المنشور

كلمتا البرقِ الخــُلبِ

في التراث تجسد صورة (البرق الخلب) حالات الإنسان المزهو بنفسه مثل السحابة الكبيرة التي تطلقُ البروقَ ثم لا تـُسقط مطراً.
وهي حالة كثير من الناس يتصورون ان بإمكانهم أن يكونوا نجوماً في سماء المعرفة والفكر، فيعتمدوا على التظاهر الخارجي، مثل الممثل الفاشل الذي هو غير قادر على صنع المشاعر الداخلية في أغوار نفسه، فيتظاهر بحركات خارجية تعكس فقره الروحي.
والسبب قوة الطموح وقلة الدرس، فهو ليس لديه وقت للقراءات العميقة، ومكابدة البحث، وعناء الصقل الداخلي، ونحت الأفكار في الدماغ، إما لعادات اجتماعية سيئة وإما لنقص في القدرات الجسمية، ومع هذا فهو يرى الناس كالأقزام، ويرى المنتجين الكبار محدودين صغاراً، وهي خصال سيئة تزيده تشوها لكنه لا يراها في نفسه بل في الآخرين.
وأدت ظروف التنافس والفردية الطاغية وسيادة عالم المظاهر وانتشار الدكتاتوريات المقزمة للبشر، إلى صعود هذه الظاهرة واستشراء شراء الأقزام وتصعيدهم على المسارح الاستعراضية السياسية والاجتماعية المختلفة.
حين كان العصابي الاجتماعي مع البشر العاديين، يصارع ما يصارعون، ويتألم مما يتألمون، كان لديه بعض المواهب، وكانت مشاعره تتألق للدفاع عن الوطن أو الناس، كان يحفظ بعض الشعارات، ويقرأ بعض الإنتاج، ولم يكن متواضعاً وهو مع هذا الحشد المضحي، بل يرى نفسه مغايراً، ولا يرضى بأي نقد، وهو عصبي المزاج، يعكس نفساً متورمة، لها حدود حمراء تتفجر بالصراخ والنداءات الحادة حين تلامس تلك الحدود أي ريشة قدح أو نقد.
وإذ كثيرون من المتورمين يتساقطون عاجزين عن دفع ضريبة العمل السياسي الذي يتطلب النقد والبحث وكون المشتغل به فردا مثل سائر الأفراد، فإن المتورم الأكثر تركيباً، والأكبر طموحاً، الذي يمتلك بعض المهارات، يواصل الصعود في عالم الأنوار، عالم البروق.
في حالة الكتابة يتعلق بالشعارات والحالات العامة المجردة التي ليست فيها قدرات تحليلية عميقة، يستند إلى جزئيات فيها بعض الصحة والبقع الفاقعة والصواريخ المبهرة، ويمضي بها وقتاً ولكن غير قادر على الاستمرار فيها وجعلها تتغلغل في المجتمع، ومتابعة تصوير نماذجه من العامة والمثقفين الذين كان يحفل بهم، ويتابع نماذجهم، فيروح في عالم كتابي غنائي غامض، ينسحبُ من خلاله من عالم الكادحين الذين كان يتغنى بنضالهم، ويسجل عذاباتهم، ولا يحفل بالتناقض بين ما كان بالأمس وما صار اليوم.
لا تهمهُ مساحة التناقض، وهوة الاختلاف، وعظم القصور الداخلي، وضرورة مراجعة النفس، ونقد الذات على الهوان، وكون الأشياء المادية لا تساوي شيئاً أمام عظمة النفس، وأن المهم والعظيم هو بقاء الذات مشعة ومستمرة في صنع المطر لا في تشكيل الاستعراضات المبهرجة والبروق الخلبية.
لا يستطيع أن يستمر في كتابة الحقيقة، فكتابة الحقيقة لها أثمان: تعبٌ في القراءة، وبساطة مع الناس، وتواضع أمام الرموز الإنسانية الكبيرة، وشفر الأسلحة في تعرية نماذج الفساد، وظاهراته الاستغلالية المتصاعدة، وتوسيع البصيرة في رؤية الأحداث الغامضة، لكنه لا يستطيع ذلك.
فقد يلجأ هنا إلى صوفية تجعلهُ متوارياً، مغمغماً بلفظيات فاقعة مبهرجة، مجعجعاً بثورياته في المطلق والمجرد والغامض، أو إلى إنشائية اجتماعية أو سياسية مباشرة يسودها الاستعلاء وتجريح الآخرين وتقزيمهم وهي تصدر عن نظرات ضحلة لا تتغلغل في الظاهرات الاجتماعية والسياسية المعقدة، لكن عبر الصواريخ اللغوية والادعاءات الأدبية، يستر جزءا من عري ظاهر.
ولابد له من مدح الواقع القائم الذي يستفيد منه، متحولاً هنا إلى عالم موضوعي، يدرك المراهقة اليسارية وخطورتها ويخفف من وطأتها على الكفاح الشعبي، ويغدو هو الوطني البارز الذي يعرف مسار الحق، ويوجه الجماعات الطائشة كافة إلى طريق الصواب.
ورغم أن نظرته حولاء، ويقرب النار من قرصه في الانتقادات الصغيرة كافة، والمدائح الكبيرة، ويستدير في أي لحظة و”يتشقلب”، ويكشف عن الإنجازات الخطيرة، فإنه يرى أنه أعظم من فكر ونظر.
وتتعقد الحالة النفسية إذا كانت مثل هذه الإنشائيات تتشكل من أجل لقمة العيش، فهي تصير تواضعاً من العملاق، وإهانة لقدراته الكبيرة من أن يخدم البسطاء و(الأغبياء)، فإذا كانت زحفاً في عالم الفساد وضروب التزلف والنفاق السياسي، فلابد من تصويرها على أنها قمة البحث والعروض النقدية والكشف لصالح الأمة والشعب.
لا تتشكل هنا حالة خصب مع ابتعاد النموذج عن الأرض وعن الناس، حيث اصبحت فقاعة تطير في الهواء، تطلق بروقها الحارقة على المشاهدين، وتعيد تشكيل الإنسان والحضارة.

صحيفة اخبار الخليج
23 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

أين نحن من خيار الطاقة البديلة ؟!

