المنشور

نوّابنا.. والاحتذاء بالنموذج التركي الإسلامي

في الخامس عشر من شهر فبراير الماضي، أي قبل فترة قصيرة من اقرار مجلس النواب بالإجماع قراره المثير للجدل بحظر المشروبات الروحية في البحرين برمتها جملة وتفصيلاً، استيراداً وبيعاً، أدلى صاحب السمو الملكي ولي العهد بتصريح غير عادي لافت للنظر لدى استقباله رئيس البرلمان التركي شاهين محمد علي عبر فيه له عن اعجابه بالنموذج التركي الاسلامي، ومما قاله حرفيا سموه ان تركيا تعد “تعبيرا حقيقيا عن دولة الانفتاح والاعتدال واهم نموذج في منطقتنا للدفاع عن الاسلام الحقيقي …”.
دلالة هذا التصريح ذي الرؤية الواقعية الاسلامية المعتدلة البعيدة النظر لسمو ولي العهد لا تنطوي هنا على كونها أتت بالمصادفة قبيل فترة وجيزة من قرار مجلس النواب الآنف الذكر فحسب، بل لكون البحرين العربية المسلمة عرفت على امتداد عقود من تاريخنا المعاصر منذ فجر نهضتها في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي بأنها ليست منارة اشعاع حضاري في المنطقة فحسب، بل تمثل وجه الانفتاح والواقعية والاعتدال في نموذجها الاسلامي. وكانت النموذج الذي يحتذى به في خليجنا العربي ويضرب به المثل بين شقيقاتها الدول الخليجية، ولم يقم اقتصادها ويزدهر وينعكس على نهضتها التعليمية والعمرانية الا على دعائم ومقومات ذلك الانفتاح الذي لولاه لما كانت البحرين هي البحرين التي نعرفها نحن أحق المعرفة، ولما كانت هذه النقطة الصغيرة التي لا تكاد ترى على خريطة العالم السياسية يعرفها العالم أجمع بصيتها السياسي وبعظمة مواردها البشرية رغم تواضع مواردها وثرواتها الطبيعية.
ومن أسف ان ذلك النموذج التركي الاسلامي الجديد بالرغم من انه مازال يثير اعجاب العرب والمسلمين كافة على اختلاف تياراتهم ومشاربهم الفكرية والدينية فإن لا أحد منهم وعلى الاخص التيارات السياسية الاسلامية قد حاول الاستفادة والاتعاظ من نهجه الواقعي العقلاني الوسطي الذي بفضله وصل إلى السلطة حزب العدالة والتنمية في دولة اسلامية تعد أكثر الدول الاسلامية تمسكاً بنظامها العلماني الذي لم يمنع من وصول حزب اسلامي الى السلطة، هذا بالرغم من اصرار معظم تيارات ورموز الاسلام السياسي على نعت العلمانية بالكفر والالحاد ومحاربة الدين إن جهلاً بالمصