط حائط برلين، وانهيار الاتحاد السوفيتي (…) وتستمر في سوق التبريرات حوال أسباب تردي اليسار في العالم العربي والإغراق في المقارنة بين ما كنا عليه وما أصبحنا عليه.

ما كنا نتعامل معه بشيء من الفكاهة إتضح لاحقاً بأنه أزمة اليسار في العالم، لكن الأزمة التي لم يعشها أبناء جيلي ولم يتذوقوا مرارتها كانت جاثمة على صدور أبناء جيل الستينات والسبعينات الذي عاشوا العصر الذهبي لليسار وتلمسوا آماله، وشهدوا تراجعه وسقوطه. هذه الأزمة أحدثت تشوشاً لدى شريحة واسعة من المناضلين والمفكرين فنزح بعضهم للتنظير للإسلام المستنير كمنهج بديل عن المادية الجدلية، فيما رأى بعضهم الآخر أن الليبرالية هي النموذج الأرحب لكل التوجهات اللادينية متغافلين عن تناقض الليبرالية في شقها الاقتصادي – على أقل تقدير- مع المنهج الاشتراكي.

في البحرين دون سواها من الدول كنا أمام تجربة مختلفة، فالانفراج السياسي الذي تبع الإعلان عن ميثاق العمل الوطني في فبراير 2001، أتاح للقوى اليسارية أملاً جديداً في الاستمرار، وفرصة لتحقيق بداية جديدة ترتكز على الماضي العريق وتنطلق إلى المستقبل بطاقة الشباب الذي كان مشحوناً بالحماس والتفاؤل.

لكن هذه الفرصة لم تستغل في تأسيس مدارس حزبية ناضجة لنقل العلم والمعرفة السياسية والفلسفية للشباب، ولا في صوغ برنامج سياسي قابل للتطبيق ينطلق من تعزيز دور كل عضو من أعضاء التنظيمات اليسارية في تلمس مطالب أبناء محيطه السكني، والمهني، والعائلي. عوضاً عن ذلك انغمسنا في التغني بما كنا عليه في الماضي وربطه بتحسرنا على ما نحن عليه في الراهن مقدمين كل المبررات لفشلنا (سقوط الاتحاد السوفيتي، تصاعد الإسلام السياسي، ضرب الحركات اليسارية، سيادة القطب الواحد) دون أن نبذل جهدا كافيا في طرح سؤال رئيسي: ما الذي يمكن أن نقدمه لنكون أقرب إلى المجتمع؟

حول هذا الموضوع يلاحظ أحد الأصدقاء أن شباب اليسار في البحرين يجتمعون في صفة واحدة تتمثل في ضعف علاقتهم بأبناء مناطقهم السكنية، وتركز نشاطهم في مناطق بعيدة عن محيطهم السكني وهم بناء على ذلك كما الغرباء في مناطقهم.

ربما يكمن الحل من خلال مواجهة هذه المعضلة، فالالتصاق بالماضي لن يجدي نفعاً، وعلاج متلازمة عقدة العصر الذهبي الذي لم نعشه تبدأ من تغيير واقعنا المعاش لا التغني بمنجزات لم نعشها.