المنشور

‮”‬عدم الانحياز‮” ‬تزاحم هي‮ ‬الأخرى من أجل موطئ قدم

فجأة وعلى حين‮ ‬غرة‮ ‬يشهد سوق التجمعات والتكتلات الدولية‮ ‘‬ازدهاراً‮’ ‬من جديد بعد‮ ‘‬ركود‮’ ‬وانكفاء استمر طويلاً،‮ ‬حيث اقتصرت‮ ‘‬حركة هذا السوق‮’ ‬على‮ ‘‬التداولات‮’ ‬الاعتيادية للتجمعات القائمة‮.‬ فلقد ارتفعت فجأة أسهم مجموعة العشرين التي‮ ‬تضم كبريات الدول الرأسمالية وكبريات الدول النامية،‮ ‬وعقدت في‮ ‬غضون بضعة أشهر فقط قمتان أُولاهما في‮ ‬نوفمبر العام الماضي‮ ‬في‮ ‬لندن،‮ ‬حيث خُصِّصتا لمناقشة الأزمة المالية/الاقتصادية العالمية وسبل التغلب عليها‮. ‬وكان واضحاً‮ ‬خلالها الدور المميز والمتنامي‮ ‬الذي‮ ‬لعبته الصين والهند والبرازيل قبل وخلال انعقاد القمتين وما بعدهما،‮ ‬والذي‮ ‬عكس تزايد ثقلهما المحسوس في‮ ‬الحياة الدولية‮.‬ وكانت القارة الأفريقية قد بذلت في‮ ‬الآونة الأخيرة محاولات جادة للملمة صفوفها للعودة ثانية للتواجد الفاعل في‮ ‬النظام الدولي‮ ‬من خلال تفعيل مؤسساتها خصوصاً‮ ‬منظمة الوحدة الأفريقية التي‮ ‬كان أنشأها قادة الاستقلال الوطنيون في‮ ‬القارة السمراء في‮ ‬خمسينيات وستينيات القرن الماضي‮. ‬حيث أنشأوا ما أسموه بالاتحاد الأفريقي‮ (‬تيمناً‮ ‬باسم الاتحاد الأوروبي‮).‬ وخلال الشهر الماضي‮ ‬عقدت في‮ ‬مدينة لاكويلا الإيطالية قمة الثمان الكبار‮ (‬الولايات المتحدة،‮ ‬روسيا،‮ ‬ألمانيا،‮ ‬فرنسا،‮ ‬بريطانيا،‮ ‬إيطاليا،‮ ‬اليابان وكندا‮)‬،‮ ‬إلا أنها هذه المرة لم تقتصر على الدول الأعضاء في‮ ‬المجموعة،‮ ‬وإنما دُعيت إليها الدول المتقدمة في‮ ‘‬العالم الثالث‮’. ‬فلم‮ ‬يشأ قادة مجموعة الثمان الكبار هذه المرة الانكفاء بغرور على أنفسهم وإنما عمدوا إلى دعوة قادة البلدان الرئيسية في‮ ‘‬العالم الثالث‮’ ‬بعد تيقنهم بأنهم لم‮ ‬يعودوا‮ ‬يحتكرون مصادر القوة والنفوذ في‮ ‬الحياة الدولية إثر حدوث تبدلات نوعية في‮ ‬موازين القوى الاقتصادية العالمية‮.‬ فكان أن ظهر إلى السطح،‮ ‬على هامش التداولات الإعلامية لأعمال القمة،‮ ‬مسمى لمجموعة مراكز قوى عالمية جديدة وهو مجموعة الـ‮ ‬14‮ ‬التي‮ ‬تم تداول أسماء كل من الدول الثمان الكبرى إضافة إلى الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا والمكسيك ومصر‮.‬ وكان سوق مجموعة الـ‮ ‬77‮ (‬التي‮ ‬تضم الدول النامية‮) + ‬الصين قد انتعش مجدداً‮ ‬بصورة قوية ولافتة منذ انطلاق جولات المفاوضات المتعلقة بقضية التغير المناخي‮ ‬بعد التوقيع على بروتوكول كيوتو في‮ ‬عام‮ ‬1997‮ ‬كبرنامج تطبيقي‮ ‬لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ‮.‬ وقبل أيام‮ (‬خلال الفترة من‮ ‬15‮-‬16‮ ‬يوليو الجاري‮) ‬عقدت حركة عدم الانحياز قمتها الخامسة عشرة في‮ ‬مدينة شرم الشيخ المصرية بمشاركة قادة الدول الأعضاء في‮ ‬الحركة البالغ‮ ‬عددها‮ ‬118‮ ‬دولة،‮ ‬أو ممثليهم،‮ ‬إلى جانب عشرات الدول والمنظمات الإقليمية والدولية التي‮ ‬تتمتع بصفة‮ ‘‬مراقب‮’ ‬في‮ ‬الحركة‮.‬ وقد ألقت مناخات الانتعاش التي‮ ‬تسود هذه الأيام المشهد السياسي‮ ‬الدولي،‮ ‬بظلالها على الحركة التي‮ ‬راحت تستعيد نبرتها المرتفعة إثباتاً‮ ‬لوجودها بين الكتل والتجمعات العالمية القائمة والمستجدة،‮ ‬إذ استشعرت إرهاصات المخاض الذي‮ ‬يعيشه العالم منذ أن تفجرت الأزمة المالية/الاقتصادية العالمية في‮ ‬سبتمبر من العام الماضي،‮ ‬والمُؤْذِن حتى الآن على الأقل وفقاً‮ ‬لما هو ظاهر من بيِّنات ومعطيات،‮ ‬بنشوء نظام عالمي‮ ‬جديد‮ ‬يستوعب المستجدات النوعية الحادثة في‮ ‬موازين القوى الاقتصادية العالمية‮.‬ إنما السؤال‮: ‬هل تستطيع حركة عدم الانحياز التي‮ ‬تنوء بثقل حركتها والناتجة عن ترهلها السياسي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والثقافي،‮ ‬أن تتأهل فعلاً‮ ‬للنهوض بهذا الدور؟ لا‮ ‬يبدو الأمر على هذا النحو وذلك برسم الخطابات الوعظية الأقرب إلى الكنسية والأخلاقية منها إلى السياسة التي‮ ‬تناوب على إلقائها القادة إياهم الذين كانوا ألقوا مثل هذه الخطابات قبل نحو من ثلاثة عقود والتي‮ ‬تزخر بمناشداتها المثالية الطوباوية وتشح بملامساتها الواقعية وبرامج عملها التطبيقية‮.‬ المشكلة في‮ ‬حركة عدم الانحياز،‮ ‬من وجهة نظرنا،‮ ‬تتمثل في‮ ‬ذلكم العدد الضخم من الدول التي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬غالبيتها ليست‮ ‬غير منحازة‮. ‬والحال أن مفهوم عدم الانحياز أصبح بلا معنى منذ أن انتهت حالة الثنائية القطبية مطلع تسعينيات القرن الماضي‮ ‬بانهيار الكتلة السوفييتية الذي‮ ‬وضع حداً‮ ‬لانقسام العالم إلى معسكرين أمريكي‮ ‬وسوفييتي،‮ ‬اصطفت‮ ‬غالبية الدول خلف المعسكر الأول وقسم منها خلف المعسكر السوفييتي،‮ ‬فيما اختار بعضها الآخر في‮ ‘‬العالم الثالث‮’ ‬طريق عدم الانحياز لأي‮ ‬من المعسكرين‮.‬ وحتى في‮ ‬ذلك الوقت،‮ ‬إبان اصطخاب المنافسة بين المعسركين في‮ ‬خمسينيات وستينيات القرن الماضي،‮ ‬لم تكن‮ ‬غالبية الدول الأعضاء في‮ ‬حركة عدم الانحياز،‮ ‬ملتزمة فعلاً‮ ‬بمبادئ عدم الانحياز،‮ ‬وإنما كانت منحازة بصورة واضحة إلى المعسكر الشرقي،‮ ‬فكان أن أضفت على توصيف حالتها هذه،‮ ‬تسمية‮ ‘‬الحياد الإيجابي‮’ ‬كنوع من الإقرار الضمني‮ ‬بلا حياديتها‮.‬ بمعنى أن هذه الحركة هي‮ ‬منظمة سياسية بامتياز،‮ ‬أي‮ ‬ليس لها‮ ‘‬أسنان‮’ ‬اقتصادية تؤهلها لأن تكون أحد الأقطاب الفاعلين بين الكتل والتجمعات العالمية الفاعلة والرائدة‮.‬ بصراحة لقد ظهرت‮ ‘‬مجموعة الـ‮ ‬77‮ + ‬الصين‮’ (‬التي‮ ‬تتشكل أساساً،‮ ‬بالمناسبة،‮ ‬من دول نامية معظمها أعضاء في‮ ‬حركة عدم الانحياز‮)‬،‮ ‬أكثر فاعلية وإثباتاً‮ ‬للوجود،‮ ‬المجدي‮ ‬والمسوَّغ‮ ‬أيضاً،‮ ‬من حركة عدم الانحياز‮. ‬وقد اتضح ذلك جلياً‮ ‬من نجاحها على مدى سني‮ ‬مفاوضات التغير المناخي‮ ‬‭(‬Climate Change‭)‬،‮ ‬في‮ ‬التحكم في‮ ‬سير المفاوضات في‮ ‬مواجهة الدول الرأسمالية المتقدمة‮. ‬فلقد أظهرت تنسيقاً‮ ‬عالي‮ ‬المستوى سواء في‮ ‬المفاوضات التحضيرية أو في‮ ‬اللقاء السنوي‮ ‬لفرقاء اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ وبروتوكولها‮.‬ وعلى ذلك ربما كانت كلمة رئيس الوزراء الهندي‮ ‬في‮ ‬المؤتمر،‮ ‬والهند بالمناسبة هي‮ ‬من الأعمدة التي‮ ‬أشادت حركة عدم الانحياز،‮ ‬أكثر الكلمات التي‮ ‬ألقيت في‮ ‬المؤتمر،‮ ‬مصداقية وانسجامية مع التحدي‮ ‬الأبرز الذي‮ ‬يواجه الدول الأعضاء في‮ ‬الحركة،‮ ‬إلى جانب التحدي‮ ‬التنموي،‮ ‬وهو التحدي‮ ‬الأمني‮ ‬المتمثل في‮ ‬الخطر الإرهابي‮ ‬السافر والكامن الذي‮ ‬يمثله تنظيم القاعدة والتنظيمات الشقيقة والمتفرعة عنه‮.‬ ومع ذلك،‮ ‬وكما هو متوقع على أية حال،‮ ‬فلقد ضاعت هذه القراءة الهندية الحصيفة والبعيدة النظر،‮ ‬وسط الصفير والتسطيح السياسي‮ ‬والإعلامي،‮ ‬الذي‮ ‬ما فتئ‮ ‬يهتم بالكلاشيهات على حساب دقائق الأمور وجوهرها‮.‬ فلا‮ ‬غرو أن لا تحظى قمة عدم الانحياز بالاهتمام الذي‮ ‬تستحقه في‮ ‬أجهزة الميديا العالمية المؤثرة،‮ ‬في‮ ‬ظل وجودها الصوري‮ ‬غير المؤثر في‮ ‬الحياة الدولية،‮ ‬كما هو حال الكتل والتجمعات الاقتصادية العالمية المعروفة‮.‬     

