المنشور

من يخشى النقد؟

هشام عقيل

هل سنكون على خطأ إذا قلنا اليوم أن ليس للماركسية حيزاً واسعاً في قراءة وتحليل الواقع الإجتماعي؟ بديهياً نجيب بنعم .. ولكن بديهياً نسأل: أهناك في الحيز الثقافي الواسع الموجود اليوم قوة  لقراءة هذا الواقع نفسه ؟ فمن إتجاهات النقد الثقافي، إلى الأفكار ما بعد الحداثية، إلى فلسفات الأكاديميين، إلى الأثروبولوجيين وعلماء الإجتماع الموجودين، لا نجد تحليلاً متماسكاً واحداً للواقع الإجتماعي البحريني، دع عنك: الخليجي أو العربي أو العالمي. صحيح هناك إستثناءات فردية يجتهد فيها مفكرون يحاولون تحليل جانب (أو جوانب معينة) من هذا الواقع الإجتماعي ويقدمونه بطريقة تحليلية صحيحة .. ولكنها تظل ناقصة.

لن أدعي أن سبب ذلك هو “لا- ماركسية” أغلب هؤلاء المفكرين، لأن ليس لهذا الإدعاء أي معنى .. بما أن الماركسية نفسها ناقصة. ولكن الماركسية ناقصة لأنها لن تكتمل أبداً، ومكتملة لأنها ليست ناقصة أبداً – أتمنى أن لا أثير أحداً بهذه العبارة المتناقضة، لكنها صحيحة. الماركسية ناقصة لأنه لا يمكنها أن تكتمل، لأنه لا يمكنها أن تدعي معرفتها بالواقع الموضوعي بشكل مكتمل سلفاً.. فهي ناقصة بقدر ما الواقع الموضوعي نفسه ناقص. وهي مكتملة فقط عندما تحلل الواقع الموضوعي (أو ما يسميه لينين معرفة الملموس في المجرد العلمي) كما يقدم نفسه بشكله المكتمل لحظياً. الماركسية ناقصة لأنه لم تكتمل عملية تفكيكها بعد، لأنها لا زالت تصارع ما بين الماركسية الخلاقة والماركسية الجامدة، ولأنها لم تتمكن من وضع نظريات واضحة لـ: اللحظة الراهنة، والدولة، ومقولات فلسفية مثل “مكان النفي” (كما يقول آلان باديو)، أو مكان “الإقرار”، أو”الديالكتيك”، إلخ.

بينما، في الجانب الآخر، تدّعي النظريات الأخرى الموجودة في الفضاء الفكري الإجتماعي والفلسفي بأنها نسق متكامل قادر على إكتشاف الإختلالات الإجتماعية ( سواء أكانت لتبيان المناطق الحساسة التي يسيطر فيها خطاب واحد وحسب، أو لمضايقة – ولا أقول تمرد – الأفكار القائمة، أو لإثبات أن واقعنا اليوم هو واقع رقمي تقني وليس هناك ما يسمى بواقع موضوعي إلخ) وهي أساساً ناقصة ( أيّ من دون مفاهيم : الصراع الطبقي، ونمط الإنتاج، والتاريخ، إلخ).

فبينما نقص الماركسية هو نقص واع، فنقص هذه الأفكار هو نقص غير واع. فنعم .. رغم غياب الماركسية عن الساحة الفكرية، فإنه لا يزال بإمكانها أن تعيد إحتلاله ليس بسبب قوتها الجبارة، بل بسبب ضعف هذه الأفكار.

