المنشور

مَيّ .. رمزٌ لثقافةِ البحرين


 
إمرأةٌ من بلدي ككل الأمهات، لكنها ليست كسائرِ النساء!.. إسمها جميل.. وجهها صبوح.. جمالها آسر.. أناقتها فريدة.. ثقافتها بلا حدود!  تعرف قيمة الإختلاف والتنوع؛ سِمَة تاريخ شعب أرخبيل البحرين منذ الأزل. كانت من سنوات سفيرة حرّة للثقافة والإبداع للبحرين العصرية. فراشة تنتقل من بلدٍ لبلد تحمل في يدها وردةَ “الجوري” الحمراء، هدية للعالمين، ناشرة من حولها أريج البخور والياسمين. تسحر الرجال والنساء أينما حلّتْ، تاركة لديهم أثراً لا تمحيه السنون عن الإنسان في البحرين . 

فرحتُ كثيراً وامتلأتُ غبطةً وحبوراً، مثل آلافٍ من مواطني بلدي والعالم الخارجي عندما عُيّنَتْ أخيراً وزيرة لوزارة مستحدثة ؛” الثقافة والإعلام” (لاحظوا الثقافة أولا والإعلام ثانويا).. فرحنا- جُلّنا- وتنفسنا الصعداء، بقدر ما حزنا في السابق، حينما لم تقدّر في حينه.. على أية حال..”أتَتْ ولو متأخرة خيرٌ من أن لا تأتي أبداً”؛ مثلٌ بليغٌ بكل اللغات والثقافات، ينطبق على حال المواطنة ” مَيّ بنت محمد آل خليفة” . 

  معركتها ورسالتها، كونها امرأة عصرية تدرك أولوية حرية الثقافة، لم تكن ولن تكون سهلة في أي وقت، لا في ماضي الأيام ولا في القادم منها. حاربت طواحين الهواء باقتدارٍ وجهدٍ قلّ نظيرهما.. هزمتهم جميعا، وهي المرأة الشرقية، التي إن وقفت لا تعرف الخنوع مرة أخرى.. انتزعت الجدارة والأحقية بقوة أناملها الرقيقة، ناشبة أظافرها في صخور التخلف والاستبداد.  

هي في الواقع وبلا مبالغة.. ظاهرةٌ، أتمنى أن تنتشر كالحريق بين ضفاف الخليج الظمآنة للحرية، التي لا تستقيم إلا بتقدم المرأة.  بل هي رمزٌ لعناد النساء وعزيمتهن الراسختين وحلمهن الأبدي للمساواة الفعلية بين وجهي عملة الإنسان؛ الرجل والمرأة /المرأة والرجل. ففراشة الحرية التي لا تعترف بقيد المنصب وروتينه، لا أخاف عليها من المنصب الأثير والوجاهة البراقة لأن الوزارة العتيدة قد تشرفت بها، بقدر ما تتشرف هي بثقافات الشعوب .

 ما فعلته” مَيّ” لوحدها من انجازات في البلد وفي الخارج بالنسبة للمجال الروحيّ والمعنويّ للإنسان ونقل الصورة الحضارية لبلدنا قد فاقت الآخرين كثيراً.. ولا وجه للمقارنة أصلاً !.. فبفضلها زار البحرين أفضل الفنانين الجادين وكبار المبدعين والمفكرين العرب والعالميين، الذين عاد منهم العديدين لزيارة البحرين مرات ومرات وأصبح بعضهم عشاقا متيّمين بالبحرين. رأينا وجوها ثقافية وفنية لم نكن نحلم أن نراها تحت سماء بلدنا.. واستمتعنا بلحظات روحية لا تنسى، نستمع فيها إلى إبداعات إنسانية راقية، ننهل منها غذاء روحيا لا يقدر بثمن، بُغية اشفاء غليل النفس العليلة!      
 
  وحتى يكون تقديرنا لجهود “مَيّ” واقعيّاً، غير مبالغ فيه.. نقول أن من يعمل قد يخطئ مرة أو مرات ولا يوجد إنسان منزّه بلا عيوب.. فجوهر الفن يعلمنا أن الإنسان يهفو دائما نحو الكمال ولكن لا يصله أبداً، ومن هنا ضرورة الفن وحب الجمال في حياة البشر، كتعويض عن هذا النقص وتعبير سرمديّ عن التوْق البشريّ للجمال والكمال!
   
نقطتان أود طرحهما، عبر هذه الإشادة / الرسالة المفتوحة لوزيرتنا الجديدة/القديرة وبصراحة الأخ لأخته.. النقطة الأولى تتعلق فيما يقال عن القصور أو عدم الاهتمام الكافي للكادر الفني المحلي/الوطني وضرورة دحض هذا الإدعاء بواسطة الفعل وليس الكلام فحسب. أما الاقتراح الثاني والأهم فهو يتعلق بأهمية المحافظة على التراث المعماري الكلاسيكي في بلدنا، والأمر البديهي أن هذا من صلب اهتمامات الأخت “مي” والدليل واضح للعيان ويتجسد في “مركز الشيخ إبراهيم الثقافي” وبيت “عبد الله الزايد” وغيرهما في مدينة المحرق و”بيت الشعر” (بيت إبراهيم العريض) في مدينة المنامة. ولكن نأمل آن لا يقتصر هذا الاهتمام على منطقة من البحرين أو فئة معينة من أهله وذلك لأنه حتى هذه اللحظة لا توجد خطة شاملة متكاملة للحفاظ على البيوت القديمة، بُغية ترميمها وتحويلها إلى مراكز تراثية. بل أن الخطة أو السياسة تلك تعوزها عدم المنهجية والدليل على ما نقول هو عدد المباني والبيوت القديمة التي أزيلت من الوجود بقوة “البلدوزر” ولم ترَ الاهتمام الكافي في حينه ومازال، تشكل كلها “بقايا صور” محفورة في قاع ذاكرة طفولتي الشخصية. كلنا نتذكر بحسرة- على سبيل المثال- عما حدث لبيت “فاروق” ذي الطراز المعماري الفريد والباب المحروس من تمثالين لأسدين، في منطقة” رأس الرمان”. حدث نفس الشيء في المنامة، في فريق “العوضية” بالذات لبيوت كانت آية في المعمار مع أشكال متنوعة فريدة من “البادكير”( مصيدة الهواء) أزيلت تماما، ولم يبقَ منها إلا القليل الذي نتمنى أن يدخل في صلب اهتمامات المسؤول الأول عن خطة المحافظة على التراث المعماري البحريني التقليدي!
 
الوقت 22 نوفمبر 2008
 

اقرأ المزيد

مقابلة صحيفة “البلاد” مع أمين عام المنبر التقدمي: القوى التي تتصدر الساحة اليوم عاجزة عن تقديم بديل مُقنع

 



نشرت جريدة “البلاد” في عددها الصادر يوم الأحد الموافق 23 نوفمبر 2008 حواراً مع د. حسن مدن الأمين العام للمنبر التقدمي،قال فيهأملنا ألا يتعثر التنسيق بيننا وبين”وعد”. ولو قرأت تصريحاتي وتصريحات زملائي في قيادة “التقدمي” للاحظت أننا بمقدار ما عبرنا عن حرصنا واهتمامنا الكبير بمسألة وحدة التيار الديمقراطي بشكل عام والتنسيق بين وعد والتقدمي بشكل خاص، عبرنا عن إدراكنا لوجود صعوبات علينا تذليلها في هذا السياق،

 


مقابلة صحيفة “البلاد” مع أمين عام المنبر التقدمي:


القوى التي تتصدر الساحة اليوم عاجزة عن تقديم بديل مُقنع 

 


فيما يلي نص المقابلة الكامل: 
 


س/   لم يستبعد مصدر “تقدمي” مطلع، “تعثر التنسيق” القائم بين جمعيتكم و”وعد”، الهادف للمصالحة والتحالف مستقبلاً على بعض المشتركات، عازياً ذلك لعمق ما عُرف بـ”الخلافات التاريخية” بين التنظيمين “الجبهة الشعبية- وعد”، و”جبهة التحرير-التقدمي”.  ما رأيك بهذا الكلام؟.  وبصراحة كيف ترى شخصياً أفق العلاقة في ضوء جلسات الحوار الأخيرة بينكم؟
 
أملنا ألا يتعثر التنسيق بيننا وبين”وعد”. لو قرأت تصريحاتي وتصريحات زملائي في قيادة “التقدمي” للاحظت أننا بمقدار ما عبرنا عن حرصنا واهتمامنا الكبير بمسألة وحدة التيار الديمقراطي بشكل عام والتنسيق بين وعد والتقدمي بشكل خاص، عبرنا عن إدراكنا لوجود صعوبات علينا تذليلها في هذا السياق، وقلنا أن على الأمور أن تؤخذ بالتدريج، لكي لا نُصدر للناس آمالا كبيرة قبل أن تأخذ عملية التنسيق مجراها وتعطي نتائجها الملموسة. 
  


س/    من الواضح، أن الحوار أو التنسيق بين الجمعيتين يسير بشكل “بطيء جداً”.  فهل الخلافات القديمة ما زالت تُثقل خطوات التلاقي أم ماذا؟.
 
الحوار لا زال في بدايته. دعونا لا نستعجل  الأمور.
 


س/   رئيس وعد إبراهيم شريف أكد مؤخراً أن جزء من الخلافات معكم متعلق بمستوى العلاقة مع التيار الإسلامي المعارض، أي علاقة وعد بالوفاق. كيف يمكن فهم منشأ هذه الحساسية؟.  وهل هي من بعض الخلافات التي لا يمكن إزالتها بحسب ما أعلن شريف، والذي لم يحدد الأخير موضوعاتها؟.
 
لا حساسيات لدينا تجاه الوفاق أو تجاه التنسيق معها. الوفاق قوة سياسية واجتماعية كبيرة نحترمها ونقدر دورها حتى لو اختلفنا معها في بعض المسائل. ولسنا نرى صحيحاً أو مناسباً ترويج مثل هذه الأقوال.
حتى في ذروة احتدام ثنائية المقاطعة والمشاركة منذ سنوات ظلت علاقتنا مع الوفاق، ورئيسها الشيخ علي سلمان الذي نكن له كل التقدير، متواصلة وقائمة على الاحترام، وهي كذلك الآن وستظل في المستقبل.
وهذه العلاقة قائمة على الصراحة أيضاً، فما نختلف فيه مع الوفاق نعبر عنه بوضوح.
 


