المنشور

التسريحات العمالية والمسؤولية الرسمية

طافت شوارع المنطقة الدبلوماسية منذ أسبوعين مسيرة عمالية حاشدة دعا لها الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين ونقابة المصرفيين للتضامن مع المفصولين من بنك الخليج الدولي وبقية الشركات الأخرى، حيث عبرت شعاراتها عن مخاوف وقلق حقيقي يستدعي تلاحم الجسد العمالي الذي تنتظره على ما يبدو أيام نرجو أن لا تكون عصيبة، حيث تم توجيه النقد لصمت الجانب الرسمي على ما يجري، من عمليات فصل تعسفي بحق العمالة البحرينية، وكل ذلك تحت شعار فضفاض عنوانه تداعيات الأزمة الاقتصادية. وبحسب تصريح الأمين العام للإتحاد السيد سلمان المحفوظ، طالت التسريحات حتى الآن أكثر من 230 موظفا، ولا توجد سوى تطمينات رسمية تصمد كثيرا ، الذي ربما يفسر من قبل إدارات تلك الشركات والبنوك المتربصة بعمالتنا الوطنية، على أنه استسلام لواقع وتداعيات الأزمة المالية التي أضحت تعلق عليها الكثير من الظلامات بحق طبقتنا العاملة البحرينية في مختلف المواقع، فسكوت الجهات الرسمية المعنية كفيل بأن يخلق أزمة اجتماعية أكبر، فيما لو تم التساهل مع ما يجري، وسوف يعيد أزمة البطالة مجددا، وبات يحتاج إلى معالجات موضوعية، تراعى من خلالها مصالح الأطراف جميعها، من دون أن تكون عمالتنا الوطنية هي الحلقة الأضعف فيها. فعلى الرغم من إعلان الكثير من تلك المؤسسات والبنوك عن سلامة أوضاعها المالية وإعلانها عن أرباح قياسية مقارنة بذات الفترة من العام الماضي، كما هو الحال مع بنك الخليج الدولي على سبيل المثال، الذي ارجع أسباب ارتفاع أرباحه تلك لأسباب إنهاء البنك لنشاطه في مجال المتاجرة بالأسهم، ومرجعا سبب تراجع إيرادات الفوائد لديه لسبب تخفيض سياسة المخاطر في ظل الأزمة المالية العالمية الحادة، وكذلك بسبب بعض السياسات الاستثمارية والإدارية التي اتخذتها الإدارة التنفيذية، والتي من الواضح أن ليس للعاملين أي ذنب فيها، مما يطرح تساؤلا حول مدى الكفاءة التي هي احد الشروط المطلوبة للترخيص لتلك المؤسسات! ولا يمكن إقناعنا بأن مجرد التخلص من 59 موظفا بينهم 37 موظفا بحرينيا ممن خدموا لعقود طويلة، وأعطوا من عمرهم وجهودهم لزيادة الأرباح سنة بعد أخرى هو المخرج المتاح من تداعيات الأزمة المالية. والمسؤولية تبقى مشتركة بين إدارات تلك البنوك والشركات والجهات الرسمية المعنية مباشرة ، حيث أصبح معلوما أنه كثيرا ما تترتب بناءً على قرارات إدارية مغامرة أحيانا سواء في الاستثمار أو المتاجرة بأدوات استثمارية معينة عدة أخطار ونتائج كثيرا ما تكون وخيمة، ولها انعكاسات سلبية تتجاوز بكل تأكيد معدلات الربح والخسارة إلى ما هو ابعد من ذلك، تصل إلى حد الأضرار بسمعة وبيئة الاستثمار ذاتها، بل هي تطرح تساؤلات حول طبيعة الجوانب الرقابية ومدى ملائمة التشريعات، وما يعنيه ذلك من تداعيات إدارية على العاملين في تلك المؤسسات بشكل مباشر كما يحدث حاليا مع موجة التسريحات . فوزارة العمل مثلا ورغم المحاذير المرتبطة بطبيعة عملها، تبقى بكل تأكيد مطالبة بدور أكبر لحماية العمالة الوطنية بشكل أكثر بحيث يشكل ذلك الدور رادعا أمام تلك المؤسسات التي ربما تستمرئ المضي قدما في تسريح أعداد متزايدة من موظفيها المواطنين، فيما تبقي تلك المؤسسات على عمالتها الأجنبية ذات الامتيازات العالية والرواتب الكبيرة، لتكون الضحايا في غالبيتهم من المواطنين على عكس ما يوفره قانون العمل من إجراءات تنظيمية في هذا الشأن، لكنها ليست محل التزام من قبل تلك المؤسسات ويمكن لوزارة العمل أن تعرف أدق تفاصيل التوظيف والأجور لديها وزيادات وترقيات الموظفين فيها بكل سهولة، والمسألة هنا لا تنحصر فقط في المؤسسات المالية بل تتعداها إلى العديد من الشركات العاملة واسألوا الموظفين البحرينيين في تلك المؤسسات وما يعانونه من مضايقات ، فيما تذهب الترقيات والامتيازات وحسن المعاملة لصالح الموظفين الأجانب في غياب الرقابة الرادعة لتلك الممارسات بحق عمالتنا الوطنية.
 
