المنشور

مانديلا.. من ثمارهم يعرفون..!!

خليل يوسف

“الشجعان لا ينسون التسامح من أجل الآخرين.. وبلادنا لن تشهد اضطهاد وعنصرية البعض للآخر، العنصرية همجية سواء جاءت من رجل أسود او رجل أبيض، همجية تذهب بنا الى لا مكان غير المستنقعات، والى حروب عبثية يستحيل الانتصار فيها..”.

“ما يمكن أن يفرقنا ليس هو تنوعنا وأدياننا ولا ثقافاتنا، بل الذي يفرقنا هو أولئك الذين يتعلقون بالديمقراطية وأولئك الذين لا يتعلقون بها، بين أولئك الذين يؤمنون بالسلام كأقوى سلاح يمكن ان يتسلح به أي مجتمع او دولة لتحقيق التنمية والعدالة، وأولئك الذين لا يهمهم إلا أن نعيش في كوابيس تقض مضاجعنا وخلق أجواء تنغص حياتنا ولا تشعرنا بالسلم والطمأنينة”.

الكلام لرجل ليس من الإنصاف حصره في تعريف محدد، فهو لم يكن مجرد مناضل، او داعية للسلام، او مدافع عن حقوق الإنسان، او مجرد أول رئيس أسود في جنوب أفريقية، بل هو يجمع كل تلك الصفات، والأهم من ذلك انه كان بشكل خاص الإنسان الذي تكثفت إنسانيته الى حدود إيمانه بأن الديمقراطية وحماية حقوق الانسان صيغة إنسانية وحضارية ينبغي العمل والتضحية من أجلها والتمسك بها وحمايتها، حلم بالحرية، وبشرعية الحرية بدل «شرعية اليأس»، الحرية للجميع، وقاد ثورة الحرية في بلاده وأشعل جذوتها وتحول أيقونة للحرية في العالم، ربط العمل الوطني بالممارسة الصحيحة وبأرقى التعبيرات الإنسانية والأخلاقية، تجرد عن الأنانيات واحتكم الى ضميره ومصلحة وطنه وابتعد عن عقلية المزرعة والمنطقة والعرقية والعنصرية والطائفية، وكل ما يثير الفرقة والانقسام في بلاده، وركز على نشر ثقافة السلام وحقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تحقق المساواة التي قال إنه بدونها “لا يتحقق حق ولا نصرة لمبدأ، بل بغيابها لا يتحقق سوى الإعاقة الدائمة للشعوب”.

 نيلسون مانديلا، حياته مليئة بالثمرات والإنجازات التي لامست الأعماق وتلمست الآفاق، وكلما كانت الأعباء تتراكم على كاهله ازداد عنادًا في تحملها، يكفي التمعن فيما يمكن ان يقال في شأنه في هذا اليوم تحديدًا فهو يصادف اليوم الدولي لنيلسون مانديلا، فالأمم المتحدة أقرت 18 يوليو من كل عام، وهو يوم مولده، يومًا دوليًا لإحياء ذكراه، والتذكير بإرثه ودوره في إحياء ثقافة السلام والحرية والعدالة الاجتماعية، وخدمة الانسانية، وأي ثروة، وأي عطاء، وأي إنجاز يمكن ان يجمع المرء بأنه لا أغلى وأهم من تلك القيم والمبادئ رؤية وتأسيسًا وتوجيهًا وقيمة وفعلاً، وليس كما نراها الآن قيم ومبادئ يتمسك بها البعض في المناسبات ومواقف يطرحونها في الخطابات بديناميكية وحركة لا تمل، دون مرسى لها ولا عمل ولا إنجاز ولا أفق.

