المنشور

الثلث المعطل في المنطقة

يمثل لبنان حالة المنطقة بوضوح أكبر من بقية الدول، لكونه لم يعش حضوراً لدولة استبدادية عريقة، مثلتها الحركات القومية واليسارية، لكنه مع ذلك لم يخرج من تطور المنطقة وقوانينها.
وتبدو حالة الثلث المعطل هي حالة العالم العربي الإسلامي وهو يعيش مثل هذه الحالة المتوارية داخله فتبرز في لبنان بصورة فاقعة ساخرة.
لقد جاء سقوط نماذج الدولة الوطنية العسكرية الشمولية في مصر والجزائر والعراق وغيرها غير الكامل والحاسم، لتظهر مرحلة أخرى لانزال نعيش ثلثها الأخير، ونصعد إلى قمتها المأزومة الخطيرة.
حاولت الأنظمة والحركات الدينية أن تملأ الفراغ، وبرزتْ مذهبيتـُها السياسية بوضوح بين قوى سنية وقوى شيعية، وفيما كانت القوى السنية المتطرفة تلجأ للعمليات الارهابية الوحشية في العديد من الدول، استنكفتْ قوى أخرى سنية عن هذه الأساليب وإن لم تعلنْ موقفـَها الديني بوضوح وعمق، ولم تربط هذا الموقف المذهبي الديني الغامض بقضايا السياسة والتحولات الفكرية والديمقراطية في العالم.
ولايزال هذا الموقفُ الرجراجُ الغامضُ للحركاتِ السنية المحافظة يلعبُ دوراً في تفريخ القواعد التحتية من المغامرين والمتطرفين الذين يرتكزون على هذه الضبابية لإنشاء تشكيلاتهم المنسلخة ويطرحون شرعهم الحركي العنفي كما تريد زعامتهم، أو في الاستخدام العام لهذه الضبابية في التحالفات غير المبدئية مع الحكومات الشمولية، أو في التسلل لأجهزة السلطات، أو في تنويم الجمهور الفقير في إصلاحات وتغييرات لا تأتي، بسببِ هذا الغموض البرامجي وعدم مقاربة هذه التنظيمات مع الحداثة العصرية الديمقراطية التي لا يوجد غيرها في العالم السياسي الراهن.
فأقدام اليمين السني المحافظ تقفُ في معسكراتٍ كثيرة غير محددة، فهي مع تلك الحكومات الشمولية والاستغلالية وهي مع الفئات الوسطى الكبيرة خاصة في مؤسسات المال والاستثمار، وهي مع الجمهور الفقير عبر الصدقات وأشكال العبادة.
وبطبيعة الحال فإن إصلاح هذا اليمين الديني السني المحافظ ممكن على المدى الطويل عبر تعبيره عن الفئات الوسطى وحركتها الرأسمالية الحديثة الديمقراطية، أي بأن تفكك هذه الحركات ما له علاقة بالعنف وتبرير الحركات الارهابية والأنظمة الشمولية، وللتمثيل الأوحد للدين، وأن ترتقي مع التطورات الاجتماعية الحديثة في فهم علاقات الزواج والأسرة والثقافة، مع حقوقها في الدفاع عن تصوراتها المحافظة فيما يتعلق بهذه العلاقات الأسرية والثقافية من خلال المؤسسات التشريعية والاجتماعية الديمقراطية في المجتمع.
رغم كل السلبيات في المذهبية السنية فإننا نجد تشكل وسطية سنية منفتحة في العديد من الدول العربية والإسلامية هو أمرٌ بارز وقوي، وهو الذي سوف يؤسس لانتقالات ديمقراطية أوسع رغم وجود التيار المتطرف الذي يقوم بطرح المطلقات الحادة والرفض القاطع للحداثة والديمقراطية والأممية الإنسانية، لكنه تيار يظل خارجيا يتسلل عبر ثغرات المشكلات الكبيرة في هذه الأنظمة المذهبية، غير القادرة حتى الآن على الانتقال للإسلام العلماني الديمقراطي، وعلى رفع مستوى الأغلبية الشعبية في العيش.
ويختلف نمو المذهبية الشيعية عن المذهبية السنية فقد كانت تعيش دائماً في المناطق الريفية، وكانت أشكال التطور الرأسمالية الحكومية العسكرية عامة قد خلقت في الأرياف والبوادي الإسلامية اختلالات كبيرة ورهيبة في توزيع الثروة وتوزيع السكان وغمر المدن الكبرى بالملايين المقتلعين من أراضيهم ومناطقهم، ومن غيابِ مواردِهِم، أي أن المذهبية الشيعية كانت أكثر عرضة لبرامج التجريب العسكرية واختلالات الثروة سواء على يد الشاه وصدام أو إسرائيل في جنوب لبنان وغيره من المناطق.
التحمتْ في المذهبيةِ الشيعية منجزات وسلبيات الأنظمة العسكرية (القومية) السابقة، التي تجاوزها العالمُ العربي السني بشكلٍ غير حاسم حتى الآن، من حيث سيطرة الأجهزة العسكرية والرؤى الشكلانية النصوصية الشديدة للإسلام، وغلبة المحافظة الاجتماعية بسبب ريفيتها، وهو أمر تتفق فيه مع الحنبلية البدوية، وإن فارقتها في جوانب أخرى.
فقد عرفتْ المذهبية الشيعية مسألة العبادات الاحتفالية الاجتماعية الدينية السياسية، وهو جانبٌ تشكلَ بسببِ عمليات القهر الطويلة من قبل الأنظمة الاستغلالية، وهذا الجانب أهلها لأن توظفهُ في السياسة الفاعلة، مما جعل جمهورها اكثر حراكاً، وهذا تجسد بصفة خاصة في إيران، التي عرفت الدولة الشيعية الأولى حتى الآن.
ومن هنا فإن جمهورية إيران الإسلامية عرفت جوانب شديدة التناقض، فشكلت رأسمالية دولة حكومية شمولية بقيادة دينية محافظة، وأدى الحصار والحرب مع العراق إلى توسيع المؤسستين العسكرية والاستخبارتية في النظام، ثم واصل هذا إلى كبت المجتمع المدني وقهره، ممثلاً بالفكر الحر والنساء والعمال وتغليب المحافظة الريفية، وهو أمرٌ عارض المذهبية الشيعية نفسها.
ولهذا فإن مصالحة بين القطاعين العام والخاص، بين مؤسسات الحكم والمجتمع المدني، والأفق السياسي المنتظر، وهو أمر يبدو انه لن يتحقق إلا بهزة سياسية عنيفة. لهذا فلا توجد مسألة هدم النظام، لكن الجانبين المتعارضين راحا يشقان طريقين مختلفين متصادمين متروكين للمصادفات الاجتماعية، لكن النظام لن يكون أبعد من نظام(ساداتي).
وهي مسائل تعود للتناقض في نمو المذهبية الشيعية بين محدودية التعددية الفقهية والانفتاحية، وبين الصدامية والانحصار خوفاً من التذويب، وقيام الأرياف بلعب دور المنتج للوعي المذهبي.
هذا ما يؤدي على ساحة المنطقة العربية الإسلامية عامة إلى قيام إيران وحلفائها بدور الثلث المعطل، تجاه قضايا التعاون مع الغرب الديمقراطي وحل المشكلة الفلسطينية، وقضايا الحداثة والعلمانية والتقدم. ويحدث ذلك من خلال المزايدة اللغوية والفرقعات السياسية، والتدخلات العملية، فتعكس إيران تناقضاتها الداخلية على المنطقة، وتهربُ إلى الخارج بدلاً من أن تصل إلى تسويات داخلية عميقة، وبالاعتراف بأن تلك المقاربات الحداثية والديمقراطية لا تعني هدم الإسلام ومذاهبه، ولا غزو إيران، بل معايشات عميقة مع الشعب العامل والعصر والإنسانية.
هذا ما فعلته الأنظمة العسكرية القومية العربية وقد استنزفتنا خلال حضور دام عشرين سنة على الرغم من إيجابياتها الوطنية والاقتصادية في جوانب، لكنها خرجت من الساحة عبر إطلال وهزائم عسكرية مريرة وأنظمة فوضوية السوق وجمهورية شكلية تحولت إلى ملكيات استبدادية اسوأ من التي ثارت عليها.
لهذا فإن ما يرددهُ بعضُ الكتاب الجامدين في فهمه هو نفسه ما ردده أيام جمال عبدالناصر وصدام وغيرهما، والمسألة لا تحل بهذه القطيعة الشرقية وبهذه الدكتاتورية العسكرية، وبالمزاعم بالوطنية والقومية وبالهوية الإسلامية الوحيدة القاهرة.
حين يحدث التصدع والانهيار وتحدث كوارث للنظام الإيراني يكون جميع العرب والمسلمين خاسرين خسارة مؤلمة، وبقاء النظام الإيراني وتطوره وتوجهه للديمقراطية والحداثة أي أن يحل تناقضاته الداخلية بصورة وطنية منفتحة، هو مكسب كبير للشعوب العربية الإسلامية.