صحيفة الايام
19 يوليو 2009

اقرأ المزيد

أشباح الموت التي‮ ‬تطارد العراقيين‮!‬

مجازر بشرية بالجملة تلك التي‮ ‬نفذتها مجموعات الغدر الدموي‮ ‬في‮ ‬العراق خلال الشهرين الفائتين والتي‮ ‬راح ضحيتها أكثر من ‮٠٠٤ ‬قتيل وآلاف الجرحى في‮ ‬شهر‮ ‬يونيه الماضي‮ ‬فقط‮.‬ تنتقل فرق الموت لسفك الدماء ونثر الأشلاء ونشر الدمار والترميل والتيتيم،‮ ‬من بغداد وجوارها إلى كركوك والموصل،‮ ‬حيث‮ ‘‬يُزف عرسان‮’ ‬الدم مخفورون بوعد آبائهم الروحيين القابعين في‮ ‬أماكن آمنة‮ ‬يعيشون ويتنعمون بحياتهم الرغيدة،‮ ‬فتندفع تلك القرابين الموعودة بشاحنات ضخمة محملة بمئات الكيلوغرامات من المواد شديدة الانفجار،‮ ‬صوب أحد الأسواق الشعبية الفقيرة،‮ ‬أو أحد المطاعم الشعبية التي‮ ‬يؤمها البؤساء،‮ ‬أو نحو مرآب عمومي‮ ‬في‮ ‬ساحة مفتوحة لتجمع الحافلات وسيارات النقل العام،‮ ‬حيث ملتقى الكادحين القادمين أو المتوجهين إلى أعمالهم أو لقضاء حاجاتهم،‮ ‬أو نحو أحد أسواق بيع الطيور التي‮ ‬عادة ما تزدحم بالبسطاء الذين‮ ‬يتكسبون من هذه التجارة البسيطة التي‮ ‬تنتمي‮ ‬إلى طور متقدم نسبياً‮ ‬من الاقتصاد الطبيعي‮ ‬الذي‮ ‬أنشأته الجماعة البشرية في‮ ‬عصورها المبكرة‮.‬ يندفع ذلكم المسحور‮ (‬أو المسعور،‮ ‬لا فرق‮) ‬بشاحنته المحشوة بكل ذلكم الخزين الهائل من الكراهية والحقد الدفين للآخر المختلف،‮ ‬والمملوءة‮ (‬مادياً‮ ‬هذه المرة‮) ‬عن آخرها‮ ‘‬بعناقيد‮’ ‬الموت،‮ ‬صوب حشود البؤس‮ ‘‬الفوَّار‮’‬،‮ ‬فتحيلها في‮ ‬ثوانٍ‮ ‬معدودات إلى مقصب جهنمي‮ ‬زاخر بذبائحه وأجزائها المتطايرة والمتناثرة ورائحة الدم المسفوح على الأرصفة الصماء المتآلفة بسخونتها مع حرارته ولزوجته‮ ‘‬الندية‮’ .. ‬فيشيع الصمم والخرس،‮ ‬تعبيراً‮ ‬عن قمة الصدمة المرعبة،‮ ‬في‮ ‬نفوس المارة والنظَّارة الذين قادتهم أقدارهم في‮ ‬تلك اللحظة المجنونة إلى ذلكم الرعب،‮ ‬فلكأني‮ ‬بهم،‮ ‬وقد صُعقوا من هول المشهد الذي‮ ‬داهمهم،‮ ‬قد شعروا أن الزمن قد توقف عندهم‮!‬ والغريب أن أساتذة وتلاميذ هذا‮ ‘‬المحفل‮’ ‬التدميري‮ ‬لا‮ ‬يذيعون شيئاً‮ ‬ولا‮ ‬يتحدثون إطلاقاً‮ ‬عن عملياتهم التدميرية هذه،‮ ‬ولا عن منفذيها الذين‮ ‬يُفترض أن‮ ‬يُقدَّموا لجمهور الدهماء المغوي‮ ‬بمحاسن وعظيم فضائل خطابهم التدميري،‮ ‬كأبطال وشهداء،‮ ‬من أجل إيقاع التأثير المطلوب في‮ ‬نفوس العامة لاسيما الشباب الغض المستهدف أدلجةً‮ ‬وتنظيماً‮ ‬وتعبئةً‮ ‬وتوظيفاً‮.‬ ولكن أمراء وشيوخ هذا التنظيم السري‮ ‬شاءت،‮ ‬على ما هو ظاهر،‮ ‬الفتوى بالتضحية بهذا الجانب ومكاسبه،‮ ‬في‮ ‬سبيل المحافظة على‮ ‘‬عناقيد‮’ ‬التنظيم وخطوط اتصالاته وإمداداته‮. ‬فاستعاضوا عن ذلك بالتعامل بمنتهى الكتمان والسرية مع سرايا الشباب الذين تقذف بهم قيادات التنظيم وشيوخه وسط النار والذين‮ ‬يلقون حتفهم،‮ ‬وذلك بإيصال رسالة موجزة إلى أهلهم أو ذويهم مفادها أن فلاناً‮ ‬قد قضى شهيداً‮ ‬في‮ ‬سبيل الله‮.‬ في‮ ‬الجانب الآخر من الصورة نرى التبلد الشعوري‮ ‬وقد أطبق على كافة ملكات الحس الإنساني‮ ‬فلا‮ ‬يكاد المرء‮ ‬يلحظ زفرة‮ ‬غضب أو احتجاج أو حتى التفاتة تنم عن أن الحواس الإنسانية لازالت حاضرة ولم تمت بعد‮. ‬ينطبق هذا على أعضاء المؤسسة الرسمية العربية وعلى مختلف التشكيلات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني‮ ‬غير الحكومية بنفس القدر الذي‮ ‬ينطبق على النظام الدولي،‮ ‬كدول فاعلة ودول مشاركة وأخرى مواكبة ومتلقية،‮ ‬وكمؤسسات دولية‮.‬ فلا أحد من كل هؤلاء الأعضاء‮ ‬يعير اهتماماً‮ ‬لهذه المجازر الجماعية المتوالية،‮ ‬ولكأنها أحداث تجري‮ ‬في‮ ‬كوكب آخر لا علاقة للجميع به لا من قريب ولا من بعيد،‮ ‬أو لكأنها حوادث فردية متفرقة سرعان ما‮ ‬ينتهي‮ ‬أمرها وأمر من‮ ‬يقفون وراءها‮.‬ بل ربما كان تواليها سبباً‮ ‬في‮ ‬نفض الجميع‮ ‬يده منها وابتعادهم عنها‮ ‬يأساً‮ ‬من عبث محاولات وضع حد لها،‮ ‬على النحو الذي‮ ‬أضحت معه الحرب في‮ ‬الصومال ومثلها من المناطق التي‮ ‬تردت إلى أتون الفوضى،‮ ‬حروباً‮ ‬ومناطق منسية،‮ ‬طالما أضحت الأوضاع فيها عصية على الانصلاح‮.. ‬ربما‮!
 
