المنشور

أحمد الديين في حوار مفتوح حول: مواقف القوى التقدمية في الكويت من التحول الديمقراطي والوطني في دول الخليج العربي


 
أحمد الديين احد قيادات التيار التقدمي الكويتي في حوار مفتوح حول: التحول الديمقراطي والوطني والتغيير الشعبي في دول الخليج العربي ومواقف القوى التقدمية في الكويت




من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.

حوارنا سيكون مع الأستاذ أحمد الديين احد قيادات التيار التقدمي الكويتي حول:  التحول الديمقراطي والوطني والتغيير الشعبي في دول الخليج العربي ومواقف القوى التقدمية في الكويت.

 1- يكثر الحديث عن دور الحركات الأصولية الإسلامية وخاصة اليوم في مصادرة نتائج الثورات والهبات العربية، هل من اختلاف في تعاطي هذه الأصوليات من بلد عربي إلى آخر؟ وهل سنشهد مدّاً منظماً لها؟

بداية لا بد من توضيح أنّ الأحزاب والحركات الإسلامية ليست كتلة صماء واحدة، فهناك داخلها تمايزات وتناقضات وتباينات، بعضها متزمت والبعض الآخر منفتح أو مستنير، بعضها ذو روابط سلطوية وعلاقات سابقة أو قائمة مع دوائر إمبريالية قائمة منذ الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وضد حركات التحرر العربية، وبعضها له موقع تحرري أو مقاوم للمشروع الصهيوني وللهيمنة الإمبريالية، وبعضها فكّ ما كان قائماً من مثل ذلك الارتباط السلطوي أو مع الدوائر الامبريالية… فلا يمكن على سبيل المثال النظر إلى جماعة إسلامية متزمتة بالمنظور ذاته إلى حركة إسلامية منفتحة نسبياً مثل حركة النهضة في تونس، وهناك دور مقاوم يتولاه حزب الله وحماس، وهناك أيضاً مراجعات حدثت في صفوف جماعة ذات ممارسات إرهابية مثل جماعة الجهاد في مصر… هذا ناهيك عن أنّ هناك حركات إسلامية هي أقرب إلى التحالفات الطبقية الحاكمة وإلى أصحاب رؤوس الأموال، بل بعضها يملك مصارف إسلامية ومندمج مع البرجوازية، فيما بعضها الآخر ذو تركيبة اجتماعية أقرب إلى الفئات الشعبية.

ومن جانب آخر فإنّ التعبير الذي أراه مناسباً لتسمية مثل هذه الأحزاب والحركات هو التيار الإسلامي، الذي تكون مرجعيته إسلامية، ولا أفضل تسميات ملتبسة أو هجائية مثل “المتأسلمين” و”الإسلامويين” و”الأصوليين”، مثلما نرفض تسميات مشابهة تُطلق علينا من شاكلة “التغريبيين”… فهناك تيار إسلامي مرجعيته دينية، وهناك تيار وطني مرجعيته وطنية، وهذا في تقديري هو التقسيم الأقرب إلى الواقع.

وعلى أي حال فإنّ التيار الإسلامي شئنا أم أبينا هو أحد مكونات الحياة السياسية العربية لا يمكن إقصاؤه ولا يصحّ استئصاله، وذلك من دون تجاهل ما هو قائم من تعارضات وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية بين هذا التيار الإسلامي، وخصوصاً الجماعات المتزمتة، وبين التيار الوطني في مجتمعاتنا العربية… أما الجماعات التفكيرية والمتطرفة فهذه أصبحت معزولة شيئاً فشيئاً داخل التيار الإسلامي ذاته في أكثر من بلد عربي.

