المنشور

تعميم الفقر

وسط كرنفال العولمة الذي تبارى المتبارون في تمجيده، تناسى الكثيرون أن العولمة بين أشياء أخرى كثيرة تعولمها، “تعولم” الفقر أيضاً. 
صحيح أن القسمة الضيزى القائمة بين عالم غني يسبح في الثراء وبين محيطات واسعة من الفقر والعوز، لا بل والمجاعة في معناها الحرفي التي تودي بحياة آلاف البشر لأنهم لا يجدون ما يسد الرمق، لم تنشأ مع العولمة في صورتها الراهنة. لكن هذه العولمة أعطت أبعاداً غير مسبوقة على ظاهرة الفقر، هي التي ترافق صعودها على خلفية الإفقار المتزايد لقطاعات شعبية واسعة، بما في ذلك الفئات الوسطى، وصودرت الكثير من الضمانات الاجتماعية التي كانت الرأسمالية قد اضطرت إليها مُكرهةً في مراحل سابقة تحت ضغوط نضالات الحركتين النقابية والديمقراطية، خاصة في البلدان المتطورة. 
منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمان هُلل للنظام العالمي الجديد الذي أعلن عنه الرئيس جورج بوش الأب حين كانت قواته قد أحكمت سيطرتها على منابع النفط في الخليج، فيما كان الاتحاد السوفييتي قد لفظ أنفاسه الأخيرة، وقُدمت العولمة في أبهى وأبهج صورها. حينها تبارت الأقلام والشاشات في إظهار مفاتن ومحاسن العصر الجديد، الذي سيضع حداً للأنظمة الشمولية، وسيعمم الرفاه على العالم كله. 
قالوا لنا إن التاريخ بلغ نهايته، بعد العولمة لم يعد أمامنا مستقبل آخر نذهب إليه. من يحلم بالمستقبل فعليه أن يرفع الرايات البيض استسلاماً، فعهد الأحلام الكبرى وأفكار التغيير قد ولى من دون رجعة، وسادت ثقافة ملغومة أطلق عليها ثقافة المراجعة، بموجبها تخلى الكثيرون عن أحلامهم، والتحقوا بالعربة الأخيرة في القطار الذي تحدث عنه فرانسيس فوكاياما في كتابه الشهير عن “نهاية التاريخ وخاتم البشر”. 
كان فوكاياما قد حذّر هؤلاء من أن وصول هذه العربة الأخيرة قد يعرقله بعض قطاع الطرق، ولكنها في النهاية لاحقة ببقية عربات القطار إلى جنة الليبرالية الموعودة. 
نحو عقدين فقط مرا على هذا الكرنفال، علينا أن نجول بأعيننا حول العالم لنرى أن هذا العالم يزداد فقراً كلما زاد ثراء القلة الذين أحكموا الخناق على ثرواته. 
يبحث الناس عن السلوى والخلاص فلا يجدونهما في مكان، حتى عصَرَ الجوعُ البطونَ من الألم، فهبت الناس إلى الشوارع مُذكرة بالمقولة الخالدة للامام علي الذي عجب من امرئ لا يجد قوت يومه فلا يخرج شاهراً سيفه. 

صحيفة الايام
16 ابريل 2008

اقرأ المزيد

عقود العمل المؤقتة


تتحايل معظم الشركات في القطاع الخاص والمختلط كذلك ، بل وحتى بعض الدوائر الرسمية ، على أبناء شعبنا بعامة والشباب بخاصة ، بتوظيفهم بعقود عمل مؤقتة ، أما بشكل مباشر ،أو بشكل غير مباشر ، عن طريق مكاتب تزويد الأيدي العاملة أو المقاولين ، حيث تقوم هذه الشركات أو الدوائر بإجبار موظفيها الجدد ، بالتوقيع مكرهين على تلك العقود المشؤومة التي تسلب الطمأنينة من نفوس الموظفين المؤقتين وعوائلهم .
ما زال بعض الموظفين يعملون مؤقتاً ، ولكن لعدة سنين قد تطول إلى ما لا نهاية ، وهم يعلمون أنهم حينما وقعوا عقود أعمالهم المؤقتة ، إنما وقعوا في الحقيقة على قرار فصلهم ، فالعقود المؤقتة هي بطالة مؤجلة ، علاوة على أن الرواتب التي يتقاضاها أصحاب هذه العقود تكون متدنية للغاية ، حيث لا تشملهم المزايا التي يتمتع بها إخوتهم الموظفون الدائميون الذين يقومون بنفس الواجبات الوظيفية أو أقل أحياناً، إذ أن الموظفين المؤقتين غير مشمولين بغطاء الحماية الصحية والزيادات السنوية والمنح والدورات والقروض والإدخار إن وجد وحتى بعض العروض الترويجية والتخفيضات  ، كما أن الموظفين بعقود مؤقتة ، لا تشملهم رعاية المناسبات الرسمية في هذه الدوائر والشركات ، وإن شملتهم فهي مكرمة وهم ضيوف على المحتفلين.
إن كارثة العقود المؤقتة ، تحيق بنفوس الشباب وتقتل فيهم روح المبادرة والحلم بغد أفضل وإستقرار دائم ، وتعرضهم لشتى الأمراض النفسية والجسدية ، وهم يرون أقرانهم في أفضل حال منهم ، وكما قال المثل ” العوض ولا الحريمة ” و ” بعض الشيء أحسن من عدمه ” .
إن على وزارة العمل ، إصدار قانون يمنع العمل بعقود مؤقتة ، وإن تعذر ذلك لأسباب عدم الجديّة وتدافع المصالح وتزاحم الفوائد ، فإن على مجلس النواب ، المبادرة بتشريع مثل هذا القانون الملزم وبصفة الإستعجال .
فهاهم المجنسون يعملون بصورة دائمية والأجانب المهاجرون والوافدون يوقعون عقود عمل دائم أو طويل الأجل وبرواتب ومزايا مغرية ومجزية جداً .
على الدولة ، الوفاء بحق العمل لكل مواطن ، بتوفير فرص العمل للمواطنين دون تمييز وفتح أبواب الرزق الحلال أمام كل أبناء البلد بشكل عادل ، فالكل سواسية أمام القانون في الحقوق -         وأهمها العمل – والواجبات الوطنية ، وكذلك العمل الفوري والجاد على رفع الحد الأدنى للأجور ليتناسب مع ألإرتفاع الحاد في كافة الأسعار ، إ بتداءً من الأرض ومروراً بالمأكل والملبس والدراسة والعلاج وحتى وسائل الترفيه العائلية والرياضة ناهيك عن المواد الكمالية .
إن الإنسان هو أثمن رأسمال في هذا الوطن الغالي ، ويجب أن تستهدفه التنمية المستدامة دون إبطاء أو عذر ،، والكف عن السياسة الممنهجة في عقود العمل المؤقتة ، ليشعر المواطن بمواطنيته الحقة ، فيؤدي عمله بإخلاص وتفان .
على المواطنين ومنظمات المجتمع المدني وكل الخيرين الحريصين على رفعة الوطن وأبنائه ، أن يبادروا بالمطالبة وبإلحاح ، بإلغاء كل عقود العمل المؤقتة للمواطنين ، وتثبيتهم بصورة دائمية ، منعاً للمضاعفات التي تفرزها مثل هذه العقود الظالمة ، على حياتنا وعلى كل الأصعدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والصحية ، وضماناً للسلم الأهلي والحياة الهانئة والمستقبل الذي نرجو أن يكون سعيداً.
 



إضـــــــــاءة


إنَ الـمـؤقــتَ عــقــدُ كـــدحِ ِيـظــلـمُ              بــل إنــه فــصـلُ يُـصــاغ ُويــبــرم ُ
يُشـقى الـضعـيـفُ بـه ِويـسلبُ رزقهُُ              ومـن الكـرامــة ِوالســـعادة ِيُحـــرم ُ
ويضيـــعُ حــقُّ الأكـثـرينَ بخيــرهِمْ               ويعيــشُ فـي دعـة ِالكـروش ِمُنَعّــم


خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

شهادتان في صنع الفقر والثراء (1)