س/   لنتجاوز التاريخ قليلاً.ثمان سنوات من القطيعة بينكم وبين وعد، أي بعمر الجمعيتين اللتان هما من عمر العهد الملكي والإنفراج السياسي. كيف يمكن أن نفهم أو نقرأ ذلك؟.
 
مفردة “القطيعة” مبالغ فيها كثيراً. لكن العلاقة بيننا لم تأخذ إطارا تنسيقياً. أنت أشرت إلى حساسيات الماضي التي تلقي بظلالها خاصة مع تعثر محاولات تنسيق سابقة. من ناحية أخرى قراءتنا للوضع السياسي الناشئ بعد الميثاق افترقت عند نقطة معينة حين قررنا نحن المشاركة في انتخابات 2002، فيما انضمت وعد للوفاق في خيار المقاطعة. طبيعي انه كان لذلك أثره في اختلاف التكتيكات. اليوم نحن ووعد على أرضية سياسية متقاربة إن لم تكن واحدة، ويفترض أن هذا يُقوي من آمالنا في مستقبل أفضل للعلاقات.
 


س/   لو سمحت لي سؤالاً هنا. أنتم تعيبون دائماً على الحركات الإسلامية بمدى تأثرها بالتاريخ، وما انعكس ذلك على نشوء الكثير من الصراعات والخلافات بينها.  فما الفرق بينكم وبين حركات الإسلام السياسي في ضوء خلافاتكم “التاريخية” كإنموذج حي؟.
 

نختلف عن حركات الإسلام السياسي في الرؤية والمنهج وفي طبيعة البرنامج الاجتماعي انطلاقاً من كوننا قوى علمانية، ولا يجوز مثل هذا الإسقاط عند الحديث عن علاقاتنا مع وعد أو غيرها من القوى العلمانية. رغم ذلك نحن من دعاة مغادرة الماضي، والانطلاق نحو آفاق المستقبل، وفي لقاءاتنا مع وعد دعونا ألا تصدر الخلافات القديمة للأجيال الجديدة من أعضاء التنظيمين، لأنه من المعيب أن نجد شاباً في “وعد” أو “التقدمي” في مقتبل العمر يتكلم عن خلافات حدثت قبل ولادته بكثير.
 


س/   تطرحون أنفسكم “بديلاً وطنياً” عن “القوى الإسلامية و الطائفية المهيمنة على الشارع والبرلمان”، بحسب أدبياتكم.  لكن تُرمون بذات التهمة، أي طائفيون للحزب، وبعبارة أخرى أنكم تفرغون تلك الطاقة تجاه الحزب وفكره، خاصة إذا ما تكلمنا عن تنظيم شيوعي.  كيف تعلق على ذلك؟.
 

ما هو وجه الخصوصية في قولكم: “خاصة إذا تكلمنا عن تنظيم شيوعي”؟ . أعضاء كل تنظيم، شيوعياً كان أو يسارياً أو إسلامياً، هم بالضرورة منحازون لتنظيمهم وفكره. الفرق بين التيارات العلمانية، ونحن جزء منها، والتيارات الإسلامية والمذهبية أن الأخيرة منغلقة على أبناء الطائفة التي تنتمي إليها، فيما نحن منفتحون على كل تكوينات المجتمع الطائفية والاثنية. نحن نمثل المجتمع بكافة تكويناته، تنظيم مثل “التقدمي” يشبه البحرين بكافة تكويناتها، لدينا أعضاء من انحدارات سنية وشيعية، لدينا عرب وعجم وبلوش وغيرهم. يجمعنا خط أممي يترفع على العصبيات الدينية والمذهبية والقومية. 
  


س/   شيوعي حزبي سابق “جبهة التحرير” يرى، “أن بقاء المنبر التقدمي تحت هيمنة الفكر الاشتراكي
 المحافظ وبنسخته التقليدية جداً سيؤدي إلى مضاعفة إنحساركم”.  كيف ترد؟.
 

قبل أن نطلق التعبيرات علينا أن نحدد المقصود: ما المقصود بالفكر الاشتراكي “المحافظ”، وما هي النسخة التقليدية جداً، هل هناك نسخة “تقليدية” وأخرى “تقليدية جدا”، وإذا كانت كذلك فما هو أساس المقارنة الذي بنيت عليه هذه التصنيفات؟
الاشتراكية هي نظام للعدالة الاجتماعية، لا أعتقد أن الفكر السياسي اقترح حتى الآن نظاماً أفضل منه لبلوغ هذه العدالة الاجتماعية أو بعض أشكالها، والفكر الاشتراكي هو فكر إنساني علماني متسامح وديمقراطي وتقدمي.
ونحن لسنا منغلقين على نموذج أو قالب جامد. نحن منفتحون على مجمل التراث الفكري الإنساني ، العلماني والليبرالي، وعلى ما في تراثنا العربي الإسلامي  من مساهمات حضارية ثرية، وقبل ذلك وبعده نحن أبناء البحرين، أبناء هذا الشعب والمجتمع، الذي نعرف حق المعرفة  معتقداته وعاداته وتقاليده وقيمه ونحترمها، ولسنا في تضاد معها. مهمتنا هي الدفاع عن مصالح هؤلاء الناس وحقوقهم، ومن أجل ذلك قدم تيارنا تضحيات غالية، وفي أوقات معينة من تاريخنا الحديث كنا وحدنا نتلقى سياط أجهزة الأمن التي يديرها الضباط البريطانيون.
من الخطأ مقارنة تأثيرنا الفكري بتأثير التيارات الإسلامية، التي تعتمد على آليات حشد لا يمكننا مجاراتها. نحن نخاطب العقل والمصلحة الطبقية، والتيارات الإسلامية تخاطب الحس المذهبي. وليس مطلوباً منا أن نتخلى عن نهجنا الفكري لكي نصبح أكثر انتشاراً، فتلك وصولية وانتهازية لا تليق بمناضل يدعي أن لديه خط سياسي وفكري يتبناه ويدافع عنه. من المعيب أن نُظهر غير ما نخفي.
مطلوب منا أن نأخذ الناس إلى خطنا الفكري والسياسي بإظهار صحته وتعبيره عن مصالحهم، لا أن ننساق وراء عفوية الجماهير.
بالمزيد من المثابرة والتفاني والدفاع عن قضايا الناس وحقوقها وتنظيم صفوفهم، يمكن أن تتوسع قاعدتنا ويزداد مناصرونا.
قبل أكثر من خمسين عاماً عندما أسس روادنا الشجعان جبهة التحرير بخطها السياسي والفكري عملوا في ظروف أكثر صعوبة في مجتمع لم يتعرف بعد على هذا النوع من الأفكار وحفروا في الصخر لكي يشقوا لهذا الفكر دروباً، واستطاعوا أن يبنوا تنظيماً فعالاً ومناضلاً.
من هؤلاء الرواد وأجيال المناضلين التي تلتهم نتعلم. المهم أن تكون لدينا الإرادة والثقة في قدراتنا وإمكانياتنا، وهي بالمناسبة ليست قليلة.
 


س/   لو أردنا أن نعيد صياغة فهمنا لعقيدتكم بالإشتراكية كمدرسة وفكر ومنهج في ظل المتغيرات والأحداث المتلاحقة على المستوى الدولي والمحلي، كيف يمكننا لنا الوقوف على الصورة الأكثر وضوحاً؟.
 

جيد، السؤال يتحدث عن التغيرات والأحداث المتلاحقة على المستوى الدولي والمحلي. أنظر إلى الأزمة المالية التي تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي اليوم في عقر داره، ألا تبرهن على الخلل البنيوي الذي يواجه  هذا النظام القائم على الاستغلال الطبقي ونهب ثروات الشعوب وتخريب البيئة وشن الحروب العدوانية من أجل تدوير مصانع السلاح وجني الثروات من ورائها وفرض الهيمنة على العالم. ألم تظهر هذه الأزمة هشاشة وسخف النظريات التي تتحدث عن نهاية التاريخ وتعمل على كسر أحلام الناس في واقع أفضل للمعيشة.
المتغيرات الدولية لا تبرهن على خطأ نهجنا، وإنما تؤكد صحته.
أما المتغيرات المحلية والإقليمية فتظهر هي الأخرى عجز التيارات التي تتصدر الساحة اليوم عن تقديم بديل مُقنع للناس، يتلاقى أداء أجهزة في الدولة مع أطروحات التيارات الإسلامية في تكريس الانقسام الطائفي والمذهبي في البحرين، ولو قارنت الناس بما كان عليه الحال قبل عقدين من الزمن لأدركت الفارق بين خطابنا العلماني الوطني وبين الخطابات المذهبية.
بالعكس مما يبدو في الظاهر فان المجتمع بحاجة إلى خطابنا الوطني الجامع والى منهجنا في التحليل والى رؤيتنا المتسامحة لصورة البحرين ومستقبلها، ونحن نسعى لتكثيف عملنا وتطوير جاهزيتنا لإبراز بديلنا الوطني الديمقراطي.
 


س/  هل ما زال حسن مدن من دعاة التجديد في الوسط التقدمي؟.  وهل يمارس هذا الدور أم شاءت ظروف التنظيم الخاصة تعليق هذا الطموح؟.
 

التجديد يتم من خلال الممارسة والعمل الجماعي، وهذا ما نسعى إليه في قيادة المنبر حيث نولي العناية الأكبر لتعزيز وحدة صفوف المنبر وتطوير دوره في المجتمع، وبمقدار ما ننجح في ذلك سنتمكن من ضخ دماء جديدة للمنبر وجعله أكثر مقدرة على مواكبة المستجدات.  
 


س/   نُقل أنكم إمتنعتم مؤخراً عن التوقيع على بيان إحتجاجي لجمعية مقاومة التطبيع على تصريحات وزير الخارجية بشأن الدعوة لإنشاء منظمة تضم إسرائيل.لماذا؟.


تقدمنا ببعض التعديلات على صياغة البيان المذكور لم يُوافق عليها، فامتنعنا عن التوقيع. نحن تنظيم مستقل من حقنا أن نوقع أو لا نوقع على أي بيان وفق رؤيتنا. أما في ما يتصل بموقفنا من تصريحات وزير الخارجية فأحيلكم إلى تصريحي حولها الذي نشر في الصحافة في حينه، والى البيان الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للمنبر والذي جاء فيه: “المنبر التقدمي يجدد موقفه الداعي لحل سلمي عادل للصراع العربي الإسرائيلي، يضمن انسحاب إسرائيل غير المشروط من الأراضي العربية التي احتلتها بالقوة، وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وهذا لن يتحقق إلا بإزالة أسباب العدوان المتمثلة في السياسة التي تتعاقب الحكومات الإسرائيلية على الاستمرار فيها، مما يجعل من الحديث عن منظومة أمنية إقليمية تشمل إسرائيل، فضلاً عن صعوبتها العملية، فكرة سابقة لأوانها، لأن إدماج إسرائيل في مثل هذه المنظومة، قبل انسحابها من الأراضي المحتلة، يوفر لها الغطاء للاستمرار في نهجها العدواني”.