صحيفة الوطن
28 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

الأديان السماوية والتطور

تربت أغلبية البشرية على ما أُنتج في المنطقة العربية من مثل وأفكار، وقد تطورت تلك المناطق تطوراً كبيراً وظلت المنطقة العربية في تخلفها المروع.
الحضارات الأولى، عشرات الآلاف من السنين، تجارب هائلة، عمت الإنسانية ثورات هائلة مما أُنتج في هذه المنطقة، وظلت المنطقة العربية في ماضيها.
اليهودية والمسيحية والإسلام، الأديان الشقيقة، التي يكملُ بعضها بعضاً، ميراث الإنتاج الروحي الطويل، هي نفسها تعيش في عداء مستحكم.
لماذا؟ لماذا؟
لماذا الأشقاء تعادوا، ونبات السماء صار خناجر وسيوفاً؟
هل كان هذا من أفكار الأديان أم أن السلطات وقوى الاستغلال فرقت بين الاخوة؟
يقولون إن مصادر الأديان هي نبع زلال وخير، فلماذا تكدرت؟ هل لأنها خالطت الأرض العكرة وتطورات الشعوب في دولها وصراعاتها السياسية ومناحي حياتها في التجارة والسلطان والغزو؟
اليهودية أول الأديان السماوية وأقلها حضوراً من حيث الكم، وأقواها حضوراً من حيث الكيف.
اليهودية بدأت رعاةً وصارت فلاحين قليلين وتجاراً كثيرين وصيارفة وأصحاب بنوك مناطقية فعالمية.
نظراً لانحباسها الشعوبي لم تصبحْ كما هائلا، كانت تهتمُ بالكيف المتطور، استعلتْ على الشعوب الوثنية البدائية لغاية كبيرة هي أن تكون فوق الشعوب.
الكثيرُ من طقوسِها الدينيةِ هي بغرضِ أن تكونَ أقلية متطورة وسط حشود متخلفة لكي تستثمرَها ولكي تتطور هي فوقها.
علمتها تجاربُ الألمِ والمعاناةِ والأسر أن تركز في عناصر التفوق وهي التجارة المتطورة والثقافة.
ورغم مئات السنين من الاضطهاد لم تتخل عن بنائها الاجتماعي القائم على الأسرة الصغيرة والعمل بالمال ودراسة كتبها وتنقيحها باستمرار، والإضافة إليها.
من هنا توسعتْ خارج المنطقة العربية البدوية ذات الأسرة الكبيرة تبحث عن شرايين التجارة العالمية واتجاهاتها، فتلاقت مع المسيحية بشكل كبير، رغم قيام المسيحية باضطهادها.
والمسيحية التي نشأت متجاورة مع اليهودية تركزت في الفلاحين، أصحاب الأرض، ذوي التقاليد القديمة، الذين كانت أقدامهم في الزراعة أكثر من الاقتصاد المالي والفائدة، وتقاربوا مع اليهودية في الأسرة الصغيرة، وابتعدوا عن عالم القبيلة، وكان الثالوث الإلهي هو جزء من عالم الفلاحين التعددي، الذين كانوا طوال قرون الشرق مختلفين عن البدو ذوي الإله الواحد الصارم.
ثم كان الإسلام هو الملائم لجمهور الشرق البدوي الواسع، الممتد من الصين حتى افريقيا، حيث الصحارى الكبرى، وحيث العائلة الواسعة، والرجل المسيطر المتعدد الزوجات، والمعارض للفائدة المالية التي تمزق العائلة الواحدة.
كلُ دينٍ مثل مجموعات بشرية معينة، وتقاليد وظروفا، الاقتصاد الرعوي الواسع في هذه المنطقة الصحراوية الهائلة أهل الإسلام ليكون دين المنطقة التي وعى تقاليد أهلها ومثل حياتهم وطور عناصرها التجارية والثقافية العقلانية لكن من دون أن تتمكن المنطقة من خلق القفزة الحضارية الحديثة، والمسيحية تركزت في المناطق الزراعية والمدنية ثم رحلت بأكبر قواها البشرية والثقافية إلى أوروبا، واليهودية تنامت في عالم المدن التجارية حتى وجدت من الغرب السوق التي ازدهرت فيها كل خصالها المالية.
وبعد الغزوات والحروب المشتركة بين هذه الأديان الشقيقة، وهي فترة من العداء والكراهية والخسائر المشتركة، والتلاقح الثقافي كذلك، حلت فترة مختلفة، تكشف أسباب الأطماع والاستغلال وبدأ التفكير في السلام والتآخي.
الحضارة المسيحية – اليهودية غدت هي الحضارة الرأسمالية المسيطرة، التي صار نموذجها هو المحتذى في كل الدنيا، العناصر المتضافرة من الملكية الفردية والإنتاج الحديث والأسرة والثقافة الإنسانية والديمقراطية هي تتويج تاريخ المشرق، وقد تشكل خارجه.
ولكن المكان الذي نتجت فيه وتطورت منه جاءتْ لتسيطر عليه ودخلت في حروب ضارية معه.
وهو بفقره وتخلفه عاجز عن اللحاق بها.
وفيما يتكاثر المسلمون وتضيق بهم المدن يهاجر مسيحيون ويضيق بهم التعصب الديني، فيما تنحصر اليهودية في دولة مسلحة متوسعة.
كل الزمن السابق، تاريخ قرون العداء اللامجدي، يتجسد بأشكال سياسية مضرة، ولهذا فإن التعايش السلمي وإغلاق صفحات الحروب والعداوة صارا ضرورين، خاصة للأغلبية الشعبية من مسلمين ومسيحيين ويهود التي هي ضحايا تجار المعارك والاستغلال والعداوات الدينية والقومية.

صحيفة اخبار الخليج
28 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

الأشياء التي لم نفعلها!

أحد الكتاب فكر في فكرة مبتكرة هي أن يكتب مذكرات عن الأشياء التي لم يفعلها، مستوحياً ذلك من درس الإنشاء الأول الذي يطلبه معلمو اللغة من تلاميذهم الصغار في المدرسة. حيث كان هؤلاء المعلمون يكلفون التلاميذ بواجب منزلي بأن يكتبوا: «ماذا فعلت اليوم؟». الكاتب قلب الفكرة رأساً على عقب، بأن فكر في وضع قائمة بالأشياء التي لم يفعلها اليوم. وهي فكرة يمكن أن نذهب بها بعيداً لنفكر أو نكتب عن الأشياء التي لم نفعلها في الحياة، وكان يجب علينا، أو فلنقل أنه كان من الممكن أن نفعلها. واصل الكاتب التداعي في فكرته بالقول إنه يفكر في الناس الذين يعرفهم ويتساءل: من منهم يعرف كيف يعيش حياة هادئة سعيدة، فإذا كان العيش فناً، فهو فن غريب، فن كل شيء، وخاصة فن البهجة والحبور، وينطوي شكله المتطور على عدد من الخصائص المتلاحمة معاً: الذكاء، الفتنة والسحر، الحظ السعيد، الاستقامة والعفة دون إكراه، والحكمة والذوق والمعرفة والفهم والإدراك بأن الألم والنزاع ما هما إلا جزءان لا ينفصلان من الحياة، أما الثروة فليست ضرورية، لكن الذكاء لجمعها ضروري. وإذا كان العيش فناً، وفناً غريباً أيضاً، فإن الحب، برأيه، عمل شاق، ولكي تبقي شعلة هذا الحب متقدة على المرء أن يبذل جهداً كبيراً، فإذا ترددت وتقاعست فلن يحدث شيء ذو أهمية، وعليك في الوقت نفسه أن تجد المسافة الملائمة التي تفصلك عن الآخرين، فإن اقتربت كثيراً سحقوك وهيمنوا عليك، وإن ابتعدت كثيراً هجروك وتخلوا عنك، السؤال هو: كيف يمكنك أن تحافظ على المسافة الصحيحة معهم؟ عودة إلى السؤال عن تلك الأشياء التي لم نفعلها. الفكرة كلها تكمن فيها، لأن الأشياء التي فعلناها معروفة في مقدماتها وفي سيرورتها وفي نتائجها. المحير والباعث على التأمل وربما الدهشة أيضاً هي تلك الأشياء التي لم نفعلها. وليس كل الناس تدرك ما هي تلك الأشياء، لأنه ليس ضرورياً أن يفلح المرء في تقييم إمكانياته الفعلية، وهي غالباً ما تكون إمكانيات كامنة لم يتيسر لها أن تفصح عن نفسها. لكن الأقرب إلى الصحة أيضاً هو أن الناس يعرفون رغباتهم، تلك الأشياء التي يودون في قرارة أنفسهم لو أنهم بلغوها أو تمكنوا من تحقيقها، ولكن الظروف حالت دون ذلك، أو لعل الأخطاء التي ارتكبها الإنسان في حياته أفضت به إلى خسارة أشياء كان يرغب لو أنه نالها. برواية الأشياء التي لم نحققها يمكن أن نكتب لأنفسنا سيرة موازية لسيرتنا المتحققة، سيرة افتراضية، لأن الحياة كان يمكن لها أن تأخذنا نحو هذه السيرة الافتراضية وتجعل منها حقيقة لا افتراضاً أو وهماً لا مجرد رغبة، لو أن بعض التفاصيل والملابسات، الصغيرة أو الكبيرة، كان يمكن أن تغير مسار الحياة برمته، أو على الأقل في مفاصل رئيسية من هذا المسار. فكروا في أن ترصدوا الرغبات التي لم تحققوها، وحاولوا أن تشرحوا الأسباب، ستدهشكم المقارنة!
 
صحيفة الايام
29 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

آلية إنتاج طبخة «العجة»

