المنشور

مصير الأفلاطونية

ايبوليت دواين

الفلسفة علم حي يجدد نفسه

مصير الأفلاطونية

 

يشوب الفلسفة والتاريخ علاقة مبهمة، إذ ليس بالضرورة أن نرى الفلسفة من وجهة نظر تاريخية. قد تغرينا على سبيل المثال طريقة المؤرخين في تحليل تاريخ الفلسفة، فهم يرسلون كل فكر فلسفي إلى مدرسة معينة ويختصرونه  في إطار ضيق، غير قابلين بأي قاعدة استثنائية، إلا أن الفلسفة علم حيّ ولا يمكن تأطيره وفقاً لفترة زمنية معينة. تاريخ الفلسفة مؤلف من أفكار ما زالت تتناظر، وما يحدث، مع الأسف،  هو إخفاء للتحفة الفلسفية، بل وقبرها في تاريخ، من وجهة نظرهم، لن يعود. يظنون بأنهم، بهذه الطريقة، يتيحون فهماً واضحاً لتطور الفلسفة، متناسين روح تلك الأخيرة النابضة.

 

بإمكاننا إعادة تذكر تلك الروح الفلسفية إن رأينا تاريخ الفلسفة من خلال لوحة مدرسة أثينا للرسام الإيطالي رفائيلو سانزيو، الذي اختار أن يجعل فلاسفة روما القديمة موضوعاً لتحفته. نرى على ظهر اللوحة هؤلاء الفلاسفة يفكرون، ويتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم، ننظر ويتحول الجماد إلى حقيقة كما لو أننا معهم نشهد ما يفعلون. بإمكاننا إذاً استبدال نظرتنا التاريخية بنظرة فنية. هؤلاء الفلاسفة الذين هم في الأساس مختلفون، ويميز كل واحد منهم عن الآخر لون مختلف، يجتمعون في لوحة واحدة. هذا الحديث اللانهائي بين هؤلاء الحكماء يلفت نظرنا إلى زاوية أخرى من زوايا الفلسفة التي تصبح حاضرة جداً إن فصلناها عن التاريخ.

 

في كتاب “ما هي فلسفة روما القديمة؟ “يتحدث  الفرنسي بيير هادو عن الأفلاطونية، نرى الفيلسوف يصر على لازمة متكررة لدى فكر روما القديم، و هي رؤية الفلسفة كتمرين وممارسة يهدفان إلى تغيير الذات. تحدثنا في البداية عن لوحة مدرسة أثينا،  حيث يتناقش الفلاسفة وهذا ليس بصدفة و ليس بغريب، إذ أن هذا التواصل هو من أسس الأفلاطونية. هذا التواصل هو ما أطلق عليه: الجدلية. بيير هادو يشير إلى أن الجدلية جهد مشترك، بعيد كل البعد عن حرب أنانية، ويضيف بأن الجدلية زهد، وولادة لروح تهدف إلى إيضاح الرؤية. جدلية أفلاطون ليست بجدلية هيغل لأن جدلية أفلاطون تحتمل الاختلاف في صدد حركة فكرية واحدة على عكس جدلية هيغل.

 

من الصعب جداً الإسهاب في شرح الأفلاطونية لعمقها، لكننا نستطيع قول التالي: الأفلاطونية تعتمد في حركتها الأولى على دحض الواقع السطحي والفوضوي، المفروض على الإنسان، في سبيل واقعٍ حقيقي، وأكثر عمقاً، يرد على الغرائز الأساسية للإنسان. العالم كما نراه بأعيننا هو عالم حكمه غياب المعنى، إذ أصبح الإنسان في خدمة الآلة وفي صراع بين ميوله وهدفه في الحياة وبين عدم مقدرته على فعل ذلك.

 

هنا تأتي أهمية الأفلاطونية في تحويلها الفلسفة إلى تمرين حضور المعنى في كل شيء نفعله. من هذا المنطلق، اختار أفلاطون أن يولي الحب مكاناً رئيسياً في فلسفة المعنى لديه. الحب من وجهة نظر أفلاطون يفرض حضوراً ملموساً وفورياً للحبيبة، ويعكس إمكانية إيجاد هذا الحضور على الصعيد الالهي. إن كان الحبيب يشعر بحضور الحبيبة، فإنه يستطيع الشعور أيضاً بحضور الإله. لا يجب علينا أن نحلل ذلك على انه محض ارضاء أناني لحاجة ورغبة إنسانية، بل على انه تحول جذري لعلاقة الانسان بالكون؛ أعين أفلاطون ترى الحب مرشداً لوجودية أكثر حرية وعمقاً من الوجودية الاجتماعية، إذاً، الحب يرتبط بالمعنى الكبير ب: الحرية.

 

تعوَّدنا القول بأن الفلسفة الأفلاطونية مبهمة، غير واضحة وتجريدية، بل وأنها ترفض العالم الملموس، مفضلة الميتافيزيقا. نيتشه بالذات، كان أكثر من انتقد أفلاطون في فلسفته، إلا أن الدراسة المعمقة لفكر أفلاطون ترينا بأن هذا الأخير لا يرفض العالم الحسي. أفلاطون لا ينتقد غير الرغبات المادية العابرة، والسريعة الزوال، هذا التجوال العبثي بين : “أريد و لم أعد أريد”. أفلاطون يقوض هذه الرغبات الحسية، داعياً الى حسٍ أكثر شفافية وحرية، لا يؤذي صاحبه، ولا يخضع لعيوب هذا الكون.

 

نستطيع استيعاب أفلاطون من هذا المنظور. ورثة الأفلاطونية من الفلاسفة انطلقوا من أهمية فلسفة أفلاطون في دراساتهم. الأفلاطونية لم تتوقف عند محطة روما القديمة، بل أكملت طريقها لتزور باقي الحضارات، خارجة عن نطاق المؤرخ الذي كان يريد قبرها في الماضي، من أجل أن تعيش في قلب كل حضارة. بهذا الشكل، شهدنا إحياء الأفلاطونية الإنسانية في إيطاليا خلال القرن السادس العشر مع فلاسفة كبار مثل مارسيليو فيسينو وأنجلو بوليزيانو، كما شهدنا إحياء الأفلاطونية في الإسلام على يد شهاب الدين عمر السهروردي وشمس الدين الشهرزوري. ما الذي يجمع هؤلاء الفلاسفة المختلفين في الدين و الحضارة؟ قاسم الحس المشترك، رغبة التحرر من  عيوب هذا الكون، وقاسم الحب والشغف بالعلم الذي سبق لنا ذكرهم. فلاسفة كهؤلاء يستطيعون بفلسفتهم، مثل ما قال الفيلسوف الفرنسي بيير هادو،  أخذنا الى أصل الفلسفة: ذلك التمرين الذي يهدف إلى تحويل الذات إلى ما هو أحسن وأجدر قبل كل شيء.

 

عندما نقرأ كتاباً لفيسينو أو للسهروردي، نشعر بأن الإثنين يتحاوران كما في لوحة مدرسة أثينا، حاضران أمام أعيننا أثناء القراءة وكأنهما لم يرحلا.  لا تجمع بين الإثنين وحدة الدم وإنما مثالية مشتركة تتفوق على الإطار التاريخي الضيق، وتستطيع إحياء نفسها بذاتها، أفلاطونية حية مرتبطة بالوجود.