المنشور

الوطن والطائفية

جلال إبراهيم

الوطن هو نقيض الطائفية، فعندما يسود النظام الطائفي يغيب الوطن وعندما يفرض هذا –الوطن- نفسه تتوارى الطائفية”1

الوطن لا يحتمل ولا يطيق منافسة الطائفة له على السيادة إذ في هذا ضياعه المحقق، أما الطائفة فهي حين تحل محل الوطن وتحتويه فإنها تضفي صفاتها وخصائصها وولاءاتها عليه، إنها تنفيه إلى العدم لتشيد عدمها الخاص مكانه في هيئة حروب تدميرية عقيمة.

يشير الكاتب العراقي علاء اللامي إلى أنه لا مجال “لأية حلول تلفيقية تخترع توازيات وهمية وبدائل ذات مسميات محايدة تلفلف بها جوهرها الايديولوجي الرجعي، كأن يسمي الطائفي نفسه إسلاميا، أو أن يدعو تنويري مزيف إلى سيادة (العدالة والحق) وإلى إزالة التمييز الطائفي ولكنه يرفض البديل الديمقراطي في نفس الوقت”2.

يغيب الوطن تاريخيا وحضاريا حين تجتاحه قوة غازية فتحتله وتلغي حضوره، أو أن تسيطر عصابة من الناس على المؤسسات القمعية ومصادر الثروة في دولة ما فتلتغي سيادة الوطن لصالح سيادة العصابة، أو أن تستثمر قوة سياسية طائفية منظمة ومسلحة وضع تاريخي لبلد ما فتدخل في في صراع شامل وإبادي مع جميع المكونات التاريخية للوطن، حرثا ونسلا ومؤسسات، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

في عالمنا العربي تحديدا ذهب نتيجة الصراعات والحروب الطائفية آلاف الضحايا، في العراق ولبنان على سبيل المثال لا الحصر. والسبب هو اختيار الفرقاء في الوطن الواحد تقديم المصالح الخاصة على حساب مصلحة الوطن. أي عندما غابت الحقوق والمواطنة وسادت الأنانية والطائفية.

أصبحت الطائفية ما بعد الدولة الحديثة سلوك سياسي يقحم اختلافات النسيج الاجتماعي في الميدان السياسي مخترقا بذلك معنى المواطنة في دولة القانون والحريات والمساواة، التي لا فرق فيها بين أحد وأحد. لذلك ليس المشكل أو الخطر في الانتماء للمذهب الديني وممارسة الطقوس الدينية، بل الخطر حين يصبح الانتماء المذهبي يعمل لتسخير الدولة من أجل مصالح طائفية خاصة.

الدولة الطائفية نقيضة للدولة الحديثة، الأولى تقوم على أساس المحاصصة الطائفية والولاء المذهبي والانتماء القبلي والعصبية المناطقية والعرقية وسواها. أما الثانية فتقوم على الحقوق والواجبات والحريات والمساواة. على احتواء التعدديات وحفظ حقوقها بما يشمل ذلك من حق المذهب الديني في ممارسة شعائره التعبدية داخل الدولة. بينما الطائفية تلغي مفهوم الشعب الواحد، وتجعل الدولة مسخرة من أجل حماية الطائفة وقمع الطوائف الأخرى.

عندما تخفق الدولة في إيجاد هوية وطنية مشتركة تجعل للشعب الواحد مفهوما راسخا في نفوس المواطنين، سيعود أبناء الوطن الواحد إلى التشكيلات الفئوية الصغيرة، سيكون الانتماء والهوية السياسية مرتبطة بالمذهب الديني والانتماء القبلي والعصبية المناطقية والعرقية وسواها.

في العالم العربي لم ترتقِ أي دولة عربية لتكون دولة حديثة بالفعل، فقد ظلّت المعوقات السياسية الداخلية قبل الخارجية حجر عثرة أمام التحول لدولة الحقوق والحريات والعدالة والمساواة ودولة المؤسسات المدنية. بل الأفدح من ذلك، اعتاشت الأنظمة العربية على التقسيمات الطائفية عقودا عديدة، واستفادت من التقسيمات الفئوية للمجتمعات لكي تفرض سيطرتها على المال والأمن والاقتصاد، بل وحتى أصبحت هي السلطة ذات المشروعية التي تلجأ إليها فئات المجتمع المتصارعة.

وعندما اندلعت ثورات الربيع العربي في مطلع العام 2011 في أكثر من بلد عربي، قامت الحكومات العربية بقمعها بشراسة واستغلت التأجيج الطائفي والتخوين لطرف ما داخل الدولة، داعمة نفسها بوسائلها الإعلامية، وبالطبع تاركة لأجهزة الدولة الأمنية العنان لتتصرف بكل بشاعة ضد المحتجين

ومن اللافت الاصطفاف الطائفي (السني/الشيعي) على مستوى الدول العربية من ثورات الربيع العربي، لذلك ليس من المستغرب أن تعتبر مؤسسة أو جماعة أو دولة عربية – على سبيل المثال-ما يحدث في سوريا ثورة تقدمية ضد نظام حاكم مستبد، وفي المقابل تعتبر ما يحدث في تونس أو مصر خروج على الدولة والشرعية وعمل إرهابي منظم مدعوم من قوى خارجية.

إخفاق الدولة في إيجاد الهوية الجامعة، وقمع الدولة لأشكال من مؤسسات المجتمع المدني، وانحياز الدولة لطيف مذهبي دون آخر؛ يُوجِد حينها القابلية للسلوك الطائفي عند جميع الأطراف، بما فيها أطياف المعارضة المهمّشة من قِبل السلطة. فعندما تقوم أي حركة احتجاج داخل الدولة، ثم يستخدم النظام لُغة التخوين ولغة الانتصار للطائفة، فإن الاستجابة ستكون سريعة لدى كل الطرفين. المعارضة ستتخذ لها شكلًا طائفيا، في الوقت الذي تنحاز فيه الطائفة الأخرى لما يقوله النظام.

 

الطائفية والاستبداد هما  معضلتي الدول العربية. والطائفية هي السلاح الفتاك الذي يهدد البلدان العربية، ولا سبيل للتغلب على هذا السلاح الفتاك والقضاء عليه إلا بإحلال الدولة المدنية الديمقراطية(العلمانية) التي تحتوي في إطارها جميع الأطياف الدينية والمذهبية والعرقية كقوس قزح جميل يغطي كل مساحات الوطن وبالتالي يساعد على توفير الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ليرتقي الوطن إلى أعلى المستويات إقليميا ودوليا .

 

1- أستاذ التاريخ المصري يونان لبيب .

2- الظاهرة الطائفية في العالم العربي، علاء اللامي