المنشور

قراءة في واقع الحركة النقابية البحرينية (16)

إبراهيم القصاب

بعد تصاعد الخلافات في الساحة النقابية كما أوضحنا في الحلقات السابقة، بسبب الخروقات للنظام الأساسي التي ارتكبتها الأمانة العامة لضمان الهيمنة على هياكل الاتحاد العام للنقابات، وما استتبعه من تقديم استقالات العرادي والقصاب، وبروز ظاهرة الاتهامات المتبادلة بين مختلف الاتجاهات النقابية، وانتشارها على صفحات الجرائد، ودخول اللجان العمالية التابعة للجمعيات السياسية والمهتمين بالشأن العمالي والنقابي في الصراع القائم، بدأت الحوارات الجانبية بين الكوادر النقابية في تجمع النقابيين الديمقراطيين وبعض المهتمين بالشأن النقابي بالتحاور مع القيادات في الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين لغرض تهدئة الأمور وحصر الخلافات بين النقابيين وفي إطار الهياكل النقابية في الاتحاد العام النقابي.

وفعلا بدأت الأمور تتجه للتهدئة وتتقلص تدريجيا مساحة النشر في الصحافة وتنحصر الحوارات والمناقشات بين النقابيين في الاجتماعات النقابية سواء على مستوى النقابات أو تجمع النقابيين أو في اللقاءات التي تضم نقابيين وأعضاء من الأمانة العامة أو في اللقاءات الجانبية بين الأمين العام وبعض الكوادر النقابية خارج إطار الأمانة العامة للاتحاد، وبعد انعقاد المجلس المركزي بدأت تنحسر تدريجيا ظاهرة تناول الخلافات النقابية في الصحافة المحلية، وتنحصر في إطار المجلس المركزي.

ظاهرة الانقلابات البيضاء في بعض النقابات العمالية

لم يمض على عملية التهدئة سوى بضعة أسابيع حتى برزت ظاهرة الانقلابات البيضاء في عدة نقابات عمالية، ونقصد بها موجة تدوير المناصب في بعض مجالس إدارة النقابات العمالية، وكانت تستهدف تغيير المسؤلية النقابية خاصة منصب الرئيس ونائب الرئيس وقد حدث ذلك في كل من نقابة الصحة ونقابة الأشغال والإسكان ونقابة طيران الخليج وكان مدرج في القائمة نقابات أخرى.

والغريب في الأمر أن تلك الانقلابات كانت تجري لغرض تغيير الهيكل التنظيمي للنقابات والإتيان بعناصر جديدة قد لا تكون مؤهلة لقيادة العمل النقابي، مما يكشف عن عملية منظمة ومخطط لها من قبل جهات تستدهف استكمال الهيمنة على باقي النقابات العمالية من قبل الكتلة المهيمة على الأمانة العامة وضمان وصول مندوب محسوب عليها للحصول على الأغلبية في المجلس المركزي المزمع انعقاده. وهو ما يفسر التلكؤ والتباطؤ في عقد اجتماع المجلس المركزي المخطط له أن لا ينعقد إلا بعد استكمال فرض الهيمنة المطلقة على أغلبية النقابات العمالية وبالتالي الاستحواذ على المجلس المركزي وامتلاك قراراته بما يخدم توجهات الكتلة المهيمنة على الأمانة العامة لاتحاد النقابات.

حول هذه الأحداث جاء في بيان تجمع النقابيين الديمقراطيين الصادر بتاريخ 7 إبريل 2004م:

“يحذر تجمع النقابيين الديمقراطيين من خطورة مما يجري لبعض النقابات من محاولات لقلب موازين القوى داخل قياداتها لصالح بعض الأطراف السياسية التي تطمح إلى بسط نفوذها على مجمل الحركة النقابية بعد أن نجحت في فرض هيمنتها على أمانة الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين. فما حدث لنقابة الصحة ولنقابة الأشغال والاسكان وما يجري حاليا لنقابة طيران الخليج هي محاولات لإجراء انقلاب داخل مجالس إداراتها لمصلحة القوى المهيمنة على الاتحاد العام في خطوة للاستحواذ على المجلس المركزي المزمع انعقاده وضمان تمرير كل التجاوزات الدستورية التي قامت بها الأمانة العامة وما يمكن أن تمرره في المستقبل لفرض توجهات الكتلة السياسية المهيمنة على الاتحاد.”

“أن ما جرى في نقابة الأشغال والإسكان ويحدث في نقابة طيران الخليج حاليا من تدوير للمناصب داخل مجالس إداراتها وبآلية الإقصاء لا يخدم الحركة النقابية والعمالية ويؤدي إلى تعميق الخلافات وبالتالي شرخ الحركة النقابية الذي لن يستفيد منه سوى الأطراف والجهات ذات المصلحة في تفكيكها وإضعافها.”

