المنشور

الرأسمالية الحكومية في الهند

رغم ضخامة السوق الوطنية الهندية، وكثافة القوى العاملة ذات الأجور الزهيدة، لم تستطع الهند القيام بتجربة مماثلة للرأسماليات الحكومية في كل من الصين وروسيا، وقاربت تجربتها تجربة بعض الدول العربية كمصر، رغم توجهها لحكم علماني ديمقراطي.
يعود ذلك للطابع المسالم لتجربة حزب المؤتمر التي كانت تعني تداخلات بين الفئات الوسطى القائدة لهذا الحزب وطبقتي الإقطاعيين الزراعيين والدينيين، وهو أمرٌ ماثل حراك الفئات الوسطى المصرية منذ الوفد حتى الضباط الأحرار، ومن هنا جاء اللقاء في كتلة عدم الانحياز.
لكن مسائل التشابه تعود لقضايا أكثر تعقيداً وبشكل أوسع وبطريقة تلاق غريبة، فقد قام حزب المؤتمر بعد الاستقلال عام 1948، بتأميم صناعات عديدة وانشاء القطاع العام في العديد من الصناعات، في مشابهة أخرى للتجربة المصرية.
يقول تقرير عن المشكلة الاقتصادية للهند بالرؤية التالية:
“ويرى كثير من الخبراء الهنود والأوروبيين أن هذا النمط التنموي الموجه ظل يعمل بكفاءة طيلة فترة حكم نهرو، حيث نجح في خلق قاعدة صناعية واسعة ومتنوعة، فضلا عن تحقيق قدر كبير من الحرية للاقتصاد الهندي في مواجهة التبعية الخارجية. ويذهب البعض إلى أن الفضل في ذلك يرجع إلى ما كانت تتمتع به النخبة الهندية في ذلك الوقت من رؤية للتحديث، مما ساعدها على التوظيف الأمثل لموارد الدولة المتاحة واستثمارها في القطاع العام الصناعي. ومع هذا تظل نقطة الضعف الأساسية في هذا النمط التنموي في أنه لم يكن مصمماً على افتراض ضرورة التصدير للأسواق الخارجية، استناداً إلى اتساع السوق الداخلية الهندية والوفاء باحتياجاتها من السلع والخدمات. وبالتالي فإن بؤرة تركيزه انصبت على تحقيق طفرة إنتاجية كمية وليست نوعية عالية للصناعة الهندية، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية”، “موقع المعرفة، تطورات الاقتصاد الهندي، بقلم عبدالرحمن عبدالعال).
رغم صوابية هذه النظرة فإنها تبقى جزئية، فالقضية أكبر من ضعف القطاع العام الصناعي، فالثورة الصناعية تفترض ثورة في الإنتاج الزراعي وتغلغل المكننة في الريف، وهذا ما لم يحدث، بل تـُرك الريف في تخلفه وبسيادة الإقطاع داخله، وبكل فسيفساء القوميات وهيمنات رجال الدين الكثيرين والسحرة وغيرهم وهذا أمرٌ ينفي الثورةَ العلمية الرديف الثقافي للتصنيع في المدن والأرياف. وبهذا فإن المدنَ الهندية الكبرى تعرضتْ لموجاتِ الهجرة من الريف نحوها وملئها بالعمالة الرثة وببحر من المقتلعين والمهمشين وبمدن الصفيح، فنجد شيئاً من المشابهة هنا كذلك مع الاقتصاد المصري والعديد من اقتصادات الدول العربية والإسلامية.
وبدلاً من ذلك لجأت الحكومة الهندية إلى عمليات واسعة لاستصلاح الأراضي حققتْ شيئاً من الفوائض الزراعية لسنوات، لكن الإنتاج الزراعي ظل راكداً.
إن فشل القطاع العام الصناعي كان متوقعاً، أولاً بسبب جزريته وسط المحيط الزراعي الحرفي القروي، وثانياً لضعف الموارد التي كانت سوف تأتي من عمليات إصلاح الريف، وثالثاً للفساد والبيروقراطية داخل هذا القطاع.
وبهذا فإن تجربة (الاشتراكية) الهندية استنزفت الموارد وعجزت عن القيام بتحولات جذرية في القطاعات الاقتصادية الكبيرة، فحصلت أحزاب اليمين على فرصة لرفع شعارات الخصخصة، وتغيير التحول الاقتصادي بجهات جديدة.
إن الهند وهي تشكل نظاما انتخابيا حرا، لم تستطع أن تقوم بإصلاحات شبية بإصلاحات ستالين وماو، في استنزاف الريف واستخراج الفوائض منه، لتوسيع الصناعات الكبرى، ولم يكن ذلك ممكناً عند أقطاب المؤتمر وأساسهم الاجتماعي البرجوازي الوطني، فحاول المؤتمر أن يوازن ويحتفظ بدور الأب السياسي الراعي للطبقات المحافظة، والفقيرة على حد سواء ، وهذا محالٌ إلا في فترةِ توازنٍ اقتصادي مترجرجة بين الطبقات الأساسية، لكن الطبقات الفقيرة تنمو بمعدلات هائلة، والتصدير ضعيف، والصناعات مُستنزفة بيروقراطيا، فكان مجيء اليمين والأحزاب الهندوسية الدينية، والتوجه لتصعيد دور القطاع الخاص، كقيادة للاقتصاد. وقامت هذه بإجراءات الخصخصة الواسعة بدءا من أوائل التسعينيات.
لكن مقاومة القوى البيروقراطية والنقابية العمالية والتقدمية كانت تتصدى لعملية بيع القطاع العام أو إلغاء دوره، وأيدت عملية ازدواجية القطاعين، فتنامت إجراءات الخصخصة والتحولات الانفتاحية: “وقد كان التدرج والحذر هما سمة التحول، وليس أدل على ذلك من أن قطاع التأمين لم يتم تحريره أمام المستثمرين الأجانب إلا في أوائل عام 2000، كما لم يتم التحرير الكامل لسعر صرف الروبية الهندية إلا عام 1993″، السابق.
إن الفئات البرجوازية التي تشكلت في القطاع العام وجمدته وجمدت الثورة الزراعية تحالفت بعد ذلك مع الفئات البرجوازية الجديدة الصاعدة من الأحزاب الدينية والبرجوازية الكبيرة، ومع القوى اليسارية أيضاً، لمواصلة وتوسيع تغلغل الرساميل الأجنبية، “من قبيل إعطاء حق التملك الكامل للأجانب في مشروعات “الطرق والسياحة والصناعات البترولية وتوليد الطاقة” أو الحق في تملك 49% من قطاع الاتصالات و51% في الصناعات الدوائية، فضلا عن كثير من القطاعات الأخرى التي أصبحت الموافقة عليها بصفة آلية مثل الكيماويات والتعدين والنقل والغزل والنسيج”، السابق. وكانت العملية الكبرى والهائلة هي في خلق مراكز البرمجة والمعلوماتية.
لقد تهمشت الرأسمالية الحكومية بعد عقود الجمود، فقاد اليمين المتطرف الهند مرة واليسار مرة، في تناوب اجتماعي اختفى منه حزب الوسط التاريخي مؤسس “الاشتراكية” والرأسمالية الحكوميتين الهنديتين.