وعندما اندلعت الانتفاضات الشعبية العربية ضد أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية وانطلقت العملية الثورية الجارية فقد كان هناك تفاوت في مساهمة التيار الإسلامي فيها بين بلد وآخر، بل داخل البلد الواحد ذاته، فمساهمة الإخوان المسلمين في مصر كانت متأخرة وملتبسة وحذرة أول الأمر، وهي بالتأكيد تختلف عن موقف السلفيين الذين أظهرت بعض جماعاتهم أجندتها المتخلفة والطائفية بعد إطاحة مبارك، وكذلك الحال في الأردن فقد ساهم القسم الرئيسي من التيار الإسلامي في التحركات المطالبة السلمية بالإصلاحات السياسية إلى جانب التيار الوطني بأحزابه وقواه، فيما كان تحرك الجماعات المتزمتة ذا طابع عنفي مختلف، وهناك فارق في اليمن حيث شاركت جبهة الإصلاح ذات التوجّه الإسلامي في التحرك الشعبي منذ البداية في إطار اللقاء المشترك، وفي تونس لم تدع حركة النهضة أنها تمثّل قيادة الحركة الثورية بل كانت جزءاً منها، وربما كانت جزءاً طرفياً بسبب ما كانت تعانيه من تهميش وقمع.

أما بعد النجاح المتحقق في تونس ومصر بإطاحة رأسي النظامين فإنّه من الطبيعي أن تسعى جماعات التيار الإسلامي في البلدين إلى كسب مواقع لها في إطار التحولات الجارية عبر الانتخابات، وهذا حقّ لا يمكن إنكاره عليها، بل لعلّ هناك تكتيكات اتبعتها بعض جماعات هذا التيار، مثلما فعل الإخوان المسلمون في مصر عندما شكلوا حزبهم السياسي، وقرروا المنافسة الجزئية في الانتخابات البرلمانية، وعدم خوض أول انتخابات رئاسية، ولكنهم في المقابل شنوا معركة ملتبسة وخلطوا الأوراق في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، أما الجماعات المتزمتة فلها دور تأجيجي في افتعال الصراع الطائفي، وفي ظني أنّ هناك أشكالاً مختلفة ومتفاوتة من التعاطي السياسي بين جماعات التيار الإسلامي في مصر، ومن المبالغة وصف ذلك بأنّه مصادرة لنتائج الثورة، وإن كنت لا استبعد أن تصطف بعض جماعات التيار الإسلامي مع قوى الثورة المضادة، وهذا هو الأخطر.

وغير هذا فمن الطبيعي أن تستفيد جماعات التيار الإسلامي مثلما ستستفيد مكونات التيار الوطني في تونس أو مصر من نتائج الثورتين، من حيث اكتساب الشرعية، ومن حيث تحقيق مواقع في البرلمان والإعلام، ولكن في الوقت نفسه هناك حالة مماثلة للتيار الوطني بمختلف تلاوينه، بما في ذلك اليسار المحجوبة عنه الشرعية في مصر أو بعض جماعاته التي كانت محظورة سابقاً في تونس، ومن المتوقع أن تنفتح آفاق جديدة أمام مختلف التيارات في التحولات الجارية في بلداننا، ولن تكون حكراً على تيار بعينه.

2- هل نستطيع القول إننا أمام إعادة هيكلة أو بناء اجتماعي وثقافي في الحراك الشعبي اليوم؟ وكيف سيتأثر البناء السياسي وحراك المجتمع المدني في الكويت في المستقبل القريب؟

 التحوّلات الثورية الجارية لما تستكمل بعد، بما في ذلك في تونس ومصر، وبالتأكيد فإنّ لهذه التحوّلات انعكاساتها وتأثيراتها على البناء الاجتماعي والثقافي مثلما لها انعكاساتها وتأثيراتها على البناء السياسي، وكذلك هناك علاقة جدلية تفاعلية بين هذه البناءات السياسية والاجتماعية والثقافية القائمة سابقاً والمتشكّلة حديثاً مع التحوّلات الثورية الجارية في اطراد تقدمها واشتداد تناقضاتها والصراع حول قضايا ومسائل ومصالح مرتبطة بها، وكذلك محاولة الحفاظ على الأوضاع القائمة وتعطيل عملية تغييرها، بل حتى الثورة المضادة والارتداد عما تحقق.