كل هذا طبيعي، لكن من غير الطبيعي أن لا نجد راية ماركسية واحدة مرفوعة من قِبل الماركسيين أنفسهم. أهناك حاجة أكثر لأعلل هذا الكلام وأقول أن التنظيم المفترض به أن يجمع أكبر عدد من الماركسيين يفشل في أن يرفع راية الماركسية ؟

أستطيع أن أسمع صدى أصوات بعض القراء الذين يحتجون قائلين: “نعم لكن ألا يوجد عند هشام أي عمل آخر غير الكشف عن الجوانب السلبية ؟” أو “ الآن نحن تحت هجوم وإنشقاق فعلي، هذا ليس الوقت المناسب للنقد .. لأن هذا يعطي أعدائنا الفرصة لأن يكشفوا جوانب نقصنا”. لكن حقاً متى سيكون الوقت مناسباً للنقد (البناء) ؟. كما هو معروف عند الجميع لم تمر، ولن تمر، لحظة عند الماركسيين لن يكونوا فيها تحت هجوم واضح، فهل يمكننا أن نقول بذلك: علينا أن نمنع النقد للأبد لأننا تحت هجوم دائم ؟ لا أعتقد ذلك. فلا يوجد هناك شيئ سيئ، على حد علمي، لم يقل سلفاً حول ماركس، والماركسية، والإشتراكية، والشيوعية، إلخ.. كل الأمور الشنيعة قيلت ولا تزال تقال حول الماركسية. ولكننا عندما نقولها نحن، الماركسيون، فإننا على العكس نمنع مناهضيها من النقد نفسه (النقد غير المبني على أسس علمية أعني) .. لأننا سننتقد الماركسية، أو الأحزاب الشيوعية، أو الأحزاب التي تتضمن أعضاءاً شيوعيين ( مثل جمعية المنبر التقدمي)، أو الحركة الشيوعية، من وجهة نظر الماركسية نفسها.

من يخشى النقد ؟ هذا هو السؤال، من يخشى بعروقه أن يقرأ نقداً ؟ هو الشخص – أو التنظيم أو الجماعة – المغلوب على أمره، الذي يحس بهشاشته في إنكسارات في أطرافه، الذي يحس أنه سيضيع من أمره بعد كشفه بالكامل.

فنقدي هذا، ونقدي الذي قدمته في المقالات السابقة، لا يخرج نحو صفوف “الآخر”، وإلا لماذا سأكتب في نشرة “التقدمي” ؟، ولماذا سأقدم نقدي الموجه لكم عندكم ؟ إذا لم أكن أساساً أعلن عدم ضديتي لتاريخكم ووجودكم ؟. لكن علينا الإعتراف أن التوجه العام عند المنبر التقدمي اليوم، وهذا فقط سيفهمه القراء الماركسيون، هو توجه ديموقراطي (تقدمي ؟) غير ماركسي، رغم وجود الأعضاء الماركسيين فيه.

 كيف يمكننا حل هذا التناقض إذن ؟

برأيي يعود غياب الماركسية عن جمعية تدعي أنها تحمل “الفكر المادي الجدلي” هو بسبب ضعف التيار الماركسي فيها. هل سبب الضعف هذا العدد القليل من الماركسيين فيه ؟ نعم، ولكن هذا ليس السبب الوحيد.

الحقيقة هي : تغيب عن الجمعية نفسها حركة ثقافية واضحة تميز الجمعية عن غيرها فكرياً. هذا ليس رأيي أنا وحسب، بل أنه حتى رأي الراحل عبدالله خليفة ( الذي تطرف وقال أن بعض قادة جبهة التحرير كانوا قادة تنظيمين ينقصهم الجانب الفكري). هل سبب ذلك أن هناك قلة قليلة جداً يفقهون جوهر النظرية الماركسية اللينينية بحقيقتها – وليس عبر ما سمعوا عنها أو قراؤوا عنها في الشروحات البائسة ؟ ربما.

الطريقة الوحيدة التي آراها ممكنة أن تنتعش فيها الماركسية في جمعية المنبر التقدمي هي عبر الجانب الثقافي. لا أعني بذلك طبعاً ما يجري حالياً من “التربية الحزبية” لألف باء المادية الجدلية البعيدة جداً عن الروح الماركسية المعرفية، وعن روح ماركس نفسه الذي قال أن على قراء “الرأسمال” أن يتعلموا أن يفكروا لأنفسهم.