صحيفة اخبار الخليج
3 يوليو 2009

اقرأ المزيد

ماذا سيضر الوفاق؟!

حتى الآن والمشهد السياسي للانتخابات ليس مكتمل الصورة، ربما لأن الوفاق على اعتبارها عموداً أساسيا للجمعيات الست، لم تبحث رسميا ملف الانتخابات والتحالفات بحسب ما يقوله الأمين العام للجمعية الشيخ علي سلمان، او لأن موعد الانتخابات مازال مبكرا فعلا، وبالتالي فإن الجمعيات السياسية لم تتضح لها الصورة. وما ورد لمحرري الجمعيات أن الحديث بدأ في أروقة الجمعيات السياسية عن الانتخابات النيابية المقبلة، وعليه أحببنا ان نضع القراء الاعزاء في الصورة من خلال ما يصل الينا من معلومات انتخابية، أو ما يقوله المحللون ورؤساء وأعضاء الجمعيات السياسية عن الانتخابات النيابية المقبلة، والهدف من هذا هو ان نسبق الظرف الانتخابي، بحيث نساهم بشكل أو بآخر بنشر وعي مختلف عن ما كان عليه. الجمعيات السياسية الفاعلة، التي كان لها مرشحون في الانتخابات السابقة، تنتظر مصيرها في التمثيل، من هم في داخل السداسي ينتظرون قرار الأمانة العامة في الوفاق، هل تتنازل عن مقعد هنا او هناك، ولكن يبدو ان هذه المرة سيكون وضع الوفاق أكثر حرجا من الانتخابات السابقة التي لم تسمح لأي من حلفائها ان يخترق دائرة من دوائرها، وقد يعذر البعض الوفاق في حينها، لأنها تجربة جديدة، والمغريات كبيرة. السؤال الذي طرحه الأمين العام لجمعية “وعد” الاخ ابراهيم شريف سؤالا مشروعا وفي محله، ماذا سيضر الوفاق لو أنها تنازلت عن عدد من المقاعد لصالح حلفائها، هل ستتغير النتيجةً، وبالتالي لن تخسر الوفاق كثيرا، لو انها تنازلت عن عدد من المقاعد، لصالح تشكيل كتلة سياسية تضم مختلف التيارات، وبالتالي سيكون رصيد الوفاق أكبر عند القوى الاخرى… نأمل ان تنظر الوفاق بشكل جدي في هذا الموضوع.
 
صحيفة الايام
3 يوليو 2009

اقرأ المزيد

نواب تحت المجهر.. !

كان ينقص الضجة المثارة على خلفية موضوع تقاعد النواب، وتباين الرؤى والمواقف وكثرة الاعتراضات على مشروعية هذا التقاعد والتي اطلقتها قوى وأطراف عدة ربما كان رد فعلها حول الموضوع يمثل محصلة لمزاج عام محتقن ضد النواب وأدائهم الذي بقي دون مستوى الطموح الشعبي، وهذا أمر ليس عصياً على الإثبات. كان ينقص هذه الضجة والتراشقات الكلامية حول مبدأ تقاعد النواب ومشروعيته وأحياناً حول الحسبة التقاعدية، هذا التوجه الذي ظهر وكأن النواب لم يعد همهم الآن في الفترة المتبقية من عمر مجلس النواب، إلا أن يتساووا بالوزراء بروتوكولياً، فإن صح ما نشرته هذه الجريدة قبل أيام من “أن هيئة مكتب مجلس النواب تبحث القواعد التنظيمية المتعلقة بنظام المراسم الخاصة بالنواب فيما يتعلق بأماكن جلوسهم في الفعاليات الرسمية وطرق استقبالهم وسفرهم، فإن ذلك كفيل بأن يشجع على الإيغال في حمى الجدال إلى ما هو أبعد من حدود هذا الموضوع أو ذاك، وأحسب أن الأمر في الحالتين يفتح الباب للنقاش الواسع حول دور مجلس النواب على ما فيه برأينا من علات ومآخذ، وأيضاً حول المكاسب والمغانم التي حققها بعض النواب. يجب الإقرار أولاً بأحقية أعضاء مجلس النواب في البحث عن كل ما يعزز مكانة وهيبة ودور المجلس كمؤسسة تتمتع بما يمكن تسميته الولاية العامة في تمثيل الشعب ومصالحه، وهي ولاية دستورية مباشرة تشريعية وسياسية ورقابية، ومن حق مجلس النواب أن يعمل على أن يعامل رئيسه بما يوازي بروتوكولياً رئيس السلطة التنفيذية على غرار ما هو معمول به في معظم الدول التي لمجلسها النيابي هيبة ومكانة ودور فاعل في الحياة السياسية، ولكن الأمر الجوهري أن البحث في مسألة إرساء هذه الهيبة والمكانة والدور لأي مجلس نيابي يجب أن يفهم بأنه هدف لا يتحقق إلا حينما تتعزز صلاحيات هذا المجلس دستورياً، ويكون النواب في معزل من أن يكونوا نواباً ينشغلون ويشغلون بهموم صغرى، أو نواب خدمات ومناطق ودوائر، أو نواباً لا هم لهم إلا المجاملات ومقابلات الوزراء لتعيين فلان، ونقل علان، وترقية زيد، أو إخراج قريب أو تابع من الحجز، أو إنجاز معاملات استثنائية أو الدخول في ماراثونات استنفاع واسترضاء بعض المسؤولين والوزراء في ممارسات نيابية غريبة تتم من تحت الطاولة كتلك التي كشف عنها مؤخراً النائب السابق يوسف زينل حينما كشف عن تلاعب بعض النواب فيما يخص السؤال البرلماني والاستجواب البرلماني اللذين يعدان من أهم أدوات المساءلة والرقابة البرلمانية، وأوضح من واقع تجربته البرلمانية في الفصل التشريعي الأول أن “بعض الأسئلة البرلمانية كانت مملاة من بعض الوزراء الموجهة لهم من أجل إيصال رسائل معينة أو إظهار أعمال وإنجازات الوزير أو للبهرجة الإعلامية وذلك مقابل مصالح خاصة للنائب أو حتى بدافع المحسوبية والمعرفة الشخصية بالوزير، فيما أخذت الاستجوابات منحى مذهبيا وطائفيا، اضعف الدور الرقابي للمجلس النيابي”. ذلك كلام من الغريب أنه قوبل بصمت مريب ومر مرور الكرام دون أن يعلق عليه نائب حالي أو نائب سابق، واذا كنا نعلم علم اليقين أن فريقاً مؤهلاً وموثوقاً ربما في سياق التحضير “لمعمعة” الانتخابات المقبلة يعكف منذ مدة على اعداد كشوفات بأسماء كل النواب الذين حصلوا على منافع شخصية لهم ولأقربائهم من الدرجة الأولى أياً كان نوعها، وكذلك النواب الذين توسطوا في معاملات، أو تدخلوا في تعيينات وترقيات على حساب مبدأ الكفاءة والأحقية، أو انخرطوا في إنجاز معاملات استثنائية لهم أو لأقاربهم من الدرجة الأولى، فإن هذا جهد لا شك أنه يأتي في سياق جهد أكبر يرصد كل ما طرح على الساحة النيابية من استجوابات وأسئلة ومبادرات ومشاريع وأعمال برلمانية أخرى، إلى جانب رصد أعمال لجان مجلس النواب من حيث اكتمال النصاب فيها وتباعد عدد اجتماعاتها ومدى إنجازها للموضوعات المعروضة عليها، وكذلك مشروعات القوانين المقدمة وأسلوب وآليات تقديمها والتسابق عليها من باب تسجيل المواقف، وكذلك الأسئلة البرلمانية ومتابعتها، والاقتراحات برغبة وتدقيقها وتقييمها وكذلك حضور الجلسات والغياب عنها والخروج أثناء التصويت والمواقف والمواضيع والمناقشات التي تلفعت بشكل أو بآخر بنفس طائفي أو مذهبي من قبل كل الكتل النيابية دون استثناء، كل ذلك جهد استثنائي مطلوب وملح لاسيما ونحن مقبلون على انتخابات برلمانية قريبة. إن المواطن خاصة أمام ما يلمسه من ظاهرة “التمسك بالمقعد البرلماني” بصورة مثيرة للدهشة والسخرية في آن واحد في حاجة حقاً لكي يقف على حقيقة أداء كل نائب بصورة موضوعية، لعل ذلك يعالج لاحقاً مواطن الخلل في الأداء البرلماني والأداء الحكومي على حد سواء. بقي التأكيد على أن القوى الوطنية المخلصة التي تؤمن بدور المجتمع المدني في الرقابة على أداء مجلس النواب، وأداء وتقييم كل عضو فيه، أن تؤمن بأن مثل ذلك الجهد يجب أن يحظى بكل دعم ممكن، بل على هذه القوى أن تفعّل دورها في هذا الخصوص وأن على الجمعيات التي ترى نفسها معنية أن تبادر من الآن إلى تشكيل اللجان وفرق العمل الخاصة بها لمتابعة ورصد العمل البرلماني، وعلينا أن نعلم أن بعض الدول بما فيها الكويت تأسست فيها لجان وطنية تولت مثل تلك المهام والمسؤوليات وقامت بعمل لافت في هذا المجال، إنه جهد لابد أن نمضي نحوه والسير في مساره الصحيح، لعل ذلك يكون رافداً لمواصلة عملية الإصلاح المنشود في العمل البرلماني في المجلس القادم.
 