وفي ظني أنّ الأسرع تأثراً بالتحوّلات الثورية والأسرع تأثيراً عليها هو البناء السياسي في مجتمعاتنا العربية الذي شهد وسيشهد بالضرورة انتقالاً نحو الديمقراطية، ولكن هذا الانتقال نحو الديمقراطية لن يكون خالياً من التناقضات والصراعات، فهل سينجح النظام البرلماني أم سيفشل؟ وهل من المصلحة تحقيق تغيير ديمقراطي مع الإبقاء على النظام الرئاسي ولكن في إطار ديمقراطي أو الانتقال إلى النظام البرلماني؟ وهل ستُنجز التغييرات الدستورية باتجاه ديمقراطي أم ستكون محدودة وملتبسة مثلما حدث في مصر سواء في التعديلات الدستورية أو قانون الأحزاب السياسية الجديد… ولكن بالتأكيد ستكون هناك حالة انفراج ديمقراطي واسعة قياساً بما كان قائماً من استبداد وانفراد بالسلطة.

أما عن البناء الاجتماعي فإنّ الطبقات الاجتماعية المسيطرة لم تفقد مواقعها ومصالحها ونفوذها، وإنما تمّ عزل بعض العناصر البارزة منها ذات الارتباطات السلطوية الفاضحة وذات الصلة المكشوفة بمؤسسة الفساد، في حين لا تزال الطغمة المالية والأقسام الأخرى من البرجوازية من كمبرادور وبرجوازية عقارية وبرجوازية بيروقراطية طفيلية في مواقعها، ولم يحدث تغيير في التركيبة الاجتماعية…. وكذلك الحال بالنسبة للبناء الثقافي فهو الآخر جزء من البناء الفوقي الذي هو وإن كان انعكاساً للبناء التحتي للاقتصاد والمجتمع، إلا أنّ له استقلاليته النسبية، وهو لا يتغيّر بالسرعة ذاتها، بل قد يأخذ وقتاً أطول، وذلك من دون إنكار ما يمكن أن ينفتح من آفاق أمام الثقافة التقدمية في مجتمعاتنا العربية التي شهدت وتشهد تحوّلات ثورية على المستوى السياسي.

وعن الكويت، فإنّ البناء السياسي وحراك المجتمع المدني لا بد أن يتأثرا بما تشهده المنطقة العربية من تحوّلات ثورية وانتفاضات شعبية، ولكن هذا التأثير يحتاج إلى وقت، والمهم أنّ هناك تبدلاً ايجابياً في موازين القوى قد تحقق، فلم يعد بالإمكان أن تعود السلطة إلى التلويح بالانقلاب على الدستور مثلما فعلت سابقاً في 1976 و1986، وهناك أفق جديد انفتح أمام طرح مطالب لإصلاحات سياسية بل دستورية، بالانتقال نحو النظام البرلماني الديمقراطي وعدم الانحصار في دستور 1962 الذي يمثّل دستور الحدّ الأدنى، وهناك معركة طويلة بين النهج السلطوي “نهج المشيخة” وبين متطلبات التطور الديمقراطي للدولة الكويتية الحديثة ستتأثر بالضرورة بالتحوّلات الجارية في المنطقة… أما حراك المجتمع المدني فقد شهدت الكويت قبل الثورات العربية الأخيرة حراكاً شعبياً واسعاً كان أبرزه ذلك الاجتماع الجماهيري الحاشد في ساحة الصفاة مساء يوم الاثنين الخامس من يناير كانون الثاني الماضي على خلفية التحرك الجاري لتغيير الحكومة ورئيسها ونهجها، ولكن حدث تراجع مؤقت في هذا الحراك، في الوقت الذي لم يتم فيه معالجة أسباب الأزمة السياسية في البلاد، بل لقد أعيد انتاجها من جديد بعد التشكيل الحكومي الجديد بعد الإبقاء على رئيس الوزراء ذاته وعدم إحداث أي تغيير في النهج الحكومي.

وهنا أتوقف أمام واحدة من أهم تحديات التحرك المنادي بالإصلاح السياسي والدستوري في الكويت، وهو انحصاره في نطاق العمل البرلماني وضعف دور القوى السياسية وعدم استكمال اتفاقها على بلورة أجندة واضحة لهذا التحرك الإصلاحي السياسي والدستوري والانتقال إلى أساليب عمل سياسي وجماهيري تتجاوز حدود النطاق البرلماني المحكوم سلطوياً وساحته الضيقة وسقفه المنخفض وأفقه المسدود.