في محاضرة له بجامعة النيل بالقاهرة منذ عدة أشهر حول الطاقة البديلة والمستقبل، ركز وزير النفط السعودي السابق الشيخ أحمد زكي يماني على أهمية أن تلتفت دولنا العربية إلى ما يدور في العالم المتقدم تحديدا من توجهات محمومة باتجاه خلق بدائل لمصادر الطاقة التقليدية في العالم والتي من بينها النفط والغاز والفحم، والاتجاه بدلا منها نحو تكنولوجيا الطاقة البديلة المعتمدة على الشمس والرياح والطاقة النووية. كما أوضح اليماني أن دولا من بينها مصر والمملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى تمتلك مواصفات مثالية لإيجاد بدائل أكثر جدوى من بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية، والتي يمكن لدولنا أن تتحصل منها على مخزون هائل لا يمكنه أن ينضب، وذلك بالاستفادة من طبيعة مناخ وجغرافية دولنا للاستثمار في مثل تلك التكنولوجيا التي هي حتما خيار المستقبل. وكنا قد تابعنا كيف أن الرئيس الأمريكي “اوباما” قد أكد في خطبه إبان حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة وحتى بعدها، على ضرورة الأخذ بمثل هذا التوجه، الذي أصبح مهيئا لتستثمر فيه الولايات المتحدة الأميركية تريليونات من الدولارات من الآن فصاعدا باعتباره هدفا استراتيجيا لا رجعة عنه، فها هي مجموعة الدول الأوروبية التي تعتمد في الوقت الراهن على بدائل الطاقة بنسبة تفوق 55%، تسعى للتخلص التدريجي من هيمنة النفط والغاز على مجمل سياساتها الاقتصادية والتنموية، علما بأن دولنا العربية تحوز ما يفوق ثلث معدل الاستهلاك العالمي من تلك السلع، كما أنها مصدر أساسي لمواردنا المالية. محلياً يمكن أن تقرن تلك التوجهات العالمية بالتوجه الرسمي الذي أفصح عنه جلالة الملك منذ أكثر من عامين بالتوجه نحو الطاقة النووية، والتي استمدت من مضامينها دعوة الرئيس التنفيذي لهيئة الكهرباء والماء ورئيس لجنة الطاقة البديلة الأخيرة في مملكة البحرين “عبدالمجيد العوضي” خلال ترؤسه للاجتماع الثاني للجنة الطاقة في البحرينية، والتي استند فيها على تقرير البنك الدولي، حول أنسب مصادر طاقة يمكن للبحرين توظيفها والاستفادة منها، وهما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، هذا بالإضافة إلى الطاقة النووية طبعا، حيث تؤكد كل الحقائق العلمية المعلنة حتى الآن أن هناك مقومات أساسية لقيام مثل هذه الصناعة والاستثمار فيها بما يوفر بدائل حقيقية هي أكثر جدوى واستدامة من الطاقة التقليدية، خاصة ما توفره الطاقة الشمسية التي تحظى بلادنا منها بنسبة سطوع شمسي تعتبر مثالية جدا، وتبلغ بحسب ما ذكر “العوضي” بين 4000 الى 7000 / وات في الساعة ، مما يجعل بدائل الطاقة المقترحة هذه أكثر تنافسية بالنسبة لمصادر الطاقة التقليدية. ومملكة البحرين التي تنتج 2800 ميغاوات من الكهرباء و143 مليون غالون من المياه المحلاة يوميا من محطات تحلية المياه، يقوم القطاع الخاص بإنتاج الجزء الأكبر منها، تحتاج لاستهلاك ما يقارب من 583 مليون قدم مكعب يوميا من الغاز الطبيعي وبمعدل زيادة يبلغ 10% سنويا بحيث يتضاعف معها معدل الاستهلاك خلال عقد من الزمان، وعلى الرغم من أن التكنولوجيا مرتفعة نسبيا، إلا أنها تبقى خيار المستقبل الذي لا غنى عنه. من هنا فإن تجديد الدعوة الرسمية التي أطلقتها لجنة الطاقة البديلة بضرورة الإسراع في البحث عن بدائل مأمونة وأكثر جدوى للطاقة، يجب النظر إليها باعتبارها خيارا استراتيجيا لا يمكن التهاون فيه، بل العمل على تفعيله بالتعاون على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي أو حتى على المستوى العربي، حيث تتشابه الظروف الاقتصادية والبيئية والمناخية والجغرافية لقيام مثل تلك الصناعة البديلة، فهي ضرورية للكثير من المشاريع الاستراتيجية المنتظرة، ولأجل ذلك تبقى دولنا الخليجية والعربية، معنية بدرجة أساسية بما يدور في العالم من تحولات جادة نحو إنتاج واستخدام الطاقة البديلة تلك، باعتبارها خيار المستقبل، وبدونها لن يستقيم خيار ومستقبل التنمية الشاملة بكل تأكيد.
 
صحيفة الايام
23 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

فتح تنهض من ركودها بالتوافقية

كان أمرًا عسيرًا على حركة فتح أن تجتاز وضعها التنظيمي في مؤتمر تاريخي تأخر عقده منذ أكثر من عشرين عاما، بل وفي وضع قضية ما تزال تحت الاحتلال ومقسمة إلى قوتين تحتل كل قوة احد القطاعين هما غزة والضفة الغربية . بل والأكثر صعوبة كيف تجتاز الحركة حالة تنظيمية لم تتعلم في تاريخها العمق الديمقراطي لأسس الاختيار في عملية التصويت والترشيح. ولكن حركة فتح نجحت في اجتياز محنة مستأصلة عطلت شرايين حيويتها، بل وأدخلت الحركة في تشرذم الفئوية والحزبية بنزعتها الضيقة، التي هيمنت عليها البيروقراطية الحزبية لسنوات طويلة في الشتات وفوق أرضها بعد نضال مرير دفعت ثمنه باهظا كفصيل هام للشعب الفلسطيني . من جادلوا حول فصل الرعيلين أو الجيلين ، فإنهم كانوا يجادلون في مسألة سفسطائية ، إذ لا يمكن أن تتواصل الأجيال داخل حركة سياسية وتنظيمية بدون ذلك التداخل العملي، فمن يغذون ويمدون التنظيم وجيله الأقدم هم الأجيال الأكثر حداثة في الأعمار، وهم رافده التنظيمي المستمر، ولهذا لا يمكن قطع الفروع عن جذور شجرة تنظيمية تعتمد في نضالها على الأجيال الشابة، فيما تستمد الأجيال الشابة خبرتها ودروسها من الأجيال التي تمرست طويلا في العمل التنظيمي والسياسي، وفي ما بين هذين الجيلين تبقى حلقة مهمة من المخضرمين الذين عهدوا، الجيلين وعاشوا مراحل عدة من تجربتهم المهمة في الساحة الفلسطينية . لا يهم أن نفتش في هذا المؤتمر عن النواقص والسلبيات، طالما انه حقق خطوة كبرى على طريق الديمقراطية الحزبية، ودشن عصرا من التغيير والتقدم، بنقل حركة فتح في الألفية الثالثة نحو رؤية جديدة لقضية الشعب الفلسطيني الذي يمازج بين البندقية والسياسة، وغصن الزيتون والحوار جنبا إلى جنب مع البندقية والمقاومة الشرعية لحركة تحرر فلسطينية، من حقها أن تختار طريقها عندما يفرض عليها العدو خيارا وحيدا وعنيفا وعدوانيا متنكرا ورافضا لحقوق الشعب الفلسطيني . بين خيارات القوة والحوار، خيارات الموت والحياة، فان الشعب الفلسطيني ينحاز دائما لخيارات الحياة من اجل حياة أفضل ومستقبل أطفاله ودولته المنتظرة. ما أنجزته حركة فتح بعد انتظار وشلل طويلين هو قفزة في فضاء واسع ومعقد، تعلم منه المراقبون، إن هذا الشعب قادر على تخطي ظروفه مهما تعطلت مفاصله التنظيمية والسياسية. وكان أمام المؤتمر مسؤولية كبرى تنظيمية وسياسية، بأهمية ضخ التنظيم بالدماء الجديدة في لجنته المركزية ومجلسه الثوري، مما يعني خروج المؤتمر بحلول توافقية ومرحلية بدلا من تعطيل مسيرة الحركة ودفعها لمزيد من الصراعات والانقسامات، إذ شاب العديد من أعضاء الحركة – وطوال هذه السنوات – روح اليأس والتساؤل عن دور الحركة ومسيرتها النضالية في ظل ظروف دولية وإقليمية مستعصية . دون شك كان متوقعا اتفاق المتفقين والمنقسمين والتوافقيين، على اختيار الرئيس عباس زعيما بلا منافس فكان فوق المنافسة الفردية كونه احد الرموز التاريخية للحركة وكونه الماكينة العملية للتفاوض مع إسرائيل وزعاماتها، فيما ظل مروان البرغوثي شخصية رمزية أخرى اتفق غالبية المؤتمرين على حضوره وأهميته التاريخية كأمين سر الحركة في الضفة الغربية . دون شك مؤتمر فتح مؤتمر تاريخي بكل المقاييس الحزبية والسياسية للتاريخ الفلسطيني المعاصر، فقد ناقش المؤتمرون خلال أيام عديدة مئات القضايا المعقدة والشائكة، بل وفي ظروف أغلقت حركة حماس في وجه مندوبيها الحضور والمشاركة في المؤتمر بصورة عملية، ولكنها عجزت عن خنق أصواتهم واجتيازها جدران العزل والحصار في انتقاء أسماء عدة في قوائم احتاجت التدقيق والمعاينة . ومن عادة المؤتمرات الحزبية وغير الحزبية، أنها حال الاختلاف والوصول إلى طرق مسدودة يتم التسوية حول نقاط الخلاف بالتوجه إلى المساومة عن طريق توسيع اللجان وزيادة الأرقام بحجة أنها خطوة فرضتها ” المتغيرات ” وعادة تلك المتغيرات ليست إلا أحجار عثرة أعاقت المختلفين في تخطي أزمتهم . فقد توقع بعض المراقبين، محاكمة البعض بقوة وفصل البعض من المؤتمر بل وخسارتها أمام مندوبين يقاربون 2300 عضو، غير إن الحقيقة برهنت إن المختلفين كان لديهم رصيد من الشعبية، في كلا الجيلين ” العجائز / الختيارية أو الشباب ” إذ يبدو إن تركيبة غريبة تحكم البنية التنظيمية والسياسية لحركة فتح، بحيث صممت الحركة أن تجعل من جراحاتها الداخلية ألما داخليا، فتغلق جميع الأبواب والمنافذ على من يتصيدون في المياه العكرة . من يعبدون الإيقونات كانوا هناك ومن يودون التمرد بلا معنى كانوا هناك ومن كانوا بسلاح العقل والمنطق كانوا هناك أيضا فسارت سفينة فتح دون اهتزازات تراجيدية، كان الأعداء ينتظرونها بفارق الصبر !
 