صحيفة الايام
3 يوليو 2009

اقرأ المزيد

الجنون السياسي

عبرتْ ثنائية التطور الاقتصادي بين الغرب والشرق عن تباين مستويات التطور الكبيرة بين الجانبين، كما أن هذا التباين كان يجري في ظروف الصراع بين التكوينين البشريين المتضادين.
فكان الشرقُ يرفض طريق الغرب بشكل عام بين أغلبية المنتجين في الثقافة والسياسة والإنتاج المادي كذلك، مرتكزين على عالم خرافي يعيشُ أزمنة غارقة في التخلف والضعف الاجتماعي والدونية، وخلقتْ هذه الأجواء الملتبسة والمرضية والصراعية الوطنية ضد الغرب المحتل، انفصاماً بين الشرقيين عامة، بين الاعجاب بالغرب والعداء له، بين تقليده ومهاجمته، بين التبعية له وتمزيقه، بين الاعتداد بالماضي والخذلان في الحاضر.
وكان هذا جزءًا من التباين الموضوعي الكبير بين أبنية الاقتصاد والحكم والحياة الاجتماعية في الشرق عن نظيرتها في الغرب، وقد ولدت المراحل المتوسطة والأخيرة من العلاقة الصراعية – التعاونية أشكالاً من الأفكار السياسية الخطرة أقرب للجنون الذي يجد طريقه للتنفيذ أسرع وأقوى من الأفكار العقلانية والديمقراطية.
لقد راحت قيادات وقوى سياسية جماهيرية كثيرة كخسائر بشرية مريرة نتيجة لسرعة تطبيق هذه “الموديلات” الشرقية، من دون أن تصل دولُ الشرق المتعددة إلى وضع حد لظاهرة هائلة مازالت تشتغل بكل طاقاتها في إنتاج الخسائر.
تركيبات المجتمع الشرقية شديدة التخلف ولاتزال الأرياف تنزف، والمدن الباهرة تتحول هي الأخرى لأرياف داخل حاراتها الخلفية ومقابرها.
سيطر على تفكير كثير من المثقفين في الشرق الرفض القاطع للسير في طريق الغرب، بمعنى السير في دروبه الديمقراطية والعقلانية والعلمانية، وهي خطوط كبيرة توحد ملايين البشر في بُنى اجتماعية متضادة لكن مقبولة لهم، وتجعلهم رغم صراعاتهم الضارية الرهيبة أحياناً، يعودون لتلك المشتركات الفكرية السياسية ويطورونها ويطورون عيشهم المشترك المختلف كذلك.
بطبيعة الحال لهذه المشتركات مرتكزات اقتصادية واجتماعية وثقافية تشكلت في قرون، ولا يمكن نقلها ببساطة.
كانت الاختيارات السياسية لقوى الشرق أقرب للجنون، وحين نتذكر التيارات الكبيرة نجد بداياتها أشبه بأعاصير الطبيعة، ملايين القتلى لتنفيذ شعارات سياسية معينة تم اكتشاف مضمونها الخاطئ بعد عشرات السنين وبعد خسائر الأرواح والصراعات الهائلة.
كان أغلب الشرقيين السياسيين يعتقدون أنهم يتوجهون لطرائق معينة مغايرة للغرب، فهم يعودون لأصولهم وحقائقهم المدفونة في أتربة التراث، أو هم يقفزون قفزات هائلة يعتقدون أنها تنقلهم لما وراء تطور الغرب وتتجاوزه، وهم يستعيرون خرافاتهم وأساطيرهم الفكرية ذات الحضور الكثيف في حياتهم اليومية، والممزوجة بهذا المستوى أو ذاك من “العلوم” التي يقطعونها ويمزقونها ويدخلونها في تلك العلب الضيقة، وهم معجبون بهذه العجائن أشد العجب، وفي سبيل ذلك يبنون السجون الهائلة لاستيعاب المعارضين، أو يرحلونهم للمقابر بسرعة شديدة، ويشكلون القوى العسكرية والدعائية والتنظيمية التي تكرسُ تلك المفاهيم العجائبية التحويلية للحياة المفتوحة على المآسي والخسائر وبعض التطورات الجيدة والفاسدة.
يسيطر التعصبُ للماضي، ولطرائق حياة الأجداد التي تؤخذ بسيرورتها العفوية وليس بدرسها الموضوعي، أو هم فقط يدافعون عنها كما تجري وكما تلتصق بها منجزاتٌ غربية، يتسمرون في الذهول منها، كأنها زجاجات علاءالدين، ويعتبرونها دائماً منزلة بوحي أو بإلهام ما، أو هم يدرسونها بجزئياتها، مثلما يفعل المصلحون في الورش المختلفة.
فيتحد الثوارُ الشيوعيون والقوميون وشيوخ الدين في مجرى التاريخ، فرغم اختلافهم الكبير في الحكي السياسي، يجدون أنفسهم في طريق واحد متجه رغماً عنهم في المشي وراء الغرب بعد هذا الزمن أو ذاك، بعد هذه التغييرات أو تلك.
تمت إضاعة الأرواح والموارد ونشأت حروب، ثم وجدوا أنهم متفقون، وما ضاع ضاع ولا يمكن استرداده.
كانت اختلافاتهم أجزاء من تخلفهم عن بنية الغرب، وكلما طوروا مجتمعاتهم ونقلوا الصناعات والعلوم واستوعبوها قاربوا الغرب العدو، وسقط الكثيرُ من نقاط الخلاف التي حشدوا لها الجيوش وخاضوا الحروب.
وكلما فعلوا ذلك تلاشى بعض سحب التخلف عن عيونهم ورأوا أنهم كانوا مخطئين، لكن اقساماً جديدة من بشر مجتمعاتهم تنتقل إلى الخطوط التعصبية الحماسية نفسها لمقاتلة الغرب.
إن تفكك الدول الاستبدادية الشرقية المسيطرة على الإنتاج وعلى الوعي الديني وعلى التقاليد لا يتم دفعة واحدة كذلك فإن ظهور قوى اقتصادية مستقلة وقوى شعبية ليبرالية وعقلانية لا يُنتج بشكل آلي، فلابد لها هي الأخرى من تصادمات وتجارب حتى تتكشف سببيات التطور، وتنزع اللافتات الايديولوجية المضللة، لكن قوى الجنون السياسي موجودة بل تزداد في التحولات الخطيرة وفقدان البوصلات الفكرية والسياسية، وتحدث عمليات الرجوع الأخطر إلى الماضي، وتنتشر القوى المتطرفة وتظهر الحركات النازية حتى في البلدان الاشتراكية السابقة، نظراً لهذه القلاقل والتحولات التي تعانيها الجماهير الشعبية بدرجة خاصة، من دمائها ومعاشها، فتؤيد أقصى الحلول السريعة.
كما أنه لا توجد تراكمات كبيرة عقلانية في مؤسسات الدول الحاكمة التي تربت فيها فئران المطابخ السمينة، وحين تأتي التطورات على امتيازاتها تقوم بكل شيء من أجل وقف العمليات الديمقراطية، وهي قد أعدت قوى عسكرية كثيفة لمثل هذه الأوقات.
إن القوى المؤدلجة الشعبية نفسها تعيد الاضطرابات والتحولات لعوامل خيالية، وبإسقاطات نظرية، بالقول انها خروج عن الدين والطريق المستقيم أو انها ابتعاد عن الاشتراكية أو إنها عمالة للغرب الاستعماري وغيرها من التبريرات، من دون أن تدرس الاقتصاد ومشكلاته الكبرى وآثارها في السكان والتيارات السياسية، وكيف أن ما كان صالحاً لزمن لم يعد صالحاً بل يسبب الأزمات.
مثل الدول الخليجية التي لاتزال في برامج الاستيراد المكثف للعمالة الأجنبية من دون أن ترى كثرة المواليد في بلدانها وحشود النساء العاطلات وحشود الرجال العاطلين وذوي الأجور والرواتب المنخفضة، فلا توجد لديها خطط اقتصادية مرافقة لهذه التغيرات التي تجري بسرعة وربما تتحول إلى تغير نوعي خطير.