3-  إعادة بناء ثقة الإنسان العربي بنفسه وقدراته، هل بدأت مرحلة إعادة دور حركات التحول الديمقراطي والوطني والتغيير الشعبي في دول الخليج العربي مرحلتها أيضاً؟ وأين تكمن أبرز عقبات هذا الدور؟

 في ظل أنظمة الاستبداد والفساد فإنّ الإنسان العربي مهمّش، مقموع، مسلوب الإرادة، وبالتأكيد فقد أعادت الانتفاضات الشعبية والتحوّلات الثورية إلى الإنسان العربي ثقته المفقودة بنفسه وبقدراته، وأطلقت طاقاته الكامنة التي كانت معطلّة.

وفي هذا السياق فإنّ أي انتصار يحققه الإنسان العربي في أي بقعة من المحيط إلى الخليج إنما هو انتصار لقضية هذا الإنسان وحقوقه وحريته وكرامته، كما أنّ نجاح الانتفاضات الشعبية والتحوّلات الثورية له انعكاساته الايجابية على تحرر الإنسان العربي عموماً، وهذا ما يشمل بالضرورة الإنسان العربي في دول الخليج العربي الذي يعاني من التهميش ومن أنظمة استبداد منفردة بالسلطة والقرار، بعضها استبداده مطلق وبعضها استبداده مغلّف بقشرة ديمقراطية شكلية رقيقة… وقد انطلقت في بلدان الخليج العربي حركات وطنية تحررية وتحركات شعبية تدعو إلى الديمقراطية منذ سنوات طويلة، وهناك تضحيات، من بينها انتفاضة الشعب البحريني ضد الاستعمار البريطاني في مارس 1965، وثورات الشعب العماني ضد الاستعمار البريطاني وضد نظام السلطان سعيد بن تيمور المتخلف في الجبل الأخضر خلال الخمسينيات وفي ظفار في 1965، ولاحقاً كانت هناك الانتفاضة الشعبية في المنطقة الشرقية من السعودية في نوفمبر من العام 1979، وهناك التحرك الشعبي المطالب بعودة العمل بدستور 1962 في الكويت الشهير بديوانيات الاثنين في العامين 1989 و1990، وأما في الوقت الحاضر فإنّه مع اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية فقد انطلقت حركة شعبية في البحرين وكانت تطرح مطالب مستحقة تتصل بإحداث إصلاحات سياسية ودستورية عميقة في إطار الملكية الدستورية، إلا أنّ السلطة تمكنت من اللعب على الورقة الطائفية، خصوصاً مع غلبة الطابع الشيعي على جمهورها وقياداتها، وفي الوقت نفسه فقد تمكنت بعض الجماعات الإسلامية الشيعية المتطرفة من حرف الحركة الشعبية نحو اتجاهات مغامرة ونزعات طائفية، ما سهّل شقّ صفوف الشعب البحريني على أساس طائفي واستثار مخاوف المواطنين السنّة، وبالتالي توافرت مبررات قمع الحركة… وكذلك فقد انطلقت في سلطنة عمان تحركات شعبية إصلاحية تمت الاستجابة الجزئية لبعض مطالبها في الوقت الذي تعرضت فيه إلى القمع… وفي الإمارات جرى طرح مطالب إصلاحية من النخبة المثقفة… وفي السعودية جرى طرح مطالبات مماثلة، ولم تنجح محاولات الدعوة إلى تحرّك شعبي.

إنّ الأساس متوافر في البلدان الخليجية لاستنهاض تحركات شعبية ذات طابع إصلاحي ديمقراطي، ولكن ما يعيق هذه التحركات هي السطوة السلطوية للدول الخليجية في ظل الاقتصادات الريعية التي تعتمد على إيرادات بيع النفط الخام، وما تمتلكه الأنظمة من قدرات مالية ضخمة تستطيع استخدامها في الرشوة الاجتماعية وتعزيز قبضتها الأمنية، وهناك النهج السلطوي أو بالأحرى عقلية المشيخة المتخلفة التي تعيق التطور الديمقراطي وتعرقل بناء دول حديثة في بلداننا، وهناك ضعف التكوينات الاجتماعية الحديثة، واستمرار تأثير المكونات القبلية السابقة للدولة الحديثة، وهناك الشرخ الطائفي الذي يجري تعميقه في بعض مجتمعاتنا الخليجية، هذا بالإضافة إلى الضعف البنيوي للحركة السياسية المنظمة باستثناء نسبي في البحرين والكويت، وأخيراً بروز الطابع الأمني لمنظومة مجلس التعاون الخليجي… وهناك عائق آخر جيوسياسي يتمثّل في السياسة الخرقاء والتصريحات الاستفزازية لبعض القادة الإيرانيين التي تستثير المخاوف وتعمّق الشرخ الطائفي… وهذا ما يعقّد الأوضاع ويعيق تشكّل تحركات شعبية إصلاحية قادرة على إحداث التغيير الديمقراطي المستحق في مجتمعاتنا الخليجية.