صحيفة الايام
23 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

الخصومة المعقودة بين المجتمعات العربية والحرية

خلصت إحدى المنظمات الأمريكية‮ ‬غير الحكومية في‮ ‬دراسة نشرت لها قبل أيام إلى أن العالم العربي‮ ‬ليس حراً‮ ‬ولا ديمقراطياً،‮ ‬هل في‮ ‬الأمر جديد؟ كلا،‮ ‬فلقد سبق عديد منظمات المجتمع المدني،‮ ‬هنا في‮ ‬العالم العربي‮ ‬وليس خارجه،‮ ‬المنظمات الدولية الرسمية مثل منظمة الأمم المتحدة ومنظماتها المتفرعة،‮ ‬والمنظمات‮ ‬غير الحكومية،‮ ‬العالمية،‮ ‬في‮ ‬إثارة هذه المشكلة وتسليط الأضواء عليها وتناولها بالنقد والتحليل،‮ ‬ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر،‮ ‬التقرير السنوي‮ ‬الذي‮ ‬تُصدره ثلة من كبار الخبراء والمختصين العرب من مختلف حقول الاختصاص والذي‮ ‬ركزت نسخته لعام‮ ‬2005‮ ‬على معاناة العالم العربي‮ ‬من نقص الحريات بما‮ ‬يشمل ذلك‮ ‬‭-‬‮ ‬بحسب التقرير‮ ‬‭-‬‮ ‬أساليب الحكم المطلق المغلّف والانتخابات الصورية،‮ ‬والقيود على الإعلام وتهميش المرأة‮. ‬حيث أشار التقرير إلى سبعة ضمانات‮ ‬غير قابلة للجدل لابد من توفرها كشرط انتقالي‮ ‬نحو الديمقراطية بما في‮ ‬ذلك‮: ‬حق التصويت،‮ ‬وحق الانضمام إلى المنظمات وحق النشطاء السياسيين في‮ ‬التعبئة الجماهيرية‮. ‬وهي‮ ‬حقوق بديهية لايزال العالم العربي‮ ‬بعيداً‮ ‬عن التسليم بها‮.‬ ولذلك ولأن الموضوع لا‮ ‬يشكل أولوية ولا هاجساً‮ ‬للمجتمعات العربية،‮ ‬حكومات وشعوب،‮ ‬في‮ ‬الوقت الراهن على الأهل،‮ ‬فإن إثارته من حين لآخر،‮ ‬حتى ولو جاء من صوب المنظمات الدولية التي‮ ‬تتحسس وتتوجس منها الحكومات العربية،‮ ‬فإن أي‮ ‬أحد في‮ ‬دوائر الحكم كما في‮ ‬الشارع العام ونخبه،‮ ‬لم‮ ‬يُعر اهتماماً‮ ‬للدراسة المذكورة‮.‬ ربما لأن‮ ‬غياب الحريات قد‮ ‬غدا إحدى السمات المشتركة بين مختلف البلدان العربية التي‮ ‬طبعت نفسها بطابع مجتمعاتها وتأقلمت وتأكسدت مع أنساق القيم والعادات والممارسات المجتمعية وصارت جزءاً‮ ‬من أنماط الحياة العربية التي‮ ‬لم تتحقق فيها بعد شروط‮ ‬‭-‬‮ ‬كي‮ ‬لا نقول مقومات الحرية‮ ‬‭-‬‮ ‬أو بديهيات تحققها المتمثلة في‮ ‬أن الإنسان لكي‮ ‬يكون سعيداً‮ ‬عليه أن‮ ‬يكون حـراً،‮ ‬ولكي‮ ‬يصبح حراً‮ ‬عليـه أن‮ ‬يمتلك حاجاته الأساسية‮ ‬‭(‬Basic needs‭)‬،‮ ‬أي‮ ‬المأكل والمشرب والمسكن‮.‬ ولما كانت الدراسات السوسيولوجية التي‮ ‬أجريت في‮ ‬السنوات العشر الأخيرة في‮ ‬العالم العربي‮ ‬تشير إلى أن أحوال الإنسان العربي‮ ‬تدفعه رويداً‮ ‬رويداً‮ ‬باتجاه الاكتئاب،‮ ‬وحيث إن الإقليم العربي‮ ‬ينتمي‮ ‬إلى مصاف الأقاليم العالمية ذات النسب العالية من البطالة والتهميش والفقر المدقع،‮ ‬فإن هذا الإنسان المطحون في‮ ‬دوامة البحث عن لقمة العيش ليس في‮ ‬وارد البحث عن السعادة‮ (!) ‬وعن شرط تحققها ترتيباً‮ (‬الحرية‮)‬،‮ ‬وهو الذي‮ ‬لا‮ ‬يزال في‮ ‬مرحلة البحث الأولى عن تحقيق كينونته وهي‮ ‬هنا تأمين حاجاته الأساسية‮. ‬ثم إن الحرية مرتبطة بالوعي‮ ‬بضرورتها،‮ ‬فهي‮ ‬بهذا المعنى بنت الوعي‮ ‬كما نقيضتها العبودية بنت الجهل‮.‬ ولذلك ربما‮ ‬غدا التطلع،‮ ‬وفي‮ ‬طور أعلى‮ .. ‬المطالبة بالحرية،‮ ‬ضرباً‮ ‬من الترف الفكري‮ ‬الواقع خارج السياق العام للحياة العربية مادام الوعي‮ ‬بها وبضرورة تحققها لم‮ ‬يحظيان بعد بإرادة حيازتهما المعرفية لدى القطاع الأوسع من الجمهور‮.‬ ليس هذا وحسب،‮ ‬بل إن قفزة ارتدادية هائلة قد اندفعت وصدمت بشدة التشكيلات الجنينية النيرة التي‮ ‬بالكاد بدأت تتلمس طرقها في‮ ‬دروب الإرث الثقافي‮ ‬العربي‮ ‬الوعرة،‮ ‬والتي‮ ‬من نتائجها المثيرة للسخرية أن هذا الجمهور الذي‮ ‬يفترض أن‮ ‬يكون شعلة احتشاد الحرية واصطخاب وهجها وتدافعها الضاغط بقوة على البنى المانعة والحاجزة لأفق وفضاءات تجسيداتها وتعبيراتها إذا به‮ ‬يتحول إلى أداة طيعة في‮ ‬أيدي‮ ‬القوى المناهضة لها وإلى سيف مشرع في‮ ‬وجهها ومسلط على رقاب المنادين بإشاعتها من رواد النهضة والتنوير في‮ ‬مجتمعاتنا العربية‮.‬ فمعاناة المفكرين والمثقفين العرب لا تقتصر اليوم على تهميشهم وتضييق الخناق عليهم من قبل من بيدهم السلطة والقرار،‮ ‬وإنما تمتد ويتسع نطاقها ليشمل‮ ‘‬وعاظ السلاطين‮’ ‬ممن ركبوا الموجة الدينية وحولوها إلى مصدر استرزاق وتكسب على حساب قوى المجتمع الحية،‮ ‬إلى جانب جموع الدهماء التي‮ ‬لعبوا بعقولها واستولوا عليها وعلى ضمائرها فحولوها إلى طابور‮ ‬يتم تجييشه كلما استدعت‮ ‘‬الحاجة‮’ ‬الدفاع عن مواقع مصالح الاكليروس‮.‬ اليوم وحتى بعد مرور سبع سنوات على صدور النسخة الأولى من تقرير التنمية البشرية في‮ ‬العالم العربي‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬2002‮ ‬فإن أوجه العجز‮ ‬‭(‬Deficit‭)‬‮ ‬الثلاثة التي‮ ‬شخصها التقرير آنذاك وهي‮ ‬المعرفة‮ ‬‭(‬Knowledge‭)‬‮ ‬والحرية وتمكين المرأة،‮ ‬مازالت قائمة إلى اليوم،‮ ‬بل إن تقرير هذا العام الذي‮ ‬صدر قبل بضعة أسابيع‮ ‬يشير إلى تعمق مشكل الحرية،‮ ‬والذي‮ ‬يعزوه التقرير إلى هشاشة الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية،‮ ‬ما‮ ‬يلقي‮ ‬بظلاله على ما أسماه وأوجزه التقرير في‮ ‬انعدام أمن المواطن العربي‮.‬ على أننا نحسب أن المسألة أعقد وأطول مدى من السنوات السبع سالفة الذكر‮. ‬ولولا اضطرار العالم العربي‮ ‬للالتحاق بـ‮ ‘‬العالمية‮’ ‬واضطراره لمجارات تقدمها لكان حال الحرية أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم‮.‬
 