صحيفة الوطن
18 يوليو 2009

اقرأ المزيد

عدن شرارة التغيير

بين عدن وصنعاء مسافة كبيرة، مسافة الحلم والكابوس.
عدن الحداثة والميناء المفتوح على الحضارة، والجديد، وصنعاء عاصمة الداخل المستريب من كل جديد.
منذ عقود القرن العشرين الأولى وعدن تنقلُ ما هو جديد من جرائد وسينما وعلاقات إلى الداخل اليمني، وتحاول أن تعيد تحديثه.
وصنعاء تلتفُ على العلاقات القديمة وتغزلُ منها قيوداً تـُعيشُ القبائلَ في العصور القديمة.
كان رمزها الأول الإمامة، مثلما ضحكوا على الناس بالدين والتقوى ليسيطروا عليهم ويقتاتوا على معاشهم، ويجعلونهم في عالم القات.
ترى مأساة اليمن في مآسي أدبائها، فهم أكثر مأساوية من أدباء وفناني البحرين، لا أحد منهم عاش سعيداً، فهذا عاجز مريض مشلول، وذاك مخطوف موتاً في شبابه، وذاك محترق في طائرة وهو في نصف مشوار كتابته ويحمل مخطوطاته لينشرها في الخارج!
أدباء يموتون بسرعة غريبة ضوئية مثل الشهب، وكتبهم غير منشورة، أو تائهة في المطابع، مثل حياتهم في تشرد وغربة وعذابات والأفراح وامضة.
أوضاع التخلف السائدة الرهيبة تجعلهم في حالة فوضى، ولكنهم متشبثون بالحياة والتغيير، مثل تلك الصحيفة الممنوعة في كل العهود الجنوبية والشمالية، القومية والاشتراكية والجمهورية، ولم تحصل على ترخيص سوى في عهد السلاطين، ولا تزال تصدرُ وتـُصادر!
شعب الأسطورة والخرافة والثورة والغربة.
التنوير والليبرالية والفكر التقدمي بذورٌ صغيرة فيه لكنها فاعلة، فالقبائل على تخلفها تواقة للتغيير، تريد الانفلات من عيش صعب ومن قيود صدئة، وحالما تسوء أوضاعها، وتتشبث الحكوماتُ بتخلفها وامتيازاتها وسوء إداراتها حتى تتحول الجبال إلى لهب.
وعدن تستلهم الأفكار الجديدة، وتضعها في أحزاب وجرائد ومناضلين ومقاه وعلاقات فتبدل حالة اليمن ككل. لكن يبقى المفتاح في الشمال، في يد صنعاء هي التي تقرر نهاية المطاف السياسي.
عدن هي النافذة وصنعاء هي الفضاء.
عدن هي التغيير وصنعاء هي المحافظة.
عدن هي البيرة وصنعاء هي القات.
مأساة الوضع الراهن أن صنعاء غير قابلة للمضي مع قافلة التغيير العالمية، لقد صُنعت الوحدة في بداية النظام العالمي الجديد الذي أكد الديمقراطية والتعددية وانتهاء عصر الحزب الواحد والرئيس الواحد الأبدي، وكانت عدن هي السباقة في وضع الحكم الوطني كله في يد صنعاء، لكن صنعاء خطفت الكرسي للأبد!
لم يصبر سياسيو عدن لاكتشاف ملامح الزمن الجديد وأسرعوا.
تنازلتْ عدن عن أشياء كثيرة، وسكتتْ عن الأخطاء الكبيرة على مضض، لكن صنعاء واصلت وضع كل الامتيازات لها، وجعلت من مواطني الجنوب درجة ثانية، وجعلتْ من موارد الجنوب النفطية والاقتصادية التي هي موارد البلد موارد الشمال فقط.
أهل الجنوب لم يصلوا الى طرح مطلب الانفصال الخاطئ إلا بعد أن سُدت أمامهم أبواب الإصلاح، وتركزت السلطات في الشمال ولم يحصلوا على ممر صحيح للتغيير.
وبدلاً من تجميع كل القوى المتضررة من الوضع في جبهة وطنية يمنية طـُرحت مسألة الانفصال، وبدلاً من تجميع كل القوى لتغيير التفرد ونهج الهيمنة في العاصمة للبلد الموحدة أعادوا الأمور للوراء، فالأسهل دائماً هو القفزة في الهواء، وليس عملية التوحيد المضنية على الأرض الحقيقية الصعبة.
لكن عدن أثبتت أنها ذات جذور حضارية ديمقراطية أعمق، وأن التراكمات النضالية التحديثية على مدى القرن الماضي لم تذهب سدى، وأن من صنعوا الجرائد وأنشأوا المطابع ودور السينما والمنظمات والثقافة، ومن قادوا التحرير الوطني يواصلون النضال لتحرير البلد من الإقطاع السياسي المناطقي ومن الإقطاع الديني.
وإذا تواصلت عمليات العنف والتعطيل للاقتصاد فإن الجميع سوف يخسر ولن يعود هناك شمال وجنوب بل ستكون فسيفساء ممزقة لأقاليم لا أحد يعرف الآن عددها.
لا بد لصنعاء أن تأخذ شيئاً كبيراً من حداثة عدن.
لا بد لصنعاء أن تنتمي الى عصر الديمقراطية وتسرح هذا الجيش الكبير النازف للاقتصاد وتكتفي بقوة صغيرة مع شعب يحميها ويدافع عنها.
لا بد لصنعاء أن تعيش عصر الآلة والمصانع وحرية النساء وأن تكون عدن أخرى.
حراك عدن يعني ضرورة التغيير.
حراك الجنوب يريد صيغة جديدة من يمن جديد.
حراك عدن يهدف إلى بلد ديمقراطية مختلفة ولا بد أن يزول زمن العسكر الجمهوري، ومخلفات الإمامة، وتظهر يمن حداثية لا يهاجر شعبها لطلب الرزق، بل تتفجر فيها موارد العيش للجميع!

صحيفة اخبار الخليج
18 يوليو 2009

اقرأ المزيد

حبور

مثل هذا لن يقع ينصحنا فريدريك نيتشه بالتالي: عندما نقرأ لكاتبٍ يتسم أسلوبه بالاقتضاب الخاطف وبالهدوء والنضج بأن نتوقف أمامه ملياً، بأن نقيم عيدا طويلا وسط الصحراء، ذلك أن حبورا مماثلا لهذا الذي يبعثه هذا الكاتب في نفوسنا لن يقع لفترة طويلة. هذه النصيحة تصح على كل كاتب مفكر مثله. العودة إليه لا تبعث على الملل، وفي كل مرة نعود إليه ونقرأ ذلك الإيجاز والتكثيف المدهش الأشبه بالحكم أو الأقوال المأثورة نُصاب بذلك الاهتزاز الناجم عن ضربات فوق رؤوسنا كما كان هو نفسه قد وصف الكتابات المتميزة التي تصيبنا بالدوران، أو تلك التي تحطم الجليد المتجمد دواخلنا بفأس كما كان كافكا قد قال مرة. د. محمد عضيمة فعل ما فعله كثيرون غيره من المترجمين العرب، فاختار مقتطفات من أقوال نيتشه تنطبق عليها الأوصاف أعلاه وجمعها بين دفتي كتاب وضع له العنوان التالي:” ما وراء الخير والشر”، متعمداً الانطلاق من المقولتين الفلسفيتين اللتين استحوذتا على ذهن هذا الفيلسوف الباعث على الفضول والإرباك. عند كل جملة أو عبارة أو فقرة في “المختارات” التي جمعها المترجم يمكن الوقوف طويلاً، وإقامة عيد وسط الصحراء، ذلك أن حبورا كهذا الذي تثيره في نفوسنا لن يتكرر كثيرا وقريبا. فلكل كلمة يقولها رائحتها، هناك انسجام وتنافر بين الروائح، ومثلها يوجد بين الكلمات. لذا فان نيتشه يتعهد بأنه لن يقرأ لأي كاتب أراد تأليف كتاب، بل سيقرأ فقط لأولئك الذين تجلت أفكارهم فجأة على شكل كتاب، وهو يقدم ما يشبه الموعظة لمن يدعوهم “الكتاب الشباب” الذين يجهلون أن التعبير الجيد والفكرة الجيدة لا يعطيان نتيجة جيدة إلا داخل إطار ما يشبههما، ويجهلون أيضا أن استشهادا ممتازا يمكن أن يلغي صفحات بكاملها، لا بل قد يلغي الكتاب بأكمله، منبهاً القارئ، كأنما يتوجه إليه صارخاً: انتبه إنني حجر الأساس، وكل ما يحيط بي خروق باهتة وخسيسة. يمكن لعبارة ما مأخوذة بشكل منفرد أن تكون جيدة، قوية، لأنه ربما تكون قد وجدت وحدها سياقا عندما انهمرت على الكاتب أولى اشراقات الفكر. والفكرة العميقة التي تقال بسطحية تكف عن أن تكون عميقة وهي تصل للقارئ، لأنك إذا تصحح الأسلوب فإنما تقوم أساسا بتصحيح الفكرة .
 