وهذا الإنتعاش الثقافي لن يحدث من دون تلك العناصر “الماركسية” ( أو ما تبقى منهم) الجادة في معرفتها، أو إرداتها أن تعرف، للفكر الماركسي نفسه. فإذا غاب الفكر عن التنظيم ضاعت القدرة على تحليل الواقع، وإذا ضاعت هذه القدرة فإن التنظيم نفسه يدخل، وأنه قد دخل سلفاً، في متاهات التحريفية الواضحة، وبذلك الممارسة الخاطئة. ما على هذه العناصر الماركسية سوى أن تشكل نفسها كتيار ماركسي حاضر في الجمعية، ثقافياً وسياسياً، ويعبر عن نفسه كتيار متميز ينعش الجانب الغائب الوحيد من المنبر التقدمي وهو الجانب الثقافي الذي عبره ندخل حتماً في الجانب السياسي.

الآن ما أقصده بالجانب الثقافي هو ليس الجانب التعليمي ( ما هذا .. من هو هذا .. كيف هو ذلك .. إلخ) وليس الجانب الأرشيفي ( الذكريات المجيدة التي تعاد كل سنة – والتي تصبح أحياناً مملة)، بل أعني حرفياً الجانب الفكري – النظري لكلمة الثقافة. كيف ستكون سيرورة هذه المسألة ؟ لا أدري (الندوات ؟.. الحلقات النقاشية ؟.. إلخ)، ولكن حتماً ستبدأ حالما نعترف بأزمة الجمعية (أو قل : إن الجمعية في أزمة)، وأزمة الأحزاب الشيوعية، وأزمة الماركسية .. وأن الطرق القديمة، أعني الطرق التنظيمية والقيادية القديمة التي اعتاد عليها القدامى لا تنفع لعصرنا ولا لزماننا الحالي. نحن لا نريد الذكريات المجيدة ( نعم سنتذكرها بشكل ما يسميه دريدا “تفكيكي”، ولا نريد الجانب التعليمي للأفكار الحزبية (أو الجمعية) الوطنية غير الماركسية ولا نريد بروبغاندا فارغة من أي معنى.

إذا لم تدرك القيادات الحاجة الملحة للتغيير (فسح المجال للشباب)، والحاجة الملحة لتبني أسلوب جديد للعمل (القائم على الفكر الماركسي)، والحاجة الملحة لتغيير النمط القديم في إدارة الأمور، وفوق كل هذا: الحاجة الشديدة في تغليب الماركسية الخلاقة على الماركسية الجامدة، وتعزيز الهوية الماركسية للتنظيم، فإذن المستقبل هو واضح جداً: هوة تنتظر أن تبتلعنا كلنا.

صحيح أن أزمة الماركسية وأزمة الشيوعيين هي نتاج لأزمة أعمق وأكبر، ولكن علينا ألا نتفاجئ إذا قلنا: إن أزمة الماركسية وأزمة الشيوعيين سببها الماركسيون والشيوعيون أساساً. من المهم جداً التخلي عن مبدأ إلقاء اللوم على العوامل الأخرى وعدم الوقوع في التقديس الفارغ للأمور، ونبدأ في النظر كيف نحن ساهمنا بشكل واضح لتعميق هذه الأزمة.

هل ستكون القيادات الحالية قادرة على إدراك تلك الحاجات الملحة ؟ هل ستكون هناك أية فرصة في أن تنتعش الماركسية في السنوات المظلمة “المظلمة جداً” القادمة ؟ لا أدري .. ولكن عليها، عليها، ذلك، أو إلا كلنا سنقفز قفزة عظمى إلى ما وصفه دانتي: “المكان الذي لا يضيء فيه شيئاً” .. إلى “الظلام الأبدي..”.