صحيفة اخبار الخليج
3 مايو 2009

اقرأ المزيد

قمم واُمم !! (2 – 1)

منذ انطلاقة العام الميلادي الحالي وتحديدا بعد انتهاء الحرب المجرمة على غزة عقدت قمم عربية وإقليمية ودولية عديدة، تم خلالها تناول الكثير من القضايا والترتيبات أو الإجراءات التي فرضتها أحداث إقليمية ودولية اقتصادية وسياسية لكل قمة من القمم التي نحن بصدد الحديث عنها في هذه العجالة. فعلى خلفية ما جرى من خلافات حول تزامن ما أطلق عليه بقمة غزة في الدوحة والتي سبقت قمة الكويت، بهتت الآمال حتى قبل انعقاد قمة الكويت الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والمنتظرة منذ فترة نظرا لما تحمله من آمال عربية في بلوغ ولو الحد الأدنى من التعاون الاقتصادي العربي باعتباره الرافعة الحقيقية للتعاون العربي المشترك، حيث جاءت أجندة القمة مليئة بالمشاريع الواعدة، وكنا نعشم أنفسنا نحن العرب بأن تشهد القمة بداية عصر جديد من التعاون البناء بين دولنا العربية انطلاقا من أرض الكويت التي لها إسهامات ناصعة تجاه العمل العربي المشترك، فقد كانت المشاريع النوعية التي عرضت على القمة تحتاج بدورها لجهود استثنائية وتركيز بدلا من حالة التشويش والإرباك التي شابت أجواء القمة جراء رعونة أوضاعنا العربية، فرغم التبرع السخي الذي بلغ 500 مليون دولار الذي قدمته الكويت ضمن مبادرتها التنموية لتوفير الموارد المالية اللازمة للمشاريع التنموية العربية تحت إدارة الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ومشاريع الربط الكهربائي ومشروع السكة الحديد والأمن المائي والغذائي وبرنامج دعم التشغيل والحد من البطالة العربية والبرنامج العربي للحد من الفقر في دولنا العربية وبرنامج تنفيذ أهداف الألفية التنموي ومشاريع تطوير التعليم والرعاية الصحية علاوة على تفعيل دور القطاع الخاص في الوطن العربي، بالإضافة إلى المساعدات التي قدمتها كل من الكويت والسعودية وقطر والبحرين وغيرهم من الدول العربية لدعم إخواننا في غزة كل بحسب إمكاناته المادية المتاحة، أقول على الرغم من أهمية تلك القمة وما عرض خلالها من مشاريع إلا أن الآمال المعقودة على إمكانية أن تكون قمة الكويت نقطة تحول قد أصيبت في مقتل حتى قبل أن تبدأ القمة، وذلك بفعل أوضاعنا العربية المرتبكة والمشوشة بدرجة كبيرة، رغم انها عقدت في أجواء عالمية ضاغطة بشدة علينا وعلى العالم بأسره جراء تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية التي لا زالت تضرب اقتصاديات دول العالم الغنية منها قبل الفقيرة، إلا أن قمة الكويت لم تترجم شيئا من ذلك على ارض الواقع وتبدى الإحساس العام لدى رجل الشارع العربي والنخب أيضا أن القمة لم تؤت ثمارها كما كان متوقعا لها من قبل وذلك ببساطة نتيجة حدة الخلافات التي تحكم علاقاتنا العربية باعتبارها المعوق الأساسي أمام أي تقدم عربي اقتصادي أو سياسي. كذلك مرت أحداث القمة العربية الأخيرة التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة أيضا دون أن يشعر أحد بها بحيث أضحت فرصة لمزيد من المزايدات التي يبديها بعضهم من خلال خطبهم العصماء التي كثيرا ما تتحدث بمنطق لا يمكن لأي عاقل أن يستوعبه من أولئك الذين يسهبون في الحديث عن ديمقراطية أنظمتهم وحرصهم الشديد على مسائل حقوق الإنسان وقيم العدالة ومحاربة الفساد وتحقيق الرفاه الاقتصادي المزعوم لشعوبهم والتأكيد على أهمية تفعيل التعاون المشترك بين دولهم، حتى بتنا نرى طحنا وجلبة تصم الآذان ولكننا لا نلمس لكل ذلك من أثر أو نتيجة. (يتبع)
 
صحيفة الايام
3 مايو 2009

اقرأ المزيد

لقاء ترينيـــداد تاريخيــــاً بالفعـــل

يحتل الرئيس باراك اوباما، منذ أن استلم كرسي البيت الأبيض، مكانة خاصة في السياسة الدولية وشؤونها الإعلامية، فأينما رحل وخطب صار حديثه موضوعا للتحليل والتشخيص لدى المهتمين بتوجهات السياسة الأمريكية الجديدة، ومتى ما نطقت هيلاري كيلنتون وفتحت فمها بتصريح كوزيرة خارجية للدولة العظمى بات موضوعها كذلك للتحليل والتشخيص، فهي الصوت الآخر للسياسة الخارجية لتلك الدولة، وهي المكمل دائما لتلك التوجهات الرسمية التي ينطق بمفرداتها وفقراتها الرئيس اوباما نفسه إذ تبدو السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة أكثر توازنا واتقانا في الاوركسترا الجماعي وان كانت في طور شهورها الأولى ومن الصعب اعتبارها نهائية، كونها أمام امتحان طويل وشاق وأمام سياسيات دولية متنوعة وصعبة ومختلفة، فليست أفغانستان بنفس عقدة العراق مثلما العراق ليست كما هي خيوط وتعقد القضية الفلسطينية، وليست القارة الأفريقية بكل تعقيداتها مثل الخارطة اللاتينية التي تبدو فيها الأمور سهلة، ولكنها تتضمن موزاييك من الكتل المتباينة، التي تشكل برغم تناقضاتها الداخلية كتلة اقتصادية مهمة للقارة القريبة منها . من هنا كان اللقاء التاريخي لقمة منظمة القارة الامريكية باعضائها 34، الذي حضروا للبلد المقسم إلى عدة جزر تحتل عنوانهما واسميهما في الأرخبيل منه جزيرتان هما، ترينيداد – توباغو . تلك الجزر برغم صغرهما كانت ذات يوم مصدرا من مصادر التفجرات الثورية وفي ذات الوقت مكانا حيويا للقواعد العسكرية الأمريكية، حيث كانت في فترة الحرب الباردة تشكل المنطقة برمتها مصدرا من مصادر الصراع ، إذ كانت الأفكار الثورية والتي تقودها كقوة وقاعدة أمامية كوبا، مصدر قلق وتوتر للرأسمال العالمي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، إذ بعد سقوط نظام نيغاراغوا كحليف متين لكوبا ونهجها الاشتراكي الجديد في منطقة الكاريبي، ومن قبلها كانت حكومة الليندي شكلت نقطة ارتكاز أخر في قارة أمريكا الجنوبية، كلها جعلت الاستخبارات الأمريكية وسياستها الخارجية تخرج من طورها فتحرك أصابعها وقفازاتها الخفية ليلا نهارا إلى أن نجحت بقواها الداخلية في تحريك اليمين العسكري والمدني، فنجحت عبر صناديق الاقتراع تارة وبانقلاب عسكري دموي في إعادة أنظمتها السابقة تارة أخرى، ولكنها اليوم تدخل كل تلك الأنظمة حقبة جديدة من النزاع الداخلي المدني بين اليمين واليسار ، في ألفية ثالثة ركنت الجنرالات تاريخيا وحجمت من سلطتهم وأعادت إلى القارة حقوقها التاريخية ودساتيرها المعطلة، فباتت صناديق الاقتراع في كل القارة هي المصدر الوحيد للصراع وللتسابق بين شتى القوى السياسية مهما كانت توجهاتها وألاعيبها وتشبثها بالسلطة . ما يفعله شافيز في بلده من تمديد انتخابه أو ما تفعله القوى الخارجية في بوليفيا أو يفعله رئيسها في حجج اثنية وصوم صبياني في قصر الرئاسة « كلها» تدلل على نزاع شديد من اجل السلطة ونزاع مدني أشرس وأساليب خلف الكواليس من اجل الدفاع عن مصالح اليسار ضد اليمين أو اليمين ضد اليسار، فكل ما علينا تتبعه اليوم هو الخارطة السياسية الملتهبة في القارة، فحينما ينتصر اليمين ويصعد باستلامه السلطة وبعد سنوات أخرى ينتصر اليسار ويستلم السلطة فتعيد كل قوى تنظيم صفوفها بقوة واستخدام كل وسائل التخريب والشعوذة السياسية ورفع شعارات تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وبضرورة التغيير والدفاع عن مصالح الفقراء وتدهور الأوضاع المعيشية واتساع حجم البطالة . لسنا هنا في هذه المقالة بهدف توصيف تفاصيل كل بلد على حدة وبتسليط الضوء على حقيقة صراعه، وإنما على اهمية ذلك الموازييك السياسي الذي يشكل تكتلا هاما بدأ يستوعب مصالحه ويضع خلف ظهره تناقضاته الثانوية مفضلا أن يدافع عن مصالحه الأساسية ولا يتوه في دهاليز تلك التفاصيل العمياء بين الأنظمة المتجاورة ولا يورط نفسه في نزاعات ثنائية كما حدث بين كولومبيا والإكوادور، والتي سارعت المنظمة إلى استيعابها وحصرها ومعالجتها بأسرع ما يكون، وبحيث تقطع الطريق على بروز صعود العسكر – وفسادهم – إلى السلطة مجددا، في دول قررت نهائيا أن تحجم دور تلك القوة المتنفذة والفاسدة والقاسية طوال هيمنتها وتحكمها . في هذا المؤتمر التاريخي الذي كانت الولايات المتحدة برئاسة اوباما متألقة وجاءت برداء وهيئة سياسية مختلفة وفي ذات الوقت جاءت القارة الجنوبية بروح وبرداء جديد، فتقاربت الرؤى والوجهات، وقد اختزلها اوباما في خطاب تاريخي واضح وكانت كوبا عنوانا لتلك المسألة وبوابة لمصداقية التوجه .. ومن المهم أن يعلن اوباما عن شراكة متكافئة ولا يهم حجم البلد وان تبدأ صفحة جديدة مع كوبا .
 
