المنشور

محاولة للفهم.. مجرد أسئلة..!!

خليل يوسف

ليس مضمونًا ان يحصل المواطن على أجوبة شافية على جملة الأسئلة وعلامات التعجب المثارة في شأن الميزانية العامة للدولة لعامي 2017-2018، فقد تعود المواطن على عدم حصوله على اجوبة لا في شأن الميزانية ولا في غيرها، لا شافية، ولا مبهمة، ولا مراوغة، ولا تلك التي لا تعني شيئًا، او تلك التي تصنف بأنها لا تشفي الغليل، وبافتراض تكرم احدهم بالإجابة على اي من الأسئلة المطروحة فلن يكون مستغربًا ان تكون هذه الإجابة من النوع الذي لا نستطيع بلعها، او لنقل انها تحتاج الى “اعادة هيكلة”..!

المواطن سيظل بخصوص الميزانية الجديدة تحديدًا يطرح أسئلة، وهو في الوقت ذاته يتابع ويلتقط ويستذكر الأسئلة التي انطلق عنانها وباتت تغمر واقعه وتزايد معدل طرحها خلال الأيام الماضية، أسئلة من كل حدب وصوب من اقتصاديين ومحللين واصحاب اعمال ومن نواب وشوريين وغيرهم، القاسم المشترك في معنى كل هذه الأسئلة هو ان ثمة حالة من الغموض وعدم الشفافية في الكثير من الجوانب ذات الصلة بوضع الميزانية، وغياب الرؤية الواضحة لما ستفرضه مقتضيات هذا الوضع خاصة في ظل تصريحات لبعض المسؤولين بدت وكأنها تريد إقناع الناس بالكيفية التي ينبغي ان يفهموا بها وضع الميزانية، وما ينبغي ان يعتقدوا به في هذا التوقيت من ضرورات وتضحيات لشد الأحزمة، هي أسئلة تتزاحم، نسردها في سياق محاولة للفهم، قد تكون اكثر فائدة من الأجوبة، وهذا أمر في حد ذاته يستحق قسطًا من التأمل الجدي.. وأرجو المعذرة فليس أمامي الآن سوى طرح عينة من الأسئلة المثارة بلا حساب والتي لن ينقطع تدفقها حتى مع اي اجابات مرتقبة على اي منها من قبل اي وزير تحت قبة السلطة التشريعية. وحتى هذه الإجابات المحتملة نكاد نجزم بأنها لن توقف مسيرة تدفق الأسئلة، فلنبدأ..

