المنشور

من المســـــؤول..؟!

خليل يوسف

المسؤول غير مسؤول.. !!

لا أحد يسأل عن المسؤول.. لا أحد يراجع.. لا حد يسأل.. ولا أحد يحاسب.. ولا أحد يبحث عن المسؤولية..!

ولا أحد يجيب على الأسئلة الكبيرة المثارة التي تخرج الى العلن دون تحفظ ودون جدوى ولم يصدر جواب على اي منها يطمئن، هذا هو واقع الحال تجاه أكثر من ملف، وأكثر من قضية، وطالما الحديث هذه الأيام ينصب على الميزانية العامة للدولة، والإجراءات والتدابير الصعبة والمؤلمة التي على المواطن ان يبتلعها برحابة صدر كما ابتلع غيرها بعد ان فوض أمره لله، وطالما ان التركيز ينصب على البحث عن تنمية الموارد المالية لدعم الميزانية بكل الطرق والوسائل فلا بأس من التذكير بموارد مالية عامة منسية، وهنا نتناول ملف المستحقات المالية المتأخرة لوزارات وجهات حكومية ظلت سنوات وسنوات دون مطالبات مستحقة، أموال تتراكم لتتجاوز مئات الملايين من الدنانير، دون ان تحرك اي جهة يفترض انها معنية ومسؤولة ساكنًا، وهذا أمر يقتضي أقصى درجات الانتباه والتحليل والمعالجة، والمحاسبة، خاصة بالنظر الى الوضع المالي الراهن، ووضع الموازنة العامة للدولة التي أصبح الكل على علم بحالها، وما نحن أمامه اليوم يؤدي بنا الى استنتاج بأن اللامبالاة وحتى التسامح عندنا لا حدود لهما لدرجة تفويت مساءلة اي مخطئ او مقصر عن أخطائه وكأن المسؤولية تبخرت من كل ناحية، وأحسب أن هذا كافٍ ليثير أسئلة تتزاحم مقرونة بشكوك في أمور مكشوفة..!!

نختار عينة، عينة ليس إلا، فالملف كبير وعريض وزاخر بوقائع كثيرة ويمكن تناوله او النظر اليه من اي جهة او منحى، ولا نخالنا نخطئ حين نكتفي بعينة هي أولاً من واقع ما نشرته ووثقته مؤخرًا صحافتنا المحلية ويمكن الرجوع اليها والى تفاصيلها في اي وقت، اللافت فيها انها لم تقابل بأي نفي او توضيح من أية جهة كانت يفترض انها معنية او مسؤولة، وثانيًا ان منها ما هو وارد ذكره في تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية، ذلك يكفي ويزيد، مع ملاحظة انه قد يكون هناك حالات ووقائع اخرى مشابهة لم ترصد او تكتشف بعد، او لم يحين أوان رفع الغطاء عنها، لذا دعونا نكتفي ببعض ما هو منشور، فالقائمة طويلة وهي إجمالاً تحتمل أسئلة حساسة يتهامس بها الناس..

يمكن أن نبدأ بالإشارة الى متأخرات رسوم الإعلانات التجارية التي لم تدفعها شركات الإعلانات لوزارة الأشغال والبلديات التي بلغت 42 مليون دينار بحسب رئيس لجنة التحقيق البرلمانية في ملف الإعلانات، الرجل كشف عن ذلك في مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 27 ابريل الماضي، إلا أن وزير الأشغال والبلديات أوضح في مداخلة له امام مجلس النواب بأن الأموال غير المحصلة من إعلانات الشوارع والطرقات بلغت 1.8 مليون دينار لا غير..!!

لا يقل من ذلك غرابة ما قرأناه بخصوص قيمة المستحقات المالية المتأخرة لوزارة الأشغال والبلديات على شركة خليجية تستثمر منتزه عين عذاري والتي تراكمت منذ توقيع العقد مع الشركة فى عام 2004، تصوروا، منذ نحو 13 عامًا دون مطالبة بالمستحقات المالية المطلوبة، او دون آلية تضمن استلام هذه المستحقات، وعلينا ان نلاحظ ثانيًا ان العقد يمتد حتى 2036 وهو ينص على ان تكون قيمة الانتفاع السنوي للمنتزه 9900 دينار وتزداد بنسبة 20‎%‎ كل خمس سنوات، وعليكم الحسبة..!!