س/   يستغرب البعض من مواقف المنبر التقدمي “الأقل تحفظاً” على السياسات الأمريكية، وذلك بخلاف ما تتميز به الأحزاب الشيوعية العربية والأجنبية من  مواقف شديدة العدائية تجاه أمريكا.  كيف ترد؟.
 

لكي لا تُلقى الأمور على عواهنها، أعطني مثلاً واحداً أو بياناً من بيانات المنبر يشير إلى ما تقول.
 


س/   كيف تقرؤون نجاحكم بوصول عضو لجنتكم المركزية علي البنعلي مجدداً إلى رئاسة نقابة ألبا وفوز الكتلة العمالية بكافة مقاعدها خلال الانتخابات التي جرت مؤخراَ؟. وهل يمكن إعتبار هذا الفوز مؤشراً على نفوذ ما على مستوى الشارع؟.  وهل يمكن أن نراها مقاعد نيابية للتقدمي في إنتخابات نيابية قادمة؟.
 

فوز الكتلة العمالية في انتخابات”ألبا” ليس فوزاً للمنبر وحده، انه فوز باسم التيار الديمقراطي كله ولكل القوى التي ترفض الخيارات الطائفية والمذهبية، وهذا سبب الترحيب الواسع بهذه النتائج الذي عبرت عنه قوى وشخصيات عديدة.
 ويُشرفنا أنه كان لأعضائنا النقابيين في ألبا دور كبير في تحقيق هذا الفوز، ويفرحنا أكثر أن يكون على رأس النقابة شاب مثل علي البنعلي، لأن هذا يعبر عن حيوية وطاقة الجيل الجديد من مناضلي التيار الديمقراطي.
نتائج انتخابات “ألبا” ذكرتنا بالتقاليد المجيدة للعمل النقابي في البحرين، الذي قام على أسسٍ وطنية جامعة، بعيدة عن كافة أشكال ومظاهر الفرقة المذهبية والطائفية، التي انتعشت في السنوات الأخيرة، واخترقت العمل النقابي والسياسي، فحرفتهُ عن مجراه الصحيح.
أعضاء القائمة الفائزة قدموا البديل الذي نحنُ في أمس الحاجة إليه اليوم، وهو أن تتشكل قوائم انتخابية أو هياكل مؤسساتية على الأسس الوطنية، فينصهر المتحدرون من تكوينات المجتمع المختلفة في هذه الأطر أو القوائم.
في مثلِ هذه الحالة فإن المعارك المطلبية تُخاض على أسس البرامج الاجتماعية والمعيشية، لا على الأسس المذهبية أو الطائفية.
بالتأكيد هذا النجاح أظهر قدرات كامنة لتيارنا الديمقراطي يجب توظيفها بشكل فعال، خاصة وأن نقابة ألبا هي النقابة الأكبر والأهم في الحركة النقابية في البحرين، وعدد أعضائها يكاد يضاهي عدد الناخبين في بعض الدوائر الانتخابية، وهذا بالطبع يُقدم مؤشرات مهمة.



س/   هل ما زال هناك من أثر للخلاف الداخلي بـ”البيت التقدمي” بين ما اصطلح عليه “محافظي” و”إصلاحي” التيار، والتي تصاعد على خلفية “القائمة السرية” التي توزعت خلال مؤتمركم العام قبل عامين؟.
 

تعبيرات من نوع المحافظين والإصلاحيين ليست متداولة في صفوفنا، وهي إسقاطات صحافية. حول القضايا الفكرية والسياسية لا توجد لدينا خلافات جوهرية، ولكننا لسنا كتلة صماء، نحن تنظيم حي وديمقراطي، تطرح فيه الآراء المختلفة على قاعدة خطنا المشترك، ويمكن أن تنشأ تباينات حول هذه المسألة أو تلك، وهذا طبيعي ولا يقلقنا وبالحوار والعمل يمكن الوصول إلى رؤى موحدة قدر الإمكان.
 وحتى عندما نشأت مشكلة عندنا في المؤتمر الثالث، تخطيناها خلال شهور قليلة . أنا فخور بذلك، وكذلك بقية زملائي في قيادة المنبر وجميع أعضائه، حيث أعدنا للمنبر وحدته، واستطعنا خلال العامين الماضيين أن نعزز تماسك صفوفنا ونحقق نجاحات في عملنا التنظيمي والجماهيري والإعلامي.


 
س/   تقول مصادر تقدمية، أن الخلاف ما زال باق، ولكن ساهم في تطويقه بشكل كبير “ظهور إصلاحيين بين المحافظين”، وبروز “محافظين بين الإصلاحيين”.  ما دقة هذا الكلام؟.
 
أعتقد أن إجابتي على السؤال السابق تفي بالغرض.أعضاء المنبر جميعاً حريصون على وحدة تنظيمهم، وسيصونونها بكل إخلاص. 
  


س/   إذا لم تخونني الذاكرة، أنكم لم تستضيفوا رئيس الوفاق الشيخ علي سلمان، ورئيس أمل الشيخ محمد علي المحفوظ منذ 8 سنوات في أي ندوة كمتحدثين رئيسيين، أي من عمر الجمعية، برغم إستضافتكم للكثير من الندوات ومشاركة هاتين الشخصيتن في الكثير من الفعاليات هنا وهناك.  فهل ما نقلت أولاً دقيق؟.  وثانياً لما إن كان صحيحاً؟.
 

كلامك غير دقيق. فنحن نكنُ للشيخ علي سلمان وللشيخ المحفوظ كل التقدير والاحترام، وهما وغيرهما من قادة جمعيتي الوفاق والعمل الإسلامي شاركونا في أنشطة عديدة أقمناها بالمنبر، وهذا سيحدث في المستقبل أيضاً.
 


س/   نُقل أنكم لن تترشحوا لرئاسة المكتب السياسي في إنتخابات الجمعية المقبلة.هل لنا أن نعرف ذلك منكم؟.
 

هذا أمر يُبحث في حينه، لكن رفاقي في المنبر يعرفون رغبتي في أن نختار أميناً عاماً جديداً. وسأعمل في صفوف المنبر من أي موقع بذات الحماس والإخلاص والحرص.
 


س/   ذكر يساري مخضرم في المهجر أنه عُرض عليكم مقعداً بالشورى، وأنكم عبرتم عن إنزعاج شديد من ما ذكره ذلك اليساري العضو المؤسس بالتقدمي حسبما يذكر مقربون منك.  ما خلفيات هاتين المعلومتين؟.
 

لا صحة لكل ما ورد في سؤالكم، ولا علم لي بشيء مما تذكرون.
 