بما أننا في شهر رمضان الكريم، والمأكولات ‘سيدة موائد المترفين’، الذين يعيشون في دول ‘مترفة لبضع سلة آلاف من البشر’ تدعي صبح مساء بالغنى والاكتفاء الذاتي، لكنها في الحقيقة، لو تضرب طولها في عرضها لا تنتج وجبة ‘فطور’ واحدة، تسد رمق جوع غالبية شعبها قليل السكان، كثير ‘المنطق الوعظي الأفلاطوني’، وفق الباحث العراقي علي الوردي، الذي يعتبر هذا المنطق في كتابه الشهير ‘وعاظ السلاطين’: بأنه ‘منطق المترفين والظلمة’.
بما أننا في شهر رمضان الكريم، ويحلو لكثير منا أكل ‘أقراص العجة المقلية، أو المحشوة باللحم المفروم’، اللبنانية، أو الإسبانية، فقرأت مقادير هذه الطبخة لأربعة أشخاص، بعد أن استفزني مقال ساخر، رائع، ينبض بالوجع وينطق بلسان بناء نصف الحقيقة ويُغيّب نصفها الآخر عندما يبرئ إيران من عدم التدخل في الشؤون اللبنانية ويستثنيها دون سواها، فيما يصب غضبه على دول أخرى، كتبه الكاتب الصحافي إبراهيم الأمين، في صحيفة ‘الأخبار’ اللبنانية، الأربعاء 19 أغسطس/ آب الجاري، بطريقة إنتاج طبخة ‘العجة’، التي استخدمها في تسويق أفكاره رغم الاختلاف معها..
على كل حال، حصلت على تعريف آلية إنتاج ‘العجة’ بعد ‘غوغلة’ دعسة زر في النت، وهي كالآتي: ‘نصف كوب من البقدونس المفرومة فرماً ناعماً، 6 بيضات، نصف كوب من البصل المقشر والمفروم فرماً ناعماً، ربع كوب من الطحين، حبتان من الكوسة مفرومتان فرماً ناعماً (حسب الرغبة)، حبة من الفليفلة الخضراء مبشورة، نصف ملعقة شاي من الملح (حسب الرغبة)، ربع ملعقة شاي من البهار المطحون (حسب الرغبة)، ربع ملعقة شاي من الفلفل الأحمر الحريف المطحون (حسب الرغبة)، نصف ملعقة شاي من ‘البايكنغ باودر’ قليل من بشر الليمون الحامض، كوبان من الزيت النباتي’.
أما طريقة التحضير لطبخة ‘العجة’، فعلى القارئ الكريم أن يبحث عنها إن اشتهى.. سياسياً، وبخلاف ما يطرحه الأمين في تعطيل أو عدم تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، فإن الكل يلعب بما فيهم إيران وغير إيران، والتشكيل هناك يحتاج على ما يبدو إلى ‘توافق عربي، دولي طائفي’، وكذا الحال أيضاً، هناك محاولات جر العراق إلى مياه الرجعية الطائفية لـ ‘إنتاج عجته ضمن تشتيت مكوناته’ على الطريقة: ‘الأميركية، الإيرانية، السورية، السعودية، الأفغانية، الصومالية’، أو بقايا البعثية، أو نظام الإمارة الإسلامية ‘القاعدية’، وإن شئنا الميليشيات الشيعية وتوابعها ‘دون صفار البيض’، في بلد غني بخيراته المادية والبشرية، لكن شعبه فقير.. ولا أحد يسأل لماذا؟.
أما المفارقات المضحكة ـ المبكية، تكمن في ‘العجة اليمنية’، وهذه العجة، في هذا البلد الذي يعتبر من أفقر بلدان العالم، لا تُطبخ إلا على نار شديدة السخونة تذيب الفولاذ، ومقادير وصفتها: بضع مقاتلات من طراز ‘ميج’، ومدافع محشوة بقنابل تُفرم الحجر والبشر، وبضع رصاصات لصيد الأرانب البرية، وغازات سامة لقتل ‘الحشرات’ من الفئة الضالة، وشيء بسيط من القصف البري والجوي المكثف لقتل ‘الأعداء’ في صعدة الشمالية، وفي الضالع ويافع وخور مكسر بالجنوب.
 
صحيفة الوقت
28 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

رحل ناجي العلي.. لكن حنظلة لايزال حيا

لعل من دواعي اعتزازنا أن نستميح الكاتب (توفيق الشيخ) عذراً باتخاذ عبارته، كعنوان لمقالتنا هذه، التي أصاب في تلك العبارة كبد الحقيقة قائلا: “مات ناجي العلي.. لكن حنظلة لايزال حيا”.. ومن هنا نستطيع القول فخراً: هو حينما يرحل المناضلون والعظماء، فإن انجازاتهم وإبداعاتهم وعطاءاتهم قد تتجدد في أرضية الواقع المجتمعي الملموس.. بحسب ما تظل تضحياتهم وأفكارهم ومبادئهم ماثلة في ضمير الشعب وذاكرة الوطن.
وهكذا رحل المناضل الفلسطيني والعربي والأممي (ناجي العلي) شامخاً بوقوفه على قدميه، بعد أن ترك لأمته العربية المغبونة، إرثا وطنيا عظيما لا يسقط بتقادم الأعوام والقرون وتعاقب الأجيال.. بقدر ما يظل يوم استشهاده في التاسع والعشرين من شهر أغسطس 1987م محفوراً في صخرة الزمن ومضيئاً في سجل الخالدين.. حسبما دُونت بالمقابل أسماء قتلته المجرمين من صهاينة عملاء الموساد، وتواطؤ بعض المتآمرين من أمته في مستنقعات التاريخ.
اثنان وعشرون عاماً مضت على غياب المناضل (أبي خالد) فسيولوجيا.. ولكن يظل حضوره مبدئيا ساطعا بتلألؤ النجوم، وقد بلغ عنان السماء، وبأفكاره الحرة التي لا تموت، لأنها نهضت بانتفاضة أطفال الحجارة، وبقلمه الذي هو أمضى من السيف، لكونه قد انتصر على جلاوزته وجلاديه، وريشته “الجريئة” التي امتشقها بأغلى مداد، قد دحرت الظلم والقهر السياسيين، مثلما أماطت اللثام عن المؤامرات، أبطالها بريطانيا وبعض الحكومات العربية، ومافيا الصهاينة من يهود الشتات الذين احتلوا أرض فلسطين، مسترشدين بخريطة وعد المجرم (آرثر بلفور) عام 1917م، ومؤيدين لسياسة الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1924م، ومحتفلين بعام النكبة في 15 مايو عام 1948م.
بحسب ما يظل حضور الراحل المناضل (أبي خالد) متألقاً في سماء الحرية، والمتمثل في شعاره العظيم للطفل (حنظلة) المقيد اليدين والرجلين، وقد أدار ظهره للأنظمة العربية، استياء من تآمر العديد من الحكومات العربية في حرب فلسطين عام 1948م.. وبالتالي تبنيها مسلسل الانسحاق في التسابق المذل لعملية التطبيع مع العدو الصهيوني.
الطفل (حنظلة) أدار ظهره للحكومات العربية احتجاجاً على عدم شرعيتها، واستئسادها في الوقت ذاته على شعوبها ومفكريها وعلمائها، بمزيد من الدونية والتهميش، ومصادرة الحقوق والحريات العامة.. وتحويل المجتمع العام إلى سجن كبير، مرتكزاته ازدياد السجون والمعتقلات، ودعائمه إقامة المحاكم العسكرية وتشكيل المحاكم الأمنية.. ولعل الشيء بالشيء يذكر، هو حينما أعلن (حنظلة) بالأمس امتعاضه من دكتاتورية وتآمر الحكومات العربية.. فإن (حنظلة) اليوم قد يبكي دماً لما وصلت إليه فصائل التنظيمات الفلسطينية من الدرك المنحدر من الهزائم والنكسات، ومعاناتها مظاهر التمزق والتشرذم والانقسامات التي أصابتها في مقتل ومكمن.
إن الطفل (حنظلة) يبكي اليوم دماً في ظل احتدام الخلافات في أوساط منظمة التحرير الفلسطينية.. ويستنكر (حنظلة) عقد المؤتمر العام السادس لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد فترة طال انتظارها امتدت إلى عشرين عاماً، وفي ضوء ذلك برزت خلال المؤتمر خلافات المعسكرات الثلاثة، وما تمخض عنها من صراع واضح المعالم ما بين الحرس القديم والوجوه الشابة، ما بين “الجيل القديم” و”الجيل الجديد”.. وخوضهما ماهية الخلافات والفساد والفوضى والمحسوبية.. وبهذا الإطار أقر الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) في خطابه أمام المؤتمر قائلا: “إن الحركة ارتكبت أخطاء أدت إلى هزيمتها أمام حماس في غزة”.
ولعل ما يرسخ استياء (حنظلة) هو حينما منعت حركة حماس في غزة كوادر حركة فتح البالغ عددهم (480) عضواً من السفر إلى مدينة بيت لحم لمشاركتهم في أعمال المؤتمر، ناهيك عن سعي حركة حماس إلى أسلمة القوانين في قطاع غزة، وفرض وصاياها الإسلامية على المرأة الفلسطينية (المحامية والمعلمة) بارتداء الحجاب والنقاب.
تمر الذكرى الثانية والعشرون لرحيل شهيد الفكر والمبدأ والوطن المناضل ناجي العلي، فتسترشد الشعوب بأجمل ما سطرت ريشته الخالدة من رسوم ارتقت بالمفاهيم القيمية والإنسانية، ونهضت بالمبادئ الوطنية والأممية.. مثلما يستنهض شعب فلسطين المناضل إرادته من معين إبداعات وعطاءات (أبي خالد).
شعب فلسطين العظيم يعاهد الشهيد ناجي العلي، بأنه على الدرب سائر، وبالنهج ملتزم، وبالفكر مؤمن.. بقدر ما يظل يوم استشهاده مضيئاً، بتجلي تلك الكوكبة الشريفة من المناضلين الذين حملوا قضية شعبهم ووطنهم في قلوبهم وعقولهم ووجدانهم.. فناضلوا من أجل القضية، واستشهدوا في سبيل الوطن، وفي مقدمة أولئك الشهداء غسان كنفاني وكمال ناصر وكمال عدوان ويوسف النجار وخليل الوزير ودلال المغربي. فسلام عليك يا رسول الحرية المناضل (ناجي العلي).. وهنيئا لك يوم استشهادك في اليوم التاسع والعشرين من شهر أغسطس الذي سيظل ماثلاً في ضمير الأمة ووجدان الشعب، خالداً في صفحات التاريخ على مر الأزمان والعصور.

صحيفة اخبار الخليج
28 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

الغربة أنواع

تحتشد الأفكارُ السائدةُ العربية الراهنة كأشكالٍ من الغربةِ عن الأوطان وعن الإنسان.
يقول الديني إنه سيجمعُ الأموالَ للمنكوبين والضحايا لكن صناديق الزكاة تذهب إلى الإرهابيين.
نحن لا نرى تطويراً وإنقاذاً واسعين عميمين بل نرى شراً كثيفاً.
أموالنا تنقلب ضدنا وتصير سيارات مفخخة ولا أحد يدري من أي ذهب يُشوى العراقيون؟
كيف نوسعُ الصدقات والزكاة والتعاون ونخفض الفقر والقتل والحرق والتعذيب والحبس؟
كانت صورةُ الإلهِ في الإسلام واحدةً ثم تقسمتْ بين المذاهب والأفكار، لأن الدولةَ كانت لأغلبيةِ الناس، ثم صارت لأقلية الناس.
وسيطرت على المذاهب أقلية الناس أيضاً، فتوسع الاغتراب.
فمن يحمي الفقير، وهو أساس الأوطان؟ وأساس الانتماء؟
حاولت المذاهبُ المستوردةُ من الغرب أن تدافعَ عن الفقراء، وصارت أفكاراً عامة مجردة، ينقصها مضمونُ كل شعبٍ ومدى جهوده الفكرية، وحاولتْ أن تخففَ من الجمود الديني، الذي هو غربةٌ عن الإسلام، أي غربة هذه المذاهب في عدم نضالها عن عامة المسلمين الفقراء، وانتمت تلك المذاهب المستوردة إلى الفقراء وضحت من أجلهم وضُربتْ فعادتْ مذاهبنُا الإسلامية التقليدية بغموضِ انتمائِها إلى الأغلبية الشعبية، فلديها أقدام كثيرة عند الأغنياء وأقدام قليلة عند الفقراء.
وبعد سنوات الدوس والنفي تحتاج مختلف الأفكار إلى جو سلمي وجدل مع الحياة ومع بعضها لكي تزدهر جميعاً.
هل هو ممكن أن تزدهر جميعاً ؟
نعم ممكن إذا أخذت مصالح الأغلبية بالاعتبار والاهتمام وهي تهتم بمصالحها.
إن غربة العلمانية هي غربة فئاتِ الاستيراد التجاري والبنكي والموظفين الحكوميين عن الفقراء.
إن غربة الليبرالية هي غربة أصحاب الرساميل والثقافة عن العاملين المسلمين، هي الشعارات الحديثة في الفضاء الفارغ، لا تدرس أجوراً ولا تعرف توظيفات وطنية مغيرة بل وطنها هو الربح فقط.
كما أن ذهبَ الناسِ ونفطهم وغازهم وبحرهم وفوسفاتهم التي ينتجونها بتعبهم وتضحياتهم تغدو غريبة عنهم، وأشياءَ تتحول إلى بنوك وضرائب وفواتير ومدن تصير أقفاصاً تحضنهم بقسوة، فكذلك الأفكار والمذاهب تصيرُ غريبة عنهم، بل تصيرُ قيوداً لاعتقالهم، ولعدم قدرتهم على تغيير أوضاعهم.
إن العودة للانتماء هي عودة للناس، أن تصبح الأفكار متبصرة لمصالح الأوطان والأغلبية.
لكن كيف والمدن مخنوقة بالعمالة الرثة والمهاجرة والمدن حصالات والبرلمانات مخنوقة بالمصالح وبالرقابات، والأموال كثيفة وكثيرة ولكن تائهة بين الخزائن؟
هذا هو السؤال.