صحيفة الوطن
22 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

عولمة الجريمة

كما حققت الشركات الغربية الكبرى مكانتها وسيطرتها الكونية عبر عمل الملايين في الغرب والشرق، في نشاط أخذ بعدا مدنيا متصاعدا بعد أن ملأت الدماء كل مسام رأسماله، فإن الشركات الشرقية الجاثمة على هياكل الدول الشرقية، أخذت تصعد هي الأخرى وتنشر سيطرتها وأعمالها الاقتصادية في كل مكان.
انفصال الشركات الغربية عن الجريمة ليس مطلقاً، فلاتزال ثمة مستويات عديدة للأعمال القذرة، ولاتزال المخدرات وأعمال الاحتيال تمثلاً بنوداً كبيرة، لكن الشركات العملاقة غدت شركات كونية وصارت سلعها ذات أهمية كبرى، وكلما دخلت هذه السلع في صميم التطور التقني زاد تناميها وتوسعها في البلدان النامية، ولم تعد غربية.
وفيما هي تنفصلُ عن تاريخ الجريمة فإن الشركات والقوى المالية الكبرى الجديدة في الشرق لاتزال ذات وشائج كبيرة معها.
إن خروج رأس المال من أحضان الدول لوثه بكل ما في المستنقعات السياسية الشرقية من ترابط بين النقود والسياسة، فنجد أن أقوى الرساميل الحكومية العامة في حراك الشرق الاقتصادي، يدور حول المواد الثمينة، سواء كانت نفطاً أم سلاحاً أم مخدرات أم جنساً، فهذه المواد الثمينة هي كسلع تمتاز بالندرة، والأهمية القصوى للسوق وللمشترين، سواء كانوا دولاً أم شركات أم أفرادا.
وكان تحكم الدول في هذه السلع أساسيا، فالثروات النفطية كانت من ملكيات الدول، وعبرها ظهرت الرساميلُ الخاصة الكبيرة في الشرق، وتحولتْ إلى شركات وعائلات، في حين أن السلاح هو الأساس في حمايتها، وأخذ بعض الدول المتطورة عسكريا تحيل سلاحها إلى مواد تجارية أساسية ووسيلة أخرى للحصول على الأرباح التي تفتقد الحصول عليها من خلال سلعها العادية.
حتى السلعتان الأخريان وهما المخدرات والجنس لا تنفصلان عن سيطرات الدول، ومع انهيار الدول الاشتراكية واستقلال الدول الوطنية تحولت هاتان السلعتان إلى سلع عالمية، بسبب رخصها وندرتها وأثمانها العالية.
ونستطيع أن نعتبر حرب إفغانستان هي حرب تجري من أجل سلعة ثمينة اصبح زرعها وإنتاجها بالتالي مُحاربَين، فظهرت دولة متخصصة فيه، وباعة هذه السلعة الذين لا يملكون مورداً للعيش سواها يقاتلون من أجل بيعها ونشرها.
ولا تستطيع الدول الغربية أن تقدم لهم عيشاً، في حين يعيش العديد من جنودها ومواطنيها وتجارها على هذه السلعة.
ومع عجز الدول الاشتراكية والوطنية الجديدة عن التحول إلى دول ديمقراطية وبقاء قوى المافيا هي المهيمنة على الأسواق، تداخلت التجارة العادية بسلع الجريمة، وتجارة السموم بالسلع الغذائية، وصارت حقائب تـُفتش في المطارات وحقائب لا تـُفتش وتحمل الغلال السمان.
ويترك المسئولون التجارة الدنيا للفقراء والمساكين وهم يحتكرون التجارة العليا.
إن تطور الديمقراطية مرتبط بتقليص تجارة المحرمات.
إن تشوه عملية بيع السلع لا يقتصر على إيجاد مسارب كبيرة لسلع الجريمة بل كذلك على عدم وجود فواصل في هذه الدول بين السلع والسيطرات السياسية، بين الأجهزة الحكومية التي تعمل للمواطنين وكونها أجهزة تعمل لصالح كبار الموظفين كذلك، بين الأملاك العامة غير المحددة والمائعة في الخرائط الخاضعة كل فترة للتغيير وبين أملاك الناس المتقلصة والمصادَرة والمشتراة تحت أشكال الضغوط كافة.
في دول ضاعت فيها الحدود بين القانون والجريمة، يمكن للإدارات التحكم في العمليات الاقتصادية والمتاجرة في القوى العاملة، التي تدخل فيها علاقات محرمة دوليا كالتجارة في الجنس وفي الأطفال، وهي التجارة التي قفزت أرقامها خلال العقدين الأخيرين بشكل هائل، وخاصة من قبل دول شرق وجنوب آسيا، ودول افريقية عديدة.
إن التفكك في منظومات الدول الشرقية الاشتراكية والوطنية المختلفة وغياب الرقابة والشفافية فيها ساعدا على التجارة الواسعة غير القانونية في السلاح وفي تلك السلع المحرمة.
تصاعدت التجارة بين الدول الاشتراكية السابقة والوطنية، وجرى قسمٌ كبير فيها للسلع المحرمة. أكثر من مرور هذه السلع إلى الغرب المراقب واليقظ وذي المؤسسات الديمقراطية الحقيقية، فالدول الشرقية الاستبدادية ذات الأجهزة الملوثة والصحافة الضعيفة غير قادرة على اكتشاف العمليات المعقدة للتهريب الحديث، وكلما ازدادت الدول الشرقية تكوناً جديداً زادت فيها العمليات المشبوهة وغدت حدودها مفتوحة للتجارات السوداء.
وحين تقوم صحف في العالم الثالث بكشف علاقات مسئولين بمسائل تجارة المخدرات تـُلفق لها قضايا أخرى وتـُجر للمحاكم، ولهذا فإن من الاستحالة قيام الصحافة أو المحاكم بكشف شبكات تهريب المخدرات على سبيل المثال، وغالبا ما يتعرض الموزوعون الصغار للسجن فقط.
شبكات عولمة الجريمة متركزة على دول العالم الثالث بصورة كبيرة وإن كانت الدول الأخرى لا تخلو من ذلك.

صحيفة اخبار الخليج
22 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

كل هذا الجمال لي؟!

يتفاجأ الإنسان أحياناً بأن مخزونه من الذاكرة يحتفظ بقدرٍ هائل من التفاصيل والحكايات والوقائع والمشاعر الكامنة أو حتى تلك التي انطفأت تماماً. ويحدث أن نلتقي بصديق قديم جمعتنا معه عشرة طويلة، قبل أن تأخذنا الحياة إلى مصائر مختلفة، فيذهلنا أنه مازال يتذكر أشياء وأمورا نسيناها كلية، ولكننا نلاحظ أنه هو الآخر نسي أشياء أخرى مازالت قابعة في منطقة مضيئة من ذاكرتنا. وهذا يحث على التأمل في حقيقة أن ذاكرة كل إنسان تحتفظ بنوعٍ من الذكريات تتسق وشخصيته أو ميوله، كأن آلية عمل الذاكرة هنا آلية انتقائية. رغم ذلك ليس واضحاً تماماً كيف تستعاد الذكرى. يقال أحياناً أن هناك محفزات خارجية تصادف المرء فتوقظ لديه ما يتصل بها من ذكرى نظن انها غاصت بين طبقات الذاكرة ولم تعد تلح على الخاطر. ويحضر في الذهن ذلك المشهد الذي رأيته في أحد الأفلام الأجنبية عن رجلٍ ذهب لتناول العشاء مع وزوجته وأطفاله في أحد المطاعم فأبصر في زاويةٍ أخرى من المطعم فتاة حبه الأول قابعة هي الأخرى مع زوجها وطفليها على طاولة أخرى، ويقال إن الحب الأول رغم الشحنة الرومانسية الكبيرة فيه فإنه ليس من العادة أن يكلل بالنجاح. ومن المحفزات الخارجية للذكرى أن تمر على مكان ارتبطت به يوماً أو تسمع أغنية أو تشم رائحة… الخ. ولكن بواعث الإيقاظ ليست خارجية فقط، فالذاكرة ماكرة وقد تحرص عليها عوامل غامضة، وليس صحيحاً دائماً أن الزمن كفيل بجلب النسيان، فالزمن مخاتل هو الآخر ومليء بالمفاجآت، ويبدو صحيحاً أن الإنسان كثيراً ما يلجأ للذكرى تعويضاً عما هو مفتقد في الواقع. صحيح أن التعويض هنا شديد الرمزية، ولكنه شديد الفعالية كذلك ولو في بعض اللحظات. يفرق الراحل غالب هلسا في إحدى مقالاته بين نوعين من الأمكنة: المكان الأليف والمكان العادي. ربما جازت الاستفادة من هذا التقسيم للتفريق بين نوعين من الذكريات: الذكرى الأليفة التي تجيء لا تؤذي كما يقول مارسيل خليفة في أحد أغانيه، والذكرى غير المستحبة التي لا تبعث على السعادة. وعلى سيرة السعادة أذكر مشهداً من فيلم أمريكي قديم عن رجلٍ تكالبت عليه محن الدنيا، ووجد نفسه وحيداً بجوار بحيرة نائية معزولة. حين أفاق ذات صباح باكرٍ على مشهد آية في الفتنة والجمال للطبيعة من حوله، تساءل بينه وبين نفسه: كل هذا الجمال لي؟! قبل أن يستدرك قائلاً: إن الأشياء الجميلة تأتي أحياناً في غير وقتها. كأن للسعادة لحظتها الخاصة بها، تلك اللحظة الشديدة الخصوصية التي يتملكنا فيها الشعور بالفرح والطمأنينة وتناغم العناصر المختلفة للرضا النفسي والروحي. ساعتها ليس مهماً كيف نعرف اللحظة الأليفة، لحظة السعادة، يكفي أننا نعيشها بكل ذرة من ذرات روحنا، تاركين العنان للتوق لوعود جميلة آتية يذهب إلى أقصى مدى يبلغه.
 