4-  تُطرح أمامنا قضايا اليسار العربي والحامل الاجتماعي للهبّات والثورات اليوم، هل شكّل الشباب حاملاً اجتماعياً للتعيير، بالرغم من تعدد الخلفيات والايديولوجيات والمرجعيات الفكرية والثقافية والاجتماعية لهم؟

 ما حدث ويحدث من انتفاضات شعبية وتحوّلات ثورية ليس مقطوع الجذور عن تراكمات نضالية سابقة في مجتمعاتنا، وهو امتداد لنضالات شعوبنا التي قدّمت تضحيات من أجل الإصلاح والتغيير… ولئن كان الشباب العربي قد تصدّر الانتفاضات والتحركات الشعبية فإنّ هذا يجب أن يوضع في سياقه الصحيح… وقد كتبت مرة مقالاً في هذا الشأن أجد من المناسب إعادة نشره في هذا الحوار ضمن الإجابة عن هذا السؤال، إذ كتبت أنّ “هناك صفة رائجة للانتفاضات والثورات التي اندلعت في عدد من البلاد العربية ترى فيها انتفاضات وثورات شبابية، وهذا صحيح عندما يكون المقصود أنّ الشباب هم العنصر المبادر والجمع المحرّك لهذه الانتفاضات والثورات، وهم القوام الأعظم من المشاركين فيها… ولكن هذه الصفة الشبابية الرائجة حول الانتفاضات والثورات لا تعكس الحقيقة على نحو دقيق وكامل، ولا تخلو من تعميم ومبالغة، مع كل التقدير للدور الشبابي الطليعي والرئيسي في حركة التغيير.

فالانتفاضات والثورات إنما هي بالأساس انتفاضات شعبية وثورات ديمقراطية ناجمة عن احتدام تناقضات سياسية واقتصادية واجتماعية… فهي نتاج الاستبداد المطلق والمغلّف، ونتاج استشراء الفساد في صفوف الطبقات الحاكمة، ونتاج إهدار كرامة الإنسان العربي وحرمانه من حريته ومن أبسط حقوقه الأساسية، وهذا ما كانت تعاني منه الغالبية الساحقة من المواطنين، وليس الشباب وحدهم… مع ملاحظة التركيبة العمرية لمجتمعاتنا العربية، التي يشكّل الشباب وصغار السن النسبة الغالبة فيها، ما يجعل بالضرورة أن يكون غالب المشاركين في الانتفاضات والثورات من العنصر الشبابي قياساً بمتوسطي الأعمار وكبار السن.

ومن الطبيعي أن يكون الشباب في مقدمة الصفوف مبادرين وناشطين، وذلك بحكم الطبيعة الشبابية المتمردة على القيود والتواقة إلى الحرية والتغيير والمتطلعة إلى الجديد، وهذا هو شأن معظم الثورات الكبرى في العالم بغض النظر عن طبيعتها، بدءاً من الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر التي كان عمر أبرز قوادها روبسبير لا يتجاوز الحادية والثلاثين، مروراً بالثورة البلشفية في روسيا عام 1917 التي كان عمر قائدها فلاديمير إليتش لينين لا يتجاوز السابعة والأربعين فيما كان عمر قائدها العسكري تروتسكي في حدود السابعة والثلاثين… ولم يكن الطابع الشبابي لقادة وجماهير الثورتين الفرنسية والبلشفية سببا في وصفهما بأنهما ثورتان شبابيتان، فالأولى كانت ثورة ضد الإقطاع والأخرى كانت ثورة اشتراكية ضد القيصرية والرأسمالية.