صحيفة الايام
18 يوليو 2009

اقرأ المزيد

الحكم الصالح…!


أرجو ألا يسبب الكلام في شأن موضوع الحكم الصالح والمؤشرات التي أصدرها مؤخراً البنك الدولي، أي نوع من الحساسية خاصة لدى الذين ألفناهم شديدي الحساسية حيال كل شيء.. وأي شيء.. ونعلم جيداً أن مفهوم الحكم الصالح في عموم المنطقة العربية لم يتبلور بعد، أو انه لا يزال غائباً، أو انه في مراحله الأولى، او انه مفهوم لا تستسيغه الحكومات، كما لا يستسيغه ولا يتقبله ولا يهضمه مسؤولون كثر في المنطقة الذين من فرط حساسيتهم من مفهوم الحكم الصالح استبدلوه بمصطلح بات يعرف الآن بحكم الإدارة الرشيدة.

ما يهمنا ليس هذا المصطلح او ذلك الذي في الحالتين يعني بإيجاز الحكم الذي يوفر النزاهة والمساءلة بواسطة الناس ويضمن احترام المصلحة العامة ويعزز ويدعم رفاهية الإنسان ويقوم على توسيع قدرات المواطنين وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم. وكل ما يتيح لنا ان نحلم بمستقبل افضل، مع مراعاة أنه كمفهوم هو أوسع من الحكومة لأنه يتضمن بالإضافة الى عمل أجهزة الدولة الرسمية من سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية وإدارات عامة، عمل كل المؤسسات غير الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة الى القطاع الخاص.

ما يهمنا حقاً هو الجانب المتصل بالبحرين فهو مقارنة بمؤشرات عام 2008 بالعام 2007 نجد بأن البحرين قد تقدمت في مؤشرين هما (الاستقرار السياسي وفاعلية الحكومة) فيما تراجعت في ثلاث مؤشرات هي التمثيل السياسي والمساءلة وجودة الإجراءات ومكافحة الفساد.
ما يهمنا ثانياً هو كيف سنتعامل مع هذه المؤشرات والخلاصات ونحن الذين تعودنا ان نحتفي ونهلل بكل ما يصدر عن اي هيئة او منظمة او مؤسسة دولية، فما بالكم وان هذه المؤشرات صادرة عن البنك الدولي.

نعلم بأن على البنك الدولي مؤاخذات عدة من حيث المنطلقات السياسية التي تحكم عمله، والاعتبارات التي تطغى على بعض تقاريره، وليس غائباً عن البال ذلك اللغط والجدل والانتقادات التي وجهت اليه ومنها تلك التي تتهمه بالفساد السياسي والمالي واستمراره في تمويل اصلاحات تنتهي بالفشل الى جانب تلك المشاكل الخطيرة من الفساد التي عانت منها قبل سنوات إدارة المؤسسة الدولية.

ولكن رغم كل ما قد يثار من مؤاخذات عن تلك المؤسسة، الا ان أمامنا رؤية اقتصادية للبحرين تضع الشفافية وتتبنى مبادئ الحكم الصالح او الإدارة الرشيدة، وهي رؤية باتت وزارات ومؤسسات الدولة تتسابق بالإعلان عن بحث آليات تفعيل دورها حيال تطبيق هذه الرؤية والالتزام بمبادئها.

حسناً مادام الأمر كذلك ومادامت الجهات الرسمية كافة توحي لنا بأنها بدأت اهتماماً بالعمل على الالتزام بتلك الرؤية فعلى هذه الجهات اذا كانت جادة حقاً ان تعي بأن المطلوب لتعزيز وضع البحرين سواء في مؤشر الحكم الصالح، او مؤشر مدركات الفساد وبقية المؤشرات والتقارير الدولية الأخرى بأن تعمل على تحقيق متطلبات كثيرة مثل إيجاد آليات سليمة لتحقيق مبادىء الحكم الصالح، وتعزيز العلاقة بين المواطن والدولة عبر توسيع المشاركة في اتخاذ القرار وخاصة من خلال قوانين انتخابية ديمقراطية عادلة ونزيهة ينتخب من خلالها الشعب نواباً قادرين على تفعيل دورهم الرقابي الى جانب التشريعي، علاوة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني وعدم محاولة الهيمنة عليها والتدخل في شؤونها، وكذلك العمل على إيجاد المعايير في اختيار القيادات استناداً على معايير الكفاءة.

كما لا يغيب عن البال الحاجة الى وقف تداخل المصالح الخاصة مع المصلحة العامة ووقف تغلغل أصحاب النفوذ في توجيه الموارد العامة للدولة واستغلالها لمصالح خاصة، والحيلولة دون شخصنة العمل العام والمسؤولية العامة، والمسارعة في إيجاد المؤسسات الرقابية الرسمية والأهلية.