الرجل صارع نظامًا عنصريًا بغيظًا، نظام مارس سياسة تمييز عنصري غير مسبوق، سياسة اعتبرت كل من يركب باصًا للبيض جريمة، وكل من يدخل بابًا للبيض جريمة، وكل أسود يدرس او يسكن او يتواجد في الموقع الذي يتواجد فيه البيض يرتكب جريمة، وكل تدخل في شأن او اختصاص البيض جريمة، جرائم تلو جرائم تسجل ضد غير البيض، سجن نحو 27 عامًا، خرج من السجن وتولى حكم البلاد لفترة رئاسية واحدة (1994 – 1999) ضاربًا المثل والقدوة لغيره في عدم التشبث بالحكم تحت أي ذريعة او شعار، لإيمانه بأنه لا بد من نبض جديد لجيل جديد يتسلم الراية ويقود دفة البلاد وسفينتها الى الوضع الأحسن على الدوام، وبذلك وغيره أرسى الأسس السليمة الراسخة لقيام دولة ديمقراطية تكاد ان تكون الوحيدة في القارة الافريقية، وصف بأنه رجل قارة وليس رجل دولة واحدة.. وسجل اسمه على لائحة أبرز شخصيات التاريخ المعاصر.

في كتابه الشهير «رحلتي الطويلة في طريق الحرية» يقول مانديلا: «عندما خرجت من السجن ماشيًا على قدمي كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معًا، لقد مشيت في تلك الطريق الطويلة من أجل بلوغ الحرية، محاولاً ان أحافظ على رباطة جأشي، صحيح أنني ارتكبت بعض الأخطاء وفي تقدير خطواتي أحيانًا، لكني اكتشفت سرًا مفاده ان المرء ما ان ينتهي من تسلق تل شامخ، إلا ويتبين له ان هناك العديد من التلال الأخرى بانتظاره»، هل وجدتم سياسيًا او زعيمًا عربيًا يعترف بأنه أخطأ، او أساء تقدير خطواته تجاه عمل ما او وعد أهمل، او فساد اكتشف، او ذنب ارتكب، او التزام وئد، او حق لم يوضع في خانة الجعجعة والمضامين والنصوص المتشابهة المبرمة وشبه الأبدية التي لا تتغير ولا تبدل من واقع الحال شيئًا..!!

هل وجدتم من يدعو الى تحرير الظالم والمظلوم معًا، المنتقم والمنتقم منه، الجلاد والضحية، من يهتم بالسود ومعاناتهم، وفي نفس الوقت لا يغفل او يتجاهل مخاوف وهواجس البيض، من كافح ضد هيمنة البيض وضد هيمنة السود على حد سواء، انه مانديلا الذي لم يرد ان يستفيد طرف على حساب الطرف الآخر، كان يؤمن بأن العنصرية تفسد المذنب والضحية معًا، وبأنه لن يكون حرًا اذا أخذ حرية شخص آخر ظالمًا او مظلومًا، فذلك برأيه يجرد الإنسان من إنسانيته ويجعله سجينًا للكراهية والحقد وضيق الأفق، تعامل مع هذا الوضع على انه معركة مهما كانت ضراوتها ومشقتها لا يجب الاستسلام لها مهما استغرقت من وقت وتضحيات والمطلوب برأيه «إرادة وان نكون صادقين في التزامنا بالمعركة»، كان يرى ان مجرد حصول جريمة فصل عنصري آفة لا تمحى، ولا يجب السماح بها، وبتلك الرؤية والقناعة والروحية والارادة والنضال انتصر على التمييز العنصري، جنب بلاده حربا أهلية، وقادها الى بوتقة المصالحة الوطنية والتسامح وخطى بها خطوات جريئة على طريق التحرر والتقدم والديمقراطية والعيش بين كل مكونات الوطن في سلام، بصرف النظر عن دينهم او لونهم او عرقهم، يستذكر له قوله “إننا في جنوب أفريقية مقتنعون بأن المصالحة وبناء الدولة ستظل كلمات جوفاء اذا لم تكن مبنية على تصميم وعمل منظم وجهد منسق لاجتثاث جذور حقبة مقيتة من تاريخ جنوب أفريقية”..