صحيفة اخبار الخليج
28 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

الانتقائية والذاتية في الإصلاح

 يقوم الإصلاح في البلدان الشرقية على أسس موضوعية، ونقول البلدان الشرقية عامة لأنها منظومة واحدة تاريخية، تأسست قبل آلاف السنين بقوانين اجتماعية متقاربة.
والأكثر تخلفاً وتعقيداً فيها البلدان الإسلامية والافريقية، لكن الدول الأخرى تشترك معها في ذات السمات السياسية الرئيسية.
والإشكالية الرئيسية هي سيطرات الدول، وهي قضية لم تـُحل على مدى عشرات القرون، ومن هنا فليس ثمة أسس موضوعية لأي تغيير، وأي تغيير يرتبط بالحكم بل بشخصية الحاكم، ومن هنا فالدول الشرقية هي دول ذاتية، تتبدل على مدى مقاربة الحكام لتلك الأسس الموضوعية، لكنهم لا يستطيعون التطابق معها، لأن الدول الشرقية تقوم على غير تلك الأسس، فتغدو التحولات مناورات وصراعات وقد تصير انتكاسات وتراجعات.
وليس نمو وظهور الحداثة في الغرب شيئا اعتباطيا لكن لأن أوروبا انكسر في تاريخها في كثير من الأحيان شمولية الدول المقامة على سيطرات الدول للمال العام والموارد الاقتصادية.
وليست الأفكار السائدة سوى صدى لتلك السيطرات المديدة، فالأفكار أيضاً هي استبدادٌ في مجال الوعي والشعارات والتنظيمات الاجتماعية المختلفة.
ولهذا يجب عدم التوقع بحدوث نهضات متسقة وديمقراطية مطردة في البلدان الشرقية بشكل عام.
ولابد أن تكون الممارسات السياسية والفكرية على قدرِ الأشكال المقاربة للديمقراطية بصفتها “الموضوعية”.
في الدول التي سلمتْ السلطات بشكل كلي للبرلمان هي دولٌ قليلة نادرة، كالهند واليابان وجنوب افريقيا، وبالتالي أخضعتْ التحولَ الديمقراطي لصراع الأغلبية والأقلية، المحول المغير للمجتمع في سلم التقدم.
إنه مستوى سياسي أتاح الصعود للوعي الديمقراطي في القوى الاجتماعية، وشكلهُ نموُ الملكيةِ الفردية لوسائل الإنتاج الكبرى عبر سنوات طويلة، فتحجمت آلة الدولة، وغدت جهازاً محايداً، لا يستطيع أن يسربَ الدكتاتورية للعمليات الانتخابية.
أي أن الانتقال للديمقراطية يتطلب الانتقال للرأسمالية المتطورة.
وبهذا فإن العمليات السياسية والاقتصادية هي مقاربات ومباعدات من وعن نموذج الديمقراطية هذا، الذي لم يوجد نموذج آخر غيره.
هل تستطيع الدول الشرقية أن تنتقل للرأسمالية المتطورة وتصنع بشكل جذري وتعيد تشكيل القوى السكانية تبعاً لمقاييس العمل الضروري والمتقدم؟
هذا يتطلب من الوعي السياسي أن يتبصر هذه الضرورات، فكيف يمكن جعل الدول العربية تشترك في عمليات تصنيع كبرى، وكيف يتم جعل فائضي السكان الريفي والبدوي ألا يصيرا شكلين للفوضى وهدر الإنتاج بل أن يدخلا في خطط التصنيع؟
وكيف تتوجه المؤسسات السياسية في الجزيرة العربية والخليج إلى وضع الفوائض في التصنيع الحديث والتقني المتطور وكيف تـُدخل فائض السكان النسائي والريفي والعربي عموماً في عمليات اقتصادية متقدمة؟
إن العمليات السياسية الديمقراطية بعيدة والخطوات الأقرب هي كيف يتم تفعيل قوى الثروة والعمل في الإنتاج المتقدم.
هل تستطيع المؤسسات المنتخبة أن توسع قوى العمالة الوطنية والخليجية؟
هل تستطيع أن تفهم أهمية الصناعة التقنية والبرمجية وتكيفها على خريطة الجزيرة العربية القليلة السكان وذات الثروة المؤقتة؟
هل تستطيع أن توجه قسماً كبيراً من الرساميل نحو الثورة الصناعية والعلمية بدلاً من تكديس الرساميل في التجارة ؟
هل تستطيع تحويل القرى والبلدات والأحياء الفقيرة مدناً حديثة متطورة؟
هل تستطيع البرلمانات أن توجه العمليات الاقتصادية وتضع الفوائض في التقدم الواسع بدلاً من الهدر والبذخ؟
بطبيعة الحال هذا يتطلب من العقول المختلفة موضوعية القراءات ورؤية المصالح البعيدة وآفاق التقدم الرحبة من خلالها، بدلاً من الغرق في المصالح الآنية والأرباح العالية العابرة.

صحيفة اخبار الخليج
26 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

تيارنا الديمقراطي: هموم ومهام – 7

على صلة بما توقفنا عنده أمس، كنت أطالع تقييماً نقدياً لتجربة منظمة العمل الديمقراطي في المغرب كتبه محمد المريني، ونشر في كتاب بعنوان:” اليسار المغربي: الثورة والإصلاح”، وفيه يطرح الكاتب السؤال التالي: هل الإصلاح السياسي مجرد مرحلة لشيء آخر أم انه يشكل نسقاً متكاملاً ومشروعاً مجتمعيا، وان له وسائله وأدواته وحزبه؟ هذا السؤال وثيق الصلة بما يصفه الكاتب أسئلة الهوية والمرجعية، حين سبب إكراه التبدلات التي طرأت على الصعيدين العالمي والوطني ارتباكا كبيرا في وعي المناضلين، وللحفاظ على الوعي الناظم الذي يشكل هوية ووجود اليسار، فان الكاتب يشدد على أن الموضوع الأساسي لكل مجتمع هو تأمين الشروط الأساسية للحياة، ذلك أن الحريات تكون بدون معنى إذا بقي الوضع المعيشي للناس متردياً. فلا يمكن تصور غرس الديمقراطية وتطويرها في ظل أوضاع تتسم بازدياد التفاوت في المداخيل وتفاقم مشاكل الفقر والتهميش المتزايد للأغلبية الاجتماعية وما ينتج عنها من إقصاء عن الحياة العامة وبتدني درجة الانخراط والمشاركة في الشأن العام؟ في عبارة أخرى فان المشكلة الأساسية التي تعاني منها مجتمعاتنا هي مشكلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتجلية في تامين الغذاء والمسكن والعلاج والتعليم للمواطنين، ومن هنا فان الدعوة إلى الديمقراطية والى تنمية ثقافة المشاركة المستقلة في الشأن العام، لا يمكن أن تنفصل عن الدعوة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل يتعين القول إن سبب وغاية الديمقراطية هي تحقيق التنمية الشاملة. إنهما وجهان لعملية تغيير واحدة، سياسية واقتصادية – اجتماعية. ما يمكن استخلاصه من هذه الأقوال يتصل تحديداً بضرورة أن تحافظ الحركة الوطنية الديمقراطية في البحرين على جوهرها الاجتماعي الفكري في كونها معبرة عن مصالح الطبقات الاجتماعية ذات المصلحة الحقيقية في الإصلاح الجذري بشقيه السياسي والاجتماعي، وأن تجمع في نضالها بين السعي لتعميق الإصلاحات السياسية التي تمت وتوسيع نطاقها بإقرار مبدأ الفصل بين السلطات، والدفاع عن الحريات العامة وبناء مؤسسات المجتمع المدني الحديثة، وبين الدفاع الدؤوب عن مصالح الطبقة العاملة والفئات الكادحة، وانجاز التنمية المستدامة والمتوازنة، والتصدي للمشاريع المؤدية إلى المزيد من إفقار الفقراء والدفع بالفئات الوسطى إلى خانة الإفقار بسبب سياسات الخصخصة العشوائية وتخلي الدولة عن التزاماتها الاجتماعية تجاه المواطنين. الاصطفافات والاستقطابات المذهبية قد غيبت الجوهر الاجتماعي للتناقض في المجتمع، لصالح مظهر مزيف وغير حقيقي لهذا التناقض اتخذ الشكل الطائفي الذي غُذي ولا يزال يُغذىَ بدأب من قوى نافدة في الدولة والمجتمع لأن لها مصلحة في ذلك، وفاقم من الأمر، كما أسلفنا في أحاديث سابقة، تنازل التيار الديمقراطي عن دوره المستقل، حيث وجد نفسه ينزلق، بدون وعي منه في الغالب، إلى شعارات وبرامج لا تتسق وطبيعته الفكرية والاجتماعية التي يجب أن يتحلى بها. هناك حاجة ملحة، تبدو واضحة اليوم، للعودة إلى هذه الهوية التي ميزت تنظيماتنا الوطنية الديمقراطية، من خلال الجمع الخلاق بين شقي النضال السياسي والاجتماعي، في سبيل الحريات والحقوق السياسية والدستورية من جهة، وبمقدار لا يقل في سبيل الدفاع عن لقمة عيش الكادحين من جهة أخرى. للحديث تتمة.
 
صحيفة الايام
26 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

حتى تكون كلمة التيار الديمقراطي مسموعة


 
وحدة التيار الديمقراطي
حاجة ملحة


    على الرغم مما يمتاز به التيار الديمقراطي في البحرين من تاريخ عريض وتراث وطني مشرف وبما يمثله هذا التيار من كتلة اجتماعية ، وخبرة سياسية غنية ، وخطاب سياسي ناضج متزن ، وكم هائل من العناصر الوطنية غادرته لأسباب متعددة ، لم يستطع أن يستثمر مساحة الحرية النسبية التي انتزعها بعد تضحيات جسام ، وافتقر لوجود برنامج الحد الأدنى الذي يوحده في المشتركات ، وتخبطت قوى هذا التيار في كيفية إدارة الملفات الوطنية ، ولم تستطع أن توازن بين الإستراتيجية والتكتيك وعجزت في أن تشكل قوة مجتمعية ضاغطة لإجبار السلطة على فتح قنوات للحوار معها ، , فصارت كلمتها غير مسموعة لا من الدولة ولا من القوى الدينية أو المجتمع  ،  ولعل مرد ذلك يعود بدرجة أساسية إلى ما افرزه صدور دستور 2002 من تداعيات ، وما تلته من انتخابات نيابية وبلدية ، حيث انقسم التيار الديمقراطي بين مشارك تمثل في المنبر التقدمي والوسط العربي الإسلامي ، ومقاطع تمثل في العمل الوطني ( وعد ) ، والتجمع القومي ، اللذين تحالفا مع جمعيتي الوفاق وأمل تحت مظلة المؤتمرات الدستورية للمطالبة بدستور عقدي .