كل ذلك وأكثر مطلوب ومحكوم علينا ان ننجح في تبنيها ليس ارضاءً للبنك الدولي، بقدر ما هو إرضاء للمواطن واستجابة لمصلحة الوطن العليا لأن كل تحسين محتمل في اي من تلك المبادئ أو المؤشرات لا يمكن إلا أن ينعكس إيجابا على الوضع المحلي برمته. وندعو كل من يخشى ويتحسس بأن يمعن في قراءة المستجدات قراءة صحيحة وفك رموزها لعل هذا من اولى واجباتهم ودافعاً لتجاوز الشطط ولا حاجة الى الاستزادة والاستفاضة…!! 



 
الأيام 17 يوليو 2009

اقرأ المزيد

الانقطاعات الكهربائية.. ومشكلة كل صيف

الانقطاعات الكهربائية مستمرة.. ويوم الاثنين الاسود، الذي انقطعت فيه الكهرباء عن جميع مناطق مملكة البحرين يتكرر هذا الصيف في مختلف مناطق مملكة البحرين.
ولعل من العجب العجاب، ان يسمع المواطنون والمقيمون كلاما جميلا مطمئنا، من قبل مسئولي هيئة الكهرباء قائلين دائما وأبدا “لا قطع مبرمجا أو عشوائيا للتيار الكهربائي هذا الصيف.. وان الوزارة قد استعدت لتحمل مسئوليات النقل والتوزيع للطاقة الكهربائية هذا العام، وأجرت الصيانة والاصلاحات وسعت الى تقوية الشبكات والتوزيعات”.. ولكن هذا الكلام النظري المعسول ما لبثت حقائقه وتداعياته ان تتلاشى أمام المواطنين والمقيمين بكل جلاء، بسبب عدم انسجام الاقوال مع الافعال.. وهذا ما ينطبق عليه المثل الشهير القائل “اسمع كلامك يعجبني واشوف افعالك اتعجب”.. ولعل الادهى من ذلك كله انه كلما ازدادت التصريحات الرسمية ازاء عدم الانقطاعات الكهربائية، ازدادت ظروف المواطنين والمقيمين سوءا.. وكلما كثرت الاقوال والشعارات الادارية بطمأنة الاسر البحرينية والمقيمة بهذا الشأن، فإن افرادها واطفالها ومسنيها يزدادون احتراقا وشيا.
إذاً، فبقدر ما جاءت رحلة العذاب من الانقطاعات الكهربائية هذا الصيف اسوأ من مثيلتها في العام الماضي.. فان يوم الاثنين الاسود تكررت احداثه المؤلمة لاسر مجمع (203) طريق (377) بالمحرق، الذي انقطع فيه التيار الكهربائي في يوم الاربعاء تاريخ 1 يوليو 2009 ابتداء من الساعة الواحدة ظهرا حتى الساعة الحادية عشره ليلا أي مدة عشر ساعات بالتمام والكمال.. وقبلها بثلاثة أيام، أي في يوم السبت الموافق 27 يونيو انقطعت الكهرباء عن المجمع نفسه (مجمع 203) من الساعة العاشرة ليلا حتى الساعة الثانية ما بعد منتصف الليل.
إن هذه الانقطاعات الكهربائية المتواصلة، قد نطقت بالحقائق المرة لتمتد رحلتها المؤلمة فتشمل البلاد القديم مجمع (651) الذي انقطعت عنه الكهرباء في يوم 19 مايو الماضي مدة اربع ساعات متواصلة.. وكذلك منطقة الرفاع الشرقي انقطع عنها التيار الكهربائي مدة ثلاث ساعات ليومين متتاليين في التاريخ عينه 19 مايو.. مثلما عانت عدة مجمعات في المنطقة الوسطى من أزمة انقطاع التيار الكهربائي.. وثمة شكوى واستغاثة أهالي وأسر مجمع (213) بالمحرق من الانقطاعات الكهربائية مدة يومين، ابتداء من منتصف الجمعة ليلا 19 يونيو حتى العاشرة صباحا من يوم السبت 20 يونيو 2009م.. الامر الذي اضطرت فيه هذه الاسر الى ترك منازلها التي اكتنفت بشبح الظلام وتحولت الى مصاهر وافران، ولجوئها الى منازل أقربائها ان استطاعت أو امكنها ذلك.. أما الاسر المقطوعة ولا حول لها ولا قوة لها وخاصة التي من بينها الاطفال والمرضى والمسنون فان معاناتها هي البقاء ما بين جدران المنزل اللاهبة.. بل مصيرها الموت المحقق.. ناهيك عن احتراق الاجهزة الكهربائية، وفساد وتلف المواد الغذائية والاستهلاكية.
إن هذه الاسر الفقيرة بظروفها المعيشية المتردية تطرح اسئلة بالغة الاهمية: هل يحدث لأي مسئول في الدولة، ما يحدث للأسر الفقيرة ازاء ازمة الانقطاعات الكهربائية؟ لماذا تتلكأ هيئة الكهرباء وتتباطأ في اعادة التيار الكهربائي لمناطق الاسر الفقيرة التي تتطلب ساعات طويلة، بينما تعلن الوزارة حالات الطوارئ من أجل حل ازمة الكهرباء لهذا المسئول وذاك الوجيه في المناطق الراقية وبالتالي اعادة التيار الكهربائي خلال فترة قصيرة من الدقائق؟ لماذا ينقطع التيار الكهربائي عن منازل صغيرة ومتواضعة لأسر فقيرة في الوقت الذي تظل فيه الابراج والعمارات والفلل الشاهقة التي يبلغ ارتفاعها عنان السماء، والمجمعات والصالات التجارية الفخمة أيضا كلها وجميعها تتلألأ بأضواء التيار الكهربائي بجميع طوابقها وملحقاتها وأروقتها على مدار اربع وعشرين ساعة؟
هذه الاسئلة وغيرها لم نجد لها اجوبة ناجعة، سوى في تصريحات مسئولي هيئة الكهرباء التي لا تشبع ولا تغني من جوع، بل هي ذر للرماد في العيون.. والتي عادة ما تقترن هذه التصريحات بإعلان أسباب تسويفية ومبررات تسويغية واهية “كتجاوز الاحمال وتفوقها على شبكة التوزيع والطاقة الكهربائية، أو تباطؤ وتقاعس المقاولين عن اصلاح الخلل” من دون التطرق الى الاسباب الجوهرية التي تؤدي الى الانقطاعات الكهربائية، وتجاهل المسئولين في هيئة الكهرباء وعدم التطرق الى جوهر ولب الازمة التي تكمن بالدرجة الاولى بحسب رؤية وتحليل الخبراء والمحللين والمراقبين في غياب الدراسة المطلوبة، وانعدام الاستراتيجية الواضحة، واعطاء التراخيص العشوائية لانشاء عمارات ضخمة وبناء فلل حديثة في احياء ومناطق سكنية قديمة تعاني اصلا امدادات مهترئة بالكابيلات القديمة، التي بدورها لا تحتمل ولا تتحمل كل تلك الطاقة الكهربائية الاضافية.. أضف الى ذلك غياب استراتيجية الصيانة الدورية للكابيلات القديمة في فصل الشتاء بدلا من فصل الصيف.
لعل في نهاية المطاف يبقى القول الملح ان أزمة الانقطاعات الكهربائية المستمرة لم تجد لها سبيلا أو مخرجا سوى توفير الحلول الناجعة والفعلية، والمتمثلة في وضع الخطط التنموية المدروسة وطرح الاستراتيجية العلمية المنشودة تدعمها مصداقية الاقوال مقرونة بترسيخ الافعال.. من أجل تفادي حدوث يوم الاثنين الاسود من جهة، ومن أجل القضاء أو تلاشي مكابدة المواطنين والمقيمين.. والحد من معاناتهم النفسية والمعيشية والمادية والاسرية من جهة اخرى.
تنويه:
وقع خطأ في مقالتي المنشورة يوم الجمعة الماضية والمعنونة: في ذكرى رحيل المناضل أحمد الذوادي، حيث نشر “وهكذا يظل يوم الثامن عشر من شهر يوليو خالدا” والصحيح هو: “يوم الثامن من شهر يوليو”، وكذلك وقع خطأ آخر حيث نشر “مثلما تألقت الجبهة بنضالاتها السياسية وقيادتها في انتفاضة مارس االشعبية عام 1972م”، والصحيح هو: “انتفاضة مارس الشعبية عام 1965م”، لذا وجب التنويه.

