المنشور

صراع الطوائف والطبقات في إسرائيل (1)

يعبر قيامُ إسرائيل عن مجموعة كبيرة من التناقضات السياسية والثقافية، فقد أُقيم المشروعُ من قبل الحركة الصهيونية، التي ظهرتْ في الغرب، ومثلتْ مستوىً دينياً واجتماعياً مغايراً لبقية اليهود في العالم، وخاصة اليهود الشرقيين، فسيطر ما يُسمى (الإشكناز) على مقاليد السلطة وغدوا طبقة مميزة تناهض أي قوة اجتماعية تحاول الصعود.
منذ البداية كان مشروع إسرائيل متضاداً فقد أقامه اليهود العلمانيون المفترضون، فهو مشروع ديني بقيادة رأسمالية غربية يهودية، علمانية، فظهرت دولة حديثة دينية معاً، فهي لا تنتمي للعلمانية ولا للدين، وهي خليط غريب بينهما.
إن النسيج الديني نفسه لا يقوم على دولة متوارثة ذات تقاليد متنامية، فلم تكن ثمة دولة، ولا تراكم تجربة سياسية حكومية، بل قامت على أحلام وذكريات امتدت لقرون مديدة، فكيف يتحقق نسيج ديني موحد بناء على تاريخ الشتات الطويل؟!
لو أن اليهود الشرقيين قادوا بناء الدولة لجاءت الدولة دولة شرقية متخلفة، لكن اليهود الغربيين قاموا بهذه العملية ونقلوا المشروعات الغربية إلى إسرائيل، وهذا كفل لهم كذلك ليس القيادة الروحية فحسب بل القيادتين الاقتصادية والسياسية.
ومع هذا فإن اليهود الغربيين العلمانيين والتحديثيين قليلو الارتباط بالتقاليد الدينية اليهودية الصارمة، مما خلق تضاداً عميقاً بينهم وبين اليهود الشرقيين المُبعدين عن السلطة والامتيازات الاقتصادية، فقام هؤلاء باستثارة التقاليد الدينية وتجذيرها في الدولة العلمانية المفترضة.
إن هذا الصراع الاجتماعي بين يهود الغرب ويهود الشرق ينعكسُ دينياً، بين شكلين من تبني اليهودية، أي بين يهودية تحديثية وبين يهودية تقليدية.
تناقضات العلمانية واليهودية عميقة، فقد تأسس النظام على أساس سلطة الحاخامات في تحديد من هو اليهودي، واشترطوا شروطاً صعبة ومن أهمها أن يكون اليهودي من أسرة يهودية، وعن طريق أم يهودية، وهو أمرٌ من الصعوبة تحقيقه، خاصة لليهود الشرقيين الذين كان الكثير منهم مسيحيين.
تحديد السكان وأصولهم، وجعل هذه الأصول هي المسيطرة سياسياً، يجعل الدولة دينية غير علمانية، في حين ان ماكينة عمل الدولة تعتمد على الانتخابات الحرة والأحزاب المتصارعة، وهي آلية غربية ديمقراطية.
إن هذه الشروط وطرق العمل السياسي الأساسية تجعل أحزاب الأشكيناز هي المسيطرة، لكنها تؤدي كذلك إلى ردود فعل الأحزاب الدينية الشرقية وتصاعد دورها، فظهر بين اليهود الشرقيين حزب(شاس) المؤثر الذي يمنع الأحزاب العلمانية من التفرد بالسلطة.
فلا يُعرف حقيقة هل إسرائيل دولة علمانية أم دينية، أهي شرقية أم غربية؟
لكن الثروة توحد القوى الرأسمالية فيها سواء أكانت تنتحب كثيراً عند جدار المبكى أم كانت لا تراه إلا في الصور.
ومع تجذرها الرأسمالي الكبير، وقد كان اليهود منذ زمن الكنعانيين رأسماليين في الشرق ثم في الغرب، فإن الصراع لا يدور عن توزيع الثروة فقط، بل أيضاً حول أنصبة الطوائف في حصص الحكم، والأمران يتداخلان ويعينان بعضهما بعضا، الثروة تقود للحكم والحكم يقوي الثروة.
هل تؤدي التقاليد الدينية القوية في الدولة إلى الرجوع للبنى الإقطاعية الشرقية؟
هذا غير ممكن، سواء بجذور اليهود التاريخية التجارية، أو بسبب تعاظم الدور الرأسمالي في دولة أقيمت على أساس صناعي غربي متطور، ولكن مع هذا فإن التقاليد الدينية وتدني مستويات اليهود القادمين من الشرق، تجعل الميراث المحافظ موجوداً بقوة، ويؤججه الصراعُ مع العرب خاصة.
إذاً فإن التناقض الأساسي في الدولة الإسرائيلية هو تناقض ديني بين اليهود الغربيين (الإشكيناز) واليهود الشرقيين( الإسفارديم).
ولماذا لا يحدث التناقض الطبقي هنا ويغدو هو محرك الحياة السياسية؟
هذا يعود إلى ان قيادتي الطائفتين قيادات في الطبقة الرأسمالية الحاكمة نفسها، لكن عبر مستويات اقتصادية واجتماعية متباينة، وبتقاليد مختلفة، تمثل المكونين الأساسيين للسكان، القادمين من الغرب، وللسكان القادمين من الشرق، وهما ذوا مستويين مختلفين رأسماليين، أي أن تطور الرأسمالية اليهودية في الغرب متطور عن مستوى الرأسمالية في الشرق.
ومع هذا فإن المستويين المختلفين اجتماعياً بدرجات معينة يشكلان اختلافات سياسية قوية، فتدخل في الصراع عوامل أخرى كاستثمار العمال في الانتخابات والاستفادة من التقاليد الدينية من أجل الوصول للكراسي على طريقة الجماعات الطائفية في العالم الإسلامي تماماً.
ومن هنا فإن العلمانية تتدمر مرة أخرى فتغدو الدولة دينية ليس على مستوى القمة الحاخامية فقط بل على مستوى القواعد السياسية، في حين ان الدولة صناعية.
وهذا أمرٌ يعود لطبيعة تشكيل الدولة القصير نسبياً، وزراعتها داخل غابة تراثية أسطورية، وعودتها للشرق جسماً وبقسمٍ كبيرٍ من السكان، فالقمة الصناعية رأسمالية متطورة والقاعدة شرقية تقليدية.
بل ان الأمر لا يقتصر على هذا، فوجودُ دولةٍ متغربة عن منطقتها وغازية على جسم سياسي لا يعود إليها، ويقوم هذا الغازي نفسه بغزو آخر يحتل فيه أراضي عربية جديدة، إن ذلك كله يعيده إلى تاريخ الاستعمار الغربي وطريقة الاحتلالات القديمة وهو ما يظهر في حركة الاستيطان.
(فيما تلعب حركة غوش أمونيم المتطرفة التي تعتبر أحد امتدادات الحاخام المتطرف مئير كهانا دورا عنصريا مميزا، وهي التي جندت الدين في خدمة الاستيطان، ولهذا فهي في صراع مع جميع الحكومات من أجل الحصول على امتيازاتها الخاصة في دعم المستوطنات والوجود الاستيطاني في الضفة والقطاع والقدس الشرقية.)، (من كتاب الهامشيون في إسرائيل، د. أسعد غانم).
وتمثل حركة الاستيطان استغلال الدين لغايات اقتصادية وسياسية واضحة، فالحركات الشرقية الدينية تقوم بإلهاب المشاعر الدينية من أجل أغراضها.

صحيفة اخبار الخليج
26 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

هل تلقى إجماعاً؟!

