المنشور

البحـــــريــــني أولاً..!!

خليل يوسف

مبادرة أطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تستحق التأمل والتوقف عندها، في المعنى والدلالة، المبادرة أطلقتها «مجموعة من أبناء البحرين» والهدف منها «دعم أفضلية اختيار البحريني أولاً»، وتبنت بالتعاون مع جمعية الاجتماعيين منتدى حواريا في 7 مايو المقبل عنوانه «آفاق وفرص تفضيل البحريني في سوق العمل»..!!

«البحريني أولاً».. لعلها المبادرة الأهلية الأولى من نوعها، وبصرف النظر عما ستؤول اليه، الا ان ما يهمنا هو استحضار ما هو معلوم ومعروف من مشاريع بحرنة وخطط واستراتيجيات أطلقت على مدى سنوات طويلة، تكدست بعضها فوق بعض، وكلها بحسب المعلن تهدف الى «جعل البحريني الخيار الاستراتيجي، والخيار الاول في التوظيف»، وتحت هذا العنوان انهمك العديد من المسؤولين بالشعارات، وبالترداد الممل لكلام متسم بالارتجال وأيضاً بالارتحال عن هموم من يتطلعون الى ان يكونوا فعلاً الخيار الاستراتيجي الذي لا بد منه ولا غنى عنه في سوق العمل..!!

يمكن ان نسترسل في التذكير مجدداً ببعض المشاريع والخطط والبرامج والسياسات التي أعلنها مصممة لهدف البحرنة، يمكن ان نبدأ بقرار وزير العمل رقم 7 لسنة 1996 بشأن تحديد نسب العمالة البحرينية في مؤسسات وشركات القطاع الخاص، ثم بالمشروع الذي طرح في عام 1971 وعنوانه «بحرنة الوظائف»، وقيل بانه جاء في ظل التزايد السنوي في اعداد الخريجين والباحثين عن عمل، وأعلن بانه «يركز على التخطيط المستقبلي لمعرفة الاحتياجات المستقبلية من القوى العاملة من حيث الحجم والنوع والقطاع والعمل على اعدادالمناهج التربوية والتدريبية من خلال المدارس والمعاهد والجامعات، مروراً بما اعتبره وزير العمل اول خطة واضحة لإعادة هيكلة سوق العمل وإصلاح الاقتصاد بالاضافة الى إصلاح قطاعي التعليم والتدريب»، أعلن عنها فى عام 2004 وقيل بأنها خطة هدفها تحريك عجلة الاقتصاد وجعله نشطاً وأكثر خلقاً للثروة، وأكثر قدرة على توفير فرص العمل لعمالة وطنية مرتفعة الأجر وعالية المهارة، وهو المشروع الذي عرف بمشروع ماكينزي نسبة الى الشركة التي كلفت بإعداده وبميزانية ضخمة، ويحسب لهذا المشروع انه عرض لمناقشة وطنية عامة شارك فيها أطراف العمل الثلاثة، غرفة التجارة واتحاد النقابات ووزارة العمل، اضافة الى العديد من مؤسسات المجتمع المدني، تلا ذلك وبعد عامين وتحديداً في عام 2006 تم إطلاق ما عرف بالمشروع الوطنى للتوظيف استهدف تأهيل 10 آلاف باحث عن عمل وتوفير فرص عمل مناسبة للمواطنين، وعلاوة على ذلك في نفس العام جرى إطلاق المرصد الوطني كمشروع استراتيجي، وقيل ان البحرين ستجني ثمار هذا المشروع على المدى البعيد، كما قيل بان المشروع سوف يسهم في ضبط إيقاع سوق العمل، ومكمل لحلقات البنية التحتية والمبادرات اللازمة لإصلاح سوق العمل..

وتوالت مشاريع البحرنة، مشروع دعم اجور العمالة الوطنية الوطنية، مشروع المعايير المهنية الوطنية، ومشروع فرض نسب لتأهيل توظيف الخريجين الجامعيين، ومشروع فرض نسبة بحرنة على شركات القطاع الخاص، والحبل على الجرار، وكل تلك المشاريع عزفت كثيراً على وتر «البحرنة»، وهى إما ذهبت ادراج الرياح، او كان وجودها كعدمه، والأسوأ حين يستشعر المرء بان منها مشاريع تكاد تفرغ معنى البحرنة من مضمونه، او هي أفرغته وانتهى الأمر بعد ان بات سوق العمل في البحرين يمر بمرحلة مفصلية، ويعاني من مشكلات هيكلية مربكة تراكمت طيلة سنوات مضت دون تصدٍ للأسباب في الوقت المناسب، وبالتالي دون معالجات حصيفة يعتد بها، ودون متابعات دورية يفترض ان تكون من اهم سمات المراجعة والتقويم والمتابعة، وها نحن نشهد وزير العمل يعلن عن حزمة مشروعات مرتقبة لإصلاح سوق العمل (الصحف المحلية 22 مارس 2017)، وقبل ذلك شهدنا قرارات تشرعن وجود العمالة السائبة طالما يدفع كل عامل رسوماً مقررة، او تفتح الباب لجلب المزيد من العمالة الوافدة كقرار البحرنة الموازي الذي يسمح لأصحاب الأعمال دفع مبالغ مالية من اجل السماح لهم بتجاوز نسبة البحرنة المقررة وزيادة حصتهم من العمالة غير البحرينية، وقبل ذلك مشروع «الموظفة الرديف» الذي اعتمدت فكرته على إيجاد مساعد بحريني لبعض المهن لمدة سنتين لإحلالهم محل العمال الوافدين..