صحيفة اخبار الخليج
1 يوليو 2009

اقرأ المزيد

تاريخنا لم يبدأ في التسعينات

يُلفت النظر في تصريحات بعض من يتصدون لملف ضحايا القمع في مرحلة قانون أمن الدولة وكذلك بعض الناشطين السياسيين التركيز على تسوية ملف من تعرضوا للأذى المعنوي والجسدي في عقد التسعينات فقط، للدرجة التي تجعل المرء يتساءل ما إذا كان القمع محصوراً في تلك الفترة، أو أن التاريخ السياسي والاحتجاجي في البحرين بدأ في التسعينات فقط، وقبل ذلك لم يكن هناك من طالب بالعدالة والحرية والتقدم والديمقراطية وناضل من أجلها، وقدم في سبيل ذلك من التضحيات الشيء الكثير: سجناً وتعذيباً وتشريداً واستشهاداً أيضاً.
ولسنا في وارد التقليل قيد أنملة من التضحيات التي قدمت في عقد التسعينات، فذكرى من قدموا حياتهم في سبيل الديمقراطية أو عانوا من السجن والمنفى في هذا العقد الأسود، الذي تخطيناه بفضل المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، محفوظة ومُقدرة في ذاكرتنا الوطنية، لكن اختزال تاريخنا الوطني في هذه الحقبة بالذات فيه نكران كبير لتضحيات أجيال مختلفة من المناضلين.
بل انه حتى مطالع التسعينات ذاتها التي يجري عنها الحديث كانت كوكبة من مناضلي جبهة التحرير الوطني يقضون عقوبة السجن لمدة خمس سنوات التي صدرت في حقهم في عام 1986، في نطاق حملة اعتقالات سقط شهيداً فيها رفيقنا الدكتور هاشم العلوي، وبعده بسنوات قليلة رحل في المنفى بصورة فاجعة رفيقنا الآخر المناضل العمالي عزيز ماشالله، الذي اعتقل في ذات العام ونُفي عن وطنه.
وتاريخ النضال الوطني في البحرين الذي جُوبه بالقمع الشديد يمتد إلى خمسينيات القرن العشرين، وهناك قائمة تطول من ضحايا هذا القمع طوال عقود من مختلف التيارات الوطنية، التي بفضل تضحياتها راكم شعبنا خبرة نضالية وسياسية مهمة.
والمسألة في الحقيقة لا تقتصر على طريقة التعاطي مع ملف ضحايا القمع، وإنما على مجمل النظرة لتاريخنا الوطني، ذلك أن جيلاً جديداً نشأ وينشأ وهو لا يعرف إلا أقل القليل عن مجمل التاريخ الوطني لشعبنا وتضحياته، معتقداً أن النضال في البحرين لم يبدأ إلا في التسعينات.
 وفي ذلك تشويه كبير لهذا التاريخ، يتطلب مثابرة من أصحابه، في المقام الأول، للتعريف به، ليس فقط من زاوية التضحيات التي اقترنت به، وإنما أيضاً من زاوية الخط الوطني الجامع والأفق الديمقراطي والتقدمي الذي أشاعه في المجتمع، والذي تحت رايته انبثقت أشكال التعبير والثقافة والفنون في افقها الديمقراطي والإنساني الذي ميز البحرين، فمن عباءة التنظيمات الوطنية والتقدمية خرج مبدعون كبار مثل قاسم حداد وعبدالله علي خليفة وعلي الشرقاوي ومجيد مرهون وسعيد العويناتي وخليل الهاشمي وخالد الهاشمي وسلمان زيمان وهدى عبدالله وغيرهم الكثير.
وما يقال عن الثقافة يقال عن الحركتين النقابية والعمالية التي اقترنت بتضحيات علي مدان وعبدالله مطيويع وعباس عواجي وحميد عواجي ومحمد المرباطي والمئات من الكوادر العمالية التي ناضلت وضحت في صمت، في سبيل نيل ما بلغته حركتنا العمالية اليوم من حقوق.
إن المعالجة الوطنية الشاملة لملف ضحايا القمع في مختلف المراحل هي رد اعتبار لمناضلي هذا الوطن ولمبدعيه ورموزه ومثقفيه الذين صنعوا مجد البحرين، وطافوا العالم حاملين اسمها.
 