    غير أن انتخابات 2006 أفرزت وضعا جديدا إذ شاركت الجمعيات الأربع المقاطعة بما فيها اليسارية الانتخابات رغم ما صرح به الشيخ علي سلمان على خلفية انتهاء الحوار حول الملف الدستوري  مع وزير العمل بان ( السلطة إذا اعتقدت بأننا سنشارك في الانتخابات القادمة دون تعديلات مجزية فهي واهمة ) ، غير أن جمعيته قد شاركت في الانتخابات دون هذه التعديلات ، ودون الاتفاق على كتلة انتخابية واحدة لا من الجمعيات الثلاث التي كانت منطوية معها في المقاطعة ولا من غيرها ، وكان واضحا أن طرفا وحيدا من هذه القوى هي جمعية الوفاق ستحصد مقاعد 18 دائرة في  مجلس النواب ، وكان للمرجعية الدينية دورا بارزا في هذا الفوز تحت ما عرف  ( بالقائمة الإيمانية ) ولم تجد نفعا محاولات هذه القائمة في ظل النظام الانتخابي القائم دعمها لمرشحين من قوى سياسية أخرىبطريقة فردية . كدعمها للسيدة منيرة فخرو ، وللمناضل عبدالرحمن النعيمي . 

    كما أفرزت انتخابات 2006 ، ظهور حركة حق التي تأسست دون الإطار القانوني الذي رسمه قانون الجمعيات السياسية في ظل برنامج سياسي أصر على المقاطعة ورفض التعاطي مع دستور 2002 ، واشتمل على المطالبة  بإصدار دستور عقدي جديد يقوم بصياغته الشعب عبر الانتخابات الشعبية وبعد إصلاح قانون الانتخابات وتوزيع عادل للدوائر على أساس الكثافة السكانية ، وتنحية رئيس الوزراء  وتبنت خطابا تصعيديا مع السلطة دون اعتراف بما يقوم به المجلس الوطني ، تمخض عنه أحداث مطلبية أدت إلى اعتقالات وتعذيب ومحاكمات شملت أنصارها ومؤيديها . 

    وتبرز الآن الحركة الدينية الجديدة التي أصدرت في فبراير  2009 بيان الانطلاق الذي جاء فيه  مؤكدا ( على أن النظام فقد شرعيته منذ أن انقلب على الوثيقة القانونية التي تعطيه الحق القانوني في ممارسة صلاحيات الحكم ، وذلك عبر انقلابه المشئوم على دستور عام 1973م ، وميثاق العمل الوطني ؛ فلم تعد هناك وثيقة قانونية يصح للنظام أن يستند إليها في شرعية حكمه وإلزام الشعب بها ، وأننا نعيش الآن فراغاً دستورياً وقانونياً لا يمكن حلّه وإزالة كافة تبعاته إلا بسن دستور جديد يحفظ للشعب كافة حقوقه ، ويصون الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم على أساس من العدل والإنصاف ، وأنه لا قيمة مطلقاً لدستور المنحة الذي سنّه النظام بإرادةٍ منفردة ، ولم يعد الميثاق بعد الانقلاب عليه من قبل السلطة ملزما لأبناء الشعب ) .

    أن هذا التخبط والتشرذم عند قوي المعارضة اليسارية والدينية على حد سواء هو ما أرادته السلطة التنفيذية وسعت إليه ، وساهم بشكل وبأخر في حالة التأزم التي تمر بها البحرين وفي استفراد السلطة بأجندتها . وقد عجزت كتلة الوفاق من إدارة معظم الملفات التي عرضت على مجلس النواب خلال دورات الانعقاد الثلاثة إدارة حسنة بل معظم أعضاءها ظلوا صامتين حيال ما تم عرضه من ملفات  ومرد ذلك لا يعود إلى تركيبة المجلس وقيود الدستور  واللائحة الداخلية فحسب بل إلى تركيبة كتلة الوفاق الأحادية الجانب  وإلى الطبيعة الإيمانية التي حددت نشاطها خلال العملية الانتخابية وخلال عملها داخل المجلس  وارتباطها بمرجعية دينية حددت طريقة وأسلوب أدارة مجمل الملفات الوطنية التي كانت محل اهتمامها . وليس هناك في الأفق ما يدعو إلى التفاؤل بأن تعيد الوفاق حساباتها .

    وساهم في هذا التشرذم ما تدعو إليه حركة حق بعدم التعاطي مع أحكام دستور 2002 ، ومع المجلس الوطني ، وما تطرحه الحركة الجديدة في بيان الانطلاق من خطاب يرفض حتى التعاطي مع ميثاق العمل الوطني ويعتبره غير ملزم للشعب .

    أمام هذا الوضع تبرز الحاجة الملحة أكثر من أي وقت مضى لوحدة التيار الديمقراطي بكل مكوناته وشخصياته الوطنية ، دون حاجة ضرورية للدخول في مناقشات حول من كان على خطأ أو صواب في موقفه من القضايا الوطنية خلال ألثمان السنوات الماضية ، بل انطلاقا مما يملكه هذا التيار من تراث وطني وتجربة ، ومن كوادر متنوعة ومتعددة تمرست في النضال ، وبما يملكه من معرفة يمكنها ان تضع برنامجا وطنيا ديمقراطيا جامعا لا طائفيا ، يعزز من دوره في الحياة السياسية تجعل من كلمته موحدة مسموعة من المجتمع والدولة ومن التيارات الدينية حيال مختلف الملفات الوطنية الآنية والمستقبلية .

 

هل يستطيع التيار الديمقراطي
أن يتولى مهمة وحدته ؟


 


هل يستطيع التيار الديمقراطي أن يتولى مهمة وحدته والقيادة وأخذ زمام المبادرة  ؟ وهل يمتلك القوة الذاتية التي تؤهله للقيام بذلك؟
يضع الكاتب الوطني عبيدلي العبيدلي في مقاله المنشور في صحيفة الوسط بعنوان ( لماذا التيار الديمقراطي 2-2 )  بعض من هذه التساؤلات، ويجيب عليها بوضوح  فيقول أن ( على التيار الديمقراطي ذاته امتلاك الشجاعة والثقة بالنفس، ومن منظور تاريخي، كي يقول نعم ) على هذه التساؤلات ، ويحدد العبيدلي أسباب ذلك على نحو صحيح في الأتي :

1 – الكتلة الاجتماعية – السياسية الكبيرة التي يمكن للتيار الديمقراطي أن يخاطبها، من خلال برنامج سياسي مدروس بعناية وقابل للتطبيق، ويدافع بواقعية ملموسة عن مصالح هذه الكتلة ، ودون الحاجة إلى إحصاءات دقيقة، هي الطبقة الوسطى بكل قواها وفئاتها المختلفة، يمكننا القول إنها تشكل شريحة واسعة من التركيبة السكانية للمجتمع البحريني. هذه الفئة الوسطى من هذا المجتمع، لا تزال نسبة عالية منها، وخصوصا القطاع المتنور منها، تتطلع إلى برنامج يخاطبها، وبوسعها، فيما لو وجدت مثل هذا البرنامج، أن تشكل النواة الصالحة للكتلة الحرجة التي يحتاج لها التيار الديمقراطي لخوض معاركه السياسية، وتحقيق بعض الانتصارات فيها.

2 – الخبرة السياسية الغنية التي بحوزة التيار الديمقراطي، فمن الحقائق التاريخية التي لا يمكن لأية قوة سياسية أن تنكرها، أن نسبة عالية من القيادات السياسية التي تتبوأ مواقع قيادية في الساحة السياسية البحرينية هي من خريجي مدرسة هذا التيار، بل وغرفت مياه تلك الخبرة من ينابيعه المختلفة في مراحل ازدهاره.

3 – الكم الهائل من الخبرات السياسية الوطنية التي غادرت صفوف تنظيمات هذا التيار، ورفضت في الوقت ذاته المساومة على أي من القيم التي تشبعت بها أثناء انتسابها لعضوية ذلك التيار، وهي كتلة سياسية وبشرية لا يمكن، ولا ينبغي، التقليل من حجمها، او الاستخفاف بقدراتها… هذا الكم، القريب جدا من التيار الديمقراطي، لكن علاقاته الحالية به شبه مشلولة جراء رفضه الدخول طرفا في الصراع الدائر بين قوى التيار الديمقراطي المختلفة أولا، ولعجز التيار الديمقراطي عن بلورة إطار تنظيمي يستقطب هذا التيار ويستفيد من الخبرات التي يمتلكها ثانيا. وكلمة حق تقال هنا، إن مسئولية حالة الشلل هذه تقع على عاتق الطرفين: الخبرات والتيار الديمقراطي.

4 – الخطاب السياسي الناضج المتزن البعيد عن أية مزايدات إيديولوجية، أو طفولات «يسارية غير مبررة»، لكن، و في الوقت ذاته، البعيد عن قيود وترسبات النزق التنظيمي الضيق الأفق، وبالقدر ذاته، غير المفرط (بفتح الفاء) بالمبادئ الأساسية غير القابلة للمساومة. مثل هذا الخطاب، يمكن القول إن التيار الديمقراطي، هو الأكثر أهلية، من دون سائر القوى السياسية الأخرى، بما فيها تلك اللصيقة بالسلطة السياسية، أو المتحالفة معها، على صياغته، واستخدامه والدفاع عما يدعو له.

5 – النقاء السياسي غير الطوباوي، الذي يتمتع به هذا التيار، لخلوه، والحديث هنا عن السمة العامة من دون التوقف عند بعض الظواهر الاستثنائية، من أية شوائب طائفية من جهة، وغير موالية للسلطة التنفيذية وبرامجها السياسية من جهة ثانية. هذا النقاء السياسي، لا يقصد منه إضفاء السمة «الطهرانية الساذجة» على هذا التيار، بقدر ما يراد منه الإشارة إلى أن طبيعة هذا التيار تشكل ما يشبه الحصانة الذاتية القادرة على مواجهة غزو جراثيم أو حتى فيروسات «الطائفية السياسية» المنتشرة اليوم، وبكثرة في سماء ساحة العمل السياسي البحرينية.