اللافت في المشهد كله أمور عدة، أولها ان المنهجيات والمشاريع التي استهدفت البحرنة لم تخضع من قبل اي جهة محايدة للمراجعة والتقييم، ولم يجر نقاش عام حول ماذا حققت برامج الإحلال والبحرنة وأين أوجه الإخفاق والنجاح فيها، وهل سارت بعكس أهدافها أم لا، ولماذا لم يصبح البحريني الخيار الأفضل في التوظيف..؟، اللافت ثانياً استمرار نمو العمالة الأجنبية اكبر من العمالة المحلية (595 الف عامل اجنبي فى البحرين حتى الربع الثاني من 2016 بحسب بيانات وزارة العمل)، وذلك دون اهتمام او بحث بالنظر في انعكاس ذلك على التركيبة السكانية والتبعات الاقتصادية والاجتماعية، واللافت ثالثاً تحول مشاريع البحرنة من خطط تنموية الى خطابات سياسية مع استمرار محاولات تنميط اتهامات العامل البحريني بانه غير منتج وغير مؤهل واتكالي، واللافت ثالثاً استمرار المتاجرة في تأشيرات العمل، يكفي ان نتمعن في تصريح لرئيس جمعية المقاولين البحرينية الذي كشف فيه عن وجود 7000 سجل مقاولات في البحرين، 600 منها فقط سجلات فعلية، والسبب ان هناك من يبيع السجلات ويتاجر في التأشيرات، وان التأشيرة الواحدة تصل الى 1700 دينار..!! («الأيام» 19 فبراير 2017)، وهو تصريح نعتبر كل ما جاء فيه صحيحاً طالما لم يقابل حتى اليوم بنفي او توضح من اي جهة كانت، وللعلم والإحاطة فان لجنة التحقيق البرلمانية في العمالة السائبة توصلت الى «غياب جهة موحدة مختصة بملف العمالة السائبة، وان هناك تقاذفًا في المسؤوليات بين الجهات المعنية بشأن اعداد هذه العمالة، علاوة على قصور في مواجهة هذه المشكلة وعدم التعاون بين هذه الجهات لمواجهة وحل المشكلة»..!!، والغريب ان كل التناولات لهذه المشكلة لم تتطرق لا من قريب او بعيد الى اي مسؤولية او اجراء تجاه من استقدموا هذه العمالة وتاجروا بها ومازالوا..!!

نعود الى موضوع المبادرة، لعلها في ضوء مجمل المعطيات المتعلقة بواقع سوق العمل وتعقيداته وتشابك مصالح بعض الأطراف التي يهمها استمرار هذا الواقع، نقول لعلها تعبر عن وعي بالتراجعات الحاصلة في سياسات التوظيف والبحرنة، والقناعة بان هذه السياسات سارت بالفعل بعكس أهدافها، والحاجة الى منهجية جديدة في تحقيق هدف البحرنة، ولا اعلم ما اذا أمكن ان تكون هذه المبادرة قادرة على إعادة شيء من الاعتبار للبحرنة وما نال من الصدقية فيها، وان ننسى فإننا لا ننسى اعتراف رئيس مجلس إدارة تمكين الذي اعترف في ابريل 2015 بان البحرنة فشلت وهي تتناقض مع مبدأ الحرية الاقتصادية، كما لا ننسى موقف مجلس الشورى حين دعا الى عدم إعطاء أفضلية للعامل البحرين مع العامل الأجنبي حتى وان تساويا في الكفاءة، هل تذكرون..؟!!

البحرنة يبدو انها هدف مفترى عليه، ولكن لا بديل عن «بحرنة» مختلفة، تكون بالفعل بحرنة، هل هذا ممكن الان..؟ اخشى ان هذا أمر مشكوك فيه حتى تاريخه على الأقل..!!