صحيفة الايام
3 مايو 2009

اقرأ المزيد

بديهيات..!


عودة الى الحديث عن الرؤية الاقتصادية للبحرين 2030، فما أكثر ما يمكن أن يقال عنها وفيها.. من اللافت في شأن هذه الرؤية أن هناك من يريد أن يوحي لنا أن وراءها تصميم فعلي للمضي بها قدماً إلى الأمام، وأنه لن يكون بمقدور أحد أن يعطلها أو يبدلها أو يحرفها أو يجعلها أسيرة لحسابات واعتبارات وتعقيدات وعراقيل من هنا أو هناك.
وما دام الأمر كذلك، ونرجو أن يكون كذلك حقاً، خاصة وأن هذه الرؤية كما هو وارد في مقدمتها هي حصيلة رؤى واسهامات قطاعات عريضة من قادة الرأي في القطاعين العام والخاص، ورجال السياسة والهيئات المتخصصة، بالإضافة إلى بعض بيوت الخبرة الاستشارية والهيئات الدولية، فإنني أحسب أن من سوء التقدير وسوء الفهم والتحليل ألا نجعل أنفسنا في موضع المترقب لمسار تطبيقات هذه الرؤية وما بشرتنا به من طموحات كبيرة على صعيد الإصلاح والتطوير وتحقيق الاستدامة والتنافسية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية وخفض الإنفاق غير الفعال وتحقيق مستوى معيشي أفضل للمواطن، وتوفير بيئة أعمال متطورة، وفرض سلطة القانون ومعاملة الجميع بالتساوي ورفع جاهزية النظام القضائي والإصلاح الإداري، وإيجاد نظام رقابي حكومي واضح وشفاف واشهار سيف المساءلة والمحاسبة، ومحاربة الفقر والفساد كمطلب أساسي وحيوي للنمو الاقتصادي، وهي المبادئ الأساسية للرؤية التي تشكل في مجموعها وتفاعلها مع بعضها البعض الدوافع لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد البحريني.
 اليوم في شأن هذه الرؤية أجدني في حاجة إلى الإلحاح بالسؤال عما اذا كنا حقاً قادرين على السير بهذه الرؤية لتبلغ ما تستهدفه في مجالات التنمية والاقتصاد في ظل وجود ما يمكن اعتباره من دون مبالغة أخطر لغمين في واقعنا الراهن بلا منازع وهما الفساد والطائفية، وعلينا أن نتنبه جيداً بأنهما وجهان لعملة واحدة والترابط بهما عضوي ووثيق، فالفساد هو تخريب لحقوق المواطنة وتقويض لتكافئ الفرص والمساواة وقتل مفهوم القيم الأخلاقية، وهو الذي يعرض احلام المواطنين للبيع في بازارات وشبكات المصالح الخاصة ولعبة القوى الضاغطة المنبثقة عنها والتي تضع العصى والعراقيل في دواليب مساعي أي جهد للإصلاح ومعالجة الأخطاء والتجاوزات، كما إن السلوك الطائفي هو أحد أوجه الفساد، لأنه سلوك يستغل العصبيات الطائفية والمذهبية للوصول إلى مآرب آنية ويجعل كثيراً من مجريات الأمور والأعمال في كثير من مواقع العمل والمسؤولية تتم وفق ممارسات ومسارات تسخر لتكون في النهاية أداة فساد وإفساد، وبات الكثير من أوجه الفساد مغطى بالطائفية والمذهبية، وهي ممر حر للفساد كما قال نصري الصايغ، وأن «الفساد هو الابن الضال للطائفية، والتمسك بها هو نتاج المنافع الذي يؤمنه الفساد لها، وتعميم الفساد هو تبيض للطائفية، وكلاهما ينامان في مخدع واحد وينجبان كل ما يشرع للنهب والاستغلال والتسيب والمحسوبية وانتهاك القوانين وكرامة الإنسان»، كما بات كثيرون ممن يمارسون السلوك الطائفي مندفعين ومناورين ومساومين، يعملون على انتزاع حقوق الآخرين على حساب الكفاءة والأهلية، وأصبح البعض يحتمي بالطائفية إما لتفادي احتمالات تعرضه للمساءلة على تقصير أو إهمال أو تجاوز أو فساد، وكأنه وجد تحت مظلة الطائفية من يدافع عنه ويحميه، أو لأنه وجد باسم الطائفية ما يستمد منها الحضور والسلطة والنفوذ، وكلما ظننا في وقت من الأوقات أن هناك انحسارا للطائفية والمذهبية واعتقدنا أن مدها قد تراجع، عملت القوى المستفيدة منها النفخ في جمرها لتعيد اشتعالها.
وهنا يكون السؤال الضروري، هل يمكن أن نخلق بيئة مهيأة للرؤية الاقتصادية المستقبلية للبحرين وأهدافها الإصلاحية وأن نمضي بها إلى الأمام اذا بقيت الطائفية تطل برأسها علينا في حياتنا العامة من خلال مظاهر شتى أبطالها مسؤولون ونواب وكتل وسياسيون وتجمعات وجمعيات خاصة أصبحت عضويتها قاصرة على لون واحد؟ وهل يمكن توجيه بوصلة الرؤية الى ما يحقق أهدافها وغاياتها اذا لم يوضع حجر الأساس الذي تبنى عليه معركتنا ضد الطائفية والفساد؟ وهل يمكن في ظل هذه المناخات والأجواء والمقارعات والتجاذبات والمشاحنات وعلى أكثر من صعيد ووجود هواجس شتى أن نبني اقتصاداً مزدهراً للبحرين تفعّل فيه الطموحات وتتعزز فيه ثقة صاحب العمل والمستثمر في بيئة الأعمال والاستثمار، بقدر ما تتعزز فيه ثقة المواطن في التنمية والعدالة الاجتماعية التي تنشد الرؤية بلوغها؟ بقي سؤال مهم يجب ألا يكون غائباً عن الأذهان، هل يمكن تحقيق الإصلاح الاقتصادي الذي تسعى إليه الرؤية الاقتصادية بذات الأدوات والعقلية البيروقراطية التي جعلت الإصلاح مستعصياً حيناً، أو عرضة للتردد حيناً آخر، مما قد ينشئ هوّة بين القرار وتنفيذه على الأرض؟ تلك مسائل قد تبدو بديهية.. ولكن يبدو أننا اليوم في حاجة إلى التأكيد على الكثير من البديهيات وهذه في حد ذاتها مشكلة.. !!