*أجرى الحوار عارف السماك
 

اقرأ المزيد

تجربة المدارس الابتدائية ــ الإعدادية المدمجة

المقترح الذي تقدمت به كتلة المستقبل النيابية لفصل طلبة المرحلة الابتدائية عن طلبة المرحلة الإعدادية، يبدو لي أنه مقترح ملح وعلى درجة من الأهمية، على الأقل من ثلاث نواحٍ مهمة: تربوية أخلاقية، وإدارية إشرافية، ومناهج دراسية.
فبعد سنوات طويلة من تطبيق هذه التجربة، أي تجربة دمج كلتا المرحلتين في مدرسة واحدة تحت إدارة واحدة، وتحت إشراف واحد، وفي ظل تكليف عدد من المدرسين أو المدرسات بتدريس طلاب وطالبات كلتا المرحلتين على السواء، يتبين أن حصاد هذه التجربة مرير جداً، بل مثقل بالسلبيات والأزمات المتفاقمة عاماً بعد عام، من دون أن تتمكن لا إدارات هذه المدارس، ولا الجهات المعنية داخل الوزارة نفسها من حلها. وقد آن الأوان لأن تفكر هذه الجهات جدياً لحل هذه المشكلة المزمنة.
ويمكننا أن نوجز أهم سلبيات دمج المرحلتين والمشاكل المترتبة عليهما فيما يلي:
أولاً: إذا كان يمكن تفهم لجوء الوزارة إلى هذا الخيار قبل نحو عقدين أي خيار دمج طلاب المرحلتين في مدرسة واحدة للتكيف افتراضاً مع محدودية الميزانية، فإنه لا يمكن اللجوء الآن إلى هذا الخيار بأي حال من الأحوال في عصرنا الراهن لأسباب عديدة من المتغيرات التربوية والاجتماعية، إذ ثمة أضرار معروفة جمة لاحتكاك طلاب وطالبات الإعدادية والذين تصل أعداد غير قليلة منهم إلى ما بين 14 سنة إلى 17 سنة في حين معظم طلبة المرحلة الابتدائية هم ما بين 6 إلى 12 سنة.
ثانياً: إن دمج طلبة المرحلتين في مدرسة واحدة يترتب عليه أن يكون المجموع الكلي لطلبة المدرسة الابتدائية ــ الإعدادية الواحدة متضخماً لا يقارن البتة بأحجام المجاميع الكلية لطلبة المدارس الابتدائية القائمة بذاتها، مقتصرة على المرحلة الابتدائية تحديداً، ولا بأحجام طلبة عدد من المدارس الإعدادية القائمة بذاتها المقتصرة على المرحلة الإعدادية فقط، ولا بأحجام طلبة المدارس الثانوية المستقلة القائمة بذاتها المقتصرة على المرحلة الثانوية بذاتها.
وبهذا المعنى فإنه من الظلم الصارخ تحميل إدارة ومدرسي المدرسة الابتدائية ــ الإعدادية المشتركة بمسئوليات ومهام كبيرة متشعبة إدارياً وتربوياً وتدريسياً لمرحلتين متميزتين، مقارنة بمديري وإدارات ومدرسي تلك المدارس المستقلة القائمة بذاتها والمقتصرة على مرحلة محددة، إما ابتدائية فقط، وإما إعدادية فقط، وإما ثانوية فقط.
ثالثاً: إن وزارة التربية والتعليم ينبغي أن تكون لها رؤية علمية تربوية تدريسية معمقة بعيدة النظر لفهم خصائص وسمات كلتا المرحلتين في الواقع التطبيقي تنسجم تماماً مع الواقع النظري لأسباب تقسيم مراحل التعليم الأساسية إلى ثلاث مراحل. فليس كادر الهيئة الإدارية المخصص لكل مرحلة دراسية على حدة من مدير، ومساعد مدير، ومشرف اجتماعي وسكرتير.. إلخ يصلح لكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث الأساسية على السواء، كما ليس كل مدرس مهما تخصص في مادة دراسية أو مادتين يصلح للتدريس في كل هذه المراحل الثلاث من دون استثناء. فمبدأ التخصص إذن لا ينبغي أن يقتصر على الفروق في المناهج فقط، بل على الإدارة والمدرسين، ومربي الفصول، والمشرفين الاجتماعيين.. إلخ بحيث ينبغي أن يدرب كل كادر إداري وتدريسي لكل مرحلة دراسية، أو أن يكون لديه الاستعداد الكافي الذاتي من الخبرة أو الممارسة أو المؤهلات للتخصص في إدارة، وتربية، وتعليم مرحلة محددة مستقلة قائمة بذاتها، وليس كل المراحل الدراسية.
وإلا فما معنى وما غرض تقسيم المراحل الدراسية الأساسية إلى ثلاث مراحل؟ ولماذا ثمة مدارس مميزة مستقلة مقتصرة على مرحلة من هذه المراحل الثلاث سواء أكانت ابتدائية أم إعدادية أم ثانوية وإداراتها تنال امتيازات المراحل المدمجة نفسها؟
وإذا كان الأمر يُنظر إليه بهذه البساطة فلماذا لا تدمج مثلاً المرحلة الإعدادية مع المرحلة الثانوية في مبنى مدرسة واحدة؟ علماً بأن عواقب وأضرار هذا الدمج أخف خطورة من دمج الابتدائي مع الإعدادي في مدرسة واحدة. ولماذا لا تدمج مثلاً المرحلة الثانوية مع المرحلة الجامعية تحت سقف مبنى واحد؟
ومن خلال تجربة عيانية فقد لامست بنفسي حجم المشكلات المتفاقمة التي يتحملها مديرو وإدارات ومدرسو المدرسة الابتدائية ــ الإعدادية وأحجام الأعباء المتضخمة المتشعبة الثقيلة الملقاة على عاتقهم عدا المشكلات التي أشرت إليها آنفاً. ولعل واحداً من آخر هذه المظاهر التي لمستها بنفسي مظهر “اليوم المفتوح لأولياء الأمور” والذي بدأ في إحدى المدارس (السهلة الابتدائية ــ الإعدادية) من السادسة مساء ولم ينته إلا الحادية عشرة ليلاً. وكان يوماً مفتوحاً فهل هذا المشهد يجوز بكل المقاييس؟ سواء للأسباب المتقدم ذكرها أم بالنسبة إلى الوقت الذي تأخر فيه اليوم المفتوح إلى ساعة متقدمة من الليل، أم بالنسبة إلى الأعداد الهائلة المتكدسة من أولياء الأمور أمهات وآباء وطلبة من كلتا المرحلتين.
لكل ذلك فإني على ثقة بأن وزارة التربية والتعليم وعلى رأسها الوزير الشاب الدكتور ماجد النعيمي لن تألو جهدا عن مراجعة تجربة دمج المرحلتين ودراسة التجربة دراسة موضوعية، توطئة لبذل كل السُبل الممكنة لفصل المرحلة الابتدائية عن المرحلة الإعدادية قبل استفحال مخاطر الدمج أكثر مما هو مستفحل الآن منذ سنوات حيث بلغ السيل أكثر من الزبى.

صحيفة اخبار الخليج
23 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

الرأسماليات “السوداء”

تعبير الرأسماليات السوداء يـُقصد به قوى المال التي تظهر من خلال الفساد السياسي أو التجاري، أي حين تظهر أو تتعيش قوى المال على القنوات الحكومية، وحينئذٍ لا يكون نموها إلا في السرية وليس في العلنية.
ومن هنا نجد ان الشركات والبنوك تعلن أرباحها ومخصصات مجالس إداراتها ومبالغ إعلاناتها ومساعداتها، في حين إن جهات كثيرة تتسربل بالصمت وتجمع النقود الكثيرة في الظلام، من دون معرفة المجتمع ورقابة البرلمانات.
لا يعني ان الرأسماليات البيضاء تشكل أرباحها بغير استغلال، ولكن حساباتها تكون معروفة خاضعة للتدقيق وللجان المحاسبة في حالة أي شبهة.
وهذا بخلاف الرأسماليات السوداء، التي تجري عملياتها في الخفاء، ويحدث تداخل بين أموال الشعوب الضائعة وبين دهاليز الشركات الخاصة التي تظهر فجأة، ويكون على مجالس إداراتها شخصياتٌ مجهولة، أو كانت صاحبة مطاعم ودكاكين بسيطة، إن لم يكن من الشحاذين والمفلسين الذين تطاردهم المحاكم لعدم دفع ديونهم، أو كانوا لاجئين في الخارج، أو كانوا أصحاب مكاتب متواضعة، أو شخصيات مجهولة، أو ربات بيوت لا يعرفن ما هي الأحزاب وتخصصن في صنع الكباب، وبين غمضة عين وانتباهتها صاروا من أصحاب الملايين.
كذلك هناك المصادر الدينية والسياسية للرأسمالية السوداء، فالأحزاب القومية والنضالية والدينية أقامت علاقات مع الأنظمة الدكتاتورية الشرقية وحصلت في الخفاء على إكراميات كبيرة، ولا أحد يعرف أحجامها، وككل الأنظمة الشرقية ليست هناك جردة حساب وهناك بنود غامضة مثل (مساعدات للأحزاب الشقيقة ومساعدات لحركات النضال) وغيرها من المسميات التي تضيع فيها دقة الحساب، ويغدو المعطي والمعطى إليه مجهولين، يضع الأول منهما أرقاماً لا تخضع لمراقبة برلمان، فيما الثاني يمدح بقوة كبيرة دولة الإيمان أو دولة الاشتراكية أو جمهورية الفداء القومي.
أموال الشرقيين ضائعة في هذه السراديب المظلمة، فلا توجد برلمانات مدققة ولا صحافة حرة تكشف المستور، ويمكن لهذه الرأسماليات أن تتداخل مادامت السرقة من المال العام بينها مُحللة، ويمكن أن تتشكل جبهات وتجمعات، ودول.
إن معاناة الرأسمالية الخاصة التي تكشف حساباتها تكون كبيرة، فهي بين مطارق دول مهيمنة تمنع توسعها وحرياتها، وبين أحزاب (ثورية) تترصدها وتنتقدها.
تعتمد ايديولوجيات دول وأحزاب الرأسماليات السوداء على إخفاء المعلومات عن دخولها، فهي مستعدة لأن تتكلم عن كل شيء بقوة كبيرة وعن الثورات والتضحيات الجسام، إلا عن دخولها وأموالها الخاصة وكيف حصلت عليها وراكمتها.
إن هذه المنطقة الحرام تجمع الدينيين والحكومات والمناضلين الشموليين وقادة الفكر البيروقراطي، والأحزاب التي تكونت في مجاري الحكومات الشرقية المختلفة، فقد كان الكل أصفاراً ولكن عبر المال والدعاية صاروا قادة دولٍ وأحزابٍ ومفكرين عظاماً.
في هذا المجرى المعتم ليس ثمة جردات حساب من شركات التدقيق المالية والسياسية التي تـُمنع من الاقتراب، فتسود الأفكارُ الشمولية وتـُعادَى الليبرالية وتـُكرَه الديمقراطية ويُرفع اسم الفرد البطل الدكتاتور، ويغدو الإسلام طائفية، والماركسية ستالينية، والناصرية عبادة الفرد.
حين تجد تمجيداً للنكرات ومبالغات وتعظيماً للشخوص وأشعاراً مبتذلة عن أصحاب المعالي، وكتباً عن بطل الأمة ومنقذ الشعب وسيد المرحلة، فتأكد أن رأسمالية سوداء تنمو في هذه التربة.
وفي الرأسماليات الحرة غش وفساد ولكن الدفاتر مفتوحة، والبرلمانات شغالة والصحافة تعيش على كشف الفساد والفضائح، ولا يقدر وزير أو موظف استبدادي معقد أن يمنع كتاباً أو يلغي ترخيص جريدة.
والصحف سباقة إلى التعرية، وكل موظف مرعوب من الخروج على نظام التدقيق العام، ومهما جرى من ألاعيب في دهاليز السلطة فإن أي خيط بسيط قادر على قلب حكومة وحل برلمان.
لكن في الشرق كل شيء تمام، وتستطيع أن تغدو عضواً في مجلس الأمة بقصيدة مدح، وأن تبصم على الميزانيات الكوارث، وتصبح من الأغنياء الكبار كلما زاد صمتك ومدحك.
والرأسماليات السوداء لا تنتج حداثة، أو نهضة، بل هي تقود للكوارث، وفساد الجيوش والإدارات، فلا يستطيع وطن مواجهة غزو، أو توحيد شعب. ولم تكن خسائر العرب أمام إسرائيل إلا بغياب الرأسمالية الحرة، وعملقة الحكومات ومؤسساتها ومنافقيها وصحافتها السوداء.
ومهما تنامت الرأسماليات في الشرق وغدت عملاقة فإن يوم الحساب لم يأت بعد، ويحل عهد الكوارث ذات يوم حين تنضب المواد الأولية الثمينة أو تتدهور أسعارها على نحو هائل، فيغدو ذلك مثل الطوفان والكوارث الطبيعية الأخرى، ولكنها هنا كوارث اجتماعية، إنسانية، صنعتها ايدي الإنسان نفسه.
وتكفي قشة البعير القاصمة فتترنح أنظمة بـُنيت على السرقة، ويتحول المنافقون بين ليلة وضحاها إلى أكبر الناقدين والثوار بعد أن جمعوا جبال الأموال، ويطالبون بالمزيد من القضاء على أنظمة الجهل والفقر.
وفي أنظمة بُنيت على عدم المعرفة وعلى غياب دفاتر الحساب الواضحة وعلى التداخل بين السلطات، وعلى عدم حرمة المال العام، لن يكون هناك سوى النفاق.
وأخطر الجوانب في العمليات الاقتصادية السوداء هي تجارة السلاح والمخدرات والجنس، وإذا كانت الدول الغربية وهي المصدر الأكبر للسلاح تخضع لعملية مراقبة اجتماعية بعض الشيء، فإن الدول الشرقية الكبيرة ومصدر السلاح لا تقوم بهذا، مثلما أن تجارة المخدرات منتشرة في الكثير من الدول، معبرة في الشرق عن قوى العصابات والدول وفي الغرب عن قوى المافيا، مثل تجارة الجنس الأكثر وضوحاً والمنتشرة باتساع متزايد مع توجه الدول الشرقية المتزايد للتجارة.
وغالباً ما يتم التستر على العمليات الاقتصادية السوداء، التي تؤدي إلى ثورات هائلة وسيطرات على القرارات السياسية.