صحيفة الايام
1 يوليو 2009

اقرأ المزيد

أسبوع الكرامة الإنسانية


نبت شاعر الرمزية الروسي ألكسندر بلوك من التراب بأحاسيسه الإنسانية النبيلة. وبمزيج تلك الأحاسيس قرض الشعر وهو ابن الخامسة. كان منصفاً تجاه الأشياء والكائنات والزمن. وحتى أنه أنصف التاريخ بتوزيع حياته بالتساوي بين القرنين التاسع عشر والعشرين (1880-1921) ليعايش بالقدر نفسه بشر قرنين. وقد وصف فأنصف بني جلدته حين قال: «الإنسان – حيوان.. الإنسان – نبات، وردة، فيه تتقاطع معالم القسوة المتناهية والتي تعتبر حيوانية غير إنسانية، ومعالم اللطف البدائي، الذي يعتبر نباتياً وغير إنساني هو الآخر». وإذا كانت هذه المعالم تتقاطع في الإنسان الواحد فإنها أيضا تتقاطع في جموعه، في المجتمع. هناك الجلاد والضحية وهناك المستغِل والمستغَل.
أما أي كرامة وأية قيمة؟ فيجيبنا شاعر آخر عاش في زمان بلوك نفسه، هو الروائي والرومانسي الإنجليزي توماس هاردي (1840-1928)، بأنها ليست تلك الناجمة عن المظهرية الزائفة التي تفرضها الطقوس المجتمعية، بل: «في الحق والشرف والعدالة والطهر والاسم الطيب». وبين ثنائيات هذه المتناقضات يضنيك البحث عن الكرامة الإنسانية، ناهيك عن تحقيقها.
البحث عن الكرامو هو ما دارت حوله أنشطة ثلاثة جرت الأسبوع الماضي في مملكة البحرين. المنبر الديمقراطي التقدمي أقام حفلاً تأبينياً، ودفعة واحدة لأربعة من مناضليه ومناضلي الحركة الوطنية والعمالية. لقد اختطفهم الموت في الأشهر القريبة الماضية، لكنهم من أجيال مختلفة. ما يجمعهم هو أن كلا منهم رحل وفي الحلق غصة. المناضل جعفر الصياد تذكره الحركة العمالية اليوم وهي تناضل موحدة الصفوف ضد آثار الأزمة الاقتصادية العامة. فالصياد كان من بين منظمي أوائل إضرابات عمال شركة نفط البحرين (بابكو) دفاعاً عن مصالحهم في وجه الشركة التي كانت تمثل دولة داخل الدولة. وتذكره الحركة السياسية باعتباره حضر أول اجتماع لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية في 15 فبراير/ شباط ,1955 حيث يشكل المنبر التقدمي الامتداد التاريخي والفكري للجبهة التي مثلت حزب الطبقة العاملة وكادحي العمل العضلي والفكري. عانى جعفر الصياد من الاعتقال والتعذيب النفسي والجسدي والتشرد والمحاربة في لقمة العيش. ثم رحل بالصمت الذي عرف عنه لتواضعه، والصمت الذي لايزال يقابل به عهد الإصلاح مآثر الذين أفنوا حياتهم في مناهضة الاستعمار البريطاني ومن أجل الاستقلال الوطني والإصلاحات الديمقراطية. وابن المنبر مناضل الجبهة والحركة العمالية القديم منصور أوال. في العام 2001 حضر منصور المؤتمر التأسيسي للمنبر التقدمي مدفوعاً على كرسي الإعاقة التي لم تمنعه من الإسهام في ذلك الحدث الكبير. ومن قدامى المناضلين المؤبنين كان سلمان علي سلمان الذي شكلت عائلته حاملاً متصلاً لتقاليد النضال الوطني والعمالي، وشكل سلمان منذ الستينات نموذجاً للمناضل والنقابي العنيد الذي عانى وإخوته الحرمان من الجنسية لسنوات طوال. وكان أصغر المؤبنين المناضل وحيد الموسوي الذي رحل باكراً بعد أن أسهم بقسطه في النضالات الطلابية والشبيبية والعمالية والحزبية فنال قسطه من المضايقات وما اقتضته ظروف النضال السرية.
في كلماتهم كشف ذوو المؤبنين كثيراً مما لا نعرفه عن حياتهم الإنسانية الداخلية وعن الضيم الذي لحق بأسرهم وذويهم بدافع الانتقام ليس إلا. رحل الأربعة كما رحل غيرهم من دون أن ترد لهم الدولة الاعتبار ضمن مشروع حقيقي للمصالحة الوطنية القائمة على مبادئ العدالة والإنصاف. المحامي محمد علي سلمان ختم كلمته التأبينية لأخيه المناضل سلمان بكلمات المناضل نيلسون مانديلا: «نستطيع أن نغفر، لكننا لا نستطيع أن ننسى».
ولعل هذا القول كان بمثابة تدشين للاعتصام الجماهيري الذي جرى الجمعة الماضية احتفاء باليوم العالمي لمناهضة التعذيب بتنظيم التحالف من أجل الإنصاف والعدالة. جدد المعتصمون دعوتهم التي أطلقوها منذ تأسيس التحالف إلى «ضرورة تشكيل لجنة وطنية تضم في عضويتها شخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة لجبر ضرر الذين تعرضوا لانتهاكات في مرحلة قانون أمن الدولة»، وبإلغاء القانون 56 الذي يمنح الحصانة لمن ارتكب أعمال التعذيب. لقد صدّقت مملكة البحرين على اتفاقية مناهضة التعذيب العام .1998 وبموجب المادتين 13 و,14 فإن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم. لكن الدعوة إلى مقاضاة من ارتكبها وإدانة أفعالهم لا تأتي بهدف الانتقام إذ لا أحد يطالب بتطبيق عقوبة بقدر ما يطالب بإنصاف المظلوم وتعويضه وإنصاف التاريخ نفسه. بمثل هذه الطريقة فقط يمكن أن نعيد للكرامة الإنسانية وجهها وعناها الحقيقيين.
النشاط الثالث لصون الكرامة الإنسانية تمثل في مسيرة يوم الجمعة الجماهيرية التي نظمها الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين وجمعية المصرفيين من أجل عودة موظفي المصارف المفصولين من أعمالهم، وخصوصاً موظفي بنك الخليج الدولي، ووقف موجات الفصل المتتالية التي تقدم عليها المصارف والمؤسسات المالية والشركات المختلفة. مرّت المسيرة بين المباني العملاقة والفاخرة التي تضم المصارف والمؤسسات الاقتصادية المختلفة. ولم تكن هتافات المتظاهرين المدوية عبر مكبرات الصوت تراعي الهشاشة التي أصبحت عليها تلك المباني فغدت «آيلة للسقوط». لقد ضاعف فشل إدارات هذه المؤسسات من تأثير الأزمة العالمية عليها. الغريب في الأمر أن المؤسسات تعلن تباعاً عن استمرارها في تحقيق مزيد من الأرباح وعن أن الأزمة لم تطلها بينما تستمر في فصل مزيد من موظفيها. أما الواقع فيقول إن الذين لم يثبتوا جدارة في إدارة المؤسسات المالية يتمتعون اليوم بوفورات مالية كبيرة حققوها في السنوات الماضية ولايزالون يحتفظون بامتيازاتهم، بينما ضحايا الأزمة هم متوسطو وصغار موظفي تلك المؤسسات.
العمل حق وواجب. هكذا يقول الدستور. والعمل اللائق والحياة الكريمة هما من أبسط مقومات الكرامة الإنسانية. هكذا تقول شرائع حقوق الإنسان الدولية والوطنية. فلا كرامة مع البطالة، ولا كرامة مع الفقر، بالضبط كما لا كرامة مع التعذيب ولا كرامة مع غياب العدالة والإنصاف واحترام التاريخ
.