وفي هذا السياق تسجل وثائق وبيانات المنبر التقدمي اهتماما بالغا بالدعوة لوحدة التيار الديمقراطي في البحرين ، وقد عبرت عن هذا الاهتمام بوضوح كلمة الأمين العام في المؤتمر الخامس المنعقد في 15 مايو 2009 إذ جاء فيها أن ( علينا، كوطنيين وديمقراطيين، أن نواصل عملنا للتغلب على تشتت مكونات التيار الديمقراطي،  وقد خطونا خطوات أولى في هذا الطريق علينا المضي فيها بوتيرة أسرع، فإضافة إلى بعض الفعاليات المشتركة التي أقمناها مع رفاقنا في جمعية العمل الوطني الديمقراطي”وعد”، انتظمت خلال الشهر القليلة الماضية لقاءات دورية بين “التقدمي” و”وعد” والتجمع القومي، وأقرت لجنتنا المركزية في اجتماعها الأخير اقتراحاً سنتشاور حوله مع أخوتنا في “وعد” و” القومي” ومع القوى والشخصيات الوطنية الأخرى للإعداد لمؤتمر لمكونات التيار الديمقراطي في البحرين، تحضر له، بعناية، لجنة تحضيرية مشتركة، تحدد موعده ومحاور البحث فيه وآليات النقاش حولها. ليس أمامنا من خيار صحيح سوى المضي في هذا الطريق، فغياب صيغة تنسيق دائمة بين تنظيماتنا، وفق برنامج مستقل في رؤاه وتصوراته وتكتيكاته عن برامج القوى السياسية الأخرى ذات الطبيعة الفكرية المختلفة، أضاع الفرصة في تقديم البرنامج الديمقراطي البديل للموقف الرسمي المتردد في المضي بالإصلاح قدماً، ولموقف القوى السياسية والاجتماعية الأخرى الأسيرة لبنيتها الطائفية والمذهبية، التي تجعلها غير قادرة على أن تقدم طرحاً ديمقراطياً ووطنياً جامعاً، مما افقد الساحة السياسة من الدور المنتظر لهذا التيار، بما يؤهله له تاريخه الحافل بالتضحيات والتجارب وقوة التأثير، وكذلك برنامجه التقدمي العصري. )

لقد حددت هذه الكلمة بوضوح أهمية وضرورة وحدة التيار الديمقراطي ودعت إلى الإعداد لمؤتمر لمكونات هذا التيار ، ولعل ابرز ما يمكن أن تناوله في هذا السياق هو ما يتعين على التيار الديمقراطي من التوافق عليه في القضايا الوطنية للوصول لبرنامج وطني ديمقراطي لهذا التيار يكون احد محاور هذا المؤتمر  ، ونشير لهذه القضايا فيما يلي :



أولا : الموقف من ميثاق العمل الوطني


الميثاق حجر الأساس :

يتعين على قوى التيار الديمقراطي أن تؤكد  على أن التصويت على ميثاق العمل الوطني يمثل حجر الأساس لتكريس واقع جديد في البحرين سعيا نحو إقامة النظام الدستوري الديمقراطي ، وإقامة دولة القانون ، وقد لعبت القوى السياسية  بما فيها قوى التيار الديمقراطي دورا بارزا ومؤثرا في نسبة التصويت الكبيرة التي حصل عليها ميثاق العمل الوطني ، وانه ومعه الغالبية العظمى من شعب البحرين يتفق على رؤية محددة لطبيعة النظام السياسي وهي  كما جاءت في الميثاق  نظام ملكي وراثي دستوري وديمقراطي  ، يرسي هيكلا متوازنا يؤكد الشراكة  السياسية الدستورية بين الشعب والحكومة والفصل بين السلطات الثلاث ، ويوسع دائرة المشاركة الشعبية في تحمل أعباء الحكم و الإدارة ، من خلال  انتخابات دورية ونزيهة  ،  ويكفل حرية التعبير وحرية تشكيل الأحزاب السياسية ، والتداول السلمي للسلطة ،   ويقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة في ظل دستور يؤمن سيادة القانون واستقلال السلطة القضائية ، والالتزام  بمبادئ وأهداف  الأمم المتحدة والمواثيق والاتفاقات الدولية .
 
 
الميثاق أساس المصالحة :

كما يتعين على التيار الديمقراطي أن يتفق على أن  مبادئ ميثاق العمل الوطني والتصويت عليه من قبل شعب البحرين شكلت الأساس لما سمي بالمصالحة بين الحكم والمعارضة في البحرين  بعد صراع وعنف دامي طويل حدث قبل الاستقلال وبعده ، خلال هذا الصراع طالبت المعارضة بالعدالة الاجتماعية ، وبضرورة وجود تحول ديمقراطي حقيقي في البحرين ينقلها من حال إلى حال ، تتعزز فيه الحقوق والحريات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ،.وقد تم بموجب هذه المصالحة أن تنازلت الدولة عن ممارستها الأمنية فأطلقت سراح المعتقلين السياسيين من السجون ووافقت على عودة المنفيين ، وفسحت المجال نسبيا لحرية التعبير وتأسيس الأطر السياسية تحت مسمى الجمعيات السياسية ، في مقابل ذلك وافقت قوى المعارضة على أن تعبر عن حقوقها بالوسائل السلمية وقبول إقامة مملكة دستورية على غرار الممالك  الدستورية ذات النظام الديمقراطي وقبول الدولة والتعايش معها .

و أن يؤكد التيار الديمقراطي على ان إقامة مثل هذا النظام السياسي الديمقراطي بالمواصفات التي يتحدث عنها ميثاق العمل الوطني كان يتطلب وبمسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع  تعزيز أسس العدالة الاجتماعية توسيع المشاركة الشعبية ، احترام حقوق الإنسان ، وما يتطلب ذلك من إزالة ارث القوانين والتشريعات الثقيل الذي ورثناه من الحقبة السابقة ، ووضع تشريعات وقوانين جديدة تساعد على تطور المجتمع نحو الديمقراطية المنشودة تمكنه من خلق مؤسسات المجتمع المدني المختلفة التي تتلاءم والنظام الديمقراطي .
 
من هذه الأسس يتعين على التيار الديمقراطي أن يكون بمنأى عن دعوات بعض قوى التيار الديني للتنصل من ميثاق العمل الوطني أو عدم الاعتراف بشرعية الحكم ، وان يتمسك بما جاء في ميثاق العمل الوطني من مبادئ سالف الإشارة إليها .
 
 
ثانيا : الموقف من دستور 2002

تكاد جميع قوى التيار الديمقراطي تتفق  على أن بعض الأحكام  التي نص عليها دستور 2002 ، قد شكلت  خروجا على ما تم الاتفاق عليه بين الشعب والحكم في ميثاق العمل الوطني ، وأفرز ذلك إشكالية دستورية ، تمثلت فيما نص عليه هذا الدستور من اختصاص تشريعي لمجلس الشورى المعين يكاد يفوق اختصاص المجلس المنتخب ، و فيما نص عليه من أحكام جديدة لم يكن دستور 1973 ، ولا ميثاق العمل الوطني قد نصا عليها ، فنالت وانتقصت من اختصاص السلطة التشريعية في التشريع ، وفى بعض وسائل الرقابة ، فأخل ذلك بأهم مبدأ نص عليه  الدستور هو مبدأ الفصل بين السلطات ، إذ أصبح هذا المبدأ مجرد حروفا جوفاء ميتة. وقد أبرزت المعارضة مظاهر هذه الإشكالية الدستورية من خلال المؤتمرات الدستورية ، ومن خلال الوثائق الصادرة عنها ، وقد قدم المنبر وثيقة الإصلاح الدستوري اشتملت على ابرز المواد التي نالت من الاختصاص التشريعي والرقابي على ضوء تجربة المجلس الوطني خلال الفصل التشريعي الأول ، ويمكن للتيار الديمقراطي أن يتبنى هذه الوثيقة وله أن يضيف ويعدل فيها .

أن قوى التيار الديمقراطي مهما اختلفت في وسائل النضال  لإنجاز التعديلات الدستورية اللازمة من خارج البرلمان أو من داخله ، ومهما كان موقفها من التعاطي مع دستور 2002 فإنه يتعين عليها ألآن في سبيل وحدتها أن تتجنب الخوض في نقاش عقيم حول ما حققته المؤتمرات الدستورية من نتائج ، وحول الطريقة التي تمت بها إصدار الدستور الجديد ، ومدى شرعيته  وأنه في مقدورها أن تتفق على برنامج يشمل مطلب التعديلات الدستورية وأن ترفع شعارا (من اجل تعديلات دستورية تحقق الفصل بين السلطات ، او من أجل سلطة تشريعية لها كامل الصلاحيات )  يهدف إلى تعديل دستوري  يجعل من السلطة التشريعية سلطة فعلية غير منقوصة ، ويتضمن المكتسبات التي نص عليها دستور 1973 ويوسعها بما يعزز المشاركة الشعبية في الحكم ويطورها وفقا لميثاق العمل الوطني ، وهو شعار أو هدف سيوسع  بالضرورة من إطار المعارضة للإحكام الجديدة التي أنشأها الدستور الجديد  ، ويحقق الجبهة الدستورية التي كان قد دعى إليها الأستاذ عبد الرحمن النعيمي ً في أكثر من مناسبة  ، ويعزز مما كان المنبر التقدمي يدعو إليه بأن ملف التعديلات الدستورية يستلزم قبل الدعوة إلى الحوار والتوافق مع الحكم حوارا وتوافقا وطنيا من قبل جميع الفعاليات والقوى الوطنية فى المجتمع ، وعبر حوار وطني شامل.
 

ثالثاً : الموقف من الحقوق الحريات العامة

لاشك  أنه يتعذر على قوى التيار الديمقراطي أن تنكر بأن المشروع الإصلاحي  قد فسح المجال لحرية التنظيم السياسي  في البحرين ، فتأسست الجمعيات السياسية في أطار قانون الجمعيات السياسية ، وعبرت عن أهدافها ، وأصدرت برامجها ، وأنشئت صحافتها ، ومواقعها الالكترونية ، وفي ظل المشروع الإصلاحي تعزز دور الصحافة والصحافي ، وباتت الصحافة تنشر مواقف وأراء القوى السياسية ، وما يدور في القضاء من محاكمات جنائية ، وما يتعرض له المتهمون من تعذيب كانت قبل المشروع الإصلاحي هي من محرمات النشر ، وفي ظل هذا المشروع تأسست أيضا مؤسسات المجتمع المدني التي تعني بالعمال ، والشباب ، والمرأة ، وحقوق الإنسان ، وأصبح في مقدورها أن تقيم الندوات والفعاليات و المسيرات والتظاهرات السلمية في إطار قانون التجمعات والمسيرات ، وان تشارك في المحافل الدولية .
غير أن قوى التيار الديمقراطي تتفق على أن السلطة بدلا من ان تعزز هذه الحريات وتطويرها ، ونقصد حرية وحق التنظيم السياسي ، حرية التعبير والصحافة ، حرية وحق التجمع السلمي ، باتت تضيق ذرعا بها، وتضع العراقيل في مواجهتها ، فلم تنصت للملاحظات الجوهرية الهامة التي أبدتها القوى السياسية على قانون الجمعيات السياسية وقانون التجمعات والمسيرات ، ومرسوم بقانون الصحافة والنشر ، ووضعت الكثير من الحجج التي لا تتفق مع حرية التنظيم السياسي ،عند توفيق أوضاعها ، كما جعلت التجمع السلمي تحت وصايتها ولوحت بتطبيق العقوبات الغليظة منها ما نص عليها قانون العقوبات ، وقامت بغلق حتى المواقع الالكترونية التي تعبر الرأي ، ومنعت إقامة بعض الندوات، ووضعت العين الحمرة على بعض الصحف المحلية ، وهي بذلك لم تجعل من مؤسسات المجتمع المدني شريك لها في بناء الدولة الحديثة ، وأصبح الهاجس الأمني هو السائد لدى السلطة في علاقاتها مع هذه المؤسسات . ولم تعالج الدولة قضايا التعذيب والشهداء ، متجاهلة دعوات قوى المعارضة من اجل تسويتها بطريقة منصفة وعادلة ، واتبعت سياسة تجنيس سياسي واسعة النطاق بهدف تغيير التركيبة السكانية .

وقد قدمت قوى التيار الديمقراطي  رؤى قانونية وسياسية متقدمة وواضحة حول القوانين المتعلقة بالحقوق والحريات ، أبرزها في قانون الجمعيات السياسية ، والصحافة والنشر ، والتجمعات والمسيرات ، وقانون الجنسية ، وقانون الجمعيات الأهلية ، ويمكن للتيار الديمقراطي أن يعتمد على هذه الروىء في تحديد موقفه من الحقوق والحريات العامة ، وان يعتبرها ركيزة في صياغة برنامجه الموحد .