اقرأ المزيد

حبل القاعدة‮ ‬يقترب من عنق إسلام أباد‮!‬

في‮ ‬وادي‮ ‬سوات نجحت حركة طالبان باكستان في‮ ‬إجبار الحكومة المركزية في‮ ‬إسلام آباد على إبرام اتفاق‮ ‬يخول الحركة فرض الشريعة الإسلامية في‮ ‬الإقليم‮.‬ وبعد أيام معدودات وافقت الحكومة في‮ ‬الصومال على تطبيق الشريعة الإسلامية في‮ ‬البلاد نزولاً‮ ‬عند رغبة المليشيات الأصولية المسلحة وتحديداً‮ ‬مليشيات منظمة الشباب الموالية لتنظيم القاعدة،‮ ‬التي‮ ‬كانت قد وضعت هذا الشرط للدخول في‮ ‬مفاوضات مع الحكومة حول وقف الأعمال الحربية والمشاركة في‮ ‬العملية السياسية وصولاً‮ ‬لإشاعة السلام في‮ ‬البلاد،‮ ‬وهو الحلم الذي‮ ‬يعد،‮ ‬هو الآخر،‮ ‬يزورهم في‮ ‬منامهم وغفواتهم بعد أن باعدت المسافات الزمنية بينه وبينهم‮ (‬حوالي‮ ‬ثمانية عشر عاماً‮)‬،‮ ‬وبعد أن التحقت بلادهم،‮ ‬أو هم ألحقوها بالأحرى،‮ ‬بزمرة ما تسمى بالدول الفاشلة‮ ‬‭(‬Failed States‭)‬‮ ‬التي‮ ‬لم تعد تتمتع بأبسط مقومات الدولة القومية الحديثة‮.‬ وبذا‮ ‬يكون تنظيم القاعدة قد حقق انجازين‮ ‬يستطيع التباهي‮ ‬بهما أمام مريديه من الشباب المغرر بهم في‮ ‬عديد من الساحات ومنها ساحة المواقع الإلكترونية الفسيحة،‮ ‬وهو الذي‮ ‬ظل لفترة ليست بالقصيرة‮ ‬يعاني‮ ‬نزفاً‮ ‬شديداً‮ ‬جراء الضربات الموجعة التي‮ ‬تلقاها في‮ ‬غير ميدان من ميادين‮ ‬غزواته‮ ‬غير المظفرة‮.‬ حيث تبخرت أحلام الإمارة الإسلامية النقية في‮ ‬أفغانستان،‮ ‬وفي‮ ‬السودان الذي‮ ‬وقع عليه الاختيار مطلع تسعينات القرن الماضي‮ ‬ليكون أحد الملاذات الآمنة لعناصر وقيادات القاعدة قبل أن‮ ‬يضطر النظام السوداني‮ ‬تحت ضغط الغرب لطرد زعيم التنظيم أسامة بن لادن من أراضيه،‮ ‬وأخيراً‮ ‬وليس آخراً‮ ‬العراق الذي‮ ‬تراءى لقيادة التنظيم القابعة في‮ ‬مغارات وكهوف أفغانستان وباكستان،‮ ‬في‮ ‬لحظة من اللحظات،‮ ‬أنه سيكون‮ ‘‬الجائزة الكبرى‮’ ‬التي‮ ‬ستعوضهم عن خسارة أفغانستان،‮ ‬فإذا بهذا الحلم،‮ ‬هو الآخر،‮ ‬يتبدد،‮ ‬ليعود البحث من جديد عن أهداف وملاذات أخرى‮.‬ الصيد ليس ثميناً‮ ‬بطبيعة الحال،‮ ‬فأين‮ ‘‬سوات‮’ ‬والصومال من الأهداف الكبرى سالفة الذكر؟ ولكنهما،‮ ‬مع ذلك،‮ ‬يظلان إنجازين معنويين على الأقل في‮ ‬إطار عمليات الكر والفر التي‮ ‬تخوضها القاعدة عبر العالم لإنشاء ولايات أو إمارات دولة خلافتها أو لخلق مواطئ أقدام وقواعد وملاذات آمنة لها ولمحاربيها‮.‬ ويبدو أن الاستراتيجية قد تبدلت،‮ ‬فبعد أن كانت الأهداف كبيرة،‮ ‬صعبة ووعرة،‮ ‬تم التحول إلى الأهداف السهلة وإن كانت أقل شأناً،‮ ‬بحيث‮ ‬يتم الانتقال من الأسهل إلى الأصعب وليس العكس‮. ‬فإقليم‮ ‘‬سوات‮’ ‬الواقع في‮ ‬القطاع الشمالي‮ ‬الغربي‮ ‬لباكستان على بعد‮ ‬160‮ ‬كيلومتراً‮ ‬من العاصمة الباكستانية إسلام أباد،‮ ‬هو في‮ ‬الواقع ليس سوى مزار سياحي‮ ‬يشكل قبلة للسياح من جميع أنحاء العالم بسبب الطبيعة الجبلية الخلابة وبحيراتها الرقراقة ومروجها الخضراء ومنحدراتها الجليدية التي‮ ‬تستقطب عشاق رياضة التزلج على الجليد من جميع أنحاء المعمورة،‮ ‬حتى سميت بـ‮ ‘‬سويسرا باكستان‮’.‬ تبلغ‮ ‬مساحة إقليم سوات‮ ‬5337‮ ‬كيلومتراً‮ ‬مربعاً‮ ‬وعدد سكانها‮ ‬3‭,‬1‮ ‬مليون نسمة،‮ ‬عاصمتها سيدو شريف ولكن مدينة مينجورا تستحوذ على معظم ثقل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإقليم‮. ‬وقد كان إقليم سوات إلى سنوات قليلة خلت عبارة عن ولاية سلطانية إلى أن أُلغيت في‮ ‬عام‮ ‬‭.‬1969 وهي‮ ‬بهذا المعنى تختزن في‮ ‬جنباتها تاريخ حافل بالأحداث التي‮ ‬توالت على الإقليم منذ أن قطنها الإنسان قبل نحو ألفي‮ ‬سنة،‮ ‬فقد‮ ‬غزاها الإسكندر الأكبر في‮ ‬عام‮ ‬305‮ ‬قبل الميلاد واستولى على مدينتي‮ ‬أوديغرام وباريكوت،‮ ‬قبل أن تخضع لنفوذ البوذيين في‮ ‬القرن الثاني‮ ‬قبل الميلاد،‮ ‬حيث‮ ‬يعتقد أن سوات كانت المكان الذي‮ ‬شهد ولادة بوذية فاجرايانا،‮ ‬وبقي‮ ‬السواتيون معتنقين للديانة البوذية والديانة الهندوسية حيث بقيت سوات تحت حكم السلاطين والمهاراجات الهنود حتى الفتح الإسلامي‮ ‬مطلع القرن الحادي‮ ‬عشر الميلادي،‮ ‬حيث شن محمود‮ ‬غزني‮ ‬هجوماً‮ ‬في‮ ‬العام‮ ‬1023‮ ‬على الإقليم وقضى على آخر الملوك البوذيين راجا جيرا،‮ ‬وتم التحول إلى الديانة الإسلامية على أيدي‮ ‬أولئك النفر من الفاتحين‮.