صحيفة الايام
22 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

أحاديث رمضان

مع بداية رمضان، الكلام الذي يتداوله الناس وفي كل مكان ونقصد بالناس الذين لا حول لهم ولا قوة، وهم الغالبية كلام تدور رحاه حول مصروفات هذا الشهر الكثيرة والمرهقة، لان عاداته وتقاليده وخاصة فيما يتعلق بالانفاق على الطعام تختلف عن الاشهر الاخرى، اذ تجد بعض الاسر البحرينية مسرفة الى حد التبذير. في هذه الايام التي بدأ فيها رمضان يطرق الابواب، تجد الشوارع والاسواق مزدحمة لدرجة الاختناق وفي هذا الشهر لا يوجد “سوبر ماركت” واحد، وخاصة الكبيرة منها لم يمضِ او لم يتفنن في مهارة كسب الزبائن من خلال عروض وحملات ترويجية يدعي انها مشجعة وكالمعتاد شعارها عند شرائك بقيمة كذا تدخل السحب للفوز باكثر من جائزة ناهيك عن “البروشرات” التي توزع بكثافة ليس في الاسواق فحسب بل كذلك في الاحياء والمنازل وعند اشارات المرور. في هذا الشهر الذي تكثر فيه العروض الاستهلاكية وما يصاجها من دعاية واعلان وظفت بحنكة وذكاء لاستقطاب الزبائن من محدودي الدخل الذين يعانون من عبء تكاليف رمضان، ومن الاجور المنخفضة وعلاوة غلاء المعيشة المتدنية جدا، ومن التفكير في مصاريف العيد والمدارس تجد اقبال هؤلاء على المأكولات الضرورية منها وغير الضرورية وتجد ايضا تخزين الاطعمة، كما لو اننا في حالة حرب قادمة مما يدل على خلل في ثقافة الاستهلاك!! ويدل ايضا كيف تستغل تلك الاسواق حاجة المواطنين المتزايدة “لأغراض” رمضان التي تجد بعضها شارف على انتهاء الصلاحية، كل ذلك طمعاً في معدلات كبيرة من الارباح يحققها تجار الجملة والتجزئة!! في هذا الشهر احادث الناس لا تنتهي عن المساعدات واعمال الخير والتكافل الاجتماعي الذي لابد ان يستمر لا في رمضان وانما على مدار السنة، وعن تبرعات بعض التجار والمحسنين المجزية التي تتمثل في “كابونات” شراء مواد غذائية تستغلها بعض الصناديق الخيرية المحسوبة على جمعيات سياسية دينية طائفية، تؤكد الوقائع عنها ان هذه المواد تذهب لابناء دائرة النائب او المرشح للانتخابات التشريعية القادمة على اساس طائفي كدعاية انتخابية جرى الاعداد اليها منذ الآن!! واما موائد الرحمن او مشروع افطار صائم، فحدث ولا حرج، فهي تستغل لذات الغرض وهذا ما لاحظناه في السنوات الماضية!! وبالاضافة الى ذلك في هذا الشهر يزداد الحديث كبقية الاشهر الاخرى عن الغلاء وارتفاع الاسعار التي تلتهم من دون توقف الاجور التي لا تناسب تكاليف مستوى المعيشة المرتفعة. وللامانة لقد انخفضت اسعار بعض السلع الاستهلاكية “الاساسية” وهذا بالطبع يصب في مصلحة المستهلك، وفضلاً عن هذا وذاك يطول الحديث حول حماية المستهلك من التلاعب بالاسعار وبالتالي فالدور الحقيقي الذي يفترض ان تقوم به جمعية حماية المستهلك هو تفعيل هذه الحماية من خلال تكثيف الرقابة على الاسعار والحد من الغش التجاري والتأكد المستمر من التزام البضائع المستودة بالمواصفات والمقاييس المطلوبة. واللافت أيضاً في تلك الأحاديث أن السلع المدعومة التي يجب أن تتسع مظلتها لتشمل سلعاً أخرى أساسية، لا شك تكشف عن ارتياح كبير لدى الناس من محدودي الداخل، ولكن ما لا نعلمه هو كيف يتم تهريب بعض هذه السلع الى دول الجوار وخاصة اللحوم منها!! بالطبع هناك أحاديث أخرى يتداولها الناس في هذا الشهر الذي يمتاز بالخمول والكسل والنوم ساعات طوال ويمتاز ايضا بضياع الوقت، الا ان هذه هي اهم الاحاديث المتداولة الآن. وبالتأكيد ستتسع هذه الاحاديث لتشمل تفاصيل الحلقات الاولى للمسلسلات الرمضانية الجيدة لا الهابطة والمملة التي بغرض الربح تحاول ان تخدع المشاهد!!
 
صحيفة الايام
22 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

قضايا مؤرقة .. !