صحيفة اخبار الخليج
23 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

قضية الاسكان‮ …‬من‮ ‬يعلق الجرس؟‮!‬

منذ سنوات طويلة ظل الرقم الذي‮ ‬بات متعارفا عليه الآن من قبل الجهات الرسمية والأهلية على حد سواء حول وجود ما‮ ‬يربو على ‮٠٥ ‬الف طلبا لمشاريع وخدمات اسكانية للمواطنين لدى وزارة الاسكان دون تغيير‮ ‬يذكر على الرغم من حجم وكثرة المشاريع الاسكانية الصغيرة التي‮ ‬تتناثرعلى مجمل مساحة البحرين الجغرافية،‮ ‬وعلى الرغم من قيام الدولة ايضا بتلبية مئات وأحيانا آلاف من تلك الطلبات الاسكانية،‮ ‬الا أن الرقم المذكور بقي‮ ‬في‮ ‬تزايد مضطرد سنة بعد أخرى،‮ ‬دون أن تتوقف الجهات المعنية في‮ ‬الدولة وعلى رأسها وزارة الإسكان وكذلك لجنة الاسكان والاعمار والتي‮ ‬حلت مؤخرا والمجتمع بأسره معهم ليسألوا أنفسهم‮.. ‬لماذا وكيف‮ ‬يحصل ذلك في‮ ‬بلد صغير كالبحرين والذي‮ ‬هو بحجم مدينة صغيرة في‮ ‬احدى الدول الكبرى من حيث تعداد السكان والمساحة الجغرافية؟‮! ‬بل والى متى ستستمر هذه القضية الشائكة بالفعل محل تجاذب دائم وحتى مزايدة أحيانا من قبل البعض ممن لا‮ ‬يملكون أو حتى‮ ‬يقترحون حلولا عملية وموضوعية لهذه المعضلة،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يملكون توظيفا فوضويا لها،‮ ‬دون أن تقوم الدولة وجهاتها القادرة على اجتراح الحلول كما سبق وفعلت وتفعل الآن وبعد مخاض عسير ومضن مع معضلة أخرى لا تقل عنها كالبطالة،‮ ‬والتي‮ ‬حققت فيها البحرين مؤخرا نجاحات لا‮ ‬يمكن أن تغفل بمحاصرتها لتلك المعضلة الاجتماعية الكبرى،‮ ‬لتنزع بذلك فتيلا ظل ملتهبا لعقود طويلة ؟‮!‬
ونعتقد جازمين أن جوهر المشكلة الاسكانية برمتها ظل مرتبطا على الدوام بالكيفية التي‮ ‬تدار بها الأمور المتعلقة بالتنمية بشكل عام من قبل الدولة والتي‮ ‬ظلت ترفض حتى اللحظة الاصغاء باطمئنان وروية لما‮ ‬يطرحه الجانب الشعبي‮ ‬وجزء ليس بقليل في‮ ‬الجانب الرسمي،‮ ‬من حلول وتوجهات علمية حول أهمية التخطيط للمستقبل سواء كان ذلك بالنسبة للمشاريع الاسكانية أو الصحية أو التعليمية بل وبعملية التنمية الشاملة بأسرها،‮ ‬فتزايد حجم الطلبات الاسكانية لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يؤخذ بمعزل عن معدلات حجم النمو السكاني‮ ‬التي‮ ‬ظلت الدولة تقول للجميع أنها خفضتها الى ما دون ‮١.٢‬٪‮ ‬بعد أن كانت تلك النسبة قبل نحو عشر سنوات في‮ ‬حدود ‮٢.٣‬٪‮ ‬وتلك أرقام ومعدلات رسمية‮ ‬يمكن الرجوع لها،‮ ‬لنكتشف فجأة ان ذلك لم‮ ‬يكن دقيقا بالمّرة مع الأسف،‮ ‬والدليل حجم الزيادة المفاجئة التي‮ ‬بلغ‮ ‬معها تعداد شعب البحرين أكثر من مليون نسمة دون أن تبدي‮ ‬الدولة أية أسباب وجيهة‮ ‬غير التي‮ ‬نعرفها،‮ ‬على أن ذلك لم‮ ‬يترافق معه تغيير في‮ ‬الخطط للتعاطي‮ ‬مع الشأن السكاني‮ ‬تحديدا ان لم نقل التعليمي‮ ‬والصحي‮ ‬ايضا،‮ ‬كما أن حجم المشاريع الاسكانية التي‮ ‬تقوم بها وزارة الاسكان سنويا لا‮ ‬يتناسب ابدا ومعدلات الزيادة والتمدد السكاني‮ ‬في‮ ‬المناطق المراد اقامة تلك المشاريع الاسكانية فيها مما‮ ‬يجعلها كقطرة في‮ ‬بحر كما‮ ‬يقال،‮ ‬ونتيجة لذلك نرى تهافتا ونزاعا حادا بين الأهالي‮ ‬حول أولوية المشاريع لهم دون‮ ‬غيرهم لتدخل على الخط بعض الأصوات النشاز محاولة تأجيج الوضع بأساليبها الخبيثة والتي‮ ‬تلعب كثيرا ودون مسوغ‮ ‬أو مشروعية على أوتار بالية لكنها مجربة،‮ ‬كالطائفية والمناطقية والفئوية والتي‮ ‬سئمنا ومللنا منها ولم‮ ‬يسأم أو‮ ‬يمل من‮ ‬يحركونها دون توقف وهي‮ ‬كالشرر المتطاير في‮ ‬سماء بلادنا الجميلة‮. ‬
وعلى الرغم من مضاعفة مجلس النواب السابق لميزانية الاسكان في‮ ‬السنتين الماضيتين والتي‮ ‬أثمرت مشاريع عدة‮ ‬يجري‮ ‬انشاءها حاليا،‮ ‬الا أن ذلك لم‮ ‬يغير من الأمر شيئا،‮ ‬فقد ظلت وستبقى معضلة الاسكان لسنوات دون حلول اذا ما استمر تعاطي‮ ‬الجهات المعنية في‮ ‬الدولة على ذات الوتيرة وبنفس الأساليب القديمة التي‮ ‬ربما كانت مجدية وفعالة عندما كان تعداد شعب البحرين لا‮ ‬يتجاوز السبعمائة الف نسمة ولكنها بكل تأكيد تصبح عاجزة وعديمة الجدوى عندما‮ ‬يصل ذلك الرقم الى أكثر من مليون نسمة خلال أقل من سنتين‮!‬،‮ ‬واذا اخذنا في‮ ‬الاعتبار شحة الأراضي‮ ‬المملوكة للدولة والمخصصة للمشاريع الاسكانية بالتحديد،‮ ‬
وبالتالي‮ ‬زيادة الانفاق على الأمن كما‮ ‬يحصل الآن من خلال الموازنات المقترحة لذلك،‮ ‬وزيادة والتطرف واتساع الهوة بين من‮ ‬يملكون ومن لا‮ ‬يملكون‮ ‬،‮ ‬وذوبان الطبقة الوسطى المحرك الأساسي‮ ‬للمجتمع في‮ ‬أتون من المشاكل والمعوقات دون أمل‮ ‬يذكر لها للخروج من كل ذلك قريبا‮. ‬
وحتى لا تكون الموازنات المرصودة ذريعة دائمة أمام اسباب تعقيدات معضلة الاسكان،‮ ‬تنبه مجلس النواب السابق في‮ ‬فصله التشريعي‮ ‬الأول لأهمية أيجاد حلول تساعد الدولة على تجاوز الوضع القائم وقدم للحكومة على مدى السنوات الماضية الكثير من الحلول العملية والتي‮ ‬نذكر منها اقرار بدل السكن لمن تجاوزت فترة انتظارهم أكثر من خمس سنوات كما قدمت كتلة النواب الديمقراطيين مقترحا حيويا‮ ‬يقوم على اعطاء البنوك والمؤسسات المالية الكثيرة والعاملة في‮ ‬السوق المحلي‮ ‬جزءا مهما من مهمة تمويل المشاريع الاسكانية مع توفير ضمانات حكومية وفترات سداد مقبولة اكثر للمواطنين،‮ ‬ووفق ضوابط ومعايير لعمليات السداد على أن توفر الدولة الأراضي‮ ‬لبناء تلك المشاريع الاسكانية،‮ ‬بما‮ ‬يضمن السرعة في‮ ‬الانجاز واشراك القطاع الخاص في‮ ‬التمويل ومساعدة بنك الاسكان ذي‮ ‬الميزانيات المحدودة ودعم مسيرة الاعمار والبناء وهذا المقترح لقي‮ ‬استحسانا بل استعجالا من قبل الوزراء والمسؤولين المعنيين في‮ ‬وزارات المالية والاسكان والبلديات وصدرت فيه قرارات ولوائح تنظيمية الا أننا بكل أسف لا نجد له تطبيقا حتى الآن‮.‬
واذا كان لدعوات جلالة الملك المتكررة حول ايجاد حلول سريعة أن تتحقق والتي‮ ‬كان آخرها اعلان جلالته خلال افتتاح دور الانعقاد الثالث من الفصل التشريعي‮ ‬الثاني‮ ‬بتوفير اعتماد اضافي‮ ‬لميزانية الاسكان في‮ ‬الموازنة الجديدة للدولة،‮ ‬اذا كان لكل تلك الأمنيات والوعود أن تتحقق فانها بكل تأكيد تحتاج من الجميع الى عزيمة واصرار ووضوح وشفافية في‮ ‬الرؤية وخطة استراتيجية واضحة المعالم والأهداف بحيث تكفل الحكومة أمانة تطبيقها ويراقبها مجلس النواب عن كثب دون الدخول في‮ ‬محاصصات طائفية كالتي‮ ‬تدور رحاها الآن‮.‬