يحبس العراقيون اليوم أنفاسهم، بينما عيونهم تتجه صوب مجلس نوابهم، في حين يبدو الحراك على أشده وسط تكهنات بتمرير الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية (جدولة سحب القوات الأجنبية من البلاد) بأغلبية 170 صوتاً، وفق ما أشارت إليه بعض وسائل الإعلام العراقية أمس الثلثاء.. وهذا التصديق على الاتفاق، إن حدث، بهذه النسبة، أو أقل منها، لن يفرح بالطبع الحكومة العراقية التي صوتت بالإجماع عليه، وتريد الإجماع ذاته في البرلمان أيضاً. أما الكارثة الكبرى بالنسبة لحكومة نوري المالكي، هي عدم مصادقة البرلمان على هذه الاتفاقية.
إذاً، فما هو البديل المحتمل، في حال عدم تصديق البرلمان على الاتفاقية؟ نائب رئيس الوزراء برهم صالح الذي دافع بقوة عن المسودة المقترحة للاتفاقية، قال إن ‘’البديل هو تمديد التفويض الأممي الذي أوشك على الانتهاء، وإلا سيصبح طلب انسحاب القوات الأميركية ‘’خسارة كبيرة’’ للعراق’’، بينما نظيره، رافع العيساوي (جبهة التوافق)، فرأى ‘’أن مجلس النواب يجب أن يتبع الحكومة، وأن يوافق على الاتفاقية’’، أما خالد العطية، النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي فقد تمنى ‘’الحصول على غالبية ساحقة خلال التصويت اليوم الأربعاء، بدلا من الغالبية البسيطة’’، موضحاً ‘’اعتقد إذا أردنا أن نطبق القانون ونستخدم آليات التصويت النافذة فبالإمكان أن نمرر الاتفاقية بالغالبية البسيطة (..) وفعلا هناك أصوات موافقة تحقق هذه النسبة، ولكننا نريد أن نحقق توافقاً وطنياً، ولا نحب أن تمر الاتفاقية بفارق صوتين أو ثلاثة أو أربعة، لذلك هناك جهود لتحقيق أغلبية ساحقة’’.
في مقابل ذلك، ترى كتلة القائمة العراقية، التي يتزعمها رئيس الحكومة الأسبق إياد علاوي، أن الاتفاقية مرفوضة بشكلها الحالي، وقال النائب أسامة النجيفي لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) أمس ‘’لن نصوت لصالحها في الجلسة المقررة اليوم الأربعاء’’، معبراً عن اعتقاده ‘’أن هناك معسكرين في البرلمان أحدهما مؤيد والآخر رافض للاتفاقية، وهناك توازن في الأرقام فيما بينهما’’. وأضاف ‘’ممكن ألا يتحقق اليوم الأربعاء نصاب للكتل النيابية المؤيدة للاتفاقية للمصادقة على الاتفاقية’’.
وقال النجيفي ‘’هناك مطالب ورغبة بتعديل عدد من بنود الاتفاقية وإجراء إصلاحات سياسية وهذه هي مطالبنا للتصويت على الاتفاقية’’. واضح أنه من خلال هذه التكهنات، بالتمرير، أو عدم التمرير، أن الكتل الكبيرة مع، والكتل الصغيرة، إما ضد أو متحفظة، أو بين بين، غير أن الأكيد، أن التصديق على الاتفاقية لن يلقى إجماعاً.. والنتيجة تعرف اليوم.
 
صحيفة الوقت
26 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

الفاتــح وعمــران


وسط حضور لافت وتمثيل سياسي ونقابي معبر، أقام المنبر التقدمي مساء الأحد الماضي حفلاً تأبينياً لراحليه العزيزين جمال عمران وأحمد الفاتح. بالإضافة إلى كلمة “التقدمي”، ألقيت في الحفل كلمات لعائلتي الفقيدين ولأحمد رضا رئيس نقابة المصرفيين التي كان أحمد الفاتح أحد مؤسسيها وقادتها، وألقى المهندس عبدالنبي العكري رئيس لجنة العائدين ورفيق جمال في المنفى كلمة مؤثرة عن دور جمال ومثابرته في العمل الوطني رغم قسوة الغربة ومرارتها.  

كما تحدث كل من عضو جمعية وعد إبراهيم الدرازي عن صداقته الحميمة مع الراحل أحمد الفاتح، واعتبرها، إضافة إلى جانبها الإنساني، تعبيراً عن الوشائج بين مناضلي التيار الديمقراطي. أما عضو قيادة جمعية “أمل” رضوان الموسوي فقد استعاد ذكرياته الشخصية الجميلة مع جمال عمران قبل أن تأخذهما الأقدار في نهاية السبعينات إلى مصائر مختلفة، حين ذهب جمال إلى موسكو للدراسة، فيما رحل رضوان إلى قم. أتى جمال عمران وأحمد الفاتح من منطقتين سكنيتين مختلفتين، الأول من منطقة النعيم والثاني من القضيبية، وتلقيا خبراتهما في خلايا حزبية مختلفة، وربما لم يلتقيا بعضهما بعضاً أبداً، وأن حدث ذلك فلربما يكون لماماً، فلكل منهما مساره الشخصي والحياتي الخاص به.  ومع ذلك وحّد بينهما حزب ينتشر في مناطق البحرين المختلفة، لا يميز بين منطقة وأخرى، وفي نهجهِ لا مكان للطوائف والمذاهب، ديدنه هو النضال الاجتماعي السياسي من أجل حقوق الشعب.  

 وإحياء ذكرى هذين المناضلين اللذين لم تفصل بين رحيلهما سوى أيام معدودة في أمسية واحدة، هدفه أيضاً التأكيد على قيمة نحن في أمس الحاجة إليها اليوم وسط الغـلواء الطائفية التي تجتاح ثنايا المجتمع وتنخرهُ من داخلهِ، فتُعيدنا إلى العصبيات المذهبية التي ضحى شعبنا في سبيل تجاوزها وتخطيها.

 ناضل الراحلان العزيزان أحمد الفاتح وجمال عمران في صفوف اتحاد الشباب الديمقراطي “أشدب” فترة فتوتهما وشبابهما، وناضلا في صفوف جبهة التحرير الوطني، فكان أحمد الفاتح مناضلاً ومُنظماً لصفوف الطبقة العاملة في ألبا وغيرها من المواقع، فيما قادت الأقدار جمال عمران إلى المنفى الطويل الذي أنفقهُ في النضال من أجل قضية شعبه، مشاركاً في الأنشطة السياسية والشبابية والعمالية، وفي العمل اليومي المخلص والمتفاني. وحين جاء الانفراج السياسي بعد ميثاق العمل الوطني انخرط الراحلان في صفوف المنبر التقدمي، مقدمين طاقاتهما في نشاط المنبر وعمل لجانه، إضافة إلى مهامهما الأخرى في مؤسسات المجتمع المدني، فقد أصبح جمال عمران أحد نشطاء لجنة العائدين من المنفى التي طالبت بتأمين ظروف حياة كريمة لمن عادوا من المنفى ووهبوا أنفسهم للنضال من أجل سعادة شعبهم والديمقراطية في وطنهم، فيما نشط أحمد الفاتح في الحركة النقابية بعد انتزاع حق العمل النقابي الشرعي، فأصبح عنصراً نشطاً في نقابة المصرفيين. حفل تأبين جمال وأحمد، كما رحيلهما المبكر، يُسلط الضوء مجدداً على ملف ضحايا مرحلة قانون أمن الدولة سيئ الصيت، أولئك الذين تعرضوا لمختلف صنوف القمع والأذى لا لشيء سوى أنهم كانوا يطالبون ببعض ما تحقق في البلاد اليوم. هذا الملف يجب أن يظل حاضراً، لأننا لن نذهب إلى الأمام طالما لم تداوَ الجروح الغائرة.