‬ وكما هو واضح من التضاريس الطبيعية والتاريخية والاجتماعية والثقافية لوادي‮ ‬سوات السياحي‮ ‬الخلاب،‮ ‬الذي‮ ‬يشبه بالمناسبة كثيراً‮ ‬إقليم كشمير،‮ ‬فإن مزاج معظم سكان المنطقة وكذلك المناطق المجاورة الخاضعة لنفوذ تيارات سياسية واجتماعية‮ ‬غير إسلامية،‮ ‬لا‮ ‬يقع على هوى ميليشيات طالبان الباكستانية التي‮ ‬اغتصبت المدينة وأخضعت سكانها بالقوة والبطش لنمط حياة لن‮ ‬يحتمله سكانها طويلاً‮.‬ ونظراً‮ ‬لضآلة الأهمية السياسية والجيوسياسية لمدينة سوات،‮ ‬كما أسلفنا،‮ ‬فإن القاعدة وتفريخاتها لن تقنع بهذا الصيد الصغير،‮ ‬وإنما هي‮ ‬ستعمل على التمدد إلى بقية المناطق المحاذية لسوات وصولاً‮ ‬إلى العاصمة إسلام أباد‮.‬ فكان زحفهم على مدينة بونر التي‮ ‬لا تبعد سوى‮ ‬60‮ ‬ميلاً‮ ‬عن إسلام أباد تنفيذاً‮ ‬لتهديد زعماء القاعدة وطالبان باكستان باجتياح البلاد وفرض الشريعة الإسلامية على كافة مدنها وقراها‮. ‬وكان أهالي‮ ‬مدينة بونر قد تحسبوا لهذا التهديد فشكلوا ميليشياً‮ ‬خاصةً‮ ‬بهم تمكنت على مدى ثمانية أشهر من صد هجمات طالبان،‮ ‬إلى أن انهارت مقاومتها الأسبوع قبل الماضي‮ ‬نتيجة لعدم تلقيهم الدعم اللازم من الحكومة الباكستانية.ووصل الاستعراض القاعدي‮ ‬الطالباني‮ ‬ذروته‮ ‬يوم الاثنين‮ ‬20‮ ‬أبريل بإعلان متحدث باسم طالبان الباكستانية في‮ ‬مدينة سوات ترحيب الحركة‮ ‘‬بالأخوة أسامة بن لادن ورفاقه وكل المجاهدين‮’.‬ وكل ذلك‮ ‬يحدث تحت أنظار وبصر الحكومة الباكستانية التي‮ ‬تتحمل كامل المسؤولية القانونية والسياسية عن تعريضها القدرة النووية الباكستانية لخطر الوقوع في‮ ‬أيدي‮ ‬هؤلاء الإرهابيين المتعطشين لسفك الدماء‮. ‬وهذا إن دل على شيء فإنما‮ ‬يدل على خطأ قرار باكستان بامتلاك السلاح النووي‮ ‬الذي‮ ‬أريد له أن‮ ‬يكون سلاح ردع ضد جارتها اللدودة الهند فإذا به‮ ‬يتحول إلى كابوس مرعب‮ ‬يقض مضاجع عقلاء باكستان وبلدان وشعوب المنطقة والعالم قاطبة،‮ ‬إن وقع المحذور‮.‬ أما وقد أصرت باكستان على خيارها النووي‮ ‬على الضد من قواعد معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ومناشدات الأسرة الدولية،‮ ‬فإنها لم تعد مخيرة فيما‮ ‬يتعلق بتأمين سلامة منشآتها وكامل طاقاتها النووية المادية والبشرية وعدم تعرضها لأي‮ ‬نوع من أنواع الخطر أو التهديد بوقوعه.وهذا ضمان نزعم أنه‮ ‬غير متحقق في‮ ‬الحالة الباكستانية الراهنة بسبب الاختراقات الفاضحة والواسعة النطاق لمجاميع القاعدة وطالبان لمؤسسة الجيش وكافة الأجهزة الأمنية،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬أمَّن لهما‮ ‘‬طرقاً‮ ‬سالكةً‮ ‘ ‬للتمويل والتسليح المنتظمين والمتصاعدين،‮ ‬ومكنهما بالتالي‮ ‬من السيطرة على مناطق شاسعة في‮ ‬أفغانستان وباكستان‮.‬ زعماء القاعدة اليوم تتملكهم روح الثأر والانتقام جراء الضربات القاصمة التي‮ ‬وجهت لكوادر وعناصر التنظيم في‮ ‬غير بقعة من العالم،‮ ‬وهم في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬سيواصلون فيه السعي‮ ‬لتحقيق هدفهم الاستراتيجي‮ ‬في‮ ‬الوصول إلى أحد أسلحة الدمار الشامل،‮ ‬فإنهم سيعمدون إلى تحقيق نجاحات سريعة باختيار أهداف سهلة ومناسبة للاستعراض الإعلامي،‮ ‬وقد باشروا فعلاً‮ ‬في‮ ‬ذلك بمعاودة هجماتهم الانتحارية الهادفة لإعادة تفجير الوضع طائفياً‮ ‬في‮ ‬العراق،‮ ‬وخلق فوضى تتيح لهم العودة إلى المناطق التي‮ ‬خسروها والدخول على خط التجاذبات الإقليمية لتغذيتها طائفياً،‮ ‬وتكثيف نشاطاتهم في‮ ‬الصومال براً‮ ‬وبحراً،‮ ‬إضافة إلى استمرارهم في‮ ‬إشاعة الفوضى في‮ ‬باكستان لتثبيت أقدامهم في‮ ‬المواقع التي‮ ‬كسبوها ومحاولة توسيع دائرتها‮.‬ ولكن عيون القاعدة وزعمائها مركزة على‮ ‘‬الجائزة الكبرى‮’‬،‮ ‬على باكستان،‮ ‬حيث تشدد الخناق على نواحيها للإطباق النهائي‮ ‬على مدنها الرئيسية،‮ ‬ليس من دون تواطؤ ثلة من الطبقة السياسية،‮ ‬الحاكمة والمعارضة على حد سواء،‮ ‬بعد أن وصل الفساد إلى عظم النظام.وعندها سيكون العالم أمام أزمة عظمى سوف تتواضع أمامها أزمة الصواريخ السوفييتية التي‮ ‬نصبت في‮ ‬كوبا في‮ ‬ستينات القرن الماضي‮ ‬ووجهت إلى الأراضي‮ ‬الأمريكية وكادت أن تتسبب في‮ ‬إشعال حرب عالمية ثالثة.ولا‮ ‬يبدو النظام الدولي‮ ‬الذي‮ ‬فشل في‮ ‬احتواء الطموحات النووية الإيرانية حتى الآن،‮ ‬في‮ ‬وضع‮ ‬يؤهله للتعامل بجدية مع خطر ماحق كالذي‮ ‬يشكله استيلاء القاعدة وطالبان على السلطة في‮ ‬باكستان‮.‬
 