صحيفة اخبار الخليج
17 يوليو 2009

اقرأ المزيد

هل تستعيد المدينة القيادة؟

خلال عهد الجمهورية في إيران تطورت المدن الكبرى تطوراً كبيراً، فيلاحظ نمو الصناعات وزيادة كبيرة لعدد السكان فيها، كما تضاعف عدد السكان بعد “الثورة”، فحدثَ ضبطٌ للمواليد وصارت الأجيال الشابة هي الأكثر.
“تبدو إيران الحالية بلدا شابا فالذين لا تزيد أعمارهم على 24 سنة أي أولئك الذين لم يعرفوا الثورة، يمثلون أكثر من مجموع نصف السكان، وعلى أساس هذا النمو السكاني فضلا عن واقع الهجرة من الريف إلى الحضر، ظهرت المراكز الحضرية والمدن الكبرى منذ عام 1979، ولذلك فالعاصمة طهران على سبيل المثال ارتفع عدد سكانها من 5،4 ملايين نسمة في عام 1975 إلى ما يفوق 7 ملايين إنسان في 2006، أما مدينة مشهد كبرى مدن الشرق الإيراني فلقد ارتفع عدد سكانها خلال ذات الفترة من 670 ألفا إلى حدود 4،2 مليون وهي حالة مدينة أصفهان الواقعة إلى الجنوب من طهران التي ارتفع عدد سكانها من 661 ألفاً إلى أكثر من 6،1 مليون مقابل مدينة تبريز الواقعة في محافظة أذربيجان الإيرانية التي قفز سكانها من 426 ألفا إلى 2،1 مليون.”، (جريدة القبس، 28 يونيو، 2009، مقال: إيران اختلالات اقتصادية واجتماعية).
إن تزايد عدد السكان في المدن الكبرى خاصة، وتعليم الفتيات وتراجع الأمية وتوسع الصناعة في الريف وتنامي الثقافة والاتصال بالعالم الخارجي، هذا كله يؤدي إلى توسع الفئات الوسطى والعمالية وعودة المدن لاستعادة توجيه الحياة الاجتماعية كما كان الأمر فيما سبق هذا العهد، والأزمة السياسية الراهنة تعكس هذا الصراع غير المحلول. أي أن التطورات الحديثة الرأسمالية تعزز دور المدن سياسيا واجتماعيا، وبالتالي يتوجه السكان نحو الحريات بشكل واسع، مع احتفاظهم بالجمهورية الدينية كذلك.
إن طبيعة الاقتصاد الصناعي خدماتية ولم تصل إلى توسع الصناعة الثقيلة:
“يبدو الاقتصاد الإيراني حاليا قائما بالأساس على القطاع الخدمي الذي يمثل نحو 5،49 في المائة من الناتج المحلي الخام، ومع ذلك فإن قطاع النفط الذي يمثل نسبة 84 في المائة من الصادرات و47 في المائة من عوائد الموازنة، لايزال هو المحرك الرئيسي للاقتصاد، فضلا عن أن الصناعة البتروكيماوية في إيران ترتكز على محافظتي خوزستان وبوشهر، حيث تقع معظم حقول النفط والغاز والصناعة الملحقة”، (السابق).
إن الاقتصاد الخدمي يغدو هامشيا على مستوى الرقعة الجغرافية عبر تركزه في المحافظة السابقة الذكر، وفي نشوء الصناعات الاستهلاكية الكثيرة في المدن، وهي التي تتوجه للتصدير والاستخدام المحلي، مما يعبر عن تنامي الفئات الوسطى إنتاجاً واستهلاكاً.
لقد عجز النظام عن جعل السكان يعيشون في النصوصية الدينية التقليدية، بمحرماتها الحادة، وفي الطابق السفلي من الحياة تــُلغى هذه المحرمات، خاصة مع تنامي هذه الفئات الوسطى في المدن، التي يعبر عنها ويقودها شمال طهران، الذي صار منطقة الأزمة، أو منطقة قيادة الحداثة المتحرك وغير القادر على الحسم كذلك.
كما أن القوى التحديثية الدينية محدودة، ولم تقدر على إنتاج وعي ديني تحديثي واسع، وتكفلت بذلك الثقافة الغربية المستوردة، فتغلغلت الليبرالية الاجتماعية مع انتماء ديني عام غير مؤيد للنصوصية الجامدة.
والنصوصية الجامدة لاتزال في مواقعها قوية في الريف ومنها يأتي الحرس الثوري والباسيج خاصة.
“وتنقل الصحيفة عن موقع “روز” الاصلاحي مقابلة مع احد الاشخاص الذين جلبتهم الحكومة من الارياف والمناطق النائية للقيام بمهمة قمع المظاهرات في طهران وتنقل الصحيفة عنه قوله “ان الحكومة تدفع لي مبلغ مليوني ريال (زهاء 200 دولار) للمشاركة في الهجوم على المتظاهرين بالهراوات”، ويضيف الموقع نقلا عن الشخص الذي رفض الكشف عن اسمه: ان العديد من الاشخاص جلبتهم الحكومة من المناطق الريفية النائية ويقيمون في اماكن خاصة في الاحياء الشرقية من العاصمة”، (إذاعة لندن).
لهذا فإن الإصلاحية الدينية الليبرالية تشق طريقها بين جملة من التناقضات، فهي إصلاحية فكرية سياسية مركزة في أحياء في مدن، خاصة الأحياء التي تتجمع فيها الفئاتُ الوسطى الغنية عموماً، فتطرح قضايا سياسية وثقافية غير متعلقة بإعادة تقسيم الثروة أو إنصاف الأغلبية العاملة، وبهذا فإنها تسلك مسلكا صراعيا داخل قنوات النظام، وهي تبدو صامدة في هذا الصراع السياسي الفوقي، لتكريس مجتمع ديني رسمي وحر كذلك.
إن سلوكها متناقض، بين القمة الغنية المسيطرة التي تعيش فيها، وبين الشعب المقيد، الفقير، الذي تحاول أن توجهه في طريق الليبرالية من خلال الدين والحياة الحديثة، محاولة إدخال بعض الشعارات الدينية الجديدة، ويساعدها على ذلك بعضُ الأقطاب الدينيين الكبار وخاصة السيد حسين منتظري، من أجل التخفيف من نظام ولاية الفقيه ليكون نظام ولاية الشعب، الذي لم تجرؤ حتى الآن على الدعوة إليه، لكون هذا يقطع العلاقة مع النظام، وربما يلقيها تماماً من كونها شريحة تشارك في الطبقة المسيطرة على النظام.
السيد حسين منتظري يقترب بأفكاره من هذا المستوى، لكن عامة شيوخ الدين يعيشون في النصوصية الدينية، وهي مرادفة للمجتمع ما قبل الصناعي، والمجتمع الصناعي غير مكتمل ومشوه البناء في إيران والعالم الإسلامي عموماً.
لهذا فإن أزمة القيادة السياسية الفكرية تتلاقى مع أزمة الاقتصاد المتردد بين الثورة الصناعية وبين الصناعة الاستهلاكية غير القادرة على تغيير المجتمع بشكل واسع وشامل.
تغدو الأزمة كذلك أزمة بين القوى العليا وأزمة غياب قيادة تحديثية متجذرة، فتحاول أن تحلها على مستوى المؤسسات العليا.