وغير هذا فقد تكون هناك انتفاضات وثورات ذات طابع شبابي أو طلابي بحت، مثلما هي حال “الثورة الطلابية” التي اجتاحت أوروبا الغربية وفرنسا على وجه التحديد في نهاية ستينيات القرن العشرين، مع ملاحظة أنّ تلك الانتفاضات والثورات الشبابية لم تحدث تغييرات هيكلية في بنية النظام الرأسمالي في أوروبا الغربية، وإنما كانت احتجاجات طلابية ضد النظام الرأسمالي وضد مظالمه وسلطته… وبالمناسبة، فإنّه تحت تأثير تلك “الثورة الطلابية” راجت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات نظرية “صراع الأجيال” لهربرت ماركوز، عندما زعم أنّ “صراع الأجيال” هو المحرّك أساسي لتقدم المجتمعات، وكشفت الحياة أنّ تلك النظرية كانت “نظرية” متهافتة ومتناقضة وقاصرة، ذلك أنّ تقدم المجتمعات يعود إلى تناقضات وصراعات وأسباب أخرى أعمق وأوسع من أن تنحصر في نطاق الصراع بين الأجيال.

ولئن كان الشباب يشكلون شريحة اجتماعية عمرية، فإنّ الشباب في المقابل ينتمون إلى مختلف الطبقات الاجتماعية وينحدرون من مختلف الانتماءات ويتفاوتون في طبيعة المصالح ونوعية التوجهات، ولا يشكلون طبقة اجتماعية متجانسة، بل أنّه حتى على المستوى السياسي المباشر، نجد أنّ “البلطجية” على سبيل المثال المستخدمين في مواجهة الثورة المصرية كانوا من الشباب أيضا، وكان هناك شباب يعملون في جهاز أمن الدولة، وهناك شباب من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في العهد البائد… وبالتأكيد لم يكن هناك شيء مشترك يجمع بين شباب الثورة وشباب السلطة غير المستوى العمري… ما يوضح أنّ المستوى العمري ليس هو العنصر المقرر الأوحد للنزعة التغييرية والوجهة الثورية.

باختصار، لا بد من تقدير دور الشباب واحترامه وإبرازه والاعتماد عليه، ولكن من الخطأ المبالغة في ذلك وتقديس هذا الدور… فمتوسطو الأعمار اليوم كانوا شباب الأمس، وأطفال اليوم هم شباب الغد، وشباب اليوم لن يبقوا شبابا طوال أعمارهم… وأما التغيير فهو سنّة الحياة وقانونها، والتقدم إلى الأمام هو مسار البشرية في كل عصر وأوان، وإن توقف حيناً أو تعرقل بعض حين”.

5- ماذا عن دور المرأة في ساحة النضال المطلبي في الكويت وتميّزها عن مثلايتها في باقي الدول الخليجية، هل بإمكان النساء اليوم أن يتحدثن عن قضية خاصة بالشأن النسوي؟ أم أنهن جزء من الحراك الإصلاحي العام في البلد؟

 الحركة النسوية في مجتمعاتنا الخليجية متفاوتة في ظروفها وفي مستويات تطورها وما حققته من نجاح أو تقدم، فهناك حركة نسوية منظّمة ذات وزن في البحرين، وهي حركة ذات حضور نسبي في الكويت حيث حققت مكاسب اجتماعية وسياسية، بحيث تقلّصت الفوارق في مجالات كثيرة بين الرجل والمرأة، وفَقّدَت أطروحات الجنوسة مبررها، واندمجت قضايا المرأة بقضايا المجتمع ككل.

ولعلّ أهم نجاح لحركة المرأة الكويتية تمثّل في فوز أربع نائبات في انتخابات مجلس الأمة الأخيرة في العام 2009 يمثّلن 8 في المئة من إجمالي أعضاء البرلمان، وبغض النظر عن ملابسات فوز بعضهن، وبغض النظر عن مستوى الأداء البرلماني لهؤلاء النائبات، فإنّ فوزهن في انتخابات عامة قطع الطريق على دعوات “الكوتا” التي كنا نخشى من أن تكون مدخلا لمحاصصات قبلية وطائفية وفئوية في العملية الانتخابية والمؤسسة البرلمانية.
 
 
الحوار المتمدن
 أجرت الحوار: هيفاء حيدر
22 مايو 2011