ثلاث قضايا مهمة تداولتها الصحف المحلية ولا تزال لو تمعّنا فيها جيداً لوجدنا أنها تفرض ما لا حصر له من التساؤلات وعلامات الاستفهام والتعجب، واعتقد أن من يتمتعون بموهبة التقاط الإشارات وهي طائرة كما يقولون قادرون على أن يتلمسوا الى أي مدى أصبحت هذه القضايا مؤرقة. القضية الأولى هي قضية الملف الإسكاني الذي سيّس وأخذ منحى طائفيا غير مسبوق جعلنا نسمع ونقرأ لغة جديدة فيها من مفردات الردح والتشنج والشطط والنفس الطائفي ما لا يعرف له حتى الآن سقفاً ولا حدوداً، مما وضعنا أمام مشهد عبثي بات يهدد النسيج الوطني، القضية الثانية هي قضية الجامعات الخاصة ومخالفاتها والقرارات الحاسمة ضد بعضها واللغط المثار حول حقيقة أوضاعها، والشهادات العليا المزورة، وهي القضية التي نرى بأن أهم ما فيها يكمن في سؤال جوهري ضمن جملة أسئلة أخرى: كيف ومن أين حصلت هذه الجامعات على الموافقات الرسمية على تأسيسها ؟ أما القضية الثالثة فهي التي تتصل بمجريات قضية معهد التنمية السياسية التي باتت اليوم قضية يلفت النظر فيها هذا الكم الظاهر من التجاوزات التي تتكشف يوماً بعد يوم وتثير هي الأخرى سؤالاً جوهرياً: أين هي الرقابة؟ بالنسبة للقضية الأولى الملاحظ فيها إقحام الملف الإسكاني قسراً في أسر المعادلات الطائفية والمذهبية جعلت هذا الملف يشكل صورة جديدة من العيار الثقيل من صور الهم العام، يتعاظم أمام التراشقات والتجاذبات والاصطفافات والشحن الطائفي المستمرة التي تذكيها قوى وأطراف برلمانية وبلدية لدواعي واعتبارات معلومة غلفت هذا الملف لبوساً لا يليق فيه بكل مقياس حتى وأن ادعت بغير ذلك. الأطراف المعنية جعلت هذا الملف ورقة انتخابية ودعائية وتعبوية قد تكون رابحة بمقاييسها ولكن لا يمكن أن تكون رابحة بمقاييس الوطن، وكان بودنا أن يكون هناك ولو القليل من الحصافة بما يقي شر الانزلاق في المطبات القابلة للالتهاب السريع التي أصبح البعض من نواب وبلديين يدفعوننا إليها بإصرار غريب وهي للأسف الشديد لم تجد من يضع حداً لها ليبقى الملف الإسكاني المتضخم ورقة انتخابية بيد البعض وبئس الورقة، والمفارقة المذهلة أن من يفترض أن بيدهم الموضوع رغم كل المنعطفات التي يمر بها هذا الملف بقوا ساكتين وكأن الأمر لا يعنيهم، وبقى من يزعم أنه ساعٍ لحل توفيقي أو تلفيقي من الذين يريدون أن يظهروا بأن نياتهم حسنة، وهي ليست حسنة على الأرجح، لازالوا يعبثون بإثارة ما يصنع التوتر والقلق والشروخات الطائفية التي تحتاج إلى لجم حتى لا تكون نتائجها وبالاً علينا جميعاً. أما قضية التعليم العالي والجامعات الخاصة فإنه لا يمكن لأحد أن يدفن رأسه في الرمال ليستسهل ويهوّن من هذه القضية، فالاحتدام في المواقف والتراشق بالتصريحات بين الأطراف المعنية وهذا الكم الكبير من التجاوزات التي مارستها بعض الجامعات الخاصة والإخطارات والإنذارات والإجراءات العقابية المشفوعة بتصريحات، وتصريحات مضادة وضعت هذه الجامعات أمام نفق مظلم خاصة بعد أن وصلت أصداء أوضاع هذه الجامعات الى ساحات المحاكم. كل ذلك كما قلنا يثير تساؤلاً جوهرياً: كيف ومن أين حصلت هذه الجامعات التي أصبحت تشبه سلسلة مطاعم الفاست فود على الموافقات الرسمية وعلى أي أساس وبأي مقياس؟ وهل عرضت هذه الموافقات بافتراض وجودها على جهات علمية متخصصة؟ وما هي المعايير التي استند عليها للترخيص لهذه الدكاكين المسماة جامعات؟ وأين هي الرقابة على مجريات أوضاع هذه الجامعات وعلى الشهادات والدرجات العلمية الرفيعة التي منحت من دون وجه حق ولماذا غابت هذه الرقابة طيلة السنوات الماضية؟ نعلم أن مجلس التعليم العالي، وهيئة ضمان جودة التعليم آليتان جديدتان لمراقبة سير التعليم العالي وأداء هذه الجامعات، نعلم ذلك جيداً : ولكن ثمة سؤال هو الآخر جوهري : هل الإجراءات التي اتخذتها السلطات الكويتية بحق بعض الجامعات الخاصة في البحرين وخريجيها والضجة التي أثيرت في هذا الصدد هو الذي أدى إلى التمحيص في مستوى هذه الجامعات ومستوى الشهادات الصادرة عنها الى الدرجة التي اعتبرت بعض هذه الجامعات بأن هناك من يحاول إعدامها؟ وهل كان من المتصور أن يستمر حال هذه الجامعات لو لم تتخذ الإجراءات الكويتية لتثير ما ظهر من فضائح وتجاوزات؟ أما القضية الثالثة التي تتصل بمسار البحرين للتنمية السياسية، فإن تطورات هذه القضية التي أصبحت اليوم قضية رأي عام، وتحريك الدعاوى الجنائية ضد أطراف جديدة هي الأخرى تثير تساؤلاً جوهرياً: أين هي الرقابة المالية والإدارية؟ لماذا غيبت؟ ولماذا بلغت الأمور في المعهد الى الدرجة التي تجاوزت وتصادمت مع كل السقوف وجعلت رائحة التجاوزات تفوح من كل صوب. القضايا الثلاث قلنا بأن المرء قد لا يجد فيها ما يمكن ربطه، ولكن أحسب بأن القاسم المشترك الذي تشير إليه تلك القضايا هو أن قيمة الرقابة والمساءلة لم تنل حظها من الحضور اللازم والمفروض في ساحة الأداء العام، فلو هناك رقابة ومساءلة لما تناول البعض الملف الإسكاني بهذه الصيغة الطائفية ولما آلت أمور الجامعات والمعهد إلى ما آلت إليه.
 