  • الميزانية هي قاطرة الاقتصاد.. هل جرى التمعن الى أين تقود الاقتصاد وأوضاع الناس..؟ ولماذا يظل التركيز على أهداف قصيرة المدى مقابل التغافل عن فقدان الميزانية لوظيفتها كأداة تخطيطية في تنفيذ برامج الحكومة لتصبح ميزانية الأمر الواقع، طالما ان النفقات الجارية تمثل ‎%‎81 والدَّين العام يهدد آفاق النمو الاقتصادي والذى سيبلغ بنهاية العام الجاري نحو 8.95 مليار دينار، اي نحو ‎%‎74 من الناتج المحلي الاجمالي وبكلفة باهظة تفوق معدلات النمو الحقيقية نفسها، والسؤال ما هي طبيعة او ملامح الاستراتيجية متوسطة المدى التي أعلن عنها وزير المالية «للتحكم في نمو مستويات الدَّين العام والحد من نمو الاعتمادات المخصصة لسداد الفوائد المترتبة على ارصدة الدين العام»، وللإحاطة فإن الحديث عن الدَّين العام يعني حديثًا عن المستقبل، عن ثقة المستثمرين في بيئة الاعمال والاستثمار، والتصنيف الائتماني للبحرين..؟
  • أين هي البدائل والمعالجات التي يفترض انها درست بعناية لمواجهة الخلل المزمن في الميزانية وفق سياسة مالية شفافة تبين لنا أيضا ما تحقق وما لم يتحقق من البرنامج الحكومة المدرجة او المخطط لها في الميزانية السابقة..؟
  • انخفاض إيرادات الدولة خلال السنوات العشر الماضية بنسبة ‎%‎7 مقابل ارتفاع المصروفات بنسبة ‎%‎94، يقود الى السؤال.. ماذا حققت الخطوات والتدابير الحاسمة التي أعلن عنها منذ سنوات لتنويع الإيرادات وتحقيق الانضباط المالي..؟ وما مدى انعكاس ايرادات جميع الرسوم والغرامات في الفترة الماضية في الميزانية الجديدة منها غرامات المخالفات المرورية وفرض بعض الرسوم على السجلات التجارية والمناطق الصناعية والمرافق السياحية، وعلى خدمات البلدية والكهرباء والماء، وغير ذلك من الرسوم التي فرضت منذ رفع شعار التقشف وضبط النفقات..؟ وما هي خطط الحكومة لمواجهة انخفاض أسعار النفط لما هو مقدر له في فترة الميزانية وهو 55 دولارًا للبرميل، في حين يتعين لتحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات متوسط سعر عد مستوى 119 دولارًا خلال السنة المالية 2017 و114 دولارًا خلال عام 2018 بحسب ما أعلن وزير المالية، علما بأن هناك مخاوف وتحذيرات مثارة حول توقعات مستقبيلة رهيبة لمسار سعر النفط عالميًا، وان الاتجاه المؤكد بحسب بعض المحللين والدوائر يسير نحو 40 دولارًا للبرميل في المستقبل القريب..؟
  • لماذا الإصرار على عدم إدخال كافة الإيرادات الحكومية الى الميزانية العامة للدولة، بما فيها نحو 17 هيئة ومؤسسة حكومية، اضافة الى شركة ممتلكات القابضة وما يقع تحت مظلتها من نحو 48 شركة..؟ وما هو الأساس القانوني لاستمرار ضخ أموال إضافية في ميزانية طيران الخليج المملوكة بالكامل لـ «ممتلكات» التي لا تضخ شيئا في الميزانية..؟ والى متى يستمر هذا الدعم؟ وما نتائج صرف الملايين من الدنانير التي صرفت كدعم للشركة طيلة السنوات الماضية..؟
  • هل يمكن أن يكون ضبط الإنفاق على حساب المواطن «مهدود الدخل» مهما كانت التطمينات..؟. وماذا يمكن ان يفهم من تصريحات بعض المسؤولين حول الميزانية التي تكررت في اكثر مناسبة، الأهم فيها تلك الإشارة الى دعم المواطنين الأكثر استحقاقًا، ألا يعني هذا ان هناك معايير جديدة ستوضع لاستحقاق المواطنين لمخصصات العلاوات الاجتماعية، وعلاوات المتقاعدين، والغلاء والإيجار والسكن، وستكون شريحة من المستحقين عرضة للخروج قسرًا من قائمة المستحقين، الى جانب المتقاعدين منهم الذين سيكونون عرضة لخطر تقليص مزايا التقاعد..؟
  • انخفاض المساعدات والمعونات بواقع ‎%‎12 عن الميزانية السابقة.. ألا يعد مؤشرًا على ان ثمة مساس قد يصيب مستوى معيشة الفئات الضعيفة في المجتمع، ثم الى اي مدى هي حصافة ومشروعية التصرف في أموال احتياطي الأجيال القادمة، والمساس بصندوق التعطل لدعم الميزانية او المس بأي صورة كانت بمزايا ومكتسبات المتقاعدين، وهنا سؤال على الهامش: الى متى يغيب التمثيل العمالي في مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي؟
  • هل سيكون يا تُرى تصريح رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس النواب المنشور قبل ايام والتصريحات التي نشرت والتي تبشرنا بخيارات بديلة تتجنب انتقاص دعم المواطن، وبانه «لا صحة لأي كلام أو حديث بشأن المساس بالرواتب الاساسية والزيادات السنوية المقررة للموظفين والمتقاعدين في مشروع الميزانية»، هل ستكون هذه التصريحات كافية لطمأنة الناس وسط حالة من الغموض والتصريحات المتضاربة وعدم الشفافية خاصة في ظل من يبشرهم بأن في الطريق رسومًا على بعض الخدمات الحكومية وخصخصة بعضها وضرائب ستفرض..؟!
  • تشجيع القطاع الخاص، والشراكة مع القطاع الخاص.. هل هناك صورة واضحة في هذا الشأن، منذ نحو 30 عامًا والعزف على هذا الوتر مستمر دون معرفة وطبيعة هذا التشجيع، وشكاوى تطرح من منتسبين لهذا القطاع، راجعوا ما دار وما نشر في ندوة «انعكاسات الميزانية العامة على الاقتصاد» التي نظمتها الغرفة التجارية مؤخرًا، يكفي ما أشير وبالنص الى «معاناة القطاع الخاص من ازدواجية القرارات وتعدد الجهات التي تضع السياسات الاقتصادية والخطط التي تعد كردة فعل متخبطة فاقمت العجز وأوصلت الدَّين العام الى مستوى يصعب سداده إلا بالقروض وبالتالي جعل من المشكلة “كرة ثلج”..!!
  • هل تم وضع الإجراءات الكفيلة بوقف كل أوجه الهدر والتجاوزات والفساد، وهل تم محاسبة المعنيين في الأجهزة والجهات التي سجل عليها ديوان الرقابة المالية والإدارية مخالفات متكررة..؟!

تلك عينة ليس إلا من جملة الأسئلة التي لا نهاية لها والمثارة على وقع الميزانية العامة وأحسب انها معبرة عن حالة التوجس والقلق مما ستؤول اليه أحوال الاقتصاد والناس وأوضاعهم المعيشية، وكل يوم تزداد قائمة الأسئلة التي هي في حقيقة الأمر دليل على غياب الشفافية، ولعل أبرز مثال على ذلك انه لم يظهر ولا مسؤول حكومي واحد يفسر ويوضح ماهية السياسة المالية والاقتصادية ويشرح ماذا يعنـــي انه سيتم توفير الخدمات الرئيسية ذات الأولوية للمواطنـــين، الى جـــانب شرح طبيعة التوجهات التي تفرض نفسها والتي يفـــترض ان تخضــع لحوار مجتمعي، وليس الاكتفاء بتصريحات مكـــتوبة وجــاهزة توزع على الصحف او ترد على النواب، المؤسف حــقًا ان نجد انشغال المسؤولين بالوســائل دون اهتمام مماثل بالغايـات والنتائج المستهدفة، لذا ليس غريبا حصر المعالجــات في مجــرد الاقتراض من الداخل والخارج والجبايـة من الــداخل..!!