وفي هذا السياق فأن على قوى التيار الديمقراطي أن تعزز دورها ووجودها بصورة مشتركة  في مؤسسات المجتمع المدني المختلفة ، وحتى تستطيع ذلك فأن عليها أن تدرك أن العمل في وسط مؤسسات المجتمع المدني لا يهدف إلى السيطرة عليها واستغلالها لأغراض تنظيمية وإنما كتيار له تاريخ عريق في العمل الجماهيري لا بد أن يسعى لكسب ثقة جماهير المؤسسة التي يعمل فيها بتفاني  ونكران ذات في خدمة الناس ، بمعنى أن على التيار الديمقراطي أن يتخلص من السلبية السائدة المتمثلة في عقلية الاستحواذ على مؤسسات المجتمع المدني وأن يعمل فيها بعيدا عن تبعيتها لهذا التنظيم أو ذاك بهدف تعزيز دورها في صيانة الحقوق والحريات التي تحققت ، وفي سبيل انتزاع مزيدا منها .



رابعا الموقف من مبادرة الحوار

في اجتماعها الدوري الذي عقد بتاريخ 14 يوليو 2009، ناقشت جمعيات التيار الديمقراطي: التجمع القومي، العمل الوطني(وعد)، والمنبر التقدمي مستجدات الوضع السياسي في البحرين، وتم التداول في فكرة اللقاء التمهيدي المقترح بين الكتل النيابية ومختلف القوى السياسية، وصولا إلى تحقيق الحوار الوطني الشامل، والذي تم التوافق على أن تكون منطلقات قوى التيار الديمقراطي فيه قائمة على أساس مبادرة المنبر الديمقراطي التقدمي للحوار الوطني.
 وأكدت التنظيمات الثلاث أن طريق الحوار الوطني بين الدولة والمجتمع هو المدخل الصحيح للحفاظ على ما تحقق من مكتسبات، والتغلب على معوقات البناء الديمقراطي، من خلال الاتفاق على آليات الإصلاح السياسي والدستوري .

غير أن هذه الخطوة على أهميتها فهي غير كافية ، إذ لابد أن تكون مترافقة مع خطوات أخرى أبرزها أن تكون موسعة بحيث تشمل كل قوى التيار الديمقراطي بمن فيهم الشخصيات الوطنية ،  وان تحدد خطوات أو آليات للوصول بمبادرة الحوار للرأي العام ، وأن يقتنع الناس بضرورتها وأهميتها . وأن يحدد التيار الديمقراطي بوضوح تام أسباب تأزم الوضع السياسي وأن يضع حلول عملية واقعية للخروج منه.

 
خامساً:الموقف من الأوضاع الاقتصادية

لا يحتاج المتابع لكثير من العناء ليثبت أن المواطن يعاني من أزمة في الحصول على أهم مستلزماته الضرورية للحياة في العمل ، والسكن ، والصحة ، والتعليم ، وان هذه الأزمة تتفاقم رغم الإجراءات الحكومية التي تقوم بها ، مرد ذلك أسباب عديدة أبرزها تفشي الفساد في أجهزة الدولة ، وقد سجل بيان اللجنة المركزية للتقدمي مثالا واضحا لمظاهر الأزمة حين أشار إلى ( النهج العقيم الذي يدار به مشروع الموازنة العامة للدولة للعامين القادمين 2009-  2010 ،  من قبل الحكومة والسلطة التشريعية أيضا، ولاحظ المنبر التقدمي عدم جدية الحكومة في تغيير أساليب عملها السابقة والاستمرار في التعاطي مع الموازنة على أنها أبواب للصرف والإيرادات، ومجرد أرقام صماء، تغيب عنها الخطط والبرامج.

      لقد  قـُلصت موازنة المشاريع إلى الحد الأدنى، والتي هي عصب أساسي في عجلة التنمية المنشودة، بالإضافة إلى تقليص موازنات التعليم والصحة والإسكان والكهرباء والأشغال وبقية المرافق الحيوية، ورفض دعم موازنة مشروع البيوت الآيلة للسقوط، وإضاعة مشروع المدينة الشمالية في مهب التصريحات المتناقضة، والتراجع عن معونة الغلاء رغم أن مؤشراته لا زالت تضرب ميزانيات الأسر والأفراد المطحونين دون رحمة.   ويتم ذلك كله في تناقض حاد حتى  مع ما طرحته الحكومة ذاتها من أفكار في رؤية البحرين الاقتصادية والتنموية 2030، ولحساب  توجهات الصرف  غير المبرر على المشاريع العسكرية والأمنية من دون أية مبررات موضوعية لذلك، علاوة على الإنفاق ببذخ وإسراف على العديد من الدواوين والإدارات والهيئات غير المنتجة والتي تشكل عبئا مستمرا على مواردنا الوطنية آن له أن يُرَشـّد. ) .

   أن تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية كانت وستظل سببا رئيسيا لحالة الاحتقان والتأزم في الوضع السياسي ، لم تستطع الدولة  منذ التصويت على الميثاق أن تحقق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية للمواطنين .

ويمتلك التيار الديمقراطي بكل مكوناته برامج اقتصادية واجتماعية متطورة ، لما يملكه من  كوادر تمتاز بقراءة ثاقبة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، ويستطيع هذا التيار أن يلعب دورا كبيرا وواسعا ومتميزا عن سائر قوى التيار الديني في هذا الشأن متى ما استثمر هذه الطاقات واعتمد عليها بشكل مشترك وموحد . 


سادسا :الموقف من التيارات الدينية

 واقع التجربة يشير إلى أن التيار الديمقراطي لم يتجاهل ما للتيارات الدينية من دور وطني وجماهيري قدم هو الأخر تضحيات جسام من اجل العدالة الاجتماعية ، وقد شاركها وبفعالية في مشتركات القضايا الوطنية ،أبرزها ملف التعديلات الدستورية ، والملفات المتعلقة بحقوق الإنسان برؤية نقدية متقدمة لقانون الجمعيات السياسية ، وقانون التجمعات والمسيرات ، وقانون العمل وشاركها في ملف التجنيس وقضايا التعذيب والعدالة الانتقالية وملفات أخري ، غير أن قوى التيار الديمقراطي ذهبت في تحالفها مع قوى التيار الديني منفردة لأسباب موضوعية وذاتية لسنا بصدد مناقشتها هنا ، وهذا التفرد أضعف من هيبتها وقوتها لا من قبل التيار الديني فحسب ،بل من قبل الدولة ومن الشخصيات الوطنية المستقلة ، لذلك آن الأوان للتيار الديمقراطي ان يرسم في برنامجه طبيعة العلاقة بينه وبين قوى التيار الديني على أساس حدده بوضوح العبيدلي في مقالة المشار إليه سلفا في استخلاصه الصحيح  (  أن التيار الديمقراطي، هو دون سواه، الأكثر أهلية كي يشكل الرافعة السياسية التاريخية التي يمكنها أن تقود الحركة السياسية البحرينية نحو شطآن الأمان، على أن يتم ذلك، وبمشاركة كل القوى الأخرى القابلة للعمل وفق مشروع ذلك التيار أو بالتحالف الاستراتيجي معه.)

وهذا يعني أن على التيار الديمقراطي حتى يشكل هذه الرافعة لابد له أن يتحالف مع غيره من قوى التيار الديني الوطني وفقا لبرنامجه ومشروعه هو وليس وفقا لبرنامج القوى الأخرى ، وأن ذلك يتطلب من التيار الديمقراطي أن لا يدعي أن قواه هي أحسن وأقدر علي حل كل مشكلة وتولي كل مسئولية، يجب أن يعترف لغيره من القوى الدينية أيضا بقدرات القيادة وحل المشاكل وتولي المسئولية ، وأن يتم التعاون معها في إطار أهداف وأغراض المؤسسات الجماهيرية المعينة ، وفي الوقت نفسه، فأن التيار الديمقراطي  يتعين أن يكون له برنامجه وأفكاره ومواقفه، وله حقه وواجبه الدائم في كسب مؤيدين وأعضاء له .

غير أن الركون لهذا التحالف مع قوى التيار الديني على انه هو الذي يحدد بوصلة التيار الديمقراطي في تحديد مواقفه من مجمل القضايا الوطنية و في خوض الانتخابات ، أو تجعل منه أسيرا تبعيا للتيارات الدينية ، يتعين أن تكون بمنأى عن  سياسته وبرنامجه ، ويمكن للتيار الديمقراطي حين يصبح موحدا أن يكون متقدما وواضحا في رؤيته عن رؤية التيارات الدينية تجاه مختلف القضايا التي تعصف بالوطن  .ولا ينال من ذلك أن يتحالف التيار الديمقراطي مع غيره من القوى الوطنية في أي إطار سداسي أو سباعي  ، لكن عليه أن يوسع هذا التيار من دائرته ، وان يذهب في تحالفه هذا موحدا وبرؤية مشتركة .
 
سابعا : الموقف من النظام الانتخابي

يكاد لا يخلو برنامج سياسي لقوى التيار الديمقراطي من الدعوة بضرورة أعادة النظر في النظام الانتخابي المعمول به في البحرين وعلى الخصوص أعادة رسم حدود الدوائر الانتخابية على نحو عادل ومتساو من حيث رسم الحدود الجغرافية ، ومن حيث عدد الناخبين، وبات هذا الملف مطروحا بصورة جلية في الآونة الأخيرة ومع اقتراب انتخابات مجلس النواب 2010 .

وقد سبق للمنبر التقدمي أن أقام حلقة حوارية حول النظام الانتخابي في البحرين ، شاركت فيها قوى التيار الديمقراطي ، والشخصية الوطنية الكويتية أحمد الديين ، وقدمت فيها عدد من الأوراق أكدت على عدم عدالة النظام الانتخابي في البحرين وضرورة تعديله ومن بينها ورقة التقدمي التي خلصت إلى المطالبة بتقليص عدد الدوائر الانتخابية ، وقد صاغ المنبر التقدمي مؤخرا ( وثيقة أصلاح النظام الانتخابي في البحرين مقترح النظام الانتخابي البديل ) اشتملت على مظاهر عيوب النظام الانتخابي ، ووضعت مقترحا بديلا خلاصته المطالبة بتعديل المادة السابعة عشر من المرسوم بقانون رقم (14 ) لسنة 2002 بشأن مباشرة الحقوق السياسية كمايلي (تقسم مملكة البحرين إلى خمس دوائر انتخابية لعضوية مجلس النواب على أن لا يتجاوز الفرق في عدد الناخبين بين دائرة وغيرها من الدوائر نسبة 15%.  طبقا للجدول المرافق لهذا التعديل، وتنتخب كل دائرة ثمانية أعضاء للمجلس، على أن يكون لكل ناخب حق الإدلاء بصوته لثلاثة من المرشحين في الدائرة المقيد فيها، ويعتبر باطلا التصويت لأكثر من هذا العدد )

هذا المقترح يلغي حق السلطة التنفيذية في ان تحدد المناطق الانتخابية وترسم حدود الدوائر بمرسوم ، ويحول النظام الانتخابي في البحرين من نظام أكثري لدوائر فردية إلى نظام أكثري لدوائر جمعية لا يمكن تعديله إلا بواسطة السلطة التشريعية مثل ما هو معمول به في دولة الكويت ،ويمكن للتيار الديمقراطي أن يتبني هذه الوثيقة وما اشتمل عليها من مقترح وأن يشكل في مهمة عاجلة لجنة لهذا الغرض ومن اجل وحدة الموقف من النظام الانتخابي  بدلا من تشته ، وسيعزز ذلك دون شك من كلمة التيار الديمقراطي في هذا الشأن ، غير أن على هذا التيار أن يدرك أن ذلك يحتاج إلى قوة مجتمعية ضاغطة أي رأي عام شعبي ضاغط ، وتجربة الكويت في هذا الشأن واضحة ، إذ أدركت القوى السياسية الكويتية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها خطورة تقسيم الخمس والعشريني للدوائر الانتخابية وانعكاساته السلبية … وبدأت منذ العام 2004 تحركات من هذه القوى والكتل النيابية من اجل تعديل الدوائر الانتخابية وتشكيل رأي عام ضاغط على الحكومة في هذا الاتجاه ، لقد ساهم في في تشكيل الرأي العام الضاغط في الكويت تحرك القوى الشبابية والطلابية التي رفعت شعارا بسيطا ومحددا هو شعار( نبيها خمس ) وبدأت في عقد الندوات وتحشيد تجمعات وإطلاق فعاليات واستخدام شبكات الانترنت من أجل التعبئة لصالح إقرار مطلب الدوائر الخمس .ونعتقد انه في مقدور التيار الديمقراطي وبعد أن يتوافق كقوى سياسية على مقترح جمعية المنبر التقدمي أن يشكل رأي عام شعبي ضاغط من اجل الدوائر الخمس .