في شهر مارس الفائت، وبينما الأزمة المعيشية التي تعصف بحياة عشرات الملايين من الشعوب العربية على أشدها من جراء الارتفاع الفاحش في أسعار السلع الغذائية الأساسية اتحفتنا مجلة “فوربس” بقائمتها الجديدة الخاصة بنادي المليارديرات العالمي، وتصدر القائمة ما لا يقل عن 35 مليارديرا عربيا تبوأوا مراكز متفاوتة في الترتيب العالمي، من المركز 19 إلى المركز 1062، وكان من بينهم طبقا لما نشرته “الشرق الأوسط” السعودية 13 سعوديا بإجمالي ثروات تبلغ 7،77 مليار دولار، تلتها الإمارات بخمسة مليارديرات، فالكويت ومصر لكل منهما 4 مليارديرات، فيما يبلغ مجموع ثروات الأثرياء العرب في القائمة 6،171 مليار دولار (بالحروف مائة وواحد وسبعين مليار دولار وستة من عشرة). ومن دون النظر في أسباب تراكم معظم هذه الثروات غير المشروعة التي تحقق جلها بفضل الفساد، وفي ظل غياب قانون “من أين لك هذا؟” مقارنة بثروات المليارديرية في البلدان الغربية الذين تمكنوا من تحقيقها ومراكمتها في ظل أنظمة سياسية – اقتصادية تقوم على الديمقراطية والشفافية والرقابة ومنع الاحتكار والفساد – بغض النظر عن كونها أنظمة رأسمالية – فإن لا وجه للمقارنة البتة بين أحجام ما يتبرع به المليارديرية المسيحيون العلمانيون لبلدانهم ولشعوبهم وما يتبرع به المليارديرية العرب المسلمون لبلدانهم وشعوبهم، هذا على الرغم من أن العديد من أحجام ثروات المليارديرية الغربيين تتساوى مع أحجام ثروات المليارديرية العرب. ولكي لا نتهم بالتحامل أو الحسد الطبقي تجاه مليارديريتنا العرب لنستمع إلى شهادتي اثنين من الكتاب الصحفيين ينتميان إلى البلد العربي الأول في عدد المليارديرية العرب (13 مليارديرا) بالقائمة العالمية لنادي الأثرياء ألا هي السعودية نفسها وهما أبعد من أن تتملكهما نزعة الحسد الطبقي إذ كلاهما من ميسوري الحال وكلاهما يحللان بصورة غير مباشرة ظاهرة شحة تبرعات المليارديرية العرب لشعوبهم ويكشفان دور الفساد في مراكمة تلك الثروات والفقر في آن واحد، ففي مقال للمندوب السعودي السابق في اليونسكو محمد بن حمد الديبان (الحياة 29/3/2008) تحت عنوان “أثرياء العرب ماذا قدمتم وماذا ستقدمون؟” يتناول الديبان بالنقد اللاذع بخل ونفاق مليارديرية بلاده، ويكشف زيف ادعاءاتهم بالتبرعات الخيرية والإنسانية ذات الشأن ويفضح حقيقة دوافع تقديم حتى النزر اليسير منها، حيث تعود بالمنافع عليهم في المقام الأول. يقول الديبان: “ولنا في منطقتنا العربية ولله الحمد النصيب الوافر من الشخصيات المسلمة والعربية الثرية التي كسب أصحابها البلايين الكثيرة من الدولارات الأمريكية، فهذا العدد الكبير من الشخصيات العربية الثرية، في مقابل الرقم المخيف من البلايين، يجعل الإنسان العربي يتساءل، ويتعجب في الوقت نفسه: أين هؤلاء؟ ماذا قدموا لأوطانهم وشعوبهم؟ ماذا صنعوا لمحاربة الفقر في دولهم؟ هل ردوا جميل دولهم في مقابل إتاحة الفرص التجارية في تقديم التسهيلات ومرونة الأنظمة والحوافز المجدية؟ ألا يعلم هؤلاء أن عدد الدول العربية والإسلامية تقريبا 58 دولة، نصفها تقع تحت حد الفقر بحسب المعيار العالمي؟ هل ساهم هؤلاء في صناديق مكافحة الفقر؟”. ويضيف الكاتب متعجبا: “لم يسمع الإنسان العربي بالكثير منهم من خلال المشاريع الإنمائية والخيرية! وليس لهم دور يذكر في الحياة الاجتماعية والمساهمة في تخفيف معاناة شعوبهم! لم يسمع عنهم عند طرح الحملات الخيرية لمساعدة الشعوب العربية المنكوبة! لم يتبرعوا بمشاريع في مجالات التنمية في بلادهم”. ويضرب هذا المندوب السعودي السابق في اليونسكو مثالا حيا من واقع تجربته العيانية حينما كان يتولى هذه المسئولية في تلك المنظمة الدولية.. يضرب مثالا بملياردير سعودي ممن تصدروا القائمة الأخيرة لنادي الأثرياء العالمي، وكيف أنه – الكاتب – طلب منه التبرع لبناء مركز للتخطيط الاستراتيجي التربوي لصالح اليونسكو وتحتضنه الدولة السعودية على أراضيها ويخدم دول المنطقة العربية وغيرها من دول العالم وبخاصة تلك التي هي في أمس الحاجة إلى الخدمات التعليمية والتربوية لكن هذا الملياردير الذي طالما تباهى بمشاريعه الخيرية، وهي مشاريع جلها على أي حال لأغراض مكاسب تجارية شخصية، كصرفه منحا دراسية لطلبة ليسوا عربا ولا مسلمين في بريطانيا وفرنسا والبرتغال بغرض تخفيف الضرائب على مشاريعه التجارية في هذه البلدان.. هذا الملياردير سرعان ما تملص من تنفيذ ما وعد به المندوب السعودي (كاتب المقال) بتبنيه للمشروع. ويختتم الديبان مقاله قائلا: وأنا واثق من أن كل من يقرأ المقال سيتذكر موقفا أو مواقف مع أصحاب المال، الذين لم يؤدوا واجب المال نحو مجتمعاتهم ليساهموا في تخفيف وطأة الفقر لدى الشعوب وتوالي الأزمات الاقتصادية والشح في المواد الغذائية والزيادة الجنونية في أسعار السلع الضرورية للحياة. ولنذكر مرة أخرى بأن كاتب المقال كان مندوبا حكوميا في تلك المنظمة يحظى بثقة حكومته وهو ميسور الحال وليس حاسدا أو يساري الهوى من ذوي الأفكار “الهدامة”.
 
صحيفة اخبار الخليج
15 ابريل 2008

اقرأ المزيد

روح المحرق

خلال السنوات الماضية،‮ ‬حاضرت عدة مرات في‮ ‬مجالسٍ‮ ‬بالمحرق،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة أشارك فيها بندوة أو محاضرة هناك ألمس في‮ ‬هذه المدينة وأهلها روحاً‮ ‬نادرة،‮ ‬أزعم انك لا تجدها في‮ ‬مناطق البحرين الأخرى‮.‬ هذا الشعور تعزز عندي‮ ‬في‮ ‬ندوة أقمتها مؤخرا في‮ ‬مجلس الدوي،‮ ‬بتنظيمٍ‮ ‬مشكورٍ‮ ‬من الأخوة الأفاضل المشرفين على هذا المجلس دارت حول القضية التي‮ ‬تشكل موضوع الساعة،‮ ‬ألا وهو الوحدة الوطنية في‮ ‬مواجهة مخاطر التشرذم الطائفي‮.‬ ورغم أن منطلق هذه الندوة كان مؤتمر الحوار الوطني‮ ‬الذي‮ ‬نظمته لجنة التنسيق بين الجمعيات السياسية مؤخراً،‮ ‬ألا أن الحوار الذي‮ ‬دار في‮ ‬الندوة شمل قضايا عدة على صلة بهموم هذا الوطن،‮ ‬وقضايا التحول الديمقراطي‮ ‬ومعضلات الإصلاح‮.‬ في‮ ‬المحرق،‮ ‬أكثر من سواها من مناطق البحرين،‮ ‬تجد هذا المزاج الوسطي‮ ‬المعتدل الذي‮ ‬تشّكل تاريخيا في‮ ‬مدينة منفتحة على البحر من جهاتها الأربع،‮ ‬تضم في‮ ‬ثناياها تكوينات مختلفة،‮ ‬ولكنها انصهرت في‮ ‬بوتقة واحدة،‮ ‬فلم‮ ‬يعد بوسعك أن تميز في‮ ‬طبيعة الانحدارات التي‮ ‬ينتمي‮ ‬إليها أهالي‮ ‬المدينة،‮ ‬لأنهم ببساطة‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقدموا أنفسهم على أنهم محرقيين فحسب،‮ ‬ولا‮ ‬يعود بَعدها مُهماً‮ ‬التدقيق في‮ ‬هوية أخرى فارقةٍ‮ ‬غير هوية المحرق ذاتها،‮ ‬التي‮ ‬يفترض أن تشكل نموذجاً‮ ‬للهوية البحرينية العامة،‮ ‬لو أن الأمور في‮ ‬بلادنا تسير في‮ ‬مجراها الصحيح،‮ ‬وهذا ما لا‮ ‬يحدث على أرض الواقع للأسف‮.‬ لا أريد هنا أن أقدم نشيداً‮ ‬رومانسياً‮ ‬في‮ ‬مديح المحرق،‮ ‬فهي‮ ‬الأخرى لم تنجُ‮ ‬مما أصاب المجتمع البحريني‮ ‬كله من تصدعات وتشوهات تحت تأثير التحولات السلبية الكثيرة،‮ ‬محلياً‮ ‬وإقليميا،‮ ‬وهو تصدع‮ ‬يمكن أن تلمسه في‮ ‬أحاديث الناس،‮ ‬ولكن‮ ‬يظل أن المحرق تقدم بيئة للحوار البناء وتبادل الرأي‮ ‬تجاه قضايا الوطن،‮ ‬من موقع الحرص على سماع الرأي‮ ‬والرأي‮ ‬الآخر بروح التفهم والاحترام‮.‬ في‮ ‬التاريخ السياسي‮ ‬المعاصر للبحرين كانت المحرق بيئةً‮ ‬حاضنةً‮ ‬للفكر الوطني‮ ‬والديمقراطي‮ ‬بتكويناته القومية واليسارية في‮ ‬الفترة بين الخمسينات ومطالع الثمانينات،‮ ‬وقبل ذلك كانت المحرق المدينة التي‮ ‬استقبلت أفكار النهضة والانفتاح والإصلاح والتجديد الديني،‮ ‬وفي‮ ‬هذه المدينة عاش وعمل وكافح رموز هذه الأفكار الذين تركوا بصماتهم واضحة في‮ ‬تاريخ هذا الوطن،‮ ‬وانعطافاته نحو آفاق الحداثة والتجديد‮.‬ هذا الأمر أعطى المدينة روحها الخاصة بها،‮ ‬وهي‮ ‬روحٌ‮ ‬قابلةٌ‮ ‬لأن تشتعل مجدداً،‮ ‬حين تطوف في‮ ‬أزقتها وأحيائها معالم الخطاب الوطني‮ ‬الذي‮ ‬افتقدته تحت ضغط التحولات المتناقضة التي‮ ‬شهدها مجتمعنا،‮ ‬والتي‮ ‬دفعت إلى صدارة المشهد بقوى الغلواء والتطرف والتعصب التي‮ ‬لا تلائم بيئة منفتحة كبيئة المحرق،‮ ‬ولا بيئة البحرين كلها بما عُرف عنها من تسامحٍ‮ ‬ووسطية واعتدال،‮ ‬وهي‮ ‬قيم نحن في‮ ‬أمس الحاجة للإعلاء منها لنعيد للوطن ما‮ ‬يفتقده اليوم وما هو في‮ ‬أمس الحاجة إليه‮.‬
 