صحيفة اخبار الخليج
17 يوليو 2009

اقرأ المزيد

لأنه قرأ نهج البلاغة أحب جيفارا

في حوار ممتع بثته قناة الجزيرة مع رجل الدين اللبناني المفكر هاني فحص، قال ذاك العلامة الذي يلبس عمامة سوداء تدل على نسبه الهاشمي، وبلحيته التي عاث فيها الزمن بياضا، انه ذهب الى النجف الأشرف ليدرس علوم الدين هناك، وما ان وصل الى مكان سكناه، حتى علق في غرفته صورة للثائر جيفارا. سرعان ما أخفاها، فهو ليس في لبنان، إنما النجف، التي تمثل في حينها جامعة العلوم الدينية. رجال الدين هم الوحيدون الذين يعرفون، ان في تلك الحوزات من يرقى على أكتاف طلاب العلم، ومن يزل لسانه بغير قصد فينزل الى الهاوية ولا يعود منها، فالظلم حتى هناك شنيع. يسأله مذيع الجزيرة، كيف تكون معمماً ورجل دين وتضع صورة لجيفارا ذاك الثائر الارجنتيني في غرفتك؟ فيجيبه بسؤال من أعماق الفكر الديني، ان السبب يعود لأنه قرأ نهج البلاغة لسيد البلغاء علي بن ابي طالب “عليه السلام”. السطور ذاتها، فهل يقرأ السيد هاني بخلاف ما يقرأ العالم الفلاني، هذا يؤمن بجيفارا الذي يرفض الظلم والجور ويدافع عن العمال والشغيلة والفلاحين، ورجل الدين ذاك، ينظر الى كل من يقرأ كتاباً عن هذا الثائر بأنه تعد للخطوط الحمراء. أليس من الإنصاف ان نعطي كل ذي حق حقه، ونترك الجنة و النار الى الخالق؟ ألم يعد الامر مفهوما بعد بأننا يجب ان نعيش معنى الانسانية، ألا يشكر المريض من قدم له الدواء دون ان يسأل عن فكره ومعتقده، او مذهبه وعرقه، لأنه قدم له العلاج بدافع الانسانية، فجاء الشكر من ذات المنطلق؟ إذا أردنا ان نعيش معاني الانسانية الجميلة فعلينا ان نشكر من يقدم للبشر معروفاً.
 
صحيفة الايام
17 يوليو 2009

اقرأ المزيد

الســـر في التعليــم


كثرت المرات والمناسبات التي يجري فيها الحديث عن ضرورة إصلاح النظم التعليمية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، لنكتشف بعد كل مرة أن الأمر لا يعدو كونه أشبه بالموجة العابرة التي تأتي قوية، وأحياناً في منتهى القوة، لكنها شأنها شأن كل موجة سرعان ما تنحسر وتتبدد. فلم نشهد أي انعطافة حقيقية في النظام التعليمي تذكرنا بتلك التي جرت في البلدان التي صممت على النهوض، فاختارت أن تبدأ بإصلاح التعليم، بل إن بلدا مثل الهند لم يكن للتعليم فيه حتى عقدين من الزمن تلك السمعة الطيبة، يملك اليوم عدداً من أفضل المعاهد في العالم في مجال المعلوماتية، وهذا يقدم لنا واحداً من أسباب النهضة الهندية الراهنة.

ويمكن أن نذهب قليلاً إلى التاريخ فنذكر بالواقعة الشهيرة حين صحت الولايات المتحدة ذات صباح في مطالع ستينات القرن العشرين على نبأ تحليق السوفييتي يوري جاجارين في الفضاء، فأدركت الخطر القادم من المعسكر الآخر، وابتدأت كما يليق بكل أمة تريد البقاء والتفوق بالتعليم، فشكلت لجاناً مختصة هدفها تطوير النظام التعليمي، لا بل وإصلاحه، استفادة من تجربة الخصم. سر النهضة الآسيوية، لا في اليابان وحدها وإنما في البلدان التي عرفت بنمور آسيا، يكمن أيضا في النهضة التعليمية، التي جرت مقاربتها بجدية ووفق منظور استراتيجي بعيد المدى، لا على شكل هبات أو موجات عابرة تتلاشى بذات السرعة التي تهب بها وربما أسرع. في كل بلد خليجي على حدة، وعلى مستوى المنظومة الخليجية كاملة، جرت مقاربات عدة لضرورة إصلاح النظام التعليمي، وشكلت لجان متخصصة واستقدم خبراء أجانب وشركات ذات صلة بالشأن التربوي، وبعض المعالجات والمقاربات لا تنقصها الجدية والعمق، لكن العبرة ليست في الذي يكتب على الورق، وإنما في ذلك الذي ينفذ على الأرض. ومشكلتنا أن إصلاح التعليم، كما أشياء أخرى، لا يرتبط بالتنموية على المستوى الوطني الشامل، فما أكثر ما تتغير الخطط والبرامج، لنعاود البدء من نفس المنطقة.