صحيفة الايام
23 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

بين العراق والبحرين


في فجر التاريخ حين غدا العراقُ مركزاً حضارياً استطاع أن يؤثر في البقاع المحيطة حوله، ولكن بأدوات الحضارات القديمة غزواً وسيطرة ولعلها صفة تمتد حتى إلى الحضارات الحديثة.
وكان ظرفُ النهر الكبير العملاق أقوى من الصحارى، والهضاب، ودول الينابيع والأنهار الصغيرة، فما بالك حين تكون الحضارة نتاجَ نهرين كبيرين؟
لقد تمكن العراقُ من صنع إمبراطوريات، فيما كانت الدول المحيطة في علم الغيب أو ظهرت وهي مفككة ومبعثرة، ولم تتمكن من الظهور حتى شاخت حضارة العراق القديمة، أو تمزقت داخلياً بفعل الصراعات الاجتماعية غير المحلولة.
وكان الرأسان العراقي والفارسي في صدام مستمر منذ ذلك الوقت، فقد جاءت الحضارة الفارسية بعد قرون، ووضعت عاصمتها بقرب رأس العراق القوي، في المدائن، وهيمنت في المشرق كله، ثم جاء العربُ وأعادوا للعراق سيطرته، وبعدت عاصمة الفرس شمالاً، لكن عاد الفرس من جديد عبر بني بويه وغيرهم، وظلت إشكالية الصدام بين الرأسين الكبيرين لمنطقة شمال الخليج مستمرة ليومنا هذا.
لكن عراقَ الحضارة القديمة والحضارة الوسيطة وجد بلداً صغيراً يتحداه بشكل مستمر، وهو بلد البحرين الذي تعددت أسماؤه وتباينت خرائطهُ ولكن ظل البلد الجنوبي البحري، يظهر مرة على شكل سمكة بحرية تسبح بحرية في الخليج، وأحياناً كريح جنوبية عاصفة.
ولهذا فإن حاكم العراق المتأله البابلي حذر بشدة حاكم البحرين الذي يعيش في جزيرة صغيرة من قوة بطشه، وإنه قادر على غزوه وهو في ملجئه المائي الآمن.
وحدث هذا الغزو وتمت السيطرة، ولكن راحت الجزيرة الصغيرة تغزو الحضارة الكبيرة الغازية، فتحولت إلى مكان مقدس، والبوابة الكبرى لعالم الأموات، وهو عالم شديد القدسية في الحضارات القديمة، وظهرت ديلمون كبلد القبور والتلال، أكبر مقبرة مقدسة، حيث تنزل الأرواح إلى العالم السفلي، وتتطهر هناك.
في أدب العراق القديم كانت الآلهة هي التي تتحكم في المصائر وكانت لها أسماء كثيرة، وقد أُدخل إله ديلمون أنكي، إله الينابيع، في محفل الآلهة النهرية المسيطرة، فتم الاعتراف بالينابيع جنباً لجنب مع الأنهارـ أي الأقاليم التابعة مع المركز.
(أجاب أدابا آنو:
سيدي، كنتُ أصطاد السمك
وسط البحر
لمنزل (أيا).
لكنه نفخ البحر وجعلهُ عاصفةً
وهبت الريحُ الجنوبية وأغرقتني!
فأُجبرتُ على المبيت في منزل الأسماك)، (من قصة أدابا العراقية القديمة).
في العصر العباسي أتخذ إقليمُ البحرين مواقف متشددة أكثر، وصار قلبَ المعارضة، وما كان ريحاً جنوبية قوية، وسمكاً مستقلاً، غدا حركات سياسية رهيبة في أساليبها، باطشة لا يقل عنفها عن المركز.
وجد الخوارج مساحة هائلة من البصرة حتى عُمان، وظلوا قرناً كاملاً يناوئون الدولة الأموية، ويقدمون جحافل وقوافل من الموتى، من دون كلل أو ملل، حتى أنهكوا الدولة الأموية وصعدَ الضحاكُ آخر زعيم كبير خارجي في هذه الدولة إلى الكوفة واقترب من دمشق، فكانت تلك خاتمة الأمويين ولكن على أيدي آخرين غير منهكين وأكثر تحضراً.
ومع ذلك فإن البحرين لم تتوقف عن دورها المعارض المركزي الذي يتحدى الإمبراطورية قريباً من خاصرتها، ويقترب من مركزها من دون نجاح في السيطرة عليه.
ظهر القرامطة ليصارعوا دولة الخلافة قرناً ونصف قرن وجعلوا من اسم البحرين مرعباً يمتزج بالكفر والمشاعية.
وهذا الدور العجيب المناكف المستمر الذي لا يهدأ في الاحتجاج والمعارضة جعل من اسم البحرين ملفتاً، فلماذا دون أقطار العالم الإسلامي الواسعة يبقى هذا الاسم ويتحدى رغم صحراوية المكان وبُعد الزمان؟
لم يقم الباحثون لهذه القضية بحفر كبير.
منذ بداية الدولة الإسلامية صارت الجزيرة العربية مقسمة بين ولدين احدهما الحجاز وهو الابن المدلل وثانيهما شرق الجزيرة وهو الابن اليتيم الفقير، فأغدق الخلفاء الأمويون الأموال على الأسر الغنية في الحجاز، كما أن موسم الحج أضاف لهم موارد كبيرة أخرى.
وبهذا نفهم حوادث الردة وحروب الخوارج وحقد القرامطة على الحجاج وعلى الأمكنة المقدسة وأخذهم الحجر الأسود وإلقائه في أحد الأمكنة في الإحساء.
لقد كان شرق الجزيرة مصدر القلاقل والثورات نتيجة لسوء توزيع الثروة، ولم تحل الدولة العباسية والدول التي بعدها هذه المعضلة، وحتى في زمننا النفطي الذي أغدق الثروة نجد الكثير من الطرق خاصة الفرعية الكثيرة غير مرصوفة في بلدان نفطية، ونراها معتمة ونخيلها محطم ومحطات تحلية المياه شحيحة.
كانت اضطرابات منطقة الخليج عموماً ناتجة عن نشوء مراكز من خارجها تسيطر عليها، وتنقل ثرواتها إلى مناطق بعيدة وعواصم تعيش برفاهية أو بمشروعات سياسية كونية أو مناطقية، مما جعل مستويات الغنى الفاحش والفقر المدقع تتجاور، وتغدو أداة لسياسات متطرفة أو مغامرة، فيظهر الغازي السفاح جنباً لجنب مع حاكم الدولة الصغيرة المسالم لكن المبعثر للأموال، الذي لا يجعلها تتجذر في بلده والمنطقة فمرة تسرق على هيئة غنيمة حروب أو تضيع في التداولات المالية الغامضة، أو تغدو رشا للحركات والدول.
لم تستطع الدول المطلة على الخليج أن تعقد مؤتمرات تناقش فيه أوضاعها السياسية المحفوفة بالمخاطر رغم كثرة الحروب والمشكلات.
بل انها لم تعقد مؤتمرات تقرأ تاريخها وتكشف أسباب هذه الخصومات على مدى التاريخ وتفاقمها في الوقت الراهن.
وفي كل مرة يظهر (الرجل المريض) بينها الذي يتم تقاسمه أو جعله يموت.
والبلد الذي كان بينها رمز المركزية وهو العراق صار رمز التشتت وبدايات الدويلات.
لقد تكاثر نموذج حاكم بابل المتأله الذي يريد أن يخضع البلدَ السمكة ويضعها في مقلاته السياسية، والآن تكاثرت الأسماك وكثـُرت مزارعُها وآبارها
.

اقرأ المزيد

تعليقاً‮ ‬على مؤتمر الرميحي‮ ‬الصحفي

 

 


ورد خبر نشر في صحيفة الأيام قبل أسبوعين يشير إلى أن عدداً من أعضاء مجلس أمناء معهد التنمية السياسية “مستاؤون/ متحفظون” على تقليص صلاحياتهم أمام صلاحيات المدير التنفيذي للمعهد الأخ ابراهيم الرميحي.
هذا الخبر نقل على لسان مصدر في مجلس الأمناء، لم يرغب في الكشف عن اسمه، وهذا من حقه، ومن حقنا نحن محرري الأخبار أن لا نكشف عنه.
في اليوم الذي تلى نشر الخبر، بعث لنا إعلاميو المعهد خبراً ينفي ما أفاد به المصدر.
ومن منطلق حرية التعبير والتعاون الذي تبديه مؤسسة الأيام، تم نشر النفي.
الغريب في ذلك، ان المدير التنفيذي مع تقديرنا له، عقد مؤتمراً صحفياً في مقر المعهد، (بعد أسبوعين من نشر الخبر) نفى فيه أي خلاف، ونحن لا نعترض على ذلك لأنه من حقه، ولكن الأمر الذي نعترض عليه هو ان يصف كاتب الخبر “بعدم المصداقية” هذا أمر نتوقف أمامه.
واجبنا نحن المحررين والصحفيين أن نبين للقارئ والمتابع كل ما يحدث، في أروقة أي مؤسسة كانت، سواء صغيرة كانت أم كبيرة، والهدف من ذلك هو تصويب أي خطأ كان.
المطلوب من الجميع وعلى اختلاف مواقعهم “مديراً تنفيذياً أو أي مسؤول آخر” أن يقدموا دعمهم للصحافة ورجالاتها لا أن يتم إطلاق تعبيرات تتهم المحررين بعدم المصداقية.
إن كان ما أورده المصدر غير دقيق بحسب الرميحي فيكفي ما أورده من نفي، وإن كان صحيحاً فالأجدر ان يعالج القصور.
أما تعليقي على ما قاله الرميحي بأن الأمناء يضحكون من هذه الأخبار، فهذا تكليفهم وأما تكليفنا فإننا سننشر كل ما يردنا من معلومات وإن ضحكوا.
 
الأيام 22 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

فاقدُ الشيء التاريخي لا يعطيه


حاول القوميون والشيوعيون والعديد من أصحاب الخيال السياسي قبل المذهبيين السياسيين الحاليين أن يخترعوا تنظيمات وأنظمة اجتماعية خاصة بهم من دون جدوى، وكانت الحصائل على المدى الطويل كارثية.
لا يعترف هؤلاء بالتشكيلة الرأسمالية التي سوف تستمر سنوات طويلة وتحطم تصوراتهم الخيالية وبرامجهم السياسية المحدودة التصور والآفاق.
يشترك المذهبيون السياسيون مع قرنائهم السابقين بكون البرجوازيات الصغيرة الصانعة لهذه التصورات هي منتجة هذين النشاطين النظري والسياسي، ولكن كل فصيل وجماعة تأخذ ذبذبتها الخاصة بكل ظرف وموقع، ففي حين دك الشيوعيون أنظمة الإقطاع وصنعوا رأسماليات عملاقة في روسيا والصين فإن المذهبيين السياسيين متذبذبون بين الإقطاع، معدنهم الأصلي، وبين الرأسمالية التي تظهر كعدو في مواقع متعددة هي الحرية السياسية والاجتماعية للنساء خاصة وللعقول، بينما حب المال لديهم في منتهى القوة.
 