اقرأ المزيد

الانتخابات الإيرانية والأمل الكاذب


في ظل هذه النتائج المخيبة للآمال لتيارات داخلية وقوى خارجية يولد السؤال القديم – الجديد. لماذا الرهان على انتصار قوى أخرى خارج النظام في ظل نظام انتخابي من هذا النمط؟ هل بإمكان أي نظام انتخابي أن يكون نزيها وعادلا وموثوقاً في مصداقيته دون وجود رقابة دولية؟ لماذا تخاف الدول الواثقة من نظامها الداخلي من وجود مرجعية دولية للإشراف الانتخابي؟ لماذا تنتظر النجاح القوى المضادة للباسيج والمحافظين في ظل زمام أمور غليظة ومتشددة وميليشيات مسلحة مدربة ومصانة من السلطات؟ ما فائدة معارضة سياسية لا تمتلك حقوق كاملة دستوريا وانتخابيا ومحاصرة قضائيا وروحيا؟ هل بإمكان الإصلاحيين أن يحسموا الوضع الداخلي الإيراني عن طريق الإعلام وحده؟ ما فائدة طهران وحدها في معركة انتخابية وسياسية؟ هل بعد هذه النتائج المحبطة للآمال وخيبة الأمل الكبرى بإمكاننا القول إن مشروع مجاهدي خلق هو البديل لصناديق الاقتراع؟ مثل هذا السؤال يولد مع كل هزيمة سياسية وسلمية خاصة بين أوساط الشباب «الذين بلغ بهم الإحساس باليأس في تغيير النظام من داخله بطريقة انتخابية» فكل مشاريع محمد خاتمي السابقة وأفكاره خذلته بعملية الارتطام الصخري وتدمر الوعي المجتمعي في إيران بحقيقة واحدة ولدت مع أكثر من دورة انتخابية برهنت فيها المرجعية –والمفترض فيها الحياد التام– ميولها البارزة مع تيار المحافظين وان رددت قولا بأنها لا تتدخل في مثل هذه الشؤون الانتخابية غير إن الاتجاه العام والخطب والاستشارات وترديد بعض الجمل كلها توحي «بأنها مع الخط الرسالي مع الثورة الإسلامية» والتي برزت مع صعود نجاد الذي ركز على استنهاض النفور الثوري للثورة الخمينية والتي مع مرور الوقت أصيبت بنوع من التراخي وكان الاصطلاحيون هم وجهها الجديد البشع. مثل تلك التوصيفات المستمرة للإصلاحيين والغرب والإعلام العالمي بات صبحا ومساء بمثابة «الصلاة السياسية للساسة وإعلام المحافظين» والتهمة الجاهزة لكل المناهضين لطبيعة النظام السياسي. لقد صب المرشد الأعلى في خطبته الزيت على النار «حاسما بالقول الفصل انتصار احمدي نجاد كممثل للشعب الأكثر نقاء سياسيا للثورة ورسالتها التاريخية» بتلك الخطبة ثبّت أركان احمدي نجاد كرئيس للدورة الثانية مسدلا الستار على مسرحية بدت أكثر ضياعا وانفعالا وخيبة أمل لمن توقع أن إيران نضجت للخروج من شرنقة وهيمنة نظام روحي يتلبس العصرية ويمضي بنهجه وطريقته في صناعة التاريخ!! هكذا يتوهم الخصوم انتصاراً سريعاً وهكذا يتوهم النظام السائد انه ابدي في موقعه وسطوته وجديد في ديمقراطيته الخاصة والخالصة بنقاء تاريخ لم يدنس من الغرب الملوث بانتهاء الأخلاقية. من يفكك جمل الخطب ويغوص فيها «ومن جوانبها الإيديولوجية» يصل في نهاية استنتاجه إلى مسألة مهمة تتعلق بفكر هذا النظام وروحه وبأنه يشق طريقا خاصا به وسيكون درسا للشعوب والعالم. إذ تصبح ديمقراطية الباسيج والمليشيات المتربعة على أعناق الناس وصوتهم هي التعبير الحر والجديد عن تلك الديمقراطية المثلى!! «وكل نقد يأتي من الخارج لن يكون إلا صوتا معاديا ومتآمرا وكريها ويحفر لهدم النظام وإنهائه». بهذا الحكم العام والاجتماعي على النقد والحقيقة للداخل الإيراني «تتحول الشعوب وأقلامها الحرة» إما أنها مضادة للثورة أو أنها معها بشكل أعمى ودماغ مغسول وظيفته إعادة ترديد الهتافات وتعبئة الشارع المتوتر بروح العداء المستبطن والمتحفز. في يوم خطبة الجمعة التاريخي للمرجع الأعلى تحولت طهران إلى «ساحة اسبانية» ولكنها بخرق خضراء «محاطة بجمهور هائج ومستعد للذهاب بعيدا» دون أن يلتزم الجميع الصمت ويستحكمون للعقل والمنطق ودون القبول بمؤثرات أخرى مهما كان حجمها ومرجعيتها ولكن الثقافة والتربية الإيرانية التي تشبع بها الجيل الثالث والرابع من ولادة الثورة الإسلامية؛ انقلب إلى «آلة إنسانية» يعاد تشغيلها وشحنها بطريقة ميكانيكية «حتى طريقة الانتخابات لدى الجانبين تؤكد على أن خيارات الانتخابات كانت دعائية محضة وترتكز على تضخيم الحقائق وإخفاء الحقائق بحجة مفردة الأعداء» فيما راح أنصار مير حسين موسوي يرقصون منتشين بحماسهم الشبابي وضغوطاتهم الاجتماعية «أكثر من وعيهم السياسي» وإبراز حاجتهم لمزيد من الحريات الشخصية والحياتية «فليس في نية أنصار موسوي ولا وعيهم العميق يبرز إدراكا لمعنى تجذر الإيديولوجية الدينية الراسخة في بنية نظام متسلط على شخصيتهم الروحية والفردية» بل ويجرهم إلى سياسات خارجية وعزلة دولية تؤثر على تطلعاتهم وعلاقاتهم بالمجتمع الدولي. كل ما يسعد الشباب هو ذلك الإطار الحضاري المعاصر. فما يبرزه الشارع السياسي في لحظة تاريخية ما قد يكون انعكاسا مشوها في مرآة مهشمة ومفتتة إلى فسيفساء.