الاحتكام لإدارات الشركات لفض المنازعات النقابية – طيران الخليج مثالا

 

لم تتوقف هذه الانقلابات البيضاء عند هذا الحد بل تعداه إلى درجة أن يتم الاحتكام إلى إدارات بعض الشركات لحسمها كما حدث لنقابة طيران الخليج، فقد جاء في بيان لتجمع النقابيين الديمقراطيين صادر في 4 يونيو 2004م:

“أن تفاقم المنازعات بين النقابيين في بعض النقابات العمالية بسبب بروز أصابع خفية لبعض الأطراف السياسية في محاولة للهيمنة على القرار النقابي يثير القلق حول مصير الحركة النقابية وهي في بداية تكوينها لدي الرأي العام العمالي والنقابي، ويؤدي إلى خلق البلبلة في أوساط النقابيين وإلى خيبة أمل العمال وفقدان الثقة بالحركة النقابية. وما يزيد من هذا القلق هو موقف الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال البحرين من هذه المنازعات والخلافات وتدخلها الصريح لتغليب طرف على طرف آخر، كما حدث في قضية طيران الخليج عندما بعثت الأمانة العامة رسالة إلى إدارة شركة طيران الخليج تطالبها بالاعتراف والتعامل مع أحد الأطراف المتنازعة في مجلس إدارة نقابة طيران الخليج دون الأخرى في حين لا زالت القضية في المحاكم ولم تحسم بعد لأي طرف من الأطراف.”

ويستطرد البيان مؤكدا على “أن ما يجري على الساحة النقابية من خلافات ونزاعات وصل بعضها إلى القضاء وربما يصل غيرها أيضا وبروز كتل نقابية بين الحين والآخر تعلن عن عدم ثقتها بالاتحاد العام للنقابات وتدعو إلى التعددية أو عقد مؤتمر عمالي لوضع حد للصراعات الحاصلة في الحركة النقابية وتصحيح المسار الخاطئ لها، هو نتيجة حتمية لكل الملابسات التي صاحبت التحضيرات لعقد المؤتمر التأسيسي وما جرى أثناء انعقاده من تدخل فج من قبل بعض الأطراف السياسية للاستحواذ على قيادة الاتحاد الوليد ومصادرة قراره النقابي وإقصاء كل معارض وهو ما حذر منه تجمع النقابيين الديمقراطيين في كل بياناته.”

تفاقم الخلافات النقابية وبروز دعوات لتشكيل كيانات نقابية أخرى

ونتيجة لهذه الأحداث بدأت تظهر دعوات للخروج من الاتحاد العام وتشكيل اتحاد آخر، كما بدأت بعض الأصوات في تجمع النقابيين الديمقراطيين تعيد طرح فكرة التعددية وتدعوا لها، وحول هذا الموضوع وتحت عنوان “تشكيل كيان ثان لـ اتحاد النقابات” نشرت الوسط في عددها 799 الصادر في 13 نوفمبر 2004م الخبر التالي بقلم هاني الفردان:

“خلص المشاركون في الندوة التي نظمتها حديثاً نقابة العاملين في شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) إلى تشكيل لجنة تنسيقية بين عدد من النقابات العمالية ككيان معارض ثان للآليات التي تتخذها الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال البحرين بعد كيان التجمع الديمقراطي النقابي والذي تشكل من قبل عدد من النقابيين على إثر خلافات مع الاتحاد في بعض الأمور النقابية، ومن أهمها الاشتراكات المالية التي تدفعها النقابات للاتحاد.

وقال رئيس نقابة «ألبا» إبراهيم الدمستاني: «إن هذه اللجنة جاءت لمناقشة الوضع النقابي من خلال إقامة فعاليات وندوات تسعى إلى تلمس جروح العمل النقابي في المملكة من تهميش حكومي وغياب التعاون بين إدارات الشركات والنقابات العمالية فيها، وتخبط الأمانة العامة في الكثير من القرارات، من دون الخروج عن صف الاتحاد، وعلى ألا يعتبر انشقاقاً عنه، إنما هي حركة تصحيح في الجسم النقابي». وأشار الدمستاني إلى أن تشكيل هذا الكيان جاء للتركيز على ثغرات وسلبيات العمل النقابي بشكل عام وبشكل خاص داخل الاتحاد.”

“وأشار الدمستاني إلى أن تشكيل هذا الكيان جاء من أجل التركيز على ثغرات وسلبيات العمل النقابي عموماً وخصوصاً داخل الاتحاد، خصوصاً مع غياب الممارسات الفعلية للعمل النقابي وإن الوضع الحالي غير «صحيح».”