الأمر في بلداننا لا يتصل برؤية عامة تتبناها الحكومات وتعمل على تنفيذها بغض النظر عن الفريق الذي يشرف على تطبيقها، وبالتالي لا يمكن لهذه الرؤية أن تتغير كل أربع أو خمس سنوات تغييراً جذرياً، كأن تزاح نهائياً وتحل محلها رؤية بديلة لا تجد هي الوقت الكافي لاختبار جدواها حتى تستبدل بثالثة وهكذا. والنتيجة هي أننا لا نخطو خطوة عملية واحدة في اتجاه تحقيق الهدف المعلن الذي يدور عنه الحديث منذ سنوات ولن تغادر بلداننا العربية حالة المراوحة التي تعاني منها، وهي محاصرة بضغط الزمن الذي يمضي بسرعة مبدداً معه ما بقي من ثروات هذه المنطقة، من دون أن نكون مستعدين لمرحلة ما بعد نضوبها.


 

اقرأ المزيد

الفنانة البحرينية هدى عبدالله تغني لغزة الحلم..غزة الكرامة

huda abdulla.bmp

الفنانة هدى عبدالله


ياطفلاً يحيا في الظلمة ويعيش اليوم بدون طعام .. يا إمرأة تمشي كالنسمة  في الريح ودرب الآلام”. بهذه الكلمات بدأت الفنانة البحرينية هدى عبدالله أغنيتها التي أهدتها لغزة تحت عنوان “لغزة الحلم..غزة الكرامة” في إحتفالية وطنية عربية أقيمت في جمعية المهندسين البحرينية والتي أقيمت من أجل جمع التبرعات لشعب قطاع غزة الذي يعيش ويلات الهجوم الإسرائيلي الهمجي على أراضيه الحرة
.

هدى قالت بأن هذا الحفل الداعم للشعب الفلسطيني هو أقل ما يقدم لمساندتهم في مثل هذه الظروف الصعبة التي يموت فيها أبناءنا وأطفالنا وأهالينا من الشعب الفلسطيني الأبي الذي آثر أن يبقى على أرضه والدفاع  عن كرامته وإنسانيته بدمه وروحه وأبناءه الذين راحوا ضحية عدوان غاشم لا يمت للإنسانية والأدمية بصلة
.

وحول دعمها للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية منذ أن دخلت الجامعة وقررت دراسة الغناء وإحترافه أكدت بأنها منذ أن كانت على عتبات الدراسة الجامعية لم تتوانى مع “فرقة أجراس البحرينية” من تقديم الأغاني العربية الوطنية التي تعبر عن موقفهم من كل ما يحدث في فلسطين المحتلة ومساندتهم لهذا الشعب الذي يقدم كل يوم تضحيات لا تقدر بثمن وتكون روحه هي التضحية الكبرى من أجل أرضه وفداءا للقضية
.

وأضافت بأن القضية الفلسطينة هي قضية العرب الكبرى التي لا يمكن التهاون فيها أو التراجع  عنها وعلى كل العرب شعبا وقيادة وضع هذه القضية على قائمة إهتماماتهم من أجل دحر العدو وتوفير الأمن والإستقرار لشعب فقد هذا الأمان والإستقرار وأصبح الموت بالنسبة له كالحياة لا يوجد فارق بينهما فهو يتمنى الموت والشهادة على العيش في جحيم العدو

وقالت بأنها طوال مشوارها الفني لم تتوقف عن الغناء للقضية الفلسطينية تحاول من خلالها توصيل رسالة لشعوب العالم لمساندة هذه القضية والوقوف إلى جانب شعب أعزل ليس له ذنب إلا أن أرضه أحتلت من قبل عدو لا يعرف الرحمة ولا الشفقة ويحلم بالإستيلاء على الأرض كلها بخيراتها وناسها مؤكدة بأنها لن تتوقف ولن تتراجع عن مواقفها التي    سجلتها منذ أن بدأ وعيها ينضج
.

وحول دور المرأة البحرينية في دعم القضية الفلسطينية ذكرت هدى عبدالله بأن المرأة في البحرين مرهفة الإحساس ومن طبيعتها التفاعل مع أي قضية إنسانية فكيف بقضية مصيرية وهامة كقضية الشعب الفلسطيني مشيرة إلى دور المرأة البحرينية الذي تجه كبير.
 ويتضح بشكل جلي من خلال عملها المؤثر في الجمعيات النسائية التي كانت ولا تزال تضع البرامج التي يخصص ريعها لفلسطين إضافة إلى أنها تشارك إلى جانب اللجان المختصة لشحذ الهمم والسعي من أجل جمع التبرعات بأنواعها إضافة إلى مشاركة بعض السيدات والفتيات اللاتي يمتلكن مهارات مختلفة كالخياطة وإعداد المأكولات وإعداد المنتجات التي يتم بيعها من خلال معارض خاصة لدعم فلسطين

.

وذكرت بأن كل هذه المعارض والبرامج التي تصب في صالح فلسطين عادة ما يقوم عليها نساء لافتة إلى الناشطة بدرية علي رئيسة اللجنة الأهلية لكسر الحصار ودعم الشعب الفلسطيني التي أخذت على عاتقها منذ سنوات وسنوات العمل من أجل هذه القضية التي أعطتها كل وقتها وجهدها وإخلاصها ولا تزال تعمل من أجل مد أهالي غزة بكل ما يحتاجونه من مواد إغاثة سواء أموال أو أدوية أو أجهزة هامة للمستشفيات فهي تعمل دون كلل أو ملل نظرا لإيمانها الشديد بالقضية
.

بقي أن نعرف أن الفنانة هدى عبدالله سجلت أغنيتها للإذاعة والتلفزيون وسيتم قريبا بثها على كافة الفضائيات العربية وهي من تأليف الشاعر علي الشرقاوي وألحان الفنان خليفة زيمان وإنتاج هيئة الإذاعة والتلفزيون

بوابة المرأة

اقرأ المزيد