صحيفة الوطن
2 مايو 2009

اقرأ المزيد

مهام المرحلة الآنية في البحرين

خلصنا في حلقتين سابقتين من طرح موجز ومكثف دار حول السمات العامة للبلد وخصوصيته، حيث وصلنا إلى استنتاج تركَّز في تحديد القوى أو العوامل الأربعة ( الدولة/الإسلام السياسي/التيار الديمقراطي/الأغلبية الصامتة)، المتحكمة في ثقل ميزان القوى المحلي، والتي باستطاعتها تسريع أو إعاقة استراتيجية العملية الاجتماعية لتجذير وتفعيل الإصلاح السياسي والتقدم الاجتماعي وإخراج المشروع الإصلاحي برمته من حال المراوحة والتعثر الراهنة. نحاول هنا أن نطرح وجهة نظرنا – بإيجاز- فيما يتعلق في محاولة البحث عن علاجٍ للوضع السياسي الآسن، فالمهمة الأكثر إلحاحاً ونجاعة – برأينا المتواضع – يتلخص في بديهةٍ تقول إن تدشين الديمقراطية يحتاج إلى ديمقراطيين، بمعنى أن الرهان الأساس يجب أن يركن على القوى السياسية والاجتماعية التي لها مصلحة في تجديد الإصلاح ودفعه إلى الأمام في وضعٍ صعبٍ وغير مواتٍ!
ولمعرفة أو مقارعة فهم أفضل لوضعنا الراهن وطريقة التعامل معه، من الممكن أن نطرح أسئلة من قبيل: ما هي التناقضات الأساسية والثانوية التي تمور في أحشاء المجتمع البحريني المعاصر في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المرحلة الحالية؟ ما هي مسبباتها وتداخلاتها وتقاطعاتها مع ميزان القوى الإقليمي والعربي والعالمي؟ على ماذا يدور الصراع الاجتماعي في اللحظة الزمنية الحالية؟ أين يكمن ثقل الصراع الاجتماعي وكيف يتشكل؟ من الواضح أن هناك مستويات عديدة لهذا الصراع الموضوعي الذي لا دخل فيه للعوامل الذاتية في إيجاده، عدا فهمه واستخدامه – إيجابا أو سلبا – أي تسريع وتطوير مشروع الإصلاح أو كبحه وتباطؤ تطوره. هذا ما يجب أن يفهمه السياسي الديمقراطي الفاعل والغيور؛ بُغية استثمار معلوماته بالشكل الأمثل وتحويلها إلى شعارات مطلبية آنية ومرحلية.
تراود أذهاننا أيضا أسئلة أخرى مثل: هل ممكن الاعتماد على قوى غير ديمقراطية من أجل تأسيس مجتمع ديمقراطي مؤسساتي؟ إلى أية درجة نجد أن الدولة جادة بالفعل لإيجاد حلول جذرية للمشاكل الاجتماعية والحياتية التي تقصم ظهر المواطن وتكبل طاقاته الكامنة؟ وهل لديها بالفعل الحل السحري السريع؟ وأين مصلحتها في ذلك؟ ما هي ‘الدولة’ بالضبط وما هي مكوناتها؟ منذ متى في التاريخ كان هناك نظام أو دولة تعطي شعبها حقوقه على طبق من ذهب بلا ضغط مجتمعي شامل غير فئوي؟ دروس التاريخ تعلمنا أن الإصلاحات وتراجعات الأنظمة أو الدول عن مصالحها – مصالح فئاتها الأكثر أنانية وجشعاً – حدثت وتحدث عندما تكون مجبرة من مغبة ضغط مجتمعي وقانوني متواصل ومطلب شعبي عام!
الإشكالية الكبرى أن المعادلة المتحكمة في ميزان القوى المحلي معكوسة، بمعنى أن القوى التي باستطاعتها تحريك المياه الراكدة (بعض أطراف مراكز النفوذ في الدولة وجُل قوى الإسلام السياسي) ليست لها مصلحة في ذلك، والقوى ذات المصلحة (التيار الديمقراطي/العصري وعامة الناس) ضعيفة، مبعثرة وبصيرتها السياسية كليلة. لم تصبح إحدى جهاتها الأساس رهينة لقوى غير ديمقراطية فحسب، بل صارت (الجهة تلك) تراهن على المنهاج الحاد لقوى ‘الإسلام السياسي’، المعوق أصلاً لتجديد الإصلاح والمعادي لكل مظاهر العصرنة والتقدم والتنوير!
لعل أصعب المهمات وأنجعها للخروج من الدوامة الراهنة هي العمل المشترك فيما بين القوى العصرية والديمقراطية ومحاولة تأسيس ‘الخط الثالث’ أو التيار الديمقراطي كمظلة تعمل من خلالها كل القوى الديمقراطية المستقلة تلك. إن مرساة النجاة الأسلم والتفكير الصحيح هو أن تصحوَ القوى الديمقراطية العصرية من سباتها وأوهامها وتتخلص من كسلها الفكري؛ للعمل أولا بقواها الذاتية، بالرغم من المعوقات الكثيرة (الموضوعية والذاتية) التي لا نقلل من صعوباتها. فكلما توفق التيار الديمقراطي في التخلص من أوهامه العديدة أسرع استطاع المشاركة المأمولة في الحراك الاجتماعي والسياسي بشكل أفضل والمساهمة في التأثير على الوضع تدريجياً ومستقبلاً؛ للتوجه إلى القوة الكامنة لدى ‘الأغلبية الصامتة’ لجرها للحراك المجتمعي.
بصريح العبارة يجب الإسراع في ‘مبادرةٍ’ حول دعوة جماعية للجلوس على طاولة مستديرة (قبل أي حوار موهوم مع اللاعبين الأقوياء الآخرين) من قِبَل كل القوى الديمقراطية والعصرية من دون إبعاد أو ‘فيتو’ على أية قوة أو جهة ديمقراطية مهما بدت هامشية. من الممكن، بل من الضروري أن يتكون ‘لُب’ الحاضرين من الجمعيات السياسية الديمقراطية الآتية: التقدمي/ وعد/ التجمع/ الوسط، بجانب جمعيات ليبرالية مثل المنتدى وشاكلاتها، بالإضافة إلى الجمعيات النسائية والحقوقية والاتحادات النقابية والمهنية والشخصيات الديمقراطية المستقلة من علمانيين وحتى دينيين متنورين، النتيجة أن تأسيس ‘الخط الثالث’ أو التيار الديمقراطي هو مهمة المهمات الآنية في البحرين، وبعد ذلك لكل حادث حديث!