إيران تحاول بعصر ملايين الفقراء داخلها وخارجها أن تقوم بقفزة الرأسمالية الحكومية لكن عبر مغامرات سياسية وعسكرية محفوفة بأشد أنواع المخاطر.
في حين ان الإقطاعيات السنية هرّبت الأموالَ للخارج وعجزت عن استغلال العمل القروي الرخيص والثروة النفطية الهائلة في إنتاج مجتمعات مقاربة للرأسمالية الحديثة.
وقد انهارت أبنية فكرية وثقافية وسياسية سابقة، وضاع أصحابها من دون نتاجات خلاقة في العلوم والآداب، لعدم فهم التاريخ وتركيبه المعقد، ويأتي جذر الأمر من عدم رؤية الحقيقة وتحليل مواد الحياة الحقيقية وإضفاء تصورات خيالية عليها، مما يضعف عملية فهم المادة الحياتية.
فالقاص الاشتراكي يقدم الطبقة العاملة كمنقذة تاريخية من النظام الرأسمالي، وهذا صحيح على مدى كوني وفي البلدان الرأسمالية المتطورة، وليس في مجتمع تفتقد فيه المرأة حتى الخروج الحر من البيت. وقد يكون هذا التقديم من قبل القاص الاشتراكي هروباً من أسئلة حرية زوجته وابنته، ومن عجزه عن تحليل الدين، فيقدم هروباً إلى الأمام.
وهكذا يفعل الشاعر في قفزته على واقع التخلف والأمية فيرى العنف أداة لحرق هذا المجتمع المتخلف وإحضار بديل من الصين أو من فيتنام.
وتمكن أغلب أداة البرجوازي الصغير منتج الأيديولوجية الشمولية الدينية الراهن في التعكز على الدين كمظلة تساعده على الهروب من الإجابة عن أسئلة الواقع الحقيقية، فلديه الأمور بسيطة؛ (الإسلام هو الحل)، (ابتعدوا عن ثقافة الغرب)، (الرأسمالية شر والاشتراكية شر).
ولكن كيف يمكن الهروب من الشركات العملاقة المسيطرة في العالم، ومن نظام البنوك والأجور؟
كيف وأولادك يرون من خلف ظهرك كل يوم (شرور) الرأسمالية الغربية، وبناتك محجبات وتحت الحجاب كل فساتين الموضة؟
كيف وهم يتكلمون عن الفضائل وممارسة تخزين المواد الغذائية في الشركات والمخازن وملء الجيوب؟ كلام ديني وممارسة استغلالية.
ثم يطرح أناس حل الأزمات الغربية في الاقتصاد الإسلامي.
وهي عملية أدلجة لتقوية الرأسمالية الدينية وبنوكها التي تكدس أموال المودعين باسم الإسلام وهي تجري تحت بنود مضاعفة الأرباح.
لكن الغربيين لا يخفون عيوبهم، وبغض النظر عن أدلجة الليبراليين الذين يعتقدون ان الرأسمالية نظام أبدي مطلق، فإنهم يكشفون عيوبهم، ويبحثون عن مواقع الأخطاء، ويطورون الرأسمالية بمزيد من مقاربة حاجات الناس وكبح الاندفاعات الشهوانية الهائلة للرأسمال الخاص.
إن الموجات الشمولية الشرقية لا تنتج شيئاً عميقاً في الوعي والثقافة والدين، ولهذا فإن الاتباع بعد تحطم كل موجة شمولية كبرى تراهم يواصلون شعارات الموجة، بلا إنتاج أو نقد عميق، لماذا؟ لأن الموجة لم تحرر عقولهم من التزمت، ومن سلق مواد الحياة وتعليبها في شعارات عامة، لأنهم لا يقرأون ولا يدرسون، لا يشترون كتباً لكي يقرأوا قصة أو بحثاً، المآتم والبكائيات والندب والعيش بين أطلال الماضي العظيم وذكرياته الرائعة، هي ما يجمعهم.
والشموليون الدينيون الحاليون هم أسوأ الموجات، جاءوا من مناطق مغمورة بالفقرين المادي والثقافي، ذات علاقات تقليدية محافظة عتيقة، وألقتهم مصادفات التطور لكي يصطدموا بأكثر أشكال الرأسمالية العالمية تطوراً، حكم الشركات الكبرى والبنوك والعولمة وانتشار الإنترنت، فماذا فعلوا بهذه الثروة المعرفية الكونية؟
في الإنترنت استغلوها للرسائل القصيرة والشتائم وتمجيد الأحزاب المذهبية وما إلى ذلك من غايات ضحلة لا ترتفع إلى المهمات التي ينبغي أن يتصدوا لها كتحليل هذه الأنظمة التي يعارضونها ورؤية إيجابياتها وسلبياتها، ورؤية احتمالات المستقبل ودرس المنطقة التي يعيشون فيها ويسخرون منها.
ما هي النتاجات التي صنعوها؟ أين البحوث؟ أين الدرس الموضوعي للعصر واحتمالاته المخيفة؟
تجد مئات المواقع التي لا تحوي سوى هذه المساهمات المتواضعة، وتأتي الرقابات لتقفلها وتكوّن لها أهمية.
في حين تجد أن المثقفين المستقلين والقراء الموضوعيين ينشئون مواقع يدرسون فيها الأدب والفن والفلسفة ويتناقشون بعمق.
والإشكالية التي تواجهنا هي أن أعضاء الموجات السياسية الشمولية نظراً لعامل الاستقواء ببعضهم بعضا، وباستعراض العضلات، ومساعدة بعضهم بعضا لفرض مناخ معين، يكونون مسئولين عن مصير الناس، وعن مستقبل ابنائهم، ويواجهون حكومات تتلاعب بمستوياتهم المعرفية البسيطة.
إذا كنا يجب أن نخرج من تحت مظلة الثقافة الغربية فلمزيد من الثقافة الغربية الديمقراطية والإنسانية، وإذا كنا نعمل لمواجهة الشركات العملاقة فمن أجل زيادة أرباحنا الوطنية ومحافظتنا على البيئة وتطوير معيشة الأغلبية، وإذا دخلنا الإنترنت فمن أجل فهمنا لمنطقتنا بموضوعية وليس عبر إسقاط مذهبيتنا التي لا ترى العالم إلا من خلال نظارتها الضيقة.
لكن هل نستطيع أن نوقف مسار الشموليات المذهبية الراهنة وصداماتها؟
قد نستطيع أن نحد من بعض أخطارها لكنها مثل المذنبات التي لها مساراتها وأجسامها الخاصة ودورانها، فإما أن تذهب في السماء العريضة وإما أن تصطدم بالأرض مخلفة دماراً كبيراً.
وتبقى الإجابة التاريخية عند مركز المذنبات هذه، لقد كانت مراكزها سابقاً في روسيا والصين، والقاهرة، والآن صارت لها مراكز أخرى.

أخبار الخليج 21 نوفمبر 2008

اقرأ المزيد

ساحرة كويليــو في‮ ‬دبي‮!‬


جزء من أحداث رواية باولو كويليو: ساحرة بورتو بيللوس تدور في دبي. امرأة ذات جذور غجرية آتية من منبتٍ عائلي غامض، تنتقل من رومانيا إلى بيروت فلندن حيث تعمل مُوظفةً في احد المصارف. هذا أمر مألوف في عالم اليوم الذي ينساب فيه البشر عبر الهجرات والتنقلات، تماماً مثلما تنساب المعلومات والأفكار. لقد هُدت الحيطان التي كانت تحول بين الناس وبين حرية السفر والإقامة. يحدث أن تتقن هذه المرأة عن طريق احد المعارف رقصةً طقسيةً أشبه بتلك التي لدى الدراويش. يمنحها الرقص شعوراً بالحرية، كأنها تصغي إلى روحها وحدسها، ومحل القلق يحل التأمل.  المرأة الباحثة عن جذورها تجد نفسها في دبي بترتيبٍ من مديرها الذي انتابهُ القلق من السحر المنبعث من المرأة في محيط العمل، فعرضَ عليها فكرة العمل في الفرع الجديد الذي سيفتتحه المصرف في دبي. راقت لها الفكرة، ولم تكن مفاجأة للمدير حين قالت له إنها تتقن العربية، رغم انه كان يعرف إن الأمر ليس جوهريا، فهي في الأساس ستتعامل مع الأجانب لا مع العرب.  لكنها لم تمكث طويلا في فرع المصرف، فسرعان ما انضمت إلى شركة تبيع العقارات، ومع الوقت غدت شخصيةً معروفةً في محيط عملها.   ستبدو دبي بالنسبة للمرأة عالماً باعثاً على الدهشة والتعلم . رحلة إلى الصحراء تقودها إلى بدوي يقيم خيمةً ويهتم بخدمة السواح الذين تجذبهم كثبان الرمال الصفراء الساحرة، حيث يتولى إعداد الأكلات المحلية لهم. لكن هناك من أنبأها بان هذا في ذهن هذا الرجل حكمة كبيرة. مرة أخرى: الصحراء والحكمة، الإقنيمان اللذان يستحوذان على ذهن باولو كويله ومنذ روايته ذائعة الصيت: “الخيميائي” التي صنعت مجده ككاتب. ومرة أخرى تغدو صحراء عربية هي مُحفزه نحو التأمل.  حكمة الرجل البدوي الذي قابلته المرأة في الصحراء تكمن في كونه فناناً مولعاً بالخط العربي. على مهل يأخذها الرجل نحو عالمه: – “كل حرف يستوجب منا أن نستقطر فيه كل الطاقة التي يحويها كما لو أننا كنا ننقش معناه”.  – هكذا شرح لها الأمر باعثاً في نفسها فضولاً لتعلم فن الخط العربي على يديه. امرأة حيوية سريعة الحركة مثلها كان عليها أن تتعلم من مُعلمها درسه الأول: الصبر، لأن الصبر، في رأيه، يجعلنا يقظين. كان يعلمها بأناة، لكنه لم يرغب في أن تعده معلما، المعلم ليس من يعلم أمراً بل من يُلهم تلميذه أو تلميذته لتقديم أفضل ما لديهما. علينا التأمل في الفكرة التي تستحوذ على كويليهو وهو يأخذ بطلته من رومانيا إلى لندن ثم دبي، قاصداً من هناك أن يقترح عليها رحلة في الصحراء لتتعلم مفرداتها: الصبر واليقظة وأخيراً الحكمة، التي تبدو في ذهن الكاتب شرقية في الأساس، وإلا لما كان الخط العربي مفتاحاً له ليجعل البدوي يعلم بطلته الصبر. أليست هذه الفكرة تنويعاً مُصغراً على فكرة “الخيميائي”. وسؤال أخير: أيكون للكاتب، أي كاتب، فكرة واحدة يعيد كتابتها أكثر من مرة، ولكن بتنويع جديد، كأنه يعيد رسم الظلال على لوحة منجزة؟
 