صحيفة الايام
22 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

أين هم من كانوا مرة معنا؟

‘جموّل’، هل تعرفونها؟.. قالت عنها صحيفة ‘السفير’ اللبنانية في 06/08/2009 في حكاية ‘نيـرودا عيثـرون’.. كمـا يرويـها المواطـن نبيـه عواضـة: إنها ‘ صبيّة رقصت وزغردت على هضاب جبل عامل ومشت لساعات في ليل وديانه، قبل أن يقتلها أكثر من سبب.. لهذه الصبية أبناء كثر، بعضهم استشهد، وبعضهم أسر، وأكثرهم ما زال بيننا’.
عرفناها، إنها إذاً: ‘جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية’، حسناً، لكن صحيح، من قتل ‘جمول’ التي كانت تتسع لكل لبنان، بيسارييه ومسيحييه ومسلميه وأرمنه ودروزه؟!.. هل القتلة في لبنان ‘أشباح؟’، ولماذا هناك كل القتلة مجهولو الهوية؟، مَنْ قتل المفكر حسين مروة، ومَنْ قتل الفيلسوف مهدي عامل (حسن حمدان) في العام 1987 (الأول في 18 فبراير/ شباط، والثاني في 18 مايو/أيار) بكاتم الصوت، المحشو برصاص الحقد والجهالة على كل فكر ومفكر؟، ومَنْ يغتال مَنْ هناك، سواء كان بالرصاص أو بالمفخخات إلى يومنا هذا ؟؟.
أصلاً، لماذا السؤال الآن عن قتلة لبنان بمثقفيه وسياسييه، وما الجدوى في معرفة ذلك، ما دامت المعرفة ستزيد من حجم هذا القتل؟!.
****
ثلاث صبيات من ‘جمول’، واحدة اسمها سهى بشارة، كانت أسيرة’ ويلقبونها بـ’زهرة الجنوب اللبناني’، منحدرة من عائلة مسيحية أرثوذكسية، قاومت المحتل بتنفيذ عملية فدائية لاغتيال العميل أنطوان لحد قائد ما سمي وقتها بجيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل بتكليف من حزبها (الشيوعي) المساهم الرئيس آنذاك في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، فدفعت من حريتها ثمناً لـ’لخوضي هذه الحرب، إذ أودعت في الزنزانة بلا محاكمة، ومن دون أن يتسنى لي معرفة سنوات العقوبة المفروضة علي’، وفق ما روته في مذكراتها.
في العام 1998 أفرج عن سهى بشارة، بعد عشر سنوات من عمرها قضته في سجن الخيام، وبعد شهرين من هذا الإفراج غادرت سهى لبنان، لكن غيابها لم يحل دون حضورها الدائم وفي أكثر من محطة ومناسبة.
أما الشهيدة الشابة البطلة، وفاء نور الديـن، ابنة النبطية، وابنة ‘جمول’، تلك التي قادت ‘مجموعة الشهيدة لولا عبود’ وفجرت جسدها الطاهر بالأعداء بواسطة حقيبة سفر ملغومة في صباح يوم الخميس 9 مايو/ أيار 1985 فقتلت من قتلت، ولا تزال الذاكرة الوطنية اللبنانية تحمل وفاءها لمبادئها منذ طلب انخراطها في الجبهة الوطنية اللبنانية، حتى ذلك اليوم الذي تركت فيه الشهيدة تسجيلاً بالصوت والصورة، ونداء لشباب وفتيات لبنان لكي يكملوا الطريق.
الصبية الثالثة، الشهيدة سناء المحيدلي (17 عاماً) تسمى بعروس الجنوب، حين قامت بتنفيذ عملية استشهادية في الساعة الحادية عشرة صباحا من يوم الثلاثاء 9/4/1985 استهدفت تجمعاً لقوات الاحتلال الإسرائيلي على طريق باتر – جزين، حيث كانت تتجمع أعداد كبيرة من الشاحنات والدبابات والآليات المجنزرة والعديد من المشاة المنسحبين من تلال الباروك ونيحا وذلك باقتحامها بسيارة بيجو 504 مجهزة بـ200 كلغ من مادة ‘تي .إن. تي’ الشديدة الانفجار، حينها أوقعت العملية خسائر كبيرة في جنود العدو يقدر عددهم بحوالي 50 بين قتيل وجريح، بالإضافة إلى إعطاب وإحراق عدد من الآليات، وفق بيان جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية آنذاك.
قالت سناء في وصيتها: أحبائي إن ‘الحياة وقفة عز فقط’. أنا لم أمت بل حية بينكم أتنقل.. أغني.. أرقص.. أحقق كل آمالي.. كم أنا سعيدة وفرحة بهذه الشهادة البطلة التي قدمتها.
وتابعت تقول: أرجوكم أقبل أياديكم فرداً، فرداً لا تبكوني.. لا تحزنوا علي، بل افرحوا اضحكوا للدنيا طالما فيها أبطال.. طالما فيها آمال بالتحرير.. إنني بتلك الصواعق التي طيرت لحومهم وقذارتهم بطلة. أنا الآن مزروعة في تراب الجنوب أسقيها من دمي وحبي لها.. آه لو تعرفون إلى أي حد وصلت سعادتي ليتكم تعرفون لكنتم شجعتم كل الذين ساروا على خط التحرير من الصهاينة الإرهابيين مهما كانوا أقوياء إرهابيين قذرين، هم ليسوا مثلنا .. إنهم جبناء يطعنون من الخلف ويغدرون، يتلفتون شمالاً ويميناً هربا من الموت.
هل توجد تعابير أبلغ من هذا الانتماء، فأين هم من كانوا مرة معنا؟، كما تقول الأغنية التشيلية الحزينة.
 