صحيفة الوقت
2 مايو 2009

اقرأ المزيد

تعاون عالمي ضد الأجور (3)

اكتشفت الرأسماليتان الغربية الخاصة والشرقية الحكومية وحدتهما المشتركة عبر الصراع والتطور التاريخيين المتداخلين، وعبر التهام الطبقات العمالية بكل شكل ولون.
وما كان تبايناً شديداً تمت رؤية نسبيته، وكونه مرحليا في العملية التاريخية المشتركة، فليس النمطان سوى مرحلتين من تطور العملية الرأسمالية العالمية، قامت الأولى في ظلِ سيطرتها على المواد الخام والعمال والأسواق الواسعة، بشكل مبكر نظرا إلى ظروف خاصة بالقارة الأوروبية والقارة الأمريكية، وكان إنتاجها المتميز المتطور في القرنين الـ19 والـ20 هو ثمرة لتلك التراكمات على أصعدة قوى العمل والعلوم.
ولم يكن لحاق الرأسماليات الشرقية الحكومية تحت واجهات سياسية، وبدعوى رفض الطريق الغربي، نظرا إلى جراح الاستعمار وإلى الجذور القومية والدينية المنتهكة من قبل القوة الأولى، سوى شكل آخر للرأسمالية حاول اللحاق بالشكل الأول وتجاوزه والظهور بمظهر المجدد المتميز المختلف.
وكانت الرأسمالياتُ الغربية، التي ضمتْ كذلك رأسماليات خاصة فتية في قارة آسيا، قد دخلت في حقبة النصف الثاني من القرن العشرين عصر الثورة التقنية والمعلوماتية، وكان هذا العصر قد كشف بوضوح قيادة الرأسمالية الغربية – اليابانية للتطورين الاقتصادي والعلمي في العالم، وعجز الرأسماليات الشرقية بسيادات الدول البيروقراطية، عن اللحاق ليس بالمستوى الجديد من تطورها بل حتى بالمستوى القديم.
ولم تكن هذه سيادة في الفراغ، بل كانت سيادة بضائعية متطورة من نوع جديد، واستغناء عن الكثير من المواد الخام، وعن الكثير من المصانع القديمة، وهي كلها أمور فجرت العديد من أغلفة الأنظمة الشرقية الاستبدادية.
أخذت التطورات الجديدة تغزو المنظومات الشرقية المتعددة المستويات، فتتخلى هذه عن الاقتصادات القديمة المتكلسة، وتحرر أقساما من الاقتصاد، وتسمح بقطاعات خاصة كبيرة، وتقوم بتقليد السلع الغربية المتطورة، خاصة في بلدان الصين وروسيا وجنوب شرقي آسيا والهند والبرازيل وغيرها من الدول، وكما هي العادة فقد لعبت قوى العمل دورها في تفجير طاقات هذه الدول، ونقلها إلى مستويات تطور جديدة.
إن ضعف الأجور وتدنيها لعبا مرة أخرى دورهما في تفجير هذه الطاقات، وفي انتقال الثورة التقنية للدول الآسيوية ذات القوى العمالية الواسعة، والأسواق الكبيرة، وهذا أثر بدوره في وضع العمال المتميز في دول الغرب.
قام العديد من الشركات العالمية بالانتقال إلى دول مثل الهند تجد فيها حريات اقتصادية واسعة وقوى عمل هائلة ورخيصة ومتقدمة.
إن العملية الرأسمالية المتطورة بوصولها إلى دول الشرق اطلقت حركة كبيرة فيها، وانتقل جانب كبير من التحديث إلى الشرق، وبهذا حدث تداخل على مستوى جديد بين الرأسماليتين العالميتين، وهو تداخل مباشر وعالمي مختلف، فلم تعد الرأسمالية المتطورة الغربية ذات مكان جغرافي محدد محصور برقعة جغرافية، بل صارت كونية، ولكنها كونية مرتبطة بالأجور وتدنيها، لا بارتفاعها وتطورها، إلا إذا اعتبرنا أن العمال في بعض دول الشرق حصلوا على أجور مرتفعة قياساً لما تقدمه الرساميل المحلية.
لكن هذا التداخل بين الرأسماليتين العالميتين يمثل حلقة جديدة من التطور التاريخي للمنظومة الرأسمالية المعقدة والمركبة، فنحن هنا أمام رأسمالية ذات مستوى متطور ورأسمالية ذات مستوى متخلف تصطدمان بقوة خلال بضع سنوات، مما ولدت ظاهرات بالغة الحدة والثراء والتنوع والخراب كذلك.
كوكبان يصطدمان ويولدان جسما ثالثا، قد يكون مسخا وقد يكون وليدا جديدا ذا تكوين انتقالي لرأسماليات حكومية ديمقراطية، يلعب فيها العمال دورا مغايرا مختلفا عن دور البقرة الحلوب ويشاركون في الحكومات على أساس كونهم ممثلين للطبقات العمالية بشكل حقيقي وليس أدوات للطبقات الاستغلالية المتوارية تحت لافتتهم.
وفيما تزدهر الهند بشركات التقنية المتطورة، فإنها لاتزال تعيش ريفا اقطاعيا متخلفا، فيما تغدو الرأسماليات الحكومية على نمط روسيا والصين أكثر قابلية للتطورات الثورية في وسائل الإنتاج العصرية، فيما يتزعزع بعض الرأسماليات الغربية الكبرى. يطلق زعيم ألماني من جمهورية ألمانيا الاتحادية على الرأسمالية في بلده بأنها “رأسمالية الجراد”، ويقول:
“في الآونة الأخيرة بلغ هذا التناول الانتقادي الجديد للرأسمالية ذروته في سلسلة من الهجمات التي شنها زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي فرانتز مونتيفيرينج، فقد اتهم رجال الأعمال الذين ينقلون الإنتاج إلى الدول ذات الأجور المتدنية بأنهم يؤكدون بهذا فرط جشعهم، وافتقارهم إلى الإحساس بالمسئولية الاجتماعية. ثم شبه مديري صناديق الأسهم الدولية بوباء الجراد الذي يحتل الشركات ويستغلها ثم ينتقل إلى غيرها بعد أن يكون قد أتم عمله التخريبي وأجهز عليها”، (فيرنر- سين، مدير معهد Ifo البحوث الاقتصادية في ميونخ).
وفيما تقوم الرأسماليات الخاصة بتطور جديد في دول الشرق المنهكة من السيطرات الحكومية، فإن الرأسماليات الخاصة بحاجة إلى التغييرات الشعبية والحكومية الديمقراطية في الغرب.
مساران مختلفان، ومركبان، يرسمان حركة تاريخية مختلفة للرأسمالية العالمية، لا تبدو لنا الآن سوى بضعة ملامح من تكوناتها.

صحيفة اخبار الخليج
2 مايو 2009

اقرأ المزيد

حاســة المــرأة السابعة!

