المنشور

اليسار والثقافة في البحرين

فاضل الحليبي

بمناسبة الذكرى ال 62 لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية سوف أتحدث عن ترسيخ القيم الثقافيه التقدمية في المجتمع البحريني، حيث جرت العادة أن يكون الحديث عن النضال السياسي في ذكرى تأسيس الجبهة، بما في ذلك عن  القطاعات المختلفة التي نشطت فيها الجبهة، ( العمال ، المرأة، الشباب ، الطلبة، المثقفين ) وغيرها من قطاعات.

ولكني سأتحدث في هذه المناسبة  عن نشر الوعي الثقافي الذي لا يقل أهمية عن تلك الأنشطة والنضال السياسي الذي قامت به الجبهة، فبفضل نشر  الأفكار التقدمية  وتحديدا الفكر الماركسي برزت في ستينيات وسبعينيات و ثمانينيات القرن الماضي العديد من الإبداعات الثقافية والأدبية في ( الشعر والرواية والموسيقى) وفي غيرها من الابداعات الأدبية، كذلك يعود الفضل في ذلك إلى أعضاء وأصدقاء الحركة الوطنية البحرينية العابرة للطوائف والقبائل والاعراق.

ونخص حديثنا هنا عن “جتوب” حيث أولت أهمية خاصة للتثقيف والتثقيف الذاتي الذي ترسخ بشكل رئيسي في النشاط الحزبي للجبهة و الشبيبة في صفوف الأعضاء والأصدقاء والأنصار، حيث كانت تتداول الكتب التقدمية ويتم تلخيص بعضها وقراءتها في الخلايا الحزبية،  بالإضافة إلى الروايات والقصص والأشعار لكبار الكتاب  العرب والأجانب وبالأخص الروس من أمثال تولستوي و دوستويفسكي ومكسيم غوركي وتشيخوف.

كانت الجبهة و”أشدب” يهتمان  بالتثقيف للأعضاء والأنصار، فعندما يمتلك العضو  الوعي الثقافي والسياسى يستطيع ان ينجز مهامه الحزبية بالشكل المطلوب في القطاع الذي ينشط فيه، ومن خلال ذلك الوعي الفكري يستطيع إيصال برنامج وأهداف وأفكار الحزب  إلى الجماهير، وبهذا الصدد كتب المفكر الإيطالي غرامشي قائلا: “المثقف الذي لا يتحسس قضايا شعبه ويدافع عنها لا يستحق لقب المثقف”.

فالنظرية الماركسية ليس نظرية   لتفسير  المجتمع بل لتغييره نحو الأفضل، نحو مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية وعدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

لهذا كانت الكتب الكلاسيكية الماركسية – اللينينية  الزاد والغداء اليومي للمناضلين التواقين للحرية والاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي  من نير الاستعمار البريطاني والرجعية، إلى جانب الروايات والقصص التي كانت تحفزهم وتشجعهم على النضال والتغيير، وأذكر أن الأستاذ علي ربيعة،  الشخصية الوطنية المعروفة، حدثني مرةَ عن التحول الفكري الذي حدث له نحو الفكر الماركسي والاشتراكي، بقوله: كنا من ضمن معتقلي الحركة الوطنية في انتفاضة مارس المجيدة عام 1965، في سجن جزيرة جدة، وكان معنا في الزنزانة المناضل الوطني الراحل  علي دويغر أحد مؤسسي جبهة التحرير الوطني البحرانية، الذي كان مولعاً بالأدب الروسي والاشتراكي بشكل عام، فكان يحدثنا  عن روائع هذا الأدب، وعن كبار شعراء وروائيي روسيا  والاتحاد السوفياتي، وقد ترك ذلك تأثيراً كبيراً عليّ وأحدث عندي تحولاً فكرياً.

وبالفعل، كان لذلك الأدب تأثير كبير على وعي الإنسان لأنه يحاكي الواقع  بعيدا عن الخيال والفانتازيا، فعندما تقرأ رواية  “الأم” لمكسيم غوركي، فإنك تود قراءتها  أكثر من مرة لجمالها.

وساهم التثقيف والتثقيف الذاتي في خلق وعي ثقافي وسياسي للعديد من الأعضاء والأصدقاء  ومن خلال الالتزام الحزبي به برزت كوادر عديدة كان لبعضها مساهمات بارزة في صحافة الحزب و”أشدب”، وفي سنوات لاحقة تحولت نشرة “الفجر” التي كانت جبهة التحرير الوطني البحرانية تصدرها في الخارج إلى مجلة تضم كتابات سياسية وفكرية متنوعة للرفاق، كما ساهم رفاقنا في الكتابة لمجلة (قضايا السلم والاشتراكية) التي كانت تصدر في براغ، كمجلة للأحزاب الشيوعية والعمالية في العالم، وفي بدايات ثمانينيات القرن الماضي صدرت مجلة (النهج) الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي .

كان للكتاب في تلك الفترة قيمته  الأدبية والمعنوية  سواء إبان مرحلة الإستعمار البريطاني أو حقبة قانون أمن الدولة السيء الصيت، يعرض من يقتنيه للمساءلة القانونية كأن يعتقل ويطبق عليه قانون  أمن الدولة، لهذا كانت الكتب الكلاسيكية الماركسية  والتقدمية ممنوعة،  وتباع بالسر في بعض المكتبات وبالأخص الكتب الصادرة من دار الفارابي  أو دار بن خلدون  أو دار الطليعة وكذلك دار التقدم السوفياتية.