اقرأ المزيد

الإعلام الخليجي ظاهرة عربية


لو جلنا بنظرنا في الفضائيات العربية لوجدنا أن أكثرها صيتاً وتأثيراً ومشاهدة هي فضائيات خليجية، أو ممولة بالمال الخليجي. ويمكن سوق الأمثلة الكثيرة على ذلك، فعلى الصعيد الإخباري هناك قناة «الجزيرة» القطرية، و«العربية» السعودية التي تبث من دبي ضمن شبكة إم. بي .سي التي تنضوي تحت مظلتها عدد من القنوات المنوعة، ويمكن قول شيء مشابه عن قنوات «أي آر تي» و«أوربت»، بل أن المال الخليجي أصبح شريكاً في عدد من الفضائيات اللبنانية الشهيرة وحتى المصرية. وبطبيعة الحال فان هذه الفضائيات ليست موجهة للجمهور في بلدان الخليج فقط، وإنما هي تخاطب الملايين من العرب في المشرق وفي المغرب، وفي المهاجر أيضاً. وما يقال عن المحطات التلفزيونية يمكن أن يقال عن الصحافة، فكبريات الصحف العربية ذات التوزيع الواسع مملوكة لرأسمال خليجي، وفي الكويت والإمارات تصدر عدد من الصحف المرموقة ذات المستوى المهني والتقني العالي. وحتى في البحرين، على صغر مساحتها وإمكانياتها المادية الأقل قياساً بنظيراتها الخليجيات، فان هناك فورة صحافية في شكل إصدارات جديدة للصحف، وهي ظاهرة أعلت من سقف الحريات الصحافية والإعلامية عامة. لكن يظل السؤال: الى أي مدى أدت هذه النهضة الإعلامية عامةً في النهوض بالوضع الثقافي، وأسهمت في تقديم الخدمة الثقافية المنتظرة منها؟ الحق أن هذا الانفجار الإعلامي الواسع، الذي يسرتهُ الوفرة المالية الهائلة في بلدان المنطقة، والرغبة في محاكاة الإمبراطوريات الإعلامية في عالم اليوم التي تعتمد الاستثمار في الإعلام شكلا ًمن أشكال صنع الثروة، لا يمكن له إلا أن يضع متطلبات الاستثمار والسوق، بالاعتماد على الإعلان مصدراً رئيسيا لتحقيق الأرباح، والسعي لاستقطاب المشاهدين والمتلقين عن طريق البرامج الترفيهية والغنائية والرياضية بطبيعة الحال التي لها من التأثير، ما جعل الكثير من المحطات تخصص لها قنوات مستقلة. في كتابه: «عصر الجماهير الغفيرة» يلاحظ الباحث الرصين د. جلال أمين، أن أصل الظاهرة التلفزيونية التي تجتاح منطقتنا كما تجتاح مناطق أخرى، يعود إلى شيوع الثقافة الاستهلاكية التي يرى أن مصدرها الأساسي هو الولايات المتحدة الأمريكية، وهو هنا لا يقدم خطاباً هجائياً، وإنما تحليلاً موضوعياً، فهو لا يقلل من شأن الانتقادات التي وجهت لهذا النوع من «الثقافة»، لكنه يدعونا أن ننظر إلى هذا النمط على انه استجابة لمتطلبات الرجل العادي والمرأة العادية أو الرجل المتوسط والمرأة المتوسطة أو بعبارة أخرى استجابة لمتطلبات الجماهير الغفيرة. يسعفنا هذا على تتبع ما تقدمه أجهزتنا الإعلامية، وفي مقدمتها التلفزيون. فهي تقدم الثقافة الخاصة بها، ثقافة الإنسان العادي أو المتوسط، ولأن أكثر القنوات مشاهدة ليست تابعة للحكومات، لأن الناس تنفر عادة من مثل هذا النوع من القنوات لفجاجة ترويجها للخطاب الرسمي، فإننا لا ننتظر من محطات خاصة قائمة على مفهوم الربحية والنظر إلى الإعلام بوصفه حقلاً استثمارياً بامتياز، أن تقدم المنتوج الثقافي أو نماذج الثقافة الرفيعة، فمثل هذه المهام مناطة بإعلام موجه من الدول، إذا كانت هذه الدول تملك استراتيجيات للتنمية الثقافية. وهذا هو السؤال الكبير.
 

اقرأ المزيد