أمر مدهش آخر لا ينبغي الاستهانة بدلالته، فقد قرأنا ان 2.6 مليون دينار هي مستحقات مالية لشركة نفط البحرين «بابكو» نظير تزويد شركة بمنتجات بترولية، وان الشركة لم تسدد ما عليها، بل وأغلقت مصنعها وغادرت البلاد، و«بابكو» لم يكن أمامها إلا رفع دعوى مستعجلة مطالبة بسداد المبلغ..!! دون ان يشار الى اي شيء عن الضمانات التي تم على اساسها البيع، وعلى اي أساس سمح بتراكم المستحقات المالية لتصل الى ذلك الرقم..!!

في السياق ذاته، نتوقف عند هذا الرقم، 3 ملايين و200 ألف دينار حجم المتأخرات المالية المتراكمة من قبل مستثمر مجمع تجاري والمستحقة لوزارة الأشغال والبلديات..!! واللافت للانتباه في هذا الملف هو إعطاء ذات المستثمر فرصة لتأجير مجمع تجاري آخر في منطقة سلماباد، ذلك ما أوضحه عضو مجلس بلدي بالمنطقة الشمالية..!! ويمكن ان نضيف الى ذلك هذا الرقم، 17 مليون دينار أعلن بأنها قيمة رسوم رعاية صحية لم يتم تحصيلها منذ سنوات..!!

ذلك قليل من كثير، وقائع موثقة ومنشورة ولم يمضِ على نشرها مدة طويلة، وإذا مضينا في التقليب في ذات الملف يمكن ان نضيف شيئًا مما ورد في تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية ففيها شهادات وتفاصيل كثيرة كانت صادمة في الفعل وفي رد الفعل على السواء وكلها من النوع الذي لا ينبغي ان تمر دون حساب، فتقرير عام 2014-2015 يشير الى ان قيمة متأخرات فواتير الكهرباء بلغت 170 مليون دينار، ومبلغ 730 مليون دينار متأخرات مستحقة للدولة على شركتي نظافة لقاء استخدام مدفن عسكر، ومبلغ قدره 307 ملايين دينار ايرادات غير محصلة من عقود الإعلانات، وفي تقرير عام 2015 نجد أمثلة اخرى يمكن ان تكون سندًا وذخرًا لواقع الحال الذي نحن بصدده، ومن بين ما زخر به هذا التقرير اشارة الى مبالغ لم تستحصل عن الذمم المالية المستحقة لشؤون العدل والتي بلغت 5.3 مليون دينار حتى يونيو 2014، يضاف الى ذلك ديون مستحقة لوزارة المواصلات من شركات طيران بلغت حتى 31 أكتوبر 2013 نحو 8.8 مليون دينار وذلك يوضحه تقرير 2015، أما تقرير 2016 فهو يشير الى ان المتأخرات في رسوم وإيجارات املاك بلدية غير محصلة قد بلغت 41 مليون دينار، و12.6 مليون دينار قيمة تعرفة المياه الجوفية غير المحصلة منذ عام 2006..!! كما يشير التقرير الى ان 259 مليون متر مكعب من الرمال استغلت دون مقابل..!!

كل تقرير من تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية يكشف عن أحمال ثقيلة من المتأخرات والمستحقات المالية للدولة، وما عرضناه إلا عناوين لعينة منها من الخطأ الفادح ان تطوى، واللافت أننا لم نجد نائبًا واحدًا راجع وبحث ونقب وسأل عن مصير هذه الأموال، ولماذا هذه الاستهانة الفجة في التعامل مع المال العام، ومن يتحمل المسؤولية عن هذا القصور والخلل، وعلينا ان ننبه كل نائب وكل مسؤول انه سيكون من السذاجة ان يظن بأن المواطن البحريني يبتلع وينسى مثل هذه الوقائع وما تعنيه، او انه يهضم فكر التماس الذرائع..!!

دعونا نتفق على شيء، أن المال العام لا ينبغي التعامل معه وكأنه حق ضائع، وان يكون التعامل معه مفتقدًا الى الجدية اللازمة والمسؤولية المفترضة، ولابد ان يكون هناك اجهزة رقابية على أعلى مستوى تراجع عملية التحصيل، وتضمن حسن ونزاهة مسارها، وتراجع العقود أولاً بأول، وتسأل وتحاسب وتضع الأمور في نصابها الصحيح، اجهزة حازمة لا تهادن ولا تدلل ولا تربت على الأكتاف، ولا تصرف النظر عن الأخطاء.. أخشى أننا ننفخ في «جربة» مثقوبة..!!