 

لقد نبهت الكوادر النقابية إلى خطورة بعض السلوكيات التي انتهجتها الكتلة المهيمنة على مجريات الأمور في الساحة النقابية، سواء كان ذلك قبل تأسيس الاتحاد العام أثناء تحول اللجنة العامة إلى الاتحاد العام لعمال البحرين وتشكيل اللجنة التحضيرية بالآليات التي تمت، أو أثناء انعقاد المؤتمر التأسسي وتداعياته، وبعد انتهاء أعمال المؤتمر التأسيسي وإعلان قيام الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، ومواصلة النهج نفسه لضمان الهيمنة على المجلس المركزي بعد نجاحها في الهيمنة على الأمانة العامة، وهو ما استدعى الإسراع  في القيام بالانقلابات البيضاء في بعض النقابات وضمان الأغلبية المطلوبة لتمرير القرارات بتزكيتها من قبل المجلس المركزي.

كثيرا ما تردد على لسان بعض المسؤلين في الأمانة العامة وكوادر نقابية محسوبة علىهم، بأن تدوير المناصب في النقابات التي تم فيها جاءت بشكل ديمقراطي وتعبيرا عن رأي الأغلبية في مجالس إداراتها، والسؤال الذي يطرح نفسه مالذي تغير واستدعى إعادة التدوير في مجلس الإدارة ولم يمض على تشكيل النقابات العمالية وانتخاب مجلس إداراتها أقل من عام واحد؟ ولماذا انحصر التدوير في منصبي الرئيس ونائب الرئيس؟ وإذا كان هناك خرق يستدعي أعادة تشكيل مجلس إدارة نقابة من جديد، أليس الأجدى والأصح دعوة الجمعية العمومية وبالآليات التي ينص عليها النظام الأساسي للنقابة لمحاسبة المقصرين وسحب الثقة منهم؟ وإعادة التدوير ألا يعني قبول الخرق أو الخطأ الذي ارتكبها أعضاء مجلس الإدارة والاكتفاء بتغيير الرئيس ونائب الرئيس وبقاء المرتكبين للخطأ في مجلس الإدارة؟ لو أن هذا حدث في نقابة واحدة كان يمكن تفهمه ولكن أن تحدث موجة إعادة تدوير المناصب في عدة نقابات وفي نفس التوقيت فهو أمر يطرح الكثير من التساؤلات ويثير الكثير من علامات الاستفهام!!

في ضوء هذه السلوكيات التي لا تخدم عمال البحرين، عقد تجمع النقابيين الديمقراطيين اجتماعا ناقش فيه المستجدات على الساحة النقابية وسبل تجاوز الخلافات والصراعات التي تنخر الجسم النقابي، وفي ختام الاجتماع أصدر التجمع بيانا جاء فيه “أن التجمع يراقب باهتمام بالغ المستجدات والتطورات على الساحة النقابية وما آلت إليه أوضاع النقابات والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين من تفكك وتشتت لا يصب في اتجاه وحدة الحركة النقابية التي يدعو إليها ويعمل من أجل تحقيقها”

مؤكدا في الوقت نفسه على أهمية “الحفاظ على وحدة الصف في الحركة النقابية تحت مظلة الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، والعمل من خلال هياكله على تثبيت المبادئ والأسس النقابية الديمقراطية، لتصحيح المسارات الخاطئة وذلك من أجل تأسيس عمل نقابي مطلبي، ديمقراطي، يحفظ استقلاليته ووحدته يأخذ دوره الريادي في النضال الوطني والديمقراطي العام، من أجل تحقيق الأهداف السامية والمكاسب التي يتطلع إليها عمال البحرين، والعمل على صيانة استقلالية الحركة النقابية من أية تدخلات خارجية، والنضال من أجل تحسين أوضاع العمال المادية والمعنوية وفق ما تقرره القاعدة العمالية عبر الهياكل النقابية.” (الوسط العدد: 788 | الثلثاء 02 نوفمبر 2004م الموافق 19 رمضان 1425هـ)

ونتيجة لتفاقم الخلافات في الساحة النقابية بسبب تلك الخروقات التي ارتكبتها الكتلة المهيمنة على الاتحاد العام، ومع اتساعها بدأت تبرز ظاهرة التعدي على العمال والنقابات العمالية، فقد استغلت القوى المعادية للمصالح العمالية إنشغال الحركة النقابية بهذه الخلافات وبدأت تنتهك الحقوق العمالية والنقابية، حيث جرت موجة من التسريحات للعمال في عدة مواقع عمل وفصل قيادات نقابية من أعمالهم، وهو ما نبه له تجمع النقابيين الديمقراطيين سواء من خلال هياكل الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين أو من خلال بياناته العديدة التي تناولت هذه الخلافات وتداعياتها المحتملة على الحركة النقابية وأوضاع العمال.