صحيفة الايام
15 ابريل 2008

اقرأ المزيد

الإخوان في‮ ‬البحرين وتاريخ بلا ذاكرة وطنية‮ (٢-٢)‬

اختفت نعامة الإخوان في‮ ‬زمن انتفاضة الهيئة،‮ ‬ولكن كما‮ ‬يقال بدت بهذا القدر أو ذاك معروفة الأسماء والوجوه،‮ ‬وأغلبهم تمركزوا في‮ ‬مدينة المحرق،‮ ‬ولولا ذلك المنشور السيئ الصيت الذي‮ ‬أشار إليه عبدالرحمن الباكر في‮ ‬كتابه،‮ ‬لما عرفنا لا ظهر النعامة ولا ذيلها ولا حتى أقدامها،‮ ‬التي‮ ‬سنتابع خطواتها البطيئة،‮ ‬إذ بين الانتفاضتين ‮٦٥ – ٥٦ ‬بالقياس الزمني‮ ‬ليست طويلة فهي‮ ‬تسع سنوات،‮ ‬فماذا عمل الإخوان في‮ ‬تلك السنوات العجاف من تاريخها؟ وكيف عكست وتفاعلت جماهير البحرين مع أحداث عربية بعد العدوان الثلاثي‮ ‬على مصر؟
‮ ‬فقد مرت على البحرين قضايا عربية لم‮ ‬يكن‮ “‬الإخوان‮” ‬حتى مشارك في‮ ‬الإدانة لتلك الأحداث أو مؤيد لبعضها أو مستنكر،‮ ‬فقد جاءت الانقلابات ضد الملكية في‮ ‬العراق عام ‮٨٥٩١ ‬فلم نرَ‮ ‬منشوراً‮ ‬واحداً‮ ‬يؤيد تلك القضية وخلاص الشعب العراقي،‮ ‬ثم دخول العراق مطحنة بين قواها السياسية؛ فلم تعبر عن رأيها وموقفها في‮ ‬محنة الشعب وتنديدا للساحات الدموية؛ فاختار إخوان البحرين الصمت المطبق،‮ ‬فقد كانوا‮ ‬يرون الابتعاد عن المواقف الواضحة والشجاعة خارجيا‮ ‬يساعدهم على مغازلة ومهادنة الانجليز في‮ ‬الداخل؛ فالصراع الرئيسي‮ ‬في‮ ‬العراق كان مبدئيا ضد خروج الانجليز من البلاد وتحريرها من السيطرة‮. ‬
تلك التوجهات المهادنة بدت واضحة في‮ ‬الداخل بهدف الاحتماء بظلال الأنظمة والابتعاد عن تعرضهم للضربات الأمنية الاستعمارية،‮ ‬وذلك ليس تعبيرا عن تكتيك مرحلي‮ ‬ولا نظرة بعيدة للمستقبل،‮ ‬وإنما قناع الإخوان في‮ ‬البحرين في‮ ‬تلك الحقبة عاش مخاوف الناصرية حتى في‮ ‬شوارع المحرق والمنامة،‮ ‬خوفا من‮ ‬غضب الناس عليهم،‮ ‬ما قد‮ ‬يزيد في‮ ‬عزلتهم ويسحب عنهم كل المساحات المتبقية من العمل الجماهيري،‮ ‬مفضلين الانكفاء الحذر في‮ ‬عمل حلقي‮ ‬ضيق النطاق‮. ‬والأكثر من هذا وذاك أنهم مع فترة أعوام ‮٠٦٩١-٤٦٩١ ‬أي‮ ‬قبل الانتفاضة لم نرهم‮ ‬يبدون أي‮ ‬تعبير مخالف إلى تظاهرات الوحدة،‮ ‬رغم أنها تعبير عن اتجاه‮ ‬يمثل تيارات قومية كإعلانات الوحدة الثنائية بين مصر وسوريا وإعلان الوحدة الثلاثية بين العراق وسوريا ومصر،‮ ‬وكأنما تنظيم الإخوان جثة ميتة في‮ ‬البحرين،‮ ‬في‮ ‬زمن كان فيه الشارع السياسي‮ ‬يغني‮ ‬فرحا ويعود للحزن عندما تصاب تلك الوحدة بالانكسار والتراجع‮.‬
‮ ‬فكيف‮ ‬يصمت تنظيم سياسي‮ ‬يدعي‮ ‬الحضور التاريخي‮ ‬طوال هذه الفترة،‮ ‬وفي‮ ‬ذات الوقت لا‮ ‬يكشف عن شجاعة معارضة عن أحداث لا‮ ‬يتفق معها ويراها مخالفة لتوجهاته،‮ ‬فهل تواصلت مهادنة الإخوان في‮ ‬البحرين مع النظام القائم،‮ ‬بهدف الابتعاد عن الضربات التي‮ ‬شهدها أمام عينه تحدث دائما للتنظيمات الوطنية الثلاثة،‮ ‬كالبعث وحركة القوميين العرب وجبهة التحرير،‮ ‬وإذا لم‮ ‬يكن مهادنا لسطوة الانجليز في‮ ‬زمن التحرر الوطني؛ فانه بالتأكيد ظل‮ ‬يشعر بسطوة الشارع السياسي‮ ‬ضده،‮ ‬والذي‮ ‬كانت روحه الناصرية عميقة،‮ ‬ولن‮ ‬يقبل أي‮ ‬اعتراض على الناصرية والاتجاهات القومية المؤيدة له،‮ ‬بل ولم‮ ‬يتحلَ‮ ‬الإخوان بشجاعة البعث الذين ابدوا نقدهم للتجربة الوحدوية وعبروا عن رأيهم في‮ ‬عبدالناصر فدفعوا ثمنا لغضب الشارع ضدهم،‮ ‬ولكنهم في‮ ‬النهاية قالوا كلمتهم التنظيمية‮. ‬والغريب أن تجربة استقلال الجزائر وثورتها المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي،‮ ‬لم تكن محصورة على تنظيم محدد،‮ ‬فقال الجميع كلمته وخرج‮ ‬يعلن تضامنه في‮ ‬الشارع،‮ ‬فلم نجد حلقة طلابية صغيرة من الإخوان تعبر عن موقفها وفرحتها بذلك الاستقلال،‮ ‬على الرغم من تنوع المواقف لتلك الثورة،‮ ‬التي‮ ‬بدت متحالفة ومدعومة من عبدالناصر‮. ‬فهل بالإمكان تخيل تنظيم وطني‮ ‬لا‮ ‬يفصل بين الناصرية والثورة الجزائرية المناهضة للاستعمار‮. ‬
يتماثل الموقف إزاء الثورة اليمنية لقيادة عبدالله السلال لانقلابه ضد الملكية،‮ ‬فلم‮ ‬يفرح إخوان البحرين في‮ ‬مجالسهم ورموزهم،‮ ‬حتى دون إصدار منشور واحد‮ ‬يقول كلمته،‮ ‬والقضية بدت واضحة في‮ ‬الابتعاد عن نقد الملكية كما هو الابتعاد عن نقد الانجليز،‮ ‬فمن الأفضل الابتعاد بجسم التنظيم الجنيني‮ ‬عن سجون السلطة‮. ‬وبقدر ما نفهم التسع سنوات العجاف،‮ ‬ومحنة شعبنا في‮ ‬آخر انتفاضة له قبل الاستقلال الوطني،‮ ‬هب الشارع البحريني‮ ‬والعربي‮ ‬برمته لهزيمة حزيران عام ‮٧٦٩١‬،‮ ‬ولكنهم‮ – ‬الإخوان‮ – ‬لم‮ ‬يفصلوا بين العدو الإسرائيلي‮ ‬كقضية مصيرية وقومية،‮ ‬وعدائهم التاريخي‮ ‬الثابت لعبدالناصر،‮ ‬وهذا ما كان‮ ‬يميز الشيوعيين العرب والمصريين،‮ ‬فهم كانوا‮ ‬يفصلون بين المسألتين،‮ ‬وحتى حلفاء عبدالناصر من التنظيمات القومية مارسوا نقدهم علانية رغم حزن هزيمة حزيران،‮ ‬بينما إخوان البحرين وجدوا في‮ ‬هزيمة عبدالناصر لذة لعذاباتهم الحزبية،‮ ‬متناسين قدر وعذابات الأمة‮.‬
‮ ‬ونراهم اليوم كيف‮ ‬يزجون بالمسألة الفلسطينية من وجهة نظر دينية،‮ ‬أكثر من بعدها التاريخي‮ ‬العربي‮ ‬كصراع لحركة التحرر الوطني‮ ‬في‮ ‬المنطقة‮. ‬وفي‮ ‬العام الثاني‮ ‬من ذكرى هزيمة حزيران‮ (٨٦٩١) ‬استعاد شعب البحرين حيويته ومعاناته،‮ ‬فخرج‮ ‬يعبر عن تلك الهزيمة،‮ ‬ويهتف في‮ ‬اتجاه النهوض،‮ ‬معتبرا تلك الهزيمة كبوة للفارس والأمة،‮ ‬وبالمثل صام صوما ابديا إخوان البحرين عن قول كلمتهم النقدية،‮ ‬سواء مع الهزيمة أو ضدها أو أي‮ ‬تعبير مؤيد أو‮ ‬يستنكر‮. ‬ثم نفهم فرحهم العميق بعد سنوات على موت عبدالناصر في‮ ‬وقت كان الشارع حزينا،‮ ‬ولكنهم لم‮ ‬يقولوا كلمتهم في‮ ‬المسيرة العمالية عام ‮٢٧٩١ ‬ببيان واحد ولا حتى كلمة فصل عن استعداد البحرين للاستفتاء بعروبة البحرين،‮ ‬ثم الاستعداد للمجلسين التشريعي‮ ‬والنيابي،‮ ‬فصمتوا كـ‮ “‬أبو الهول‮”‬،‮ ‬إذ بدا الاستقلال الوطني‮ ‬وكأنه لا‮ ‬يعنيهم،‮ ‬وهذا ما لمسه الشارع السياسي‮ ‬في‮ ‬سنوات المجلس الوطني‮ ‬وفي‮ ‬تجربته الجريئة حتى آخر لحظة،‮ ‬ضد مرسوم أمن الدولة المكبل‮. ‬فهل نحن بحاجة لاستعراض أكثر لذلك التنظيم،‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يستنكر الوضع الاستبدادي‮ ‬والقمع،‮ ‬وإنما وجد فرصته كتنظيم انتهازي‮ ‬في‮ ‬التغلغل بين الناس بنهج العطاءات والأعمال الخيرية،‮ ‬وزار دول وأثرياء لكي‮ ‬ينسج اخطبوط تنظيمه في‮ ‬البحرين في‮ ‬زمن نهوض الموجة الإسلامية في‮ ‬أفغانستان،‮ ‬حيث فتحت لهم الأبواب على مصراعيها إلى أن حانت الفرصة الأخيرة في‮ ‬مجلسنا الوطني‮ ‬مع مشروع الإصلاح،‮ ‬الذي‮ ‬جاء به الملك‮. ‬
وطالما لسنا هنا معنيين بالنسيج الداخلي‮ ‬لتنظيم الإخوان وغيره من تنظيمات متشددة،‮ ‬فان ما نراه اليوم ليس إلا نتاج لتراكم تاريخي،‮ ‬حيث دخل الإخوان في‮ ‬البحرين والخليج من بوابته الواسعة،‮ ‬فقد هرب إخوتهم من مصر وسوريا والأردن وفلسطين إلى أوروبا والخليج،‮ ‬فأسسوا كوادر وتنظيماً‮ ‬أكثر حبكة وتكتيكا من تنظيم البحرين التقليدي‮. ‬فهل‮ ‬يحاول مجموعة الباحثين لي‮ ‬عنق التاريخ عنوة،‮ ‬لكي‮ ‬يضيفوا ولو مسحة تاريخية على وطنية تنظيم لم‮ ‬يفتح فمه،‮ ‬بكلمة مسموعة أو مقروءة عن موقف معاد للاستعمار،‮ ‬ومناشدا بالتحرر من كل أشكال القهر والتبعية‮. ‬ذاكرتنا الوطنية واضحة كالشمس،‮ ‬فلماذا نضع أيدينا لإخفاء الحقيقة؟‮! ‬