صحيفة الوقت
21 اغسطس 2009

اقرأ المزيد

المصالح المالية الفرنسية في مصر

مع ان بريطانيا تمكنت من بسط نفوذها على مصر عام 1882م وابقت السيادة العثمانية – التركية عليها شكلية، الا ان فرنسا منافستها الرئيسية على مناطق النفوذ فيما بات يعرف بعدئذ بـ “الشرق الاوسط” ظلت تزاحمها في مضمار المصالح والاستثمارات المالية والمصرفية. ووظفت فرنسا الدين الخارجي المكبلة به مصر لخدمة تلك المصالح فقامت بتوظيف جزء كبير من أموالها في مؤسسات عامة مصرية كشركة السجائر ومؤسسة التكرير، وشركة لوبون للإنارة، وشركة تراموى الاسكندرية، وشركة مياه القاهرة.
وقبل ذلك وفي عام 1880م تحديداً، أي قبل عامين من الاحتلال الانجليزي لمصر، تم تأسيس بنك التسليف العقاري المصري تحت رعاية البارون الفرنسي دو سوبيرمان الذي كان حينذاك رئيسا في الوقت نفسه لبنك التسليف العقاري في بلاده، وجرى انشاء البنك المصري بدعم من مصرفيين فرنسيين وأوروبيين بالتعاون مع الكريدي ليونيه والشركة العامة، و”باريباس”. وفي بداية التأسيس كان رأسمال البنك 20 مليون فرنك، ثم ارتفع الى أربعة اضعاف حيث بلغ عام 1902م 80 مليون فرنك، وقدرت القيمة الاسمية الخاصة بالبنك التي صدرت في فرنسا بما يقرب من 300 مليون فرنك. والحال فقد قدر حجم الاستثمارات الفرنسية في المؤسسات المصرية كافة بـ60% من الرساميل هذا غير حجم القروض الممنوحة للدولة التي قدرت حينذاك بـ40%.
هذا التغلغل الرأسمالي الفرنسي في مصر ابان بواكير الاحتلال الانجليزي لمصر في اواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين دفع المستثمرين الانجليز المرتبطة والمتداخلة مصالحهم مع سلطات الاحتلال التي تمثل دولتهم الى ان يسددوا شراء العديد من حاجياتهم وتجهيزاتهم بالفرنك الفرنسي وبخاصة في القطاعات المربحة.
وإزاء هذين النفوذ والتغلغل المالي الفرنسيين كان لابد ان ينعكس ذلك على حجم تجارة فرنسا مع مصر فقد تطورت هذه التجارة من 60 مليون فرنك عام 1897م الى 70 مليونا عام 1902م، بما يعادل 12% من نسبة اجمالي التجارة الخارجية الفرنسية. ولما كان رأس المال جبانا، كما يقال، فإنه وبالرغم من هذه النجاحات التي حققها التغلغل الرأسمالي الفرنسي في مصر خلال تلك الفترة بين اواخر القرن الـ19م وأوائل القرن الـ20م فإن القوى والاوساط المالية الفرنسية حينذاك كانت تشعر بشيء من القلق حول مستقبل استقرار الاوضاع المالية بالترابط مع الاوضاع السياسية الداخلية والخارجية لمصر حتى بالرغم من تقاسم النفوذ المالي بين فرنسا وبريطانيا في مصر حينذاك برضا وقبول الاخيرة التي تبسط احتلالها العسكري على ارض الكنانة.
والملاحظ، حسب تحليل الباحث الفرنسي جاك توبي لتلك الفترة التاريخية التي مرت بها مصر ماليا واقتصاديا، ان المؤسسات المالية للديون الرهنية العقارية والارضية كانت تمتص 5،55% من الرساميل المخصصة للمؤسسات المصرية في حين اقتصر القطاع الصناعي على المواصلات والخدمات المدنية والصناعات الغذائية، وبلغت حصته 5،44% من استثمار المؤسسات المالية أي 25% من اجمالي الاستثمارات الفرنسية في مصر.
ومع ذلك وعلى الرغم من قلق الرأسماليين الفرنسيين من تعرض مصالحهم للاضطرابات الاقتصادية والأمنية السياسية حينذاك، فإنهم كانوا يجدون في الوجود العسكري البريطاني في مصر مظلة أمنية او كلب حراسة لحماية استثماراتهم المالية هناك.

صحيفة اخبار الخليج
21 اغسطس 2009

اقرأ المزيد