نستذكر مانديلا في يومه الدولي ونستذكر كل نضالاته، وكيف تغلب على من أرادوا إهالة التراب على فكرة التسامح والقيم التي آمن بها ودافع عنها وحاولوا دفنها الى غير رجعة لاعتبارات ومصالح ليس بينها مصلحة الوطن، ومهم، بل بالغ الأهمية في ظل الظروف والأوضاع التي نعيشها اليوم، والصراعات المحيطة حولنا، والمحاولات التي لا تتوقف لجرنا الى حالة من الانشطار والفتن المستدامة، وخلق نزاعات ومحن ومآسٍ وفواجع ودمار يقف وراءها تجار حروب وانتهازيون، وحمقى، ورجال دين ينازعون سياسيي الطوائف وساروا في غيهم وانهمكوا ولا زالوا في كل ما يشكل اغتيالاً للمبادئ والقيم التي آمن بها وعمل من أجلها مانديلا.. نستذكر هذا الرجل وكيف حمل قضية وطنه وعرَّف العالم بها، وما يرتكبه النظام العنصري من همجية وجرائم، وقاد عملية بناء متواصلة مع التقويم والتصحيح المهم فيها. انها لم ترتكز على أي شكل من أشكال العفن الفكري والعبثي او الانفعالات التي ترفض تقبل الآخر والحوار مع الآخر والتسامح مع الآخر، وتنحاز الى الكراهية والعنف والإيمان بالأحادية وازدراء الحوار، وكيف انه لم يلجأ الى إعلام «رداح» ووسائل تتقن فن التفرقة بين المواطنين، بل لجأ الى كل ما يعزز الحوار والمصالحة والعيش المشترك بين مكونات المجتمع، لم يرَ فيمن عارضوه في فترة من الفترات ازاء موقفهم من البيض والدعوة الى إقصائهم بأنهم خونة او جهلة او كفرة، بل شركاء في الوطن، متساوون في الحقوق والواجبات، وملتزمون بالولاء للوطن، وليس للولاءات الصغيرة التي هي مجرد عالات على الوطن، ولذلك فضل الرجل ان يرتكن الى خيارات وطنية صرفة وليس انتهازية صرفة للتخلص من حقبة شهد العالم على ظلاميتها وانعدام إنسانيتها، وكم هو جميل، بل كم هو مهم ان نتمعن في الدروس والعبر التي يمكن ان نخرج منها من خلال سيرة مانديلا، ونقارن مع ما يجري في واقعنا العربي ومحيطنا المأزوم الذي يزدحم فيه هزليون واصحاب مآرب يريدون ان يمثلوا دور الأبطال فيما هم لا قيمة لهم ولا اعتبار ولا حضور ولا «رزة» متى استعاد المنطق شجاعته، وكذلك نقارن مع أفعال وممارسات وكتابات ومواقف وبرامج وارتباطات ورهانات وحسابات واهداف ليس لها برهان واحد على صلاحيتها، الخطورة فيها انها لا تؤدي إلا الى أنفاق لا نهاية لها، وأخطاء وخطايا لم نعد قادرين على عدها وحصد نتائجها وأثمانها، وفي المقدمة منها تلك التي تريد لنا العيش وسط حرائق يرقص حولها المجانين، او وسط جعجعات لا تقنع أحدًا ولا تقرب حلاً، ولا تقرب أحدًا من احد، مجتمع يزداد تفككًا وانفلاتًا للمشيئة الطائفية، وكلها أمور لم تعد تحتمل..!!

نكرر قصة كفاح مانديلا حافلة بالدروس والعبر، فقد كان الرجل القدوة والمثل ورائدا في المصالحة الوطنية وقاد بلاده الى بر الأمان، هي قصة هامة خاصة لمن يهمه ان تستعيد أوطاننا عافيتها، ولكل من يؤمن بأن الحلول السلمية لمعضلات الأوطان حتى وإن بدت مستحيلة تظل هي الأرخص، ولكل من لا يريد ان يكون مخدوعًا او مسايرًا للخديعة التي لا تفعل شيئًا سوى حشد المخلفات ولكل من يريد ان يكون له موطئ قدم في سجل التاريخ، هل يمكن ان يستفيد أولئك وغيرهم من تلك الدروس والعبر..؟

في الختام يراودني سؤال: كم مانديلا نحن فى أمس الحاجة إليه في عالمنا العربي..؟!