صحيفة الايام
15 ابريل 2008

اقرأ المزيد

محاكمات قانون تدابير أمن الدولة


كجزء من تاريخ وطننا نروي عن محكمات امن الدولة، ليس بهدف التحريض السياسي وإنما للإعانة في التسجيل فقد يأتي جيل لا يعرف عن هذه التجربة ولا يدري ماذا جرى ويجري.  ما يسجل هنا فيه تسهيل وإعانة لكل باحث في تاريخ هذا البلد خاصةً إن معلومات كثيرة لم تعرف، وطواها النسيان عن أحداث كثيرة مرت بها البحرين بسبب أن وازع الكتابة كان ضعيفاً مما جعل ذاكرة الوطن تواجه صعوبة وغموض في نواحً كثيرة .
 
تم إسقاط قانون تدابير أمن الدولة في البرلمان من قبل قوى الشعب وعليه جرى حل البرلمان ومن ثم اعتقالات فمحاكمات بموجب هذا القانون.
 فما الذي اشتملت عليه هذه المحاكمات؟
 بعد أن تأكد لنا ونحن في سجن جدة أن المحاكمات ستبدأ قريباً،  قررنا إعداد دفاع مشترك يتم حفظه عن ظهر قلب ثم يقدم للمحكمة.  وتم صياغة نص واحد للجميع بغض النظر عن الانتماء السياسي.
 
 يقول  النص .. إنني أرفض قانون تدابير أمن الدولة الذي رفضه الشعب ممثلا في أعضاء المجلس الوطني. لأنه من عهود السيطرة الاستعمارية .
 
وفي شهر فبراير 1975م جرى نقلنا واحدً تلو الأخر إلى قسم التحقيقات الجنائية في مبناه القديم بالقلعة حيث كتبنا هذا النص وتم وضعه داخل مظروف مغلق. حيث جرى فتحه في المحكمة.
 
في بداية المحاكمات كانت الحراسة مشددة وعدد سيارات الشرطة كبير و استعملت طائرة هيلوكبتر كانت تحلق في الجو. إلا أن الجلسات الأخرى لم تعرف هذه الضجة المفتعلة وكان الأمر يجري بشكل عادي .
هذه المحاكمات لا يستطيع شخص واحد أن يكتب عنها  فحتى نجمع أكبر معلومات عنها يفترض أن يساهم عدد كبير ممن كانوا ضحية قانون أمن الدولة.
 
أول جلسه عادةً تبدأ بما يسمى جلسة الاطلاع حيث يحضر ضابط السجن والمقبوض عليه كما يعبر عن ذلك في مرافعة المدعي العام كما أن من حقه طلب محامً، والملف كما هو مذكور فيه ، نسخة من الأصلي ولكن غير مكتملة لدواعي أمنيه كما يذكرون .
 