ثامنا : الموقف من المشاركة في انتخابات 2010

مع احترامنا وتقديرنا لبعض قوى التيار الديمقراطي التي لم تحسم بعد خيار مشاركتها في انتخابات 2010 ، فأن على هذه القوى أن تدرك أن المقاطعة في ظل التوازنات السياسية ستعزلها عن الناس ، وان على جميع قوى التيار الديمقراطي في مهمة عاجلة  أن تعيد النظر في تحالفاتها المحدودة وأن تسعى من الآن انطلاقا من الموقف المشترك في القضايا التي أشرنا إليها إلى المشاركة في انتخابات 2010 بكتلة انتخابية وطنية موحدة ، تتفق على مرشحيها وتضع برنامجا انتخابيا موحدا من أجل الوصول إلى الناس بهذا البرنامج ، وهي خطوة أن تحققت ستعزز من نمو وتطور التيار الديمقراطي نحو عقد مؤتمره العام ووضع وثيقته البرنامجية مهما كانت النتائج التي سيحصل عليها من المشاركة ، إذ لابد من التيار الديمقراطي أن يستثمر مشاركته في الانتخابات القادمة إعلاميا في توصيل مواقفه من مختلف القضايا الوطنية لقطاع كبير من الجماهير التي تتطلع لوحدة هذا التيار ، رغم ما يعترى المؤسسة التشريعية القائمة والمشاركة فيها ، والنظام الانتخابي من عيوب ونواقص وذلك باعتبار أن المشاركة في البرلمان هو شكل من أشكال النضال ا للدفاع عن  مكتسبات الشعب ومراقبة  الحكومة ، يتعين أن تستثمر ما نص عليه الدستور الجديد  من أحكام ومبادئ هي لصالح الناس والمجتمع ، كتلك الأحكام التي ترسي وترسخ مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون ، واستقلال القضاء ، وتنص على حق مجلس النواب وحده في مراقبة أعمال الحكومة .



تاسعا:الموقف من الدعوة للمؤتمر

في ظل الحاجة الملحة لوحدة التيار الديمقراطي ، وفي ظل قدرة هذا التيار على تولى مهمة وحدته ، وفي ظل ما يوحده من مواقف على النحو الذي أوضحناه ، فأن الدعوة التي أطلقها المنبر التقدمي للإعداد لمؤتمر لمكونات التيار الديمقراطي في البحرين، تحضر له بعناية، لجنة تحضيرية مشتركة، تحدد موعده ومحاور البحث فيه واليات النقاش حولها. هي كما أشار الأمين العام للمنبر التقدمي في كلمته أمام المؤتمر العام الخامس خيار صحيح ليس أمامنا سوى المضي في طريقه ، يتعين على جميع قوى التيار الديمقراطي والشخصيات الوطنية أن تأخذ هذه الدعوة على محمل الجد ، وان تسعى في مهمة عاجلة وكخطوة أولى نحو تشكيل لجنة تحضيرية مشتركة من أجل الإعداد لهذا المؤتمر ، يكون من ضمن المهام المنوط بها أعداد مشروع أو مسودة الوثيقة البرنامجية التي ستحدد  موقف التيار الديمقراطي من القضايا الوطنية ، وكذلك أعداد مشروع النظام الأساس الذي سيحدد الهيكل التنظيمي وطريقة عمل ونشاط هذا التيار.
ليس أمام التيار الديمقراطي من خيار سوى القبول بهذه الدعوة وتفعليها ، فأن في ذلك ما يعزز من هيبته وكلمته المسموعة ، دون أن يتجاهل صداقته وما يجمعه من مشتركات مع القوى الوطنية الأخرى .

 
خاص بالتقدمي
 

اقرأ المزيد

تعاون التقدميين مع الدينيين

يضعنا بعض وجهات النظر الجزئية غير الجدلية وغير المتحركة، في زنزانات سياسية، فهي تفصلُ فصلاً متعسفاً بين الحركة التقدمية والإسلام، فلديها أن الفكر الديمقراطي الحديث مناقض كليا للإسلام، وأن على التقدميين أن يصارعوا الدينيين بشكل كامل وساحق، أو أنه على الدينيين أن يتجاهلوا تطورات الحياة والتقدم.
فترى كذلك أن الدينيين هم قوى سياسية جامدة، خارج حركة التاريخ.
ونحن نرى أن أغلب الكيانات السياسية في الحياة الشعبية هي كيانات مُغيرة بهذا الشكل أو ذاك، بهذا الحجم من الوضوح والتبلور، أو بذاك، فهي كلها من القوى الشعبية التي تريد تغييرات في حياتها، وتريد أن تكون لها كلمة في واقعها وثقافتها.
وقد أعطت الحياة البرلمانية الوجيزة فرصة للمقاربة بين التيارات المذهبية السياسية ووجدت نفسها لا تتحدث عن الفقه والأحكام بل تتحدث عن قضايا الناس ومشكلات الاقتصاد وجور الميزانية وقلة ما يُصرف على رفع حياة الناس المادية وغموض سياسة الاستقدام للعمالة الأجنبية وغيرها من القضايا التي يتقاربُ فيها كلُ الناس المواطنين ويريدون لها حلولاً.
بطبيعة الحال هناك الشعارات المحافظة والهجوم على السياحة وبعض الحريات الشخصية، وهي أمور يؤيدها قطاع محافظ من السكان، يرى أن الانفتاح الاقتصادي له عواقب على علاقاته الأسرية وقيمه ولا يؤيد حريات النساء الواسعة.
وهي اختلافاتٌ بين قطاعات من السكان كل له رأيه وعاداته ومفاهيمه، ولكننا لابد أن نقبل برأي هذا القسم المحافظ الكبير من الناس، بصفته رأي الغالبية، من دون أن نعتقد بصحته ونحاول تبصيره بتعقيد المرحلة وكيفية الصمود الحقيقي العميق فيها.
ونحن نريد أن نبتعد عن الاختلافات والصراعات الجانبية ونركز في القضايا الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية العامة المشتركة، أن نجد لها حلولاً، وأن نجد مقاربات بين مصالح العمال البحرينيين ومصالح التجار، بين مصالح أهل المدن وأهل القرى، بين حريات الشركات ومصالح المواطنين ونظافة بيئتهم وسلامة حياتهم، بين ارتفاع الأجور وبقاء الأرباح، بين الأملاك العامة وبيروقراطية إدارتها وملكيتها الشعبية المفترضة غير المحققة، بين تدفق الشركات بكثافة وسرعة مع قلة الضوابط والمراقبة وغموض حقوق البلد عليها الخ…
في حين أن البرلمان والحياة السياسية لا يناقشان ولا يعالجان مسائل المذاهب وتطور الدين، فهذه الأمور أمور بعيدة المدى، من اختصاص العلماء وحراك المذاهب، وهي تجرى لكن عبر الثقافة والفكر وتتطور من خلال تطور الأمم الإسلامية، وزج القضايا الاقتصادية والاجتماعية بالمسائل الدينية وضح خطؤه واكتشف المذهبيون السياسيون أن المطلوب أن يفهموا الواقع ويحاولوا السيطرة على مشكلاته، ولكن تكوينهم المذهبي وخلفياتهم التي تعود لهذه الثقافة غير ذات العلاقة بالواقع المادي جعلاهم غير قادرين على فهم العمل البرلماني بعمق، ولا على ملاحقة الحكومة ومناوراتها الكثيرة التي جعلتهم ضائعين.
اقتصر عملهم على العديد من القرارات برغبة وعلى مجموعة كبيرة من الأسئلة، وكادت أن تغيب مشروعات القوانين، وعمليات المراقبة الفاعلة والتغيير المفيد للشركات الحكومية العامة وفهم ونقد خطط الوزارات المختلفة.
لقد اوضحت الدورة البرلمانية عجز أي قوة سياسية وحيدة في الصراع البرلماني العميق مع الحكومة، وأن المسألة ليست صراعاً بين الدينيين والعلمانيين، ولا صراعاً بين التيار الشيعي والتيار السني، بل المسألة هي في ذيلية البرلمان للحكومة وعجزه عن ملاحقة مستوى الأداء الحكومي في أبسط حالاته.
ولكي تحدث مقاربة معقولة للأداء الحكومي على القوى السياسية المختلفة أن تترك عمليات الصراع والتناحر بينها، وأن تدع خاصة التراشق المذهبي والخندقية الثنائية المؤسفة وترتفع عنها برؤى وطنية، وأن تركز في تصعيد قدرات سياسية وعلمية كفؤة للبرلمان وللبلديات تكون مدافعة بجسارة ودراية عن مصالح الناس، وبطبيعة الحال هذا لن يحدث لدى جميع القوى السياسية، فهناك من يفضل العمل وحده متجهاً للفوز الكاسح واقصاء القوى الديمقراطية الأخرى.
وهذا نجده لدى صقور القوى المذهبية السياسية الذين يرون أن أغلبية السكان في يدهم، وهو المستوى نفسه الذي أنتج لنا البرلمان الحالي الضعيف الأداء، المهمش من قبل الحكومة، مهمش من حيث قدرته على التغلغل في الإدارة وتوجيهها لصالح المواطنين، مهمش لاعتماده على الصوت لا على الفعل.
ومن هنا فإن أي قوة دينية تتبصر هذا الواقع وتدرك المسار المؤسف لصقور المذهبيين، وحاجة البلد وتطوره إلى تحالف عريض من الكفاءات والرموز السياسية، فإنها تتقارب مع القوى التقدمية والديمقراطية، أي تتحالف مع المستقبل، مع تجذير الإصلاحات السياسية والاقتصادية، مع توزيع الفوائض الاقتصادية بشكل عقلاني على المصالح الوطنية العامة وعلى الجمهور، مع تقوية الترابط الوطني والارتفاع عن المعسكرات القديمة والصراع الحضاري الوطني كذلك مع الحكومة كسباق مشترك نحو رضا الشعب.

صحيفة اخبار الخليج
25 اغسطس 2009

اقرأ المزيد