هل تختلف المرأة الفنانة أو الكاتبة عن الرجل الفنان أو المبدع؟ وفي صورة أكثر تبسيطا ومباشرة: هل هناك أدب نسوي أو فن نسوي، وآخر فن رجالي أو للرجال، وهل يكفي أن تكون المؤلفة أو الشاعرة أو الكاتبة امرأة لنقول أن ما تكتبه هو أدب نسوي، أليست بعض الكتابات النسوية تكرس النظرة الذكورية الدونية السائدة تجاه المرأة. أليست بعض أشعار وكتابات وإبداعات بعض المبدعين الرجال أكثر تعبيرا عن هواجس وعوالم ودواخل المرأة من كتابات بعض النساء عن أنفسهن، أليس بعض الرجال أكثر مقدرة على معرفة المرأة من المرأة نفسها، ونطرح هذا السؤال دون أي شبهة ذكورية. بيد أن هذا القول لا ينفي في الحقيقة وجاهة السؤال أعلاه ولا يقلل من أهميته وقيمته. نعني: هل هناك أدب أو فن نسوي أو آخر رجالي. هل الكتابة أو الإبداع يحتملان هذا التقسيم الذي يجعل جزءا منهما مؤنثا والجزء الآخر مذكرا، أم أن التكوين النفسي والوجداني للمرأة يجعل من طريقة تعبيرها عن نفسها مختلفة عن الطريقة التي يعبر بها الرجل عن نفسه، خاصة في مجتمعات محافظة أو تقليدية مثل مجتمعاتنا تعرضت وتتعرض فيها الذات المؤنثة أو المرأة للتهميش والتغريب والإقصاء والتمييز. ما يجعل معاناتها معاناة مركبة، ويجعلها بالتالي تتطلب مقاربة أو معالجة إبداعية مختلفة من مقاربات أو معالجات المبدعين من الرجال. في صيغة أخرى للسؤال: لو أعطينا نصا إبداعيا مغفلا من التوقيع وطلب منا أن نحدد ما إذا كان المؤلف رجلا أو امرأة، هل نستطيع أن نجزم من خلال إحساسنا بمناخ الكتابة ما هو جنس المؤلف، هل تفصح كتابة المرأة عن نفسها بالتراكيب والمفردات والحالات التي لا تلتقطها إلا امرأة ؟! للبحث عن بعض إجابات على هذه الأسئلة يمكن تأمل ما قالته بعض الكاتبات العربيات عن معاناة الكتابة عندهن، لنلاحظ أن المرأة المبدعة وهي تتحدث عن القمع مثلا في المجتمعات العربية، لا تجد أمامها من مهرب سوى دمج معاناتها الخاصة كامرأة مع المعاناة العامة للمجتمع. فوزية أبو خالد، الكاتبة السعودية، تتساءل: هل تكفي حواسي الست لفض دسائس السؤال؟ وهل عندي من التهور والطيش ما يكفي لإنهاء دهشة تنهي حياتي بهتك أسرارها التي تسرها نفسي عن نفسي». ليانة بدر، الروائية والقاصة الفلسطينية، تقول: « لقد خرجت من شرطي الأنثوي في الهنيهة التي أتيح لي فيها الكلام». اللبنانية هدى بركات تقول: « لأني مجرد امرأة كانت تعذبني كثيرا معاينتي بعذاب الرجال». المصرية سحر الموجي تقول: « لم أخطط أن أكون كاتبة: تزوجت وأنجبت وأنهيت الماجستير، إذ كنت حريصة على ميراث الجماعة، متسقة معه». كأن النساء الكاتبات، في العبارات أعلاه، يقلن إنهن حين يردن الذهاب بالإبداع إلى أحد شروطه، أي البوح، فإنهن يصطدمن بحقيقة أن المرأة محاصرة بإملاء الصمت، لا بحرية الكلام، فيلجأن، وهن يكتبن، إلى حاسة أخرى إضافية غير متيسرة للرجل هي الحاسة السابعة.
 
صحيفة الايام
2 مايو 2009

اقرأ المزيد

عيد العمال العالمي

احتفل عمال البحرين اسوة بعمال العالم بالاول من مايو بعيد العمال العالمي، وفي هذه المناسبة المجيدة كانت مسيرة عمالنا تجوب شوارع المنامة وهم في غاية البهجة والفرح والتضامن مع الطبقة الكادحة أينما كانت صانعة الحياة والحضارة والانجازات والثروة والتقدم في سبيل حياة افضل، بعيدة عن الاستغلال والتعسف والاضطهاد ومن اجل قوانين عمل عادلة تضمن الحريات النقابية والديمقراطية في الهيئات النقابية، والاجور العادلة وحرية الاضراب وساعات عمل لا تتجاوز الثماني ساعات في اليوم، وكذلك تحسين ظروف العمل وشروط الصحة والسلامة المهنية وانصاف المرأة العاملة. عمال البحرين منذ بداية المشروع الاصلاحي يعيشون اوضاعاً عمالية ونقابية جديدة، هم في الاساس ناضلوا من اجلها طيلة عقود من الزمن واليوم بدأوا يحصدون ثمار هذه النضالات. عمال البحرين الذين ساهموا بفعالية ولا زالوا في تنمية وتقدم وازدهار هذا الوطن كانت شعاراتهم في هذا العرس العمالي الجميل تطالب بتكريس الوحدة العمالية وبمكافحة الفساد وحماية اموال العمال في التأمينات الاجتماعية والتصديق على الاتفاقيات ومعايير العمل الدولية، بما يكفل العدالة الاجتماعية والمطالبة بحرية العمل النقابي في القطاع الحكومي، وتوحيد المزايا في القطاع الحكومي والخاص والعساكر طبقا لأفضلها وذلك تماشياً مع توجهات سمو ولي العهد، ومن بين هذه الشعارات ايضا العمل النقابي ونبذ الطائفية والتأكيد على قانون الاحوال الشخصية الموحد لحياة اسرية افضل، ووقف العقود المؤقتة والفصل التعسفي على اثر تداعيات الازمة الاقتصادية العالمية، كل هذه المطالب لا يجب ان نلتزم الصمت حيالها؛ لأنها ركيزة هامة للاستقرار العمالي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.. وبالتالي التفاعل معها على صعيد القطاعين الحكومي والخاص يعطي دافعاً قوياً لكافة اشكال التنمية. والشيء الآخر الذي يجب الا يغيب عن بالنا هو ان الوضع المعيشي المتدهور اليوم يضعنا امام مسؤولية كبرى، وخاصة فيما يتصل بالاجور المتدنية التي لا تنسجم ولا تتناسب وارتفاع الاسعار الجنوني وبالتالي فإذا كان تحسين الاجور من المطالب العمالية الملحة، فإن ربطها بالاسعار وتحريكها بشكل دوري وخاصة اجور ذوي الدخل المحدود وصغار الكسبة وكذلك رفع الحد الادنى لهذه الاجور بما يكفل العيش اللائق اهم الخطوات لهذا الاستقرار. ومع تقديرنا لكافة الانجازات والمكاسب العمالية التي تحققت مع تنفيذ اصلاح سوق العمل، وخاصة على مستوى تحسين الانتاجية وكفاءة البحريني والتأمين ضد البطالة، فإن معدلات البطالة اليوم لاتزال مقلقة.. أين يقع الخلل هناك 8343 وظيفة شاغرة لماذا لا تستوعب هذه الوظائف العاطلين عن العمل؟ والاكثر من ذلك ان هذه البيانات والاحصاءات تؤكد وجود (300) جامعي عاطل عن العمل!! لماذا كل هذه المفارقات مادام هناك وظائف شاغرة؟ ام ان الخلل يبرهن على عدم تعاون القطاع الخاص في حل هذه المشكلة بالشكل المطلوب او في الاثنين معاً اوربما في العاطلين عن العمل. ومع ذلك، ليس من الصواب ان نقلل من اهمية مشروع اصلاح سوق العمل وكذلك الحال بالنسبة لوزارة العمل التي تسعى للحد من هذه المشكلة. على العموم، في هذه المناسبة السعيدة لا يسعنا الا ان نقول: التحية والتقدير لعمال ومستخدمي البحرين ولكل عمال العالم الذين ناضلوا ويناضلون من اجل حياة حرة كريمة يسودها العدل والمساواة.
 
صحيفة الايام
2 مايو 2009

اقرأ المزيد