أبرز ما يحتويه الملف مرافعة المدعي العام و هي واحدة ولكل شخص نسخة مشابهة و تركز على أن هذا المعتقل متهم بتسويد الطبقة العاملة وأن له نشاط يضر بأمن الدولة والمطلوب استمرار حبسه .
 ثم تأتي بقية الوثائق وهي عبارة عن منشورات صدرت في أوقات مختلفة في داخل وخارج البحرين وليس من الضروري أن يكون المقبوض عليه قد رآها أو ساهم فيها أو ينتمي لها. فالتهمة مشتركة وقد تكون هناك بلاغات ضد الشخص ولا يهم إن كانت صحيحة أو خاطئة، واعترافات من أشخاص وليس من الضروري أن تكون ضد الشخص المعتقل أو ضد غيره، و واضح هنا إن الهدف هو اطلاع صاحب الملف على ما يريدون أن يكشفوه أمامه. هذا إلى جانب الصور للمظاهرات التي قامت في أزمنة مختلفة دون أن يكون الشخص له علاقة بها فعلى سبيل المثال إن أحد الأشخاص وجد في ملفه صورة لساق لنكدنل بوب بعد قطعها يحملها أحد الممرضين .
 
هذا أتاح للجميع فرصة الاطلاع على وثائق وصورا لا تخصه.  بل تم معرفة أشخاص معترفين دون أن يعلنوا عن اعترافاتهم من قبل. كذلك مخبرين كانت الشكوك حولهم ضعيفة.
 
حتى الاعترافات القديمة التي كتبت في بداية الستينات من قبل بعض القومين العرب تم ضمها إلى ملفات بعض المعتقلين حتى وجد أسماء أشخاص لم يكونوا معروفين بالنشاط السياسي تم التعرف عليهم .
جلسة الاطلاع هذه تعقبها المحاكمة بعد أسبوع أو أسبوعين ولا تستغرق أكثر من دقائق قليلة جداً حيث يسأل القاضي. أهذا دفاعك؟ فيجيب الشخص بنعم،  بعد ذلك يقول رئيس المحكمة بلهجة عامية .. قبلت . وهذا يعني أن المحكمة قبلت استمرار حبس المقبوض عليهم.  إلا أن جلسات المحكمة بعد انتهاء المدة وهي ستة شهور ليس فيها اطلاع على الملف ويكون السؤال على الشكل الأتي هل جهزت دفاعك؟  أما الجواب فهو نفس الموقف السابق فيرد القاضي .. قبلت.  إلا أن بعض المعتقلين يطلبون فرصة أخرى للحضور حتى تتاح لهم مقابلة أهاليهم في المحكمة أو التفرج على الشوارع في طريقهم من والى المحكمة.
 
حسب قانون أمن الدولة يطلق سراح المقبوض عليه حتماً بعد مضي ثلاث سنوات .  وصادف إن أحدنا نبه القاضي إلى انه قد أكمل ثلاث سنوات حسب القانون فرد عليه إنه لا يحكم في القلعة وإنما يحكم في المحكمة.
 وهكذا فإن هناك من ظل في السجن أربع سنوات وخمس سنوات وسبع سنوات إلا انه بعد انتهاء السنوات الثلاث توقفوا عن إرسال أحد إلى المحكمة. 
  
 

خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

الحركة الطلابية العراقية…. تاريخ حافل ونضالات مشهودة…

لعبت الحركة الطلابية العراقية ولعقود عديدة أدوارا نضالية متميزة في تاريخ الحركة الوطنية عموماً. وقد تنوعت هذه الأدوار واتخذت أشكالاً متعددة تتناسب وطبيعة الصراعات السياسية ألقائمه في كل فتره من فترات التاريخ السياسي العراقي الحديث. وكان لتأثير الحركة الوطنية الكبير على الطلبة كونهم جزء من النسيج الوطني العراقي دوراً كبيراً في بروز نضالات الطلبة الوطنية والتي تجاوزت المطالب المهنية لهم. وقد تجلى ذلك في مساهماتهم في الاحتجاجات والتظاهرات والإضرابات الجماهيرية ذات الطابع الوطني العام .
يمكن القول بأن النضالات الطلابية المهنية والوطنية على حدٍ سواء وحتى عام 1948 قد اتخذت الطابع العفوي وأسلوب رد الفعل غير المنظم، ولعل السبب في ذلك يعود إلى خلو الساحة الطلابية من التنظيم الطلابي الذي يؤطر هذه النضالات وينظمها ويوجهها التوجيه الصحيح .
إن حالة النهوض الوطني للحركة الوطنية العراقية مجسدةً بأحزابها الوطنية آنذاك قد انعكست بشكل كبير على الوسط الطلابي وقد برز هذا الانعكاس جلياً في مساهماتهم الفعالة في وثبة كانون المجيدة عام 1948 وتقديمهم الشهداء الخالدين (شمران علوان، قيس الآلوسي، جعفر الجواهري) حيث مهد ذلك إلى تأسيس أول تنظيم طلابي عراقي تحت أسم ( اتحاد الطلبة العراقي العام ) وكان ذلك في 14 نيسان 1948 حيث احتضنت ساحة السباع وسط بغداد وبصورة علنية متحدية السلطات مندوبين من المدارس والمعاهد والكليات العراقية وبحماية عماليه وبحضور الجواهري الكبير الذي أستذكر في قصيدة ألقاها في الحضور أخيه شهيد الوثبة جعفر الجواهري .
أخذ النضال الطلابي بشقيه المهني والوطني بعد تأسيس الاتحاد يسير بالاتجاه الصحيح ويأخذ الطابع المنظم مدعوما من الأحزاب الوطنية والمنظمات الجماهيرية الأخرى، إلا أنه وبالرغم من تأسيسه العلني اتجه إلى العمل السري شأنه شأن الأحزاب الوطنية والمنظمات الجماهيرية الأخرى وذلك لحملة الاعتقالات الشرسة التي قامت بها السلطات آنذاك والتي شملت الكثير من ناشطي الأحزاب الوطنية والديمقراطية وناشطي الاتحاد الذين كان لهم دوراً مهماً في وثبة كانون المجيدة.
لقد طبع النضال الطلابي وتنظيمهم الاتحادي الطابع السياسي في تلك الفترة على حساب الطابع المهني وهي حالة طبيعية نتيجةً للظروف الموضوعية السائدة آنذاك ولحماس الطلبة الوطني والثوري كونهم الشريحة المتعلمة في المجتمع. وقد تبلور هذا النشاط بمساهمة الاتحاد جنبا إلى جنب مع الأحزاب الوطنية والمنظمات المهنية الأخرى في انتفاضتي 1952 و1956. وقد برزت أهمية التنظيم الطلابي في انتفاضة 1956 للتضامن مع الشعب المصري بشكل واضح حيث تشكلت لجنه طلابية أخذت على عاتقها الإشراف على تعبئة الجماهير الطلابية وتنظيم فعالياتهم، وكان من جراء هذه الانتفاضة مواجهة العديد من الطلبة عقوبات الفصل والإبعاد والاعتقال، إلا أن كل ذلك لم يثني عزيمتهم أو يضعف حماسهم الوطني الوثاب.
لقد كانت الانتفاضات الشعبية المتلاحقة وروح التحدي لدى عامة الشعب بمثابة المقدمات الأساسية والضرورية لقيام ثورة 14 تموز 1958 المجيدة والتي هي محصلة طبيعية لهذا التحدي والنضال البطولي للعراقيين عامةً حيث سادت أجواء سياسيه جديدة تمثلت بمناخ ديمقراطي محدود وأتساع نسبي في مجال الحريات العامة، وكان لابد من أن ينعكس ذلك على الطلبة وتنظيمهم الاتحادي حيث استغل الاتحاد هذه الظروف الجديدة فبادر إلى عقد مجلسه الاتحادي عام 1957 بحضور الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم والقادة السياسيين إضافة إلى ممثل اتحاد الطلبة العالمي والذي كان الاتحاد عضواً فعالاً فيه حيث تم آنذاك تغيير اسم الاتحاد إلى ( اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ).
وكعادتهم في تخريب كل جهد وانجاز وطني شكل البعثيون عام 1960 تنظيم (الاتحاد الوطني لطلبة العراق) والذي أحدث انشقاقا في الحركة الطلابية العراقية. ورغم ذلك استمر اتحاد الطلبة العام في نشاطه الطلابي والوطني الواسع حيث انتشرت فروعه في كل مدن العراق وظل مدافعاً أميناً عن حقوق الطلبة المهنية خصوصاً وحقوق الشعب عموما.
وفي 8 شباط 1963 جاء الانقلاب الدموي الذي قاده البعثيون ضد ثورة 14 تموز المجيدة حيث حولوا البلاد إلى سجون ومعتقلات كبيره يقبع فيها خيرة أبناء العراق ومناضليه، وكان لقادة اتحاد الطلبة العام وأعضائه ومناصريه نصيبا وافرا من تلك الهجمة الشرسة حيث قدموا الأعداد الكبيرة من الشهداء والمعتقلين دفاعاً عن ثورة تموز المجيدة ومنجزاتها الوطنية.
إن كل ذلك لم يثني من عزيمة الاتحاد حيث أستمر في نضاله السري محاولا لملمة جراحاته العميقة وإعادة بناء تنظيماته في الأوساط الطلابية وكانت ثمرة نضالاته هذه حصوله على نسبه كبيره من أصوات الناخبين قاربت التسعين بالمائة في الانتخابات الطلابية التي جرت عام 1966 وفي ظل الحكم العارفي وهي نسبه كبيره قياساً بالوضع السياسي في البلاد ووضع الاتحاد بشكل خاص .
وبعد انقلاب تموز 1968 الذي أعاد البعثيين إلى السلطة مجددا، عاد معه الاتحاد الوطني لطلبة العراق محاولاً فرض سيطرته على الساحة الطلابية وبدعم من أجهزة السلطة المدنية والأمنية، إلا أن اتحاد الطلبة العام واصل نضاله وفي ظروف سريه صعبه مساهماً فعالاً في الأنشطة الطلابية والوطنية . ورغم انبثاق ما سمي بالجبهة الوطنية عام 1973 إلا أن عمل الاتحاد بقي سرياً حيث واجه منتسبوه الكثير من المضايقات من قبل عناصر الاتحاد الوطني وبدعم من أجهزة السلطة الحاكمة. وفي عام 1975 وفي مسعى لاحتكار العمل المهني عموماً من قبل البعث الحاكم ومنظماته المهنية، فأنهم أصروا على تجميد نشاط اتحاد الطلبة العام والمنظمات المهنية الأخرى، مما جعل عمل الاتحاد يأخذ صيغ أخرى يغلب عليها الطابع السياسي. وللحقيقة والتاريخ لابد من الاعتراف من أن عملية التجميد قد ألحقت بالاتحاد ضرراً كبيراً وأضعفت من إمكانياته في التحرك في الوسط الطلابي إضافة إلى الاجتهادات والآراء المختلفة لدى منتسبيه حول عملية التجميد والتي ناقشها الاتحاد داخلياً بروح ديمقراطيه. وبعد انهيار تجربة الجبهة الوطنية المريرة تعرضت الأحزاب الوطنية والتقدمية عامه والحزب الشيوعي على وجه الخصوص إلى أبشع هجمة إرهابيه حيث تمت ملاحقة المناضلين وإيداعهم المعتقلات وإصدار الأحكام الجائرة بحقهم وتصفية وتغييب الكثير منهم ودفنهم في مقابر جماعية تم اكتشاف العديد منها بعد سقوط النظام الديكتاتوري، وقد تحمل الطلبة جزءاً من هذه الهجمة مما دفع الكثير منهم إلى ترك دراستهم متجهين للعمل السري فيما ألتحق قسم منهم فيما بعد بحركة الأنصار المسلحة في كردستان .
لقد كانت تجربة عمل اتحاد الطلبة العام في ظل الأنظمة المختلفة تجربة هامة وغزيرة وقد أفرزت الكثير من الدروس النضالية والتي لابد للاتحاد نفسه والحركة الطلابية عموماً من دراستها والاستفادة منها وإبراز جوانبها الإيجابية الكثيرة. لقد كان الاتحاد بحق مدرسة نضالية تخرج منها الكثير من الوجوه التي لعبت أدوارا مهمة في مفاصل الحياة في العراق سياسياً وثقافياً وعلمياً في الماضي والحاضر.
واليوم، وبعد سقوط النظام الديكتاتوري البغيض، تعيش البلاد أجواء سياسيه جديدة حيث هامش الديمقراطية النسبي والذي كان من نتائجه الكثيرة ظهور اتحادات طلابية جديدة في الساحة الطلابية وهي نتاج طبيعي للتعددية السياسية في البلاد والتي تجد لها امتدادات في الوسط الطلابي، ولكن يجب أن لا يدفع ذلك إلى أن تتحول هذه الاتحادات إلى فروع لهذا الحزب أو ذاك متخليةً عن دورها الحقيقي في الدفاع عن حقوق الطلبة المهنية، كما إن قوة هذا الاتحاد أو ذاك يجب أن لا تتأتى من قوة الحزب السياسي المؤيد له بل من مدى دفاعه عن الجماهير الطلابية وحقوقها المشروعة. لقد أثبتت التجربة العملية وبصوره لا تقبل الشك فشل محاولات احتكار العمل الطلابي لهذه الجهة أو تلك وما محاولات الاتحاد الوطني في هذا الخصوص إلا دليلاً على ذلك وعليه لابد من العمل الحثيث وروح الحرص على الحركة الطلابية العراقية من أجل تأسيس لجنة عليا أو شبكه للاتحادات الطلابية العراقية كما هو الحال في شبكة النساء العراقيات مثلاً تأخذ على عاتقها تنسيق وتنظيم النشاطات الطلابية المهنية والوطنية ولكي تلعب الشريحة الطلابية دورها الهام في المجتمع المدني .
إن الأهداف التي يناضل من أجلها اتحاد الطلبة العام في الظرف الراهن كثيرة، لعل من أبرزها التصدي للأفكار السلفية الإرهابية المتطرفة والوقوف بحزم أمام القوى الظلامية التي تحاول ومن خلال عناصرها ومليشياتها من التضييق على الحرم الجامعي وفي كافة الجامعات العراقية وتهديد أو قتل كل من يقف في وجههم طلاباً وأساتذة في محاوله مكشوفة لتفريغ الجامعات من الأساتذة الكفوئين المتحمسين لرفع المستوى العلمي للطلبة وجعله مواكباً للتطور العلمي السائد في العالم المتحضر. إن الاتحاد يناضل من اجل ديمقراطية التعليم ومجانيته وتهيئة برامج ومناهج دراسية حديثة وسد النواقص في المؤسسات التعليمية عامة وإكمال المستلزمات الدراسية من مختبرات وورش تطبيقية، كما يناضل أيضا من اجل حق الطلبة في تأسيس منظماتهم الطلابية وأجراء انتخابات حرة ونزيهة بعيداً عن التدخلات السياسية.
وأخيراً، لابد لنا في هذا اليوم التاريخي المشهود (الذكرى الستون لتأسيس اتحاد الطلبة العام) من استذكار أولئك الذين حفروا أسمائهم في تاريخ الحركة الطلابية العراقية واتحادها العام وعرفوا بنضالهم وإخلاصهم لقضيتهم. إن أعدادهم بالتأكيد كبيرة وكبيرة جدا لكنني سأتوقف أمام أسماء بعض الذين عرفتهم عن كثب وسأكتفي بكوكبة من الشهداء في بغداد والبصرة مع التقدير الكبير للأحياء من المناضلين الذين ربما أتخذ البعض منهم سبلا أخرى في حياتهم إلا إن دورهم آنذاك لا يمكن نسيانه على أية حال. ففي بغداد لابد من الوقوف إجلالا وإكبارا أمام الشهيد خالد يوسف متي الذي عرفته قبل قيام ما سمي بالجبهة الوطنية ضمن ثانويات بغداد الرصافة مناضلا كرس جل وقته للعمل الاتحادي ومن اجل إيجاد نواتات لتنظيم الاتحاد في مدارس أطراف بغداد، ولابد من استذكار الشهيدة ياسمين قاسم تقي، المناضلة المتسلحة بالوعي والثقافة والصلابة الكفاحية. أما في البصرة الفيحاء فلابد من الوقوف بإجلال أمام الشهداء، رضيه ياس خضير، سامي غياض، حسن مرجان، وافي كريم مشتت، عصام حسناوي كسار، جمال وناس والذين عرفتهم جامعة البصرة مناضلين أشداء عن حقوق الطلبة ومبادئهم السياسية. لابد لنا في هذا اليوم من أن نستذكر وبتقدير كبير(إيثار البصرة وخلودها)، إنها تلك الإنسانة الكبيرة والرائعة في كل شيء، لقد كان الجميع يستمد منها العزم والقوه حيث الابتسامة التي لا تفارقها في أصعب الظروف. لقد وقفت هذه الإنسانة التي أجهل مصيرها الآن أمام جلاديها بصلابة قل نظيرها واضعة مبادئها وقيمها العليا قبل كل شيء حيث كانت بحق رمزاً للمرأة البصرية المناضلة والتي تواجه اليوم هجمة شرسة جديدة من قبل قوى الظلام والإرهاب والتخلف.
 
عاشت الذكرى الستون لتأسيس إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية.
المجد والخلود لشهداء الحركة الطلابية العراقية.