اقرأ المزيد

ثقافة تحويل الإخفاق إلى إنجاز‮..!‬


 
يتساءل الناس بكثير من الاستغراب، واستغرابهم من المؤكد أنه في محله، عن جدوى تقارير ديوان الرقابة المالية التي يبدي فيها الديوان كل عام رأيه المهني على الحساب الختامي للدولة والحسابات الختامية للجهات الخاضعة لرقابته، ويرصد ويشخّص ويقيّم الأداء المالي والسياسات والنظم وإدارة العمليات في هذه الجهات بما يفترض أنه يساعد في النهاية على حسن إدارة المال العام والمحافظة عليه في الوزارات والمؤسسات الرسمية والشركات التابعة للدولة.
 مبعث التساؤل والاستغراب ذلك المشهد المزدوج التي تتحفنا به تلك الجهات التي ورد ذكرها في التقرير الأخير، كما هو الحال تماماً بالنسبة للتقارير الأربعة السابقة، وهو مشهد أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنه يجعل المواطن يشعر بأن ذكاءه بات موضع مراجعة، لا لأنه يتوقع أن يشهد بعد كل تقرير “نفضة” و “فزعة” قرارات سريعة وحاسمة تحاسب المخطئ وتصحح الثغرات والأخطاء وما يتبين أنه “معوج” في جهاز الإدارة العامة، ولا لأن هناك مسئولين أمام الثغرات والأخطاء والتجاوزات التي يكشف عنها ديوان الرقابة المالية في تقاريره دأبوا على ممارسة سياسة المراوغة وطرح معلومات مغلوطة ومعطيات ملغومة ليبسطوا الأخطاء والتجاوزات، ولا لأن أصداء هذه التقارير يثبت أن ثقافة الاعتراف بالخطأ ثقافة غائبة، وأن قيمة المساءلة والمحاسبة والحسم حيال من ينحرف أو يخطى أو يهمل أو يفشل مكبلة ولازالت في إطارها النظري.
 بل لأن معظم الأطراف المعنية المسؤولة في الوزارات والمؤسسات الرسمية والشركات التابعة للدولة الوارد ذكرها في التقرير قد تسابقت كالعادة إلى ردود مسهبة وتعليقات مواربة وتصريحات تجميلية وشروح مرتبكة، أهم وأخطر ما فيها أنها تلوي الحقائق لتتجاوز مرحلة تبرير أو دحض ما ورد بشأنها في التقرير إلى مرحلة صادمة غير مسبوقة بتحويل الإخفاقات والتجاوزات المشكو منها إلــــــــــــى .إنجازات” يزعمون أنها مدعاة للتباهي والتنويه بل والإشادة بها، خاصة حينما يستعرض من يقف وراء هذه الصورة عضلاتهم ويتجرأون على التلميح من زاوية أن مجريات العمل في وزاراتهم وإداراتهم هي على أحسن ما يرام وليست محل شك وأنها فوق الشبهات، بل ويكيلون الاتهام إلى واضعي التقرير من زاوية أنهم لا يعرفون بطبيعة نظم وأساليب العمل الجديدة لديهم، وكأنهم بذلك يشككون في حرفية أداء ديوان الرقابة المالية ومهنيته التي هي موضع تقدير.
 ليس من الغريب والحالة كما تقدم، أن تتجاذبنا مشاعر مختلفة الاتجاهات ولكنها تقف أو تلتقي عند حصيلة متشائمة، لأن الصدى الذي ألفناه حيال الشوائب والمخالفات التي يوثقها تقرير ديوان الرقابة المالية هو صدى يبرر الأخطاء بل يدعو إلى التجاوز عنها، ويثبت أن الجدية حتى الآن ليست شرطاً ضرورياً في العمل العام، وأن إيقاظ وجدان المسؤولين المعنيين يتطلب على ما يبدو أكثر من هذه الجرعة المتمثلة فيما يصدره الديوان من تقارير، وكأننا أصبحنا نعيش الأخطاء، نتكيف معها إلى أن بتنا نتلذذ بطعمها، أخطاء عارضة وأخطاء مقلقة على حد سواء.
 قد يكون من المهم أن نذكرّ بأن ديوان الرقابة المالية هو بحسب المادة الأولى من المرسوم الصادر في ٣ يوليو ٢٠٠٢ ،” جهاز مستقل يتمتع بالشخصية الاعتبارية ويتبع الملك”، وهو وفقاً لهذا المرسوم معني بالتحقق من سلامة ومشروعية استخدام المال العام وحسن إدارته في إطار رؤية يؤكد عليها الديوان باعتبــــــــــاره ” جهاز إداري مستقل يعمل بمهنية عالية على مساعدة الجهات الخاضعة لرقابته على تحسين الأداء وتأمين المسائلة وكشف الفساد وتعزيز الشفافية”.
 إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لجهاز رقابي يتبع جلالة الملك مباشرة، فلماذا لا ينظر بالجدية الكافية لنتائج فحص ومراقبة وخلاصة الملاحظات والاقتراحات البناءة التي يعرضها هذا الجهاز في تقاريره من أجل الوصول إلى النزاهة في الأداء العمومي، صحيح أن ديوان الرقابة المالية يؤكد بــأن ” دوره في الرقابة على الأموال العامة وحسن إدارتها أكبر بكثير وأوسع من مجرد الكشف عن المخالفات وضبط المخالفين وتقديمهم للعدالة”، وأن مهامه الأساسية ” مساعدة الجهات الخاضعة لرقابته على أن تدير شؤونها بأسلوب مؤسسي يستند إلى القوانين والإجراءات المنظمة له والتي تساعد تلك الجهات على تطوير أدائها وسد الثغرات التي تستغل في ارتكاب المخالفات والتلاعب بالأموال العامة”، فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن تغدو المخالفات والتجاوزات والهدر في استخدام الموارد العامة وبشكل عام الممارسات التي تدخل في تعريف الفساد، كما لو كانت أمراً مقبولا، وأن المنخرطين في تلك الممارسات يتمتعون بحصانات تجعلهم في منأى عن المساءلة والمحاسبة، ومادام الأمر كذلك ليس غريباً أن تتكرر المخالفات تلو المخالفات والتجاوزات تلو التجاوزات كل عام طالما هناك اطمئنان من المتجاوزين بأنهم لن يخضعوا لمساءلات وملاحقات قانونية وقضائية، وأن أقصى ما يمكن أن يتعرض لهم بعضهم وليس كلهم هو إحالتهم الى التقاعد بكل امتيازاته، أو في أسوأ الحالات فصلهم من العمل، ولعلنا نستطيع في هذا السياق أن نلتقط أحدث إشارة في هذا الخصوص وردت في بعض الصحف المحلية، لا نجد تفسيراً لها سوى أننا لازلنا مبتلين بإسكات القانون عن التجاوزات والأخطاء، والإشارة قرأناها في ٣ نوفمبر الجاري وتمثلت في قيام ديوان الخدمة المدنية بفصل ستة موظفين على خلفية ” مخالفات إدارية وجنائية تتعلق بالاختلاس من المال العام والتحرش الجنسي واستغلال الوظيفة للمصلحة الخاصة، والسرقة”.
 أن أول وأهم ما يعنيه ذلك أن هناك جهات وأطراف لا تريد للقضاء أن يضع يده على أمر تلك التجاوزات والانحرافات، ويبدو أن هذه الجهات والأطراف لا تعتبر ذلك مسلمات أساسية يجب احترامها والالتزام بها، ولا تعي أن لتفعيل محاسبة كل من قصر أو أنحرف أو فشل في أداء واجباته ومسؤولياته أو تعدى على المال العام هو قوة دفع وعنوان تطور، ويقوي الأساس الذي تقوم عليه أي دولة، وأن الاستقالة أو الإقالة لا تبرئ المسؤول ولا تغفر له المساءلة عن انحرافه في أداء واجبه أو جنوحه في مسؤولياته، كما لا ينبغي أن تكون الاستقالة أو الإقالة كافٍ للحيلولة دون مقاضاتهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم، هذا اذا أردنا أن نثبت للجميع بأننا أصبحنا حقاً نمضي في طريق الجد من أجل أن تستقيم الأمور ويزول الاعوجاج، وعلينا أن نسلم بأن الهدف ليس تحقيق الغاية فقط، بل الحرص على نظافة الطريق إلى هذه الغاية، وأيضاً نزاهة نقطة الانطلاق إليها.
 أن تقارير ديوان الرقابة المالية ستبقى تتحدث عن مخالفات لا تعد ولا تحصى، وستبقى هناك أجهزة لا تلتزم بتعليمات الديوان وتكرر مخالفاتها، وسيبقى المعنيون بالمخالفات في منأى عن أي نوع من أنواع العقاب، وإذا حصل شيء ما فهو يحصل في مخالفات بسيطة، لا في مخالفات هامة.
 اعتقد والله أعلم بأن المشكلة الحقيقية تكمن في الإجابة على ثلاثة أسئلة : إلى أي مدى نحن جادون على طريق الإصلاح الإداري والمالي، وتفعيل قيمة المساءلة والمحاسبة، وسد منافذ الفساد بالدرجة اللازمة من الإصرار والحزم والسعي الحثيث على هذا الدرب.. ؟
 أما السؤال الثاني فهو إلى أي مدى نحن مستوعبون لدروس الإصلاح ومناهجه وإلى أي مدى نحن مدركون للخلل الراهن في ترتيب المهام والأولويات.. ؟ أما السؤال الأخير، فهو لماذا لا يعطي ديوان الرقابة المالية المزيد من الصلاحيات التي تجعله قادراً دونما إعاقات لتقديم المخالفين وملفات تجاوزاتهم وفسادهم الى العدالة، حماية للمال العام..؟
 لا نملك الإجابة وحسبنا أننا نحاول أن ننبه إلى ما يستوجب الانتباه.. وتذكير ما يستدعي التذكير.. !!
 
الأيام 21 نوفمبر 2008
 

اقرأ المزيد