اقرأ المزيد

ثقافة العمل التطوعي


تناولت أقلام صحفية وكتّاب مقالات وأعمدة خلال السنوات الأخيرة في بلدان مجلس التعاون الخليجي مسألة العمل التطوعي وظاهرة الانكماش قياسا بمراحل تاريخية معينة. والمشترك فيما بينها هو ظاهرة التراجع باختلاف التفاصيل والأسباب  وبكونه في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة كان أفضل بمقياس نسبي إذا ما تم قياسه في الألفية الثالثة.
وقد طرحت آراء ووجهات نظر عدة متباينة  حاول بعضها تلمس الظاهرة عن قرب  في محاولة جادة لظاهرة الانكماش الاجتماعي في مرحلة تاريخية تتطلب دورا اكبر وأوسع من المجتمع المدني في المساهمة كطرف مكمل للدور الحكومي كما نراها في العالم الغربي  والتي تناشد بها منظمات الأمم المتحدة  حيث مطلوب من المنظمات غير الحكومية أن تتبوأ مكانتها في لعب ذلك الدور  خاصة وان المجتمع المدني يضغط بقوة في حقه في الشراكة المجتمعية في مجالات كثيرة  سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية وحقوقية. فلماذا رغم تطور المجتمع الدولي في جوانبه الحقوقية والإعلامية  الداعي بالمزيد من توسيع هامش الحقوق وتوسيع هامش الحريات  نرى بالمقابل انكماش المجتمع الخليجي عن اخذ زمام ذلك الدور بشكل يتناسب مع التحولات الداخلية والدولية لضرورة المشاركة في عمل تطوعي حر واختيار واع للفرد في أن يكون له دور في مجتمعه وبلده. لماذا انكمش المواطن في دول مجلس التعاون عن العمل التطوعي بشكل لافت للواقع الاجتماعي وحراكه في المشاركة في بناء مجتمع فعّال؟.
ما نراه أمامنا من ظاهرة سلبية ليست إلا نتيجة لتراكم حالة عميقة الجذور  للعلاقة المضطربة ما بين الدولة كنظام سياسي والمجتمع  حيث تعود جذور الظاهرة لمرحلة ما قبل الاستقلال وزمن الاستعمار الذي لم يفتح مجالا وإنما سمح به في أوضاع محدودة وخيرية انطلاقا من شكوك الاستعمار من انخراط المجتمع في عمل سياسي تحت واجهات أعمال تطوعية وثقافية.
واستمر هذا الدور بشكل أوسع في مرحلة اتساع الهوة عندما نشطت الأعمال السياسية وبرزت المنظمات السرية  التي نتيجة منعها وجدت في الواجهات المهنية والثقافية المشروعة قناع تخفي خلفه أنشطتها الجماهيرية غير المشروعة بل وتحولت تلك الأنشطة إلى أوكار فاعلة مما وضعها تحت مظلة المراقبة والضغوطات وحتى المنع. وعندما يتم اعتقال نشطاء سياسيين في البلاد يتم ربطهم بتلك التجمعات والواجهات  مما أعطى للمجتمع والدولة صورة سلبية عن تلك الأنشطة التطوعية  التي كان لوضعها الاستثنائي السري مسبباتها ونتائجها. ومن حالة الظاهرة اليسارية والقومية في الستينات والسبعينات حتى الظاهرة الدينية في الثمانينات حتى يومنا  والتي تغطت خلف عباءة الأعمال التطوعية الخيرية والإنسانية بحجة الدعم الإسلامي للإخوة المسلمين في العالم. هذه الحالة دفعت بالضرورة الناس إلى ربط كل عمل تطوعي معرض للمداهمات والاعتقالات في صفوف رجال وشخصيات تعمل من داخل تلك المؤسسات.
وزاد حالة الانكماش عندما جاءت الطفرة النفطية الأولى وبين جيلين عايشا الظاهرة النفطية  وكان الانخراط في حياة اجتماعية استهلاكية جديدة عاملا مهما وملحوظا في عزلة الناس عن العمل التطوعي المحدود  السائد يوم ذاك بحجم واقع تلك المجتمعات ما قبل النفطية. وبسبب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة وسط الجيل الشاب  فان نوعية اهتماماته اختلفت ونوعية علاقته تطورت  بحيث خلقت الرفاهية والاتصالات ونزعة الاستهلاك المتزايدة ضمورا واسعا وانكماشا كبيرا في العمل التطوعي.
وقد وجدنا إن كلما تم فتح أبواب الحريات والحوار المفتوح إزاء ظواهر كثيرة بما فيها تطور وعي المجتمع للتمييز بين الأنشطة جميعها  صارت فرص الالتحاق بعمل الجمعيات التطوعية اكبر ووضوح رؤية التمايز في العمل التطوعي واختلافه بين عمل سياسي مؤدلج عن تلك المنظمات المهنية والبيئية والاجتماعية والإنسانية  وبضرورة استيعاب دور كل منها  بل وبضرورة عدم الخلط بين تلك الأنشطة ان بلدان مجلس التعاون قطعت شوطا طويلا من تطورها بعد الاستقلال  وكبرت أجيال جديدة في هذه المنطقة  من الضروري أن تستوعب دورها الجديد في خدمة العمل التطوعي في بلدانها  مثلما لا ينبغي من المؤسسات الرسمية تهويل تلك المسألة والمغالاة بأبعادها  إذا أردنا الجيل الجديد يندفع للعمل التطوعي ويفرز الفروق بين كل الأنشطة وطبيعتها وأهدافها  فوجود جيل سلبي ولا مبالٍ في مجتمع استهلاكي مرفه  ينتظر منا جميعا جذبه للعمل التطوعي  فالتأسيس لثقافة جديدة للعمل التطوعي مسألة مهمة للغاية  فكل تدمير للبيئة نحن مسؤولون عنه “المنظمات غير الحكومية” قبل الحكومات  والصمت والسلبية عن ذلك التدمير جريمة كبرى  فما بالنا في الانكماش عن أمور عديدة أخرى.
 
الأيام 25 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

عن السياسة الاقتصادية


يعيش الاقتصاد في البحرين حالة من التناقضات غير قادر على الخروج منها، فهو يقول إنه اقتصاد ليبرالي حر، ومع هذا فالدولة تمتلك 80% منه. ومحاولته هذه للتوفيق بين اقتصاد حر وموجه حكومياً، تثير الحيرة وبالتأكيد فإن وضع الشركات العامة أخذ يتغير مع بدء التحولات السياسية، فأخذت الرقابة تتصاعد حولها، لكن لا نستطيع القول إن الرقابة محكمة، أو عميقة، ولا شك كذلك بأن الرقابة نشاط سياسي تاريخي، فهي لا تظهر دفعة واحدة وتحتاج إلى تراكم التجربة، وتقتصر العملية الآن على نشاط برلماني محدود، لم يُدعم بنشاطات جمعيات سياسية واقتصادية وباحثين ونقابات. ويكفي من انفراط الرقابة وحلقاتها الخسائر المالية الكبيرة من مال العاملين فيما يُسمى هيئات التأمين العامة.

وقد بينتُ في العديد من الكتاباتِ السابقةِ مسألة التضاد العميق بين القطاعين العام والخاص، وهي تناقضاتٌ عميقة ومحورية في كل بلدان العالم الثالث، نظراً لطبيعة تطور الرأسماليات الشرقية التي تنهض فوق قطاع كبير تاريخي، لكنها تأخذ أشكالاً وطنية حسب ظروف كل منطقة وشعب. وتعبر أوضاع السوق العامة في جذورها السكانية بضعف دخول العاملين ضعفاً كبيراً قياساً بدول المنطقة وبالمداخيل الوطنية كذلك وبضعف الرقابة العامة على أموال الدولة أيضاً، وضعف مداخيل العاملين هو من أهم الأسباب لضعف الرأسمالية الوطنية. فهناك أكثر من 160 ألفا من السكان يتقاضون أجوراً في حدود مائة دينار، ونصف العاملين في القطاع الحكومي تتراوح رواتبهم بين 200 – 300 دينار. و18 ألف بحريني في القطاع الخاص أجورهم في حدود 200 دينار. 60% من معاشات التقاعد لا تتجاوز 250 ديناراً. وجود فوارق بين أجور الرجل والمرأة فالرجل أكثر بـ 60 ديناراً في القطاع الحكومي وفي القطاع الخاص ضعف هذا المبلغ! وبالنسبة إلى التباين بين أجور الرجال والنساء يعبر هذا عن جانب العراقيل التي تـُوضع أمام النساء للدخول في سوق العمل، ويمثل – أي هذا التباين – شيئاً بسيطاً عن الأوضاع المتردية لهن، خاصة في غياب الأعمال لهن، ووجود البطالة الواسعة لهن. في رياض الأطفال تبدأ الأجور عند 40 ديناراً ولا تتجاوز المائة! وحالات رياض الأطفال تعبر عن صعوبات المعيشة وعن الرغبة الملحة في البحث عن أجور في فئات متعددة من النساء، بعضها متوسط الدخل يضعُ أبناءهُ في هذه المدارس الخاصة، لكي يطور دخله في جهات أخرى، والبعض الآخر يبحث عن عملٍ مهما كانت الأجور لكي يبقى على قيد الحياة.