اقرأ المزيد

الفساد في ألبا

في بداية شهر مارس/آذار الماضي نشرت عدد من وسائل الإعلام الأميركية تقارير بشأن قيام شركة ألمنيوم البحرين برفع دعوى قضائية لدى المحاكم الأميركية تتهم فيها شركة «الكوا الأميركية للألمنيوم» بتقاضي مبالغ أكبر من اللازم والاحتيال وتقديم الرشى لمسئولين بحرينيين مقابل إسناد مهمة تزويد شركة ألبا بالمواد الخام بسعر أعلى بكثير من الأسعار العالمية, وقالت هذه التقارير إنّ شركة ألبا طالبت في دعواها باسترداد مبلغ مليوني دولار استحوذت عليها «الكوا» خلال الـ 17 سنة الماضية من خلال إبرام عقود تصدير مادة الأمونيا مما يعد أكبر قضية فساد في البحرين كشفت حتى الآنَ.
وفي حين قدر رئيس نقابة شركة ألمنيوم البحرين «ألبا» علي البنعلي مجموع المبالغ التي تم الاستيلاء عليها عن طريق عمليات الرشوة والفساد في الشركة بـ 8 مليارات دولار على مدى العشرين سنة الماضية، وقال في ندوة نشرت في عدد من الصحف المحلية إنّ شركة ألمنيوم البحرين تخسر ما بين 112 مليون دينار و200 مليون دينار كلّ عام ابتداء من سنة 2005 وحتى الآنَ فيما خسرت مليار دولار ما بين العام 1988 و2004 نتيجة إسناد مهمة تزويدها بمادة الأمونيا لشركة الكوا. كما قدر مجموع الرشى المقدّمة لتنفيذ عدد من مشروعات التطوير في الشركة بحوالي مليار دولار وهو ما تساوي قيمته ربع كلفة المشروعات المنفذة التزمت الشركة الصمت إزاء هذه الأرقام ولم تدل بأيّ تصريح أو تصحيح لهذه الأرقام الفلكية حتى الآنَ.
البعض يرى بأنه ليس هناك جدية تماماً في كشف قضية الفساد هذه بدليل أنّ الشركة لم تسند أيّ اتهام رسمي للمتهم الرئيسي الذي حصل على قيمة هذه الرشى لا في المحاكم الأميركية ولا في المحاكم البحرينية، بالإضافة إلى ما صرح به محامي الشركة من عدم ممانعة شركة ألبا بتحويل القضية إلى المحكمة المدنية.
التقارير الرسمية تشير إلى أنّ الدعم الحكومي لشركة ألبا خلال العام الماضي 2007 بلغ أكثر من 100 مليون دينار، ما يوازي 260 مليون دولار من خلال دعم أسعار الغاز، إذ تبيع الحكومة الغاز على ألبا بسعر دولار ونصف لكلّ مليون وحدة حرارية، في حين يبلغ سعر ذلك في الأسواق العالمية نحو 9 دولارات، مع العلم أنّ البحرين لا تمتلك إلا 77 في المئة من أسهم الشركة، ما يعني توجيه الدعم لشركاء آخرين, «في حين أنّ حكومة البحرين تسلّمت أرباحاً قدرها 269 مليون دولار عن العام الماضي ما يعني أنّ الأرباح الحقيقية لا تتعدى 9 ملايين دولار بالمجمل.

صحيفة الوسط
14 ابريل 2008

اقرأ المزيد

البديل الديمقراطي الناسخ للعنف

ما الذي كان يجري في البحرين في سنوات التسعينات؟ ما سر الفوضى التي ضربت أطنابها طولاً وعرضاً في ذلك العقد؟ عندما استشعرت القوى الوطنية الديمقراطية في بداية التسعينات أن اختمار التململ الشعبي قد بلغ أوجه وقارب الانفجار، وبعد مشاورات بين «الداخل» و«الخارج» أطلقت من بيت عضو برلمان السبعينات، المناضل محمد جابر الصباح، فكرة العريضة النخبوية، تلتها العريضة الشعبية.كان الهدف تدارك الأوضاع قبل أن تفلت السيطرة من يد السلطة والمعارضة معاً.
غير أن عين السلطات لم تكن على هذا النوع من المعارضة (الديمقراطية)، بل على القوى التي لا تملك برنامجاً. أدارت السلطة ظهرها للعريضتين السلميتين وتعاملت مع مقدميها بالعين الحمراء. كان الحوار مع القوى الديمقراطية صعباً على السلطة لأنه سيضطرها في ظل متغيرات الأوضاع العالمية إلى الدخول في مفاوضات على برنامج سياسي تحويلي للخروج بالمجتمع من حالة الأزمة. كان الأسهل هو «الحوار» مع القوى السياسية – الطائفية كبديل للقوى الديمقراطية، وباستخدام القوة مع أطراف من هذه القوى «البديلة» والتقرب إلى أطراف أخرى. ولعلها وجدت في هذا الخيار حجة لتقول للعالم: «انظروا.. الإرهابيون يهددون الوضع، ونحن نريد تضامنكم». كانت هذه العلاقة بين السلطة و«المعارضة الجديدة» أشبه باللعب العنيف الذي لا يملك هدفاً محدداً. كل ما تريده السلطة هو الإبقاء على ما كان، وكل ما تريده «المعارضة الجديدة» هو التخلص مما كان، ولا يهم «كيف» و«إلى أين». فإلى أين وصلنا بالفعل؟
المؤرخ والفيلسوف المثالي الهولندي يوحنا هايزينغا (1872 – 1945) الذي كان يرى أساس الثقافة في «اللعب» كأعلى تجلّ للجوهر الإنساني قال مرة «إذا شجعت السلطات العنف، فالكلمة التالية ستكون للإرهابيين».
وهكذا كان. ولو سارت «اللعبة» بشكل آخر، لو دخل الحكم في تفاوض على أساس العريضة ومطالبها السلمية، ولو لم تجنح «المعارضة الجديدة» بالحركة الاحتجاجية بتسارع نحو العنف لكان مجتمعنا قد وفر تلك الكُلف الاجتماعية الباهظة للتغيرات السياسية التي حدثت في ما بعد.
وليس صحيحاً أبداً أن صدامات التسعينات عجلت بالإصلاحات، بل أخّرتها وأضعفتها منذ البدء. وصول جلالة الملك إلى الحكم بمشروعه الإصلاحي كان يعني فشل الطريق السابق الذي سلكه الحكم و«المعارضة الجديدة» معاً.
وجرى البحث عن طريق آخر للتخاطب عبر الحوار السلمي. ومن جديد جرى هذا الحوار بين الطرفين ذاتيهما اللذين اعتادا التخاطب عبر القوة. المعارضة التقليدية، أي القوى الوطنية الديمقراطية، تُركت جانباً للأسف تلملم جراحها بعد كل ما عانته لأكثر من ربع قرن من صنوف التنكيل. ومع كل ذلك بقيت المعارضة التقليدية بما تمتلكه من كوادر، وبحكم طبيعتها الديمقراطية وبرنامجية حركتها مهيأة أكثر للحديث عن رسم ملامح المرحلة المقبلة.
لم يكن المتفاوضون سياسيين محترفين. وكانت «اللعبة» أن أحدهما بلَّع الآخر لغماً تفجر فيما بعد في الموقف بشأن ازدواجية السلطة التشريعية فاهتزت الأرض تحت المشروع الإصلاحي. ورغم مآخذ الكثيرين – شتماً وتنظيراً أو انتظاراً – فلولا الموقف الصحيح الذي اتخذه المنبر الديمقراطي التقدمي في الوقت المناسب لكان الوضع قد ارتد إلى المربع الأول.
ظل المتحاوران الأساسيان في القضايا الكبيرة نفسهيما وبالكفاءة السياسية الضعيفة ذاتها. وكما في السابق ظل جوهر العلاقة هو العنف ولو أنه أخف وأكثر تغليفاً. أما الضحية الأساسية فكانت القوى الديمقراطية من جديد. فالقوانين المقيدة للحريات والعمل الجماهيري والإمكانات المادية للأحزاب السياسية أحدثت أثرها السلبي على هذه وليس القوى السياسية ذات الطابع الطائفي التي زادت في سنوات الإصلاح استقواء بالمؤسسات الدينية والخيرية باعتبارها قنوات واسعة للسيطرة على الجماهير ولضخ المال منها وإليها، خصوصاً بعد ارتفاع أسعار النفط، الذي بفضله استغنت القوى الطائفية – بمذهبيها – كما استغنت الدولة. يعني أن القوى الديمقراطية الحقيقية بقيت مهمشة، وحتى مغيبة في المساومات السياسية كما كان عليه الوضع قبل الإصلاح.
لكن الخطر الجدي لهذا الأمر هو أنه ينذر بعودة الوضع برمته إلى ما قبل الإصلاح.
وإذا كنا قد قلنا إن متحاوري الأمس لم يكونوا محترفين سياسيين، فهم اليوم لايزالون أنفسهم ولايزالون على ما هم عليه.
لكن ثمة فارقاً جوهرياً. خلال سنوات الإصلاح تطورت مؤسسات المجتمع المدني وقوي عودها بعض الشيء. وحتى وإن بقي كثير منها تحت تأثير القوى الطائفية، إلا أن طبيعة قواها الأساسية خلاف ذلك. ورغم المحاولات الجارية للاستئثار الطائفي بقيادات هذه القوى، وبالتالي إضعاف رسالتها، كما يخطط لانتخابات الاتحاد العمال البحرين المقبلة، إلا أن من الواضح أن حركة عمالية بقيادة طائفية يعني تراجع الحركة.
وهكذا، فرغم أن الشرخ الطائفي الذي يهدد الوحدة الوطنية يبدو واسعاً وخطيراً، إلا أن المجتمع المدني أصبح يمتلك إمكانات تطوره الذاتي مستقلاً عن القوى الطائفية وعن الدولة إلى حد ما. ولهذا، فإن التشريعات المحددة للحريات ومظاهر العنف في الشارع هما وجها ميدالية الفزع من إمكانات تطور دور المجتمع المدني. في الأسبوع الماضي بلغ العنف أوجه منذ بداية الإصلاحات حيث وصل درجة حرق إنسان حي. وقد ينذر ذلك بالمزيد لا لقوة بأس مرتكبي مثل هذه الأعمال الشنيعة، أو لاعتبارهم ممثلين لقوى اجتماعية واسعة، بل بالعكس تماماً، بسبب «الطريق المسدود» الذي انتهى إليه «برنامجهم»، والرفض الذي يعلنه أهالي المناطق الذين لا يعرفون من أجل ماذا «يضحون».
وللمرة الأولى تلاقي هذه الأفعال إدانة صارخة من قبل كل القوى السياسية والاجتماعية بلا استثناء. لكن هذه مجرد إمكانات موضوعية كامنة فقط لإنهاء مظاهر العنف. ولن تحصل هذه الإمكانات على فرص تحققها الحقيقية إلا بشرطين:
أولاً، أن تتخذ الدولة موقفاً أكثر وضوحاً من تطوير العملية الديمقراطية، وهذا مهم لأنها الطرف الأقوى في المعادلة. وثانياً، أن تتمكن المعارضة الوطنية الديمقراطية الأصيلة من لعب دورها الطبيعي والتاريخي، فلا ديمقراطية من دون ديمقراطيين حقيقيين.
 
صحيفة الوقت
14 ابريل 2008

اقرأ المزيد

أعمال العنف.. وأزمة المعارضات العربية

قبل فترة وجيزة اتذكر بأني تناولت في هذه الزاوية قضية على درجة من الأهمية في الوضع الحالي الذي تعاني منه كل الحركات السياسية العربية من دون استثناء، لا الحركة السياسية البحرينية وحدها، ألا وهي مسألة الانفصام بين خطاب النخبة العقلاني، أو المستنير، وخطاب الشارع او ان جاز القول ثقافة العوام وأنصاف المثقفين السياسيين والذين لا يقرأون أو لا يبالون بثقافة النخبة السياسية وتحليلاتها الموضوعية العقلانية للواقع الملموس بكل تعقيداته وأزماته وسُبل الخروج منه، مهما كانت هذه السبل او الوسائل بطيئة او تستلزم الصبر والتروي. وكنت قد تناولت هذه المسألة في سياق تعليقي على مقال ضاف للمفكر المصري السيد ياسين نشِر في صحيفة “الاتحاد” الظبيانية.
اليوم تثبت أحداث العنف المتسارعة الجارية في عدد من البلدان العربية، ومنها مصر واليمن وبلادنا، والتي راح ضحيتها أبرياء صحة ما نذهب إليه، ذلك بأن هذه الأحداث المؤسفة ايا تكن مسبباتها الموضوعية وجذورها السياسية والاقتصادية إنْ تبرهن على شيء فإنما تبرهن على غياب الدور الفاعل والضابط المنظم للحركة السياسية الشعبية العربية التي تتسم في وضعها الراهن بالفوضى والشللية وأعمال العنف والإرهاب التي ترتكبها الجماعات والتكتلات الفردية المعزولة عن توجيه وضبط الحركة السياسية العقلانية المسؤولة. وغني عن القول انه على الرغم من ان كل القوى السياسية العربية الفاعلة على الساحات القطْرية تتحمل نصيباً من المسؤولية لهذا الغياب الذي يعكس ازماتها السياسية والحركية فإن جزءاً رئيسياً انما تتحمله قوى التيار الاكثر شعبية وعدداً ووزناً في المرحلة التاريخية الراهنة، وهو هنا بلا شك تيار الاسلام السياسي على اختلاف تلاوينه واوزان فئاته وفصائله في كل بلد عربي على حدة. وهذا ما أشار إليه ايضاً السيد ياسين في مقاله الذي تناولناه.
واذا كان يحق ويحلو لكل القوى السياسية العربية في جميع الاقطار العربية مطالبة حكوماتها بعدم الاقتصار على العلاج الأمني فقط لمواجهة واستئصال جذور وينابيع الارهاب والتطرف بل ان تكون هذه المعالجة ضمن خطين متوازيين في آن واحد، أي الحزم الأمني وعدم التهاون مع المخربين ومسوغي الاعمال الارهابية جنباً الى جنب مع علاج البيئة والتربة السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والدينية التي شكلت مناخاً خصباً لتفريخ مسوغي العنف والارهاب كأسلوب للاحتجاجات والثارات السياسية، فإن كل ذلك لا يعفي هذه القوى السياسية العربية، وعلى الاخص الدينية، من مسؤوليتها الكبيرة الوطنية والدينية لتكثيف حضورها في الشارع وتكثيف خطابها السياسي والديني التوعوي النابذ للإرهاب والقتل والتخريب مهما كانت المبررات والمسوغات. ان الاضطلاع العاجل بهذه المهمة الآنية ليس واجباً وطنياً واخلاقياً وانسانياً ودينياً فحسب، بل لأن المتضرر الأول من هذه الأعمال هي القوى السياسية ذاتها على اختلاف تياراتها الفكرية والسياسية، اذ تبرهن التجارب السياسية في كل دول العالم قاطبة بمختلف انظمتها الديمقراطية والاستبدادية ان هوامش حرية التعبير والحريات العامة وحقوق الانسان على تفاوت اتساعها هي التي تتأثر سلباً بأجواء الاحتقانات السياسية التي تتسبب بها أعمال العنف والارهاب والتخريب.
واذا كانت، كما اشرنا للتو، حتى الدول الغربية الديمقراطية العريقة كالولايات المتحدة وبريطانيا على سبيل المثال، غير مستثناة من تأثر هوامشها الاكثر اتساعاً في حرية التعبير والحريات العامة وحقوق الانسان خلال اجواء أعمال الارهاب والعنف، فما بالنا بالدول الحديثة التجارب الديمقراطية او بالدول الدكتاتورية والتي عادة ما يجد الكثير منها في مثل هذه الاجواء مبرراً للنكوص عن المكاسب والمنجزات الديمقراطية على محدوديتها؟ وفي الوضع الراهن الناشيء على مستوى جبهتنا الداخلية، حيث راح ضحية الحادث الاجرامي الأخير شاب من قوى الأمن، فلئن كان من حُسن الحظ، وكما هو متوقع، ان أدانت كل القوى السياسية والدينية، بلا استثناء، الجريمة وأجمعت على استنكارها ورفضها بلغة واضحة حازمة لا تقبل التأويل، فإن هذه القوى ذاتها مطالبة جميعها في مثل هذه الظروف الدقيقة بالتحلي بأكبر قدر ممكن من ضبط النفس والتصرف بحكمة وبمسؤولية وطنية عليا بعيداً عن اي تشنجات سياسية او فئوية قد تسهم في زيادة تعكير صفو هذه الجبهة وخلخلة تماسك نسيجها الوطني، ومن ثم ينبغي تكاتف الحكماء والعقلاء على كلا الجانبين للاضطلاع بهذه المهمة والتصدي لتطويق أي تداعيات لا داعي لها وغير مأمونة العواقب..
فالقضية الآن باتت في عهدة الأمن ومن ثم القضاء المخول وحده باصدار الحكم العادل وبحق الجناة. ولئن كنا نشيد بكل مواقف القوى والرموز السياسية والدينية التي نددت بحزم بالجريمة، فلعل من ابرز هذه المواقف المعلنة اللافتة حتى كتابة هذه السطور، والتي تستحق الاشادة لموقفها الوطني المبدئي الحازم في ادانة الحادث وتناول ابعاده الشاملة من مختلف الجوانب، خطبة فضيلة الشيخ صلاح الجودر في جامع طارق بن زياد في المحرق وبيان كل من “وعد” و”التقدمي” حول نفس الحادث. وحفظ الله مملكتنا العزيزة من كل مكروه. 
 
صحيفة أخبار الخليج
14 ابريل 2008

اقرأ المزيد