ربما يمثل ذلك عينة من طبيعةِ اقتصادٍ غير مخطط وغير منسقٍ بين أجزائه، فهو يعيشُ حالاتٍ من النمو الكبير ومن التسيب والاضطراب والتصادم والخلل، تؤسسُ ذلك مصالح داخل كل مؤسسة لا تنسق ولا تخطط مع مؤسسات أخرى. فتلك الملايين الضائعة في الاستثمارات الداخلية والخارجية كانت المدرسات الشابات بحاجة لشيء منها، بل كان العاملون بحاجة إليها ليخلقوا مشروعات لهم ويزيدوا من دخولهم. إن كل وزارة وشركة عامة وشركة خاصة تعمل لمصلحتها الخاصة، الكل يحاول أن يكون عمله أو اقتصادة متقناً ومربحاً ومنتجاً، في ظل خططه الخاصة، لكن هذا يصطدم مع اقتصاد ليس فيه أي خطة. فلا بد من مايسترو يقود كل هذه الفرق التي تعزف على مصالحها الخاصة وخططها الخاصة، فيحدد لها القطاعات الاقتصادية الأكثر أهمية، فلديه قراءة مستقبلية عميقة، وغدت مثل هذه القراءة أكثر وضوحاً الآن بعد الأزمة المالية العالمية، حيث يجب أن يتجه العزف نحو المصانع والورش وشركات التقنية المتطورة، ونحو الاستثمار في عمالتنا الوطنية فهي المستقبل، ويمكن للمايسترو التخطيطي أن يتجاوز تأثيره في الشركات العامة والخاصة ومصالحها الضيقة فينظر صوب مصالحها البعيدة ويكبح من تطرفها في جانب ويقوي اعتدالها في جوانب أخرى.

إن الرساميل الضخمة التي وُضعت في العقار ضاع قسمٌ منها وسوف يضيعُ قسمٌ آخر، وكان تدفق الأرباح الضخم السابق يقابله الآن تراجع الأرباح وتصاعد الخسائر. لكن الاقتصاد الذي يصلحُ نفسَه بتلقائية وعفوية تتلاحق عليه المشكلات، فيفقد فوائضه التي أراد أن يقوي نفسه بها، بل قامت بإضعافه. إن العفوية والتلقائية المطلقتين لم تعودا قادرتين على إدارة أي اقتصاد، وهما تسببان طفرة فوضوية في فترة وانكماشاً حاداً في فترة أخرى. ومثل أي اقتصاد يتعرض لانكماش وخلل فإن العلاج هو في تقوية الإنتاج، عبر تقليل التوجه للنشاط البنائي والعقاري، والبذخي، وتصدير الرساميل والأجور للخارج، وتوسيع مجالات تشغيل العاملين المحليين، وتعميق حضور الرساميل والأجور في السوق الداخلية. إن اقتصاد الفندقة والعمارات والشقق والتهام المصائد والمزارع والورش، وتقزيم التعليم والعلاج، يجب أن يُفرمل، لكن لا يوجد التخطيط الذي يقوم بذلك، فهذه كله متروك للسوق وللنصائح والثقافة التجارية.

إن الكلام والنصائح والارشادات لا تفيد في مثل هذه الأوضاع الخطرة للأسواق، بل لابد من جهة حكومية تقوم بدرس ذلك كله. كان المعيار لديهم هو الحصول على أقصى الأرباح، فتتسرب الرساميل نحو جوانب الاقتصاد ذي الربح السريع، على فرضية أن رأس المال جبان ويحب الربح ويكره الخسارة، لكن الخسارة جاءت بقوة فيما يتم التوجه إليه باتساع كبير وشهية عظيمة. ولا تعرف الآن الإجراءات لمواجهة الخسائر والركود، لكن يتوقع أن المسيرة العفوية نفسها للاقتصاد سوف تستمر، وتغيب الرؤية البعيدة المدى، فسوف تتوجه إجراءات معالجة الأزمة نحو تسريح عاملين وخاصة المحليين وتقليص النفقات والمشروعات العامة ونفقات وزارات التعليم والصحة والبلديات وغير ذلك من معالجات آنية قصيرة. لكون المسار يعكس نفسه ويصحح نفسه من خلال المصالح السائدة فيه وذات التفكير الاقتصادي الخاص المعزول عن الجزر الأخرى. في حين تتطلب رؤية الركود الذي قد يتحول إلى أزمة كبيرة إلى توسيع العمالة المحلية ورساميل الإنتاج الوطنية وتقليص الاعتماد على الخارج عمالة وتقليص بناء الفنادق والعمارات والجزر السياحية. من جانب الإجراءات العفوية سوف تمكن الوزارات من حصول على نقد آني لكنها تبقى معالجة نقدية ورقية سرعان ما تـُواجه بأزمةٍ متفاقمة على الأصعدة الاقتصادية المختلفة، لأن كل قطاع سوف يقوم بتقليص نفقاته وأعماله، مما يوسع الركود ويعمق الأزمة. لكن حين تكون الإجراءات مخططة ومدروسة وغير متسرعة وتتوجه نحو تقوية دخول المنتجين والعاملين والصناعيين والعمليات الاقتصادية الوطنية الأخرى، وتتقشف فيما عدا ذلك، فسوف يعود هذا بتطور غير آني لكنه متجذر وقوي في الأرض.
 
أخبار الخليج 25 نوفمبر 2008
 

اقرأ المزيد

الشيعة والنقد الذاتي فقهيا

ثمة أربعة بلدان عربية هي لبنان والعراق والبحرين ولبنان ينتمي إلى تراب كل منها شيعة عرب بكثافة متفاوتة الأحجام والنسب المئوية باتت كل منها تشكل مسرحا للخلافات المذهبية بينهم وبين السنة أشقائهم في الدين الواحد والمواطنة والمصير الواحد المشترك أيا تكن العوامل الموضوعية والذاتية لتلك الخلافات، فما إن يهدأ مسرح لبنان نسبيا ولفترة قصيرة جدا من المواجهات والاحتقانات حتى يلتهب مسرح العراق، وما إن يهدأ نسبيا مسرح العراق، الملتهب دوما، من النيران الطائفية المشتعلة بالمعنى الحرفي للكلمة حتى تحدث توترات في البحرين، وما إن يهدأ مسرح البحرين حتى يشتعل مسرح الكويت. ولعل آخر جولة من دوامة مسلسل هذه التوترات الكئيبة جرت في المسرح الكويتي خلال الأسبوع الماضي
على خلفية مطالبة بعض النواب بإبعاد رجل الدين العراقي الذي يحمل كما يبدو جواز سفر إيرانيا محمد الفالي على خلفية اتهام أولئك النواب له بالإساءة إلى صحابة الرسول (ص) مما كاد أن يفجر الساحة الداخلية المأزومة أصلا منذ سنوات بقضايا عديدة وأضيفت إليها في السنوات القليلة الأخيرة القضية الطائفية والتي كادت أن تعصف بالبرلمان لتشدد أولئك النواب بالمطالبة باستجواب رئيس الوزراء حول خلفيات القضية. وسواء أكان الشيخ الفالي مذنبا أم بريئا في القضية المنسوبة إليه، حيث مازالت قضيته معروضة على القضاء، إلا انه حسنا فعلت السلطات الكويتية بإبعاده عن البلاد لنزع فتيل الأزمة، تماما كما أحسنت سابقا البحرين حينما قامت بإبعاد رجل دين سني عربي قيل إنه أساء إلى الشقيقة الكويت وقيادتها أبان الغزو العراقي. ففي المنعطفات الصعبة المعقدة التي تشهد احتقانات وتوترات طائفية تبلغ ذروتها بسبب “فرد” أو بضعة أفراد فلابد أن يضحي الفرد بنفسه أو يضحى به مؤقتا لصالح الجماعة بابتعاده من تلقاء نفسه او إبعاده عن مسرح الاحتقان من اجل نزع فتيل التوتر المذهبي او الطائفي الذي يطاول شعبا بأكمله حتى تهدأ الأمور والحساسيات تدريجيا، ثم يمكن أن يعاد الاعتبار إليه إن كان “مظلوما” حقا إذا ما سنحت الظروف بذلك.
وعلى الرغم من البيان الهادئ العقلاني الرزين الذي أدلى به الفالي لدى مغادرة الكويت، فإنه كان الأجدر به ألا يضع السلطات الكويتية في هذا الإحراج وان يغادر الساحة الملتهبة من تلقاء نفسه وحينها يمكنه ان يصدر ذلك البيان ذا النبرة الهادئة. وسواء كان الفالي، كما ذكرنا، بريئا من التهم التي نسبت إليه ام مذنبا، كما ذكرنا، إلا انه ينبغي الاعتراف بأن قطاعا غير قليل من رجال الدين الشيعة مازالوا متخلفين عن متغيرات العصر وتحدياته البالغة الخطورة لتمسكهم بخطاب الغلو في المذهب وتصوير أنفسهم وطائفتهم بالفرقة الناجية على نحو ما تفعله سائر الفرق.
 ومن حسن الحظ انه بالتوازي تماما مع تفكيك الحكومة الكويتية هذا اللغم الطائفي البغيض على الساحة السياسية إن اصدر 11 شخصا من رجال الدين والمثقفين الشيعة في المنطقة بيانا أعلنوا فيه صراحة رفض كل أشكال الغلو والتسييس والفساد الداخلي باسم المذهب في الطائفة الشيعية، ومن هذه الأشكال التي أدرجوها في 18 بندا: مسألة التقليد، وإعطاء الخمس لرجال الدين، والتطبير في شعائر عاشوراء، وولاية الفقيه، والمطالبة بدفع الحقوق الشرعية عبر القنوات الحقيقية المؤتمنة التي تكفل وصولها إلى الفقراء، وتشييد المشاريع التي تساهم في تنمية وتعمير أوطانهم، ورفض قذف الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون الثلاثة السابقون على الإمام علي “ع”.
 كما لمن حسن الحظ أيضا، وبالتوازي مع نزع فتيل الأزمة الكويتية المتصل تحديدا ببعدها الطائفي، ان استقبل المرجع الديني العربي العقلاني الوحدوي الإسلامي آية الله السيد محمد حسين فضل الله وفدا كويتيا على مستوى عال ضم في صفوفه وزيرين سابقين، حيث أكد فضيلته مجددا فتاواه برفضه الحازم الإساءة إلى أمهات المسلمين أيا تكن الذرائع والحجج الدينية أو التاريخية، واستنكاره تيار الغلو والخرافة في صفوف طائفته، كما في سائر الطوائف الإسلامية الأخرى، والتصدي للمعاهد الدينية، ومنها بالطبع الحوزات الشيعية كما يُفهم من كلامه، التي تخرج المتعصبين، مؤكدا في هذا الصدد “ان أية فئة تسيء إلى جهة كويتية معينة فإنها تسيء إلى الكويتيين جميعا والى المسلمين جميعا”، مناشدا الجميع التمسك بثوابت الوحدتين الوطنية والإسلامية.
وبصرف النظر عما ينطوي عليه بيان الـ11 شيعيا عربيا المتقدم ذكره من نقاط، قد تكون محل خلاف داخل صفوف الشيعة أنفسهم، إلا انه يمكن القول أن هذا البيان هو أجرأ نص في النقد الذاتي والمراجعة الفقهية والاجتهاد داخل الطائفة الشيعية منذ صعود الإسلام السياسي الشيعي قبل نحو ثلاثة عقود حتى الآن. ولعل من الغريب أن أكثر الموقعين عليه هم ينتمون إلى تراب وطن – السعودية – لم يشهد الاحتقانات بالشدة التي شهدتها الأوطان الأربعة المذكورة، لا بل إن العقلانية تسود في أوساطهم على الرغم من ان بوسعهم لو أرادوا أن يشكوا من “مظلومية” تاريخية أو معاصرة، وإذا كان يمكن فهم الاختلاف مع أصحاب البيان في بعض النقاط المتصلة بالمعتقدات الداخلية للطائفة وكيفية تصحيح ممارساتها وتحصينها من الفساد باسم الدين والمذهب، وكذا الطقوس المرافقة لشعائر عاشوراء فإن ما لا يجوز الاختلاف فيه هو أهمية الانخراط في المهام الآنية الملحة المتعلقة بالنقد الذاتي والمراجعة الفقهية لنبذ مظاهر الغلو والتطرف الديني التي تسيء إلى نقاوة المذهب الشيعي، وتسهم بقصد او من دون قصد، في زيادة الفجوة بين أتباعه وبين أشقائهم أتباع مذهب أهل السنة والجماعة. وإذا كانت مسئولية المراجعة الفقهية والنقد الذاتي لتصحيح مظاهر الغلو والتطرف والتكفير هي مسئولية جماعية تقع على مذاهب الإسلام كافة فإن هذا لا يعفي أي مذهب بأن يبدأ بنفسه دونما انتظار ما يفعله المذهب الآخر، ذلك بأنه اذا ما ساد هذا المنطق الأناني الضيق النظر فإن بؤر التوتر والاحتقان المذهبي لن تبارح مكانها في دوامات متصلة لتأكل بذلك الأخضر واليابس حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

أخبار الخليج 25 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

الغـربُ يقـود العالـم


ريادة الغرب في العالم المعاصر لا تحتاج إلى نقاش، ولكن مع هذا فإن الماضويين يؤكدون ان الغرب استعماري وعدو للشعوب وموجد إسرائيل وحاميها وغير ذلك من السياسات المرفوضة كذلك لدى التقدميين العرب.
ولكن موجات السياسة الطافية في كل مرحلة شيء وكيان الحضارة التاريخي شيء آخر.
كانت معاداة الاتحاد السوفيتي الناشئ في العقد الثاني من القرن العشرين للغرب تستند إلى تدخل الغرب بقوة عسكرية كبيرة في كيان هذا الاتحاد السياسي الوليد بحيث إن اثنتي عشرة دولة كانت تقتحمُ حدوده الشاسعة من الغرب والشرق.
لكن كان عداء الاتحاد السوفيتي للغرب قد تنامى لتصاعد القوى الدكتاتورية داخله، سواء بتصاعد دور الدولة الهائل في الاقتصاد، وتضخم الأجهزة العسكرية والأمنية أو بصعود الزعماء الفرديين الدمويين كستالين.
فهذه القوى رفضت التعددية السياسية والانتخابات الحرة وشكلت هيكلها الحكومي المسيطر، فظهرت المبررات بالاختلاف عن الغرب(الاستعماري) وإنها رسالة مقدسة للقضاء على سيطرته على العالم.
وكانت سيطرة الغرب على العالم الثالث خاصة أمراً رهيباً واستغلالياً كبيراً، لكن ذلك لا يبرر غياب الديمقراطية الداخلية للشعوب السوفيتية.
وتسوقنا تجربة الهند الدولة الشديدة التخلف في الشرق ولكن بقيادة غاندي رفضت أن تعادي الغربَ أو تقمعَ مواطنيها بحجةِ القفزة الاقتصادية أو أن تلغي التنوع الثقافي الهائل لديها بحجة القفز على الفقر ومقاومة الاستعمار وتحقيق الأحلام القومية.
إن التنوع الثقافي الديني والمذهبي والسياسي هو ثروة للأمم، وهو سجلٌ لدروب شعوب وطوائف لها الآلاف من السنين خلقاً للعادات والتقاليد والثقافات، لكن حين يأتي دكتاتور ويقرر بأنها ثقافة متخلفة ويجب القضاء عليها ويقوم بذلك منتزعاً أجراس كنائسها وصلبانها وقاتلاً رهبانها ورجال دينها فهو يجعل تلك البلدان متصحرة اقتصادياً وثقافياً.
نعرفُ مفكرين وباحثين في الغرب توجهوا لدراسة ثقافة العالم الإسلامي وكرسوا حيواتهم للبحث فيها، وهناك باحث غربي تخصص فقط في المذهب الإسماعيلي وعاش طويلاً في اليمن والهند وكان هذا المذهب قد طـُمس فكان بعد جهوده مضاءً بقوة.
وقد بدأ الغربُ الدكتاتورية الحديثة عبر ثوراته الأولى ثم وجد ان فرض الدكتاتوريات العلمانية هو اسوأ من الدكتاتوريات الدينية البابوية، بل كان قمعه للأديان مدمراً لديمقراطيته ولحضارته الجديدة، التي لا تقوم إلا على التنوع واحترام العقائد والأفكار، وتخصابها الجدلي لإثراء العقول، فالشراراتُ المتنوعة هي مفجرة المعرفة، أما الصوت الواحد فلا يخلق شرارات بل يخلق قبوراً، ومن هنا غابت ثورية الإسلام في الدول الدكتاتورية الدينية، وتجمدت الأفكار السنية في الدول التي أقامت دكتاتوريات مذهبية، وغابت ثورية الأئمة في الدول التي زعمت أنها الناطقة الوحيدة بهم، وتحجرت الأفكار الماركسية في الدول التي سمتْ نفسها اشتراكية.
ومضى الغربُ عدة قرون في بلدانه الداخلية لخلق هذا الجدل الفكري، ووسعه في كل مجالات الحياة، فلم يقل إنه ديني أو بروستانتي أو إلحادي أو كهنوتي، إن الدولة بلا إنغلاق فكري هي انتصار كبير للإنسانية!
إن الدولة بلا عقائدية جامدة هي ثمرة طويلة لكفاح مليارات البشر عبر التاريخ، الذين سُحقوا باسم الدول المذهبية والدينية وباسم الجهاد وباسم تحرير الأماكن المقدسة وباسم الحروب الصليبية وباسم تحرير الشعوب الوثنية وباسم تحرير البلدان من ربقة الغرب الكافر!
رغم أن الغربَ الاستعماري لم يطبق ذلك وهو يجتاحُ البلدان الشرقية، ولم يتبن الأفكار الديمقراطية التي سادت في مجتمعاته وهو يتحول إلى شركات وبنوك تبحث عن الأرباح أينما وجدت وتدير الانقلابات ضد الحكومات المختلفة التي تعادي مصالحه.
إن الدولة بلا فكر متزمت هي مؤسسة المدنية السياسية التي تنظر للمواطنين كمواطنين، بغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية و(الجنسية)، أي لا تهتم بكونهم نساءً أو ذكوراً.
وهي تتطلب هذه الدولة اللادينية من المجتمع السياسي أن يكون كذلك، بمعنى ألا يكون متحيزاً بشكل ديني، فإذا كان كذلك سقطتْ مبرراتُ الدولة اللادينية. فالحزب السياسي – كما يُفترض أن يكون – يبحث عن الحقيقة لا عن إخفاء المعلومات ولا عن أنصاف الحقائق والتركيز على أخطاء الخصوم فقط. وهذا يعني كذلك إنه يبحث عن ازدهار الاقتصاد (الوطني) وتطور عيش العاملين.
فلا معنى أن تكون الدولة الفرنسية دولة لا دينية وتكون الأحزاب دينية، ولقد قامت الثورة الفرنسية على مبدأ العلمانية وإبعاد الدين عن السياسة، وبالتالي فإنها رفضت وجود أي أحزاب ذات صفة دينية.
لأن وجود الحزب الديني يلغي صفة تطوره ونقده وتعريته إذا أخطأ فهو مقدس، ولا يعني هذا كذلك عداءه للدين. وهذه مسائل دقيقة مركبة، فيتوهم بعضُ الشرقيين ان الحزب العلماني هو ضد الدين. لا! فهو ضد استخدام الدين في السياسة.
فالأحزاب يجب ألا تكون مقدسة، وهذا لا يعني كذلك أن تكون غير أخلاقية، لكن الكثير من الأحزاب انغمست في السياسة التكتيكية واستخدام أي شيء من أجل الفوز.
وقد اعترفت الدولُ الأوروبية تدريجاً بالمبادئ العلمانية وازدهرت حضارتها، فقد كانت مجتمعاتها الممزقة طائفياً وعرقياً بحاجة إلى الوحدة فكانت العلمانية هي السوق وهي المصرف الوطني وهي المصنع المنوع من الأعراق كافة.
وبانتشار هذه الروح الغربية شرقاً بدأت القارات الأخرى تفصلُ الاقتصادَ والسياسة عن الدين وتكون رأسمالياتها الوطنية، وبطبيعة الحال كانت طرق تطور الشرق مختلفة، وغدتْ الدولُ المرتبطة بالمفاهيم العتيقة لفهم الأديان متخلفة وهذا بسبب استخدام الدول القديم جداً للأديان، وإضفاء سيطراتها على الاقتصاد من خلال هذا الفهم.
فكانت الدولُ والجماعاتُ القديمة تصور سيطراتها على المال العام والنساء والعاملين بأنها جزءٌ من الأديان، لكن كان هذا يعرقلُ تطورَ الاقتصاد، وحين بدأ تفكيك ذلك اتسعت الأسواق والصناعات.
كان التاريخ الإنساني يعتمد على تطور دول الشرق، وها هو يعودُ إليه، لأن سيطرة الغرب الكلية مؤقتة، فالغربُ أصغر بكثير وموارده أقل، وقد جاءَ تميزهُ في زمنٍ خاص، معتمداً على الرأسمالية الخاصة الكلية، في حين يعتمدُ الشرقُ على القطاعات العامة والرأسماليات الخاصة، حين تكون في حالةِ تعاونٍ وثيق، وليس في حالاتِ العرقلة والتدخلِ من قبلِ طرفٍ ضد آخر، وهي صيغ سوف تسرع من تطوره، وتشكلُ سمات خاصة له، في ثنائية الرأسمالية والاشتراكية، الليبرالية والتقدمية، ولعلها ستظل عقوداً طويلة حتى تحسم خياراتها وتقفز الهوة بينها وبين الغرب.


أخبار الخليج 24 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

قراصنة البحر.. والمأساة الصومالية


“لأن المصائب لا تأتي فرادى، بل متتالية أو دفعة واحدة” ان صح قول هذا المثل العالمي، فكأنما لم ينقص عالمنا العربي من أزمات ومشاكل متزايدة ومتفاقمة سوى تفاقم مشكلة قراصنة البحر الصوماليين في اعالي البحار قبالة السواحل الصومالية وغيرها من الممرات البحرية الأخرى كخليج عدن، لا بل وصلوا إلى المحيط الهندي على بعد اكثر من 800 كلم من السواحل الكينية مهددين بذلك خطوط الملاحة التجارية البحرية الدولية انطلاقا من الخليج أو الهند أو حتى الشرق الأقصى واليابان ومرورا برأس الرجاء الصالح، وهي الخطوط التي تسلكها عادة السفن التجارية المتجهة ليس لافريقيا أو البحر الاحمر فقناة السويس فحسب، بل إلى أوروبا والولايات المتحدة. 
 
كانت آخر ضحية – فريسة من ضحايا القراصنة الصوماليين هي ناقلة النفط السعودية العملاقة “سيريوس ستار” المملوكة لشركة “أرامكو” وقد تم اختطافها في عرض البحر الهندي وتضاربت الأنباء والتقديرات حول توقيت وتاريخ اختطافها، لكنها اعتبرت الفريسة الأكبر منذ بدء عمليات القرصنة الصومالية التي صاحبت انهيار الدولة الصومالية عام 1991 وتفجر معارك الحروب الاهلية المتتالية على اثر سقوط نظام الجنرال محمد سياد بري اليساري، في حين اعتبرها مراقبون آخرون انها الفريسة – الضحية الاكبر في عمليات القرصنة على امتداد التاريخ المعاصر.
وعلى الارجح فانه بالفعل لم تكن عمليات القرصنة البحرية الدولية في تاريخنا الحديث والتي كان العرب انفسهم من روادها حتى داخل مياه خليجنا العربي بهذا الشكل من الخطورة والاتساع اللذين بلغا حجمهما ووصلا إلى ذروتهما مع اختطاف الناقلة النفطية السعودية، فقد كانت اعمال القرصنة في السابق لا تعدو ان تكون شكلا من اشكال وعمليات البلطجة الفردية أو يقوم بها مجاميع من قطاع الطرق البحرية ولم ترتبط في الغالب بأوضاع ومآس سياسية محددة، لدول أو دول محددة لكنها على ايدي قراصنة البحر الصوماليين الوجه الآخر لمأساة انهيار دولة وصراعات اهلية وقبلية عاصفة ومتصلة لشعبها على اراضي الصومال منذ نحو 20 عاما.
ولولا هذه المأساة بكل اشكالها لما جرت هذه القرصنة البتة ولكانت في اسوأ الاحوال مجرد عمليات صغيرة محدودة ومتفرقة لا تشكل خطورة كبرى، كما يحدث في أي وقت في بحار وقبالة كل سواحل الدنيا.

ويعتبر اختطاف الناقلة النفطية السعودية بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير للفت أنظار العالم لما باتت تشكله عمليات قراصنة البحر الصوماليين من خطورة واتساع أو توغل مذهل إلى أعالي البحار، حتى قدر المراقبون المسرح البحري لهذه العمليات قبالة سواحل الصومال وكينيا بأكثر من 1،1 مليون ميل مربع، بما يعادل 4 مرات من حجمي البحر الاحمر والبحر المتوسط معا. ويقدر ثمن الناقلة – الضحية الضخمة بـ 150 مليون دولار وتحمل شحنتها نحو مليوني برميل نفط، وهو ما يعادل 25% من الانتاج السعودي اليومي، وتصل قيمة هذه الحمولة بالاسعار الحالية إلى 100 مليون دولار.
وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل علق على هذه العملية معبرا عن سخط وغضب بلاده من هذا العمل الاجرامي: “ان القرصنة مثلها كمثل الارهاب، داء يضرب العالم” ثم جدد هذا الوصف في اليوم التالي مضيفا إليه التأكيد برفض بلاده الحازم التفاوض مع القراصنة، ومؤكدا في ذات الوقت عن حق “ان المفاوضات ودفع الفديات من شأنها تشجيع القرصنة ولا تحل المشكلة” وهذا الموقف الصائب هو الذي لم يتمسك به للأسف الكثيرون من ضحايا السفن المخطوفة السابقة منذ بداية تفاقم عمليات القراصنة الصوماليين في مطلع العام الجاري والذين يقدر عددهم بالآلاف ويقودهم ويرشدهم في الغالب رجال خفر سواحل الدولة الصومالية المنهارة، وقد حصلوا على 30 مليون دولار منذ مطلع السنة الحالية 2008، يحدث ذلك بينما الميليشيات الاسلامية في ظل الفوضى الداخلية العارمة تبسط سيطرتها على جل أراضي الصومال ولم تبق سوى العاصمة مهددة بالسقوط، والشعب يعيش بغالبيته العظمى في مجاعة لا مثيل لها، والقراصنة المجرمون يجمعون الملايين من حصيلة فدياتهم، ولكن ليس من اجل هؤلاء الجياع، بل من اجل ثرائهم الخاص، ولو كان العديد منهم ينحدرون في الاصل من الطبقات الفقيرة.

ويحدث ذلك ايضا فيما اثبتت كل الجهود الدولية العسكرية فشلها بامتياز في حماية الطرق والممرات البحرية من قراصنة البحر الذين عاثوا فيها فسادا أمام مرأى وعجز المجتمع الدولي برمته، فلا الأسطول الخامس الأمريكي ولا “الناتو” ولا السفن العسكرية الأوروبية ولا السفن العسكرية المرافقة لسفن المؤن الغذائية العالمية المتجهة إلى إنقاذ مليوني جائع من أبناء جلدتهم الصوماليين والمهددين بالهلاك قادرة على وضع حد لفلول هذه الجرذان البحرية المنتشرة في أعالي البحار وقبالة السواحل الصومالية.
لقد وصف وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل “ان القرصنة مثل الارهاب” والأصح والأدق لو قال هي الإرهاب بعينه، مثلها في ذلك مثل اختطاف الطائرات مادام ضحاياها ليس الشركات أو الدول المالكة للسفن لخسارتها ماليا بل حياة طاقم السفن في حالة لم يستجيبوا لمطالب الخاطفين فيقرر القراصنة اغراق السفينة أو لأي تصرف أو سوء تقدير من ربابنتها، ومادام ضحاياها إذا ما كانت السفن محملة بمعونات الاغذية لشعبهم أو الشعوب الأخرى جوعى ينتظرون عطف المجتمع الدولي. فأين قوات التدخل السريع إذن لمواجهة هذا الشكل من أشكال الإرهاب العالمي؟ أم يا ترى هي فالحة فقط في القضايا السياسية فقط؟

والحال أن هذه المشكلة العويصة لن تحل إلا بحل مأساة انهيار الدولة والمجتمع في الصومال، حتى لو تطلب الأمر إذا ما تفاقم الوضع أكثر مما هو متفاقم عليه وضع الصومال برمته تحت الوصاية الدولية المؤقتة حتى تميل الكفة لصالح العقلاء من كل فرقاء وأطراف الأزمة الصومالية ويمكن إعادة بناء الدولة من جديد على أسس وطيدة.



أخبار الخليج 24 نوفمبر 2008
 

اقرأ المزيد

مـــا «الأمـيــرو»؟

 


قد لا يبدو هذا المقال مناسبا في وقت يسجل فيه سعر الدولار ارتفاعا مقابل العملات الأخرى. غير أن الحقيقة، كما سبق وأوضحنا، هي أن السعي المكثف لتحويل مختلف الأصول إلى سيولة من مختلف العملات، ثم تحويل هذه العملات إلى الدولار لسداد الالتزامات المقومة به يخلق هذا الطلب المؤقت عليه. غدا، عندما تبلغ هذه العملية نهايتها سيعود الدولار إلى اتجاهه الطبيعي والدائم نحو الانحدار. كانت تلك المقدمة، وإليكم المقال.
في 20 أغسطس/ آب  2007،  طفت على السطح فجأة معلومات حول خطة لقيام عملة نقدية أميركية كندية مكسيكية موحدة. كان قادة هذه البلدان عقدوا لقاءهم الدوري في كويبيك الكندية، وقالوا بأنهم بحثوا فكرة ‘التكامل القاري’. الصحافة ترجمت ذلك بأن القادة اتفقوا على إقامة ما يشبه الاتحاد الأوربي حتى العام 2010، ما يعني ليس الحدود المشتركة فقط، بل والعملة الموحدة أيضا. ونبهت إلى أن الرأي العام لم يشرك في مناقشة هذا المشروع الذي يمس قرابة نصف مليار يسكنون هذه البلدان الثلاث.
ما حقيقة الأمر؟ يوجد لدى عدد من المختصين البارزين جواب محدد: الحديث يجري عن إفلاس ‘المشروع الأميركي’، وبدرجة أولى الدولار الأميركي واستبداله بعملة أخرى تحمل اسم ‘أميرو’. والاتهام يبدو جديا للغاية، فالإفلاس المفاجئ لدولة يبلغ دينها الخارجي 9 ترليون دولار تعادل 69% من حجم إجمالي ناتجها المحلي بمقدوره أن ينزل أكبر ضربة ماحقة بالاقتصاد العالمي خلال كل التاريخ المعاصر.
الذين تحدثوا عن هذا الأمر قالوا أيضا بأن الناس الذين يجرؤون على الحديث بصوت عال عن الآفاق الكئيبة ‘لأميرو’ يتعرضون للملاحقات ولوصمهم بنعت أنصار نظرية المؤامرة، وحتى أن مواقع الإنترنت التي يكتبون فيها تعرضت للهجوم. وجرى تسويد سمعة الناشطين من أجل حق الرأي العام في معرفة حقيقة ما يدور من خطط.
فكرة إنشاء عملة موحدة للقارة الأميركية الشمالية ليس جديدة. هي وليدة العام 1999حين تحدث الاقتصادي الكندي البارز، هربرت جروبل من جامعة فريزر عن ضرورة قيام اتحاد نقدي أميركي شمالي. لكنه وحتى وقت قريب، كانت الأفكار حول العملة والدولة الأميركية الشمالية تدور فقط بين جدران مراكز الأبحاث. أما السياسيون فرددوا مطمئنين بأن الحديث يدور عن مجرد خطط ترنو إلى المستقبل البعيد. لكن حكومات الدول المعنية لم ترفع أية دعاوى رسمية بحق ‘الملفقين’ ضدها. هذه الحقيقة بالذات هي التي تعزز القول بأن مشروع ‘أميرو’ قد يكون خطرا للغاية. فهل الخطة حقيقية أم أنها من بنات خيال البعض؟
كانت النتيجة الرئيسية لقمة الرئيسين بوش وفوكس، ورئيس الوزراء مارتين الذي عقد في مارس 2005 هي فكرة إقامة الاتحاد الأميركي الشمالي (NAU). على قاعدة الاتفاقية الأميركية الشمالية للتجارة الحرة بهدف تشكيل ما يشبه اتحاد سياسي اقتصادي إقليمي يضم أميركا وكندا والمكسيك. وفي بيان مشترك حينها، تحدث القادة الثلاثة عن المرحلة الأولى من تشكيل هذا التحالف تحت اسم ‘الشراكة من أجل أمن وازدهار أميركا الشمالية (SPP). وقد اتخذت خطوات عملية.
على الفور أنشأت الحكومة الأميركية موقع http://www.spp.gov، حيث تنشر الوثائق والتصريحات الرسمية لأعضاء ما يتوقع بأن تصبح الدولة الأعظم. وفي مايو/ أيار 2005 نشر مجلس العلاقات الدولية (CFR). تقرير مجموعة تحليلية مختصة بعنوان ‘بناء المجتمع الأميركي الشمالي’. ويقدم هذا المجلس، الذي أنشأ قبل قرابة سبعة عقود بتمويل من أكثر من مئتي شركة كبرى تسهم في رسم السياسة الأميركية ويصدر مجلة Foreign Affairs، نفسه على أنه منظمة اجتماعية مستقلة تشرح للعالم فحوى السياسة الخارجية الأميركية. ويضم عددا من ذوي النفوذ من بينهم وزير الخزانة الحالي بيتر بتيرسون. وقد وصف ذلك التقرير بأنه خارطة الطريق لضمان أمن أميركا الشمالية ومواطني البلدان الثلاث. وقد تضمنت أفكارهم دعوات لإعادة النظر في الحدود باتجاه تسهيل قيام (NAU). ولعله على هذا الأساس يمكن فهم لماذا يصد الرئيس بوش باستمرار مطالبات الكونجرس بتعزيز الحدود الأميركية المكسيكية.
في يونيو/ حزيران 2005 قال مدير مركز أبحاث أميركا الشمالية في الجامعة الأميركية روبرت باستر أمام جلسة استماع لجنة مجلس الشيوخ للسياسة الخارجية بأن الاتحاد الأميركي الشمالي بحاجة إلى مجلس قيادي إقليمي. غير أن باستر رجل من عالم الاقتصاد، ويقال بأنه هو من أدخل مصطلح ‘أميرو’ كاسم للعملة الموحدة.
لكن أول من قرع جرس الإنذار حول ‘أميرو’ كان المعلق المستقل من نيوجرسي هارولد تشارلز تيرنر الملقب بهيل تيرنر في برنامجه على الإنترنت. وقد اتهم هارولد بالشوفينية القومية وحتى بالعنصرية. لكن أحدا لا يمكن أن يطعن في مهنيته، خصوصا في إثارة كثير من الفضائح التي كشفت المتورطين فيها. ففي منتصف أغسطس من العام الماضي، نشر الخبر الذي رشح لأن يعتبر الأكثر إثارة للعام .2007 قال فيه بأن حكومات أميركا وكندا والمكسيك لم تبرم اتفاقا سريا حول اندماج الدول الثلاث في واحدة بشكل عاجل يسمى الاتحاد الأميركي الشمالي فقط، بل وأنهم يتخذون خطوات عملية من أجل أن تقر في المستقبل القريب عملة جديدة موحدة لهذه البلدان. أكثر من ذلك أنه عرض صورا لعملة الأميرو التي قال بأنها قد صكت من قبل الخزانة الأميركية. وكشف بأنه حصل عليها عن طريق أحد عاملي الخزانة القلقين من الممارسات التي تجري من وراء ظهر المواطنين. ادعى هارولد بأن الحكومة تتعمد وبشكل هادف الحط من النقود من أجل إيصال البلاد إلى حالة إفلاس نهائي وغير قابل للعودة عنه.
نفت الحكومة الأميركية على الفور وجود خطط كهذه. وشنت حملة واسعة لتفنيد ادعاءات هارولد واتهامه بابتداع تصميم لعملة الأميرو. وقال هارولد بأن الحكومة نجحت في حملتها، ويقول بأنه يبدو أنه الوحيد الذي بقي يعتقد بصدق الرواية. أما العامل في الخزانة الذي أسرّ لهارولد بخبر ‘الأميرو’ فقال بأنه أخبره أن جميع العاملين قد أنذروا بأن مخالفة كبرى قد ارتكبت بإفشاء سر، وأن مرتكبها سوف سيعاقب
.

اقرأ المزيد

أســود أم خلاســي؟


أصبح لأمريكا رئيس جديد، من الديمقراطيين هذه المرة، خاض الانتخابات وكسبها تحت دعوة التغيير.
حقق باراك أوباما، أول رئيس أسود للبيت الأبيض، الاختراق الذي كان يبدو حتى عقود، لا بل وسنوات قليلة مضت عصياً، فبدت أمريكا معه كأنها تنتصر على نفسها، على إرثها الثقيل في التعامل مع السود والملونين كما لو كانوا مواطنين أمريكيين من درجة أقل من تلك التي للبيض.
وبعد أن قُضي الأمر بإعلان الفوز الساحق لأوباما، انشغل الأمريكيون بسؤال قد لا يبدو مفهوما كثيرا لغيرهم، هو: هل حقاً أن أوباما أسود؟
مرد ذلك هو حقيقة كون أم أوباما أمريكية بيضاء ووالده مهاجر أفريقي من كينيا.

ولا يتصل الأمر برغبة البِيض في أن يكون لهم “حصة” في رئيسهم الجديد، كون أمه بيضاء، كما أن الأمر لا يبدو مجرد فذلكة تدور حول لون بشرة الرئيس الجديد، بقدر ما هو نقاش يتصل بمفصلٍ أساسي من مفاصل ما يمكن أن نطلق عليه الهوية الأمريكية.
أكثر من ذلك فان هذا الأمر سيفتح الأبواب على نقاشٍ واسعٍ حول هوية المجتمعات الغربية عموماً التي ظلت تتصرف لأمدٍ طويل على أنها مجتمعات بيضاء صافية، لم تخالطها دماء أخرى، فإذا بنا اليوم إزاء أجيال جديدة تتداخل فيها ألوان السُحنات، وينشأ هجين بشري جديد، هو نتاج التزاوج بين المتحدرين من أعراق مختلفة.

 وبالنظر إلى اختلاف عرقي والديه، يمكن القول، للدقة، إن أوباما خلاسي، أي هو نتاج اتحاد عرقين في زيجة، فلا يغدو معها من يُولد نتيجة هذه الزيجة أبيض تماماً ولا هو أسود تماماً.
ولكن لون السحنة السوداء في الولايات المتحدة وفي غيرها شكل نوعاً من الهوية المشتركة بين السود في مواجهة ما عانوا منه من تمييز واضطهاد، وتشمل هذه الهوية حتى أولئك السود الذين كان أحد والديهم أبيض.

سيكون مفيداً العودة لفرانز فانون خاصةً في مؤلفه الرائع: “بشرة سوداء.. أقنعة بيضاء” للامساك بالموضوع.
علينا بعد ذلك أن نتفهم برهافة وعمق دموع الفرح الساخنة التي سالت على وجنات الكثير من السود الأمريكيين وهم يصغون لأوباما يتحدث في حملته الانتخابية، أو في لحظة الإعلان عن فوزه، كأنهم وجدوا في هذا الفوز نوعاً من رد الاعتبار لقضيتهم وكرامتهم كمواطنين أمريكيين عانوا من التمييز.

الأستاذة في جامعة هارفرد، كمبرلي ماكلين داكوستا، وهي خلاسية مثل أوباما، والدها افريقي وأمها ايرلندية أمريكية، كتبت تقول: “نحن نشأنا على خط المواجهة فيما يتعلق بالتغير العرقي حيث اصطدمت القيم الجديدة بالقديمة، فقد كنا نشاهد الجميع من بيض وسود يحدقون في أمهاتنا البيضاء”.

قبول الأمريكيين بأوباما رئيساً لهم يُنبهنا إلى أن عالماً جديداً آخذ في التشكل منذ زمن، تمتزج فيه الأعراق وتتداخل.
أمريكا والعالم كله، ورغم اليقين بأن حدود الخروج على قواعد اللعبة السياسية المرعية الأمريكية ليست مطلقة، تنتظر أن يأتي أوباما بجديد، ليس فقط بأن يعيد أمريكا إلى شيء من الرشد بعد الجنون الذي قادها إليه بوش وفريقه، وإنما أيضاً يأخذ بيدها إلى التصالح مع نفسها، مع تاريخها ومع نسيجها المتعدد، لكن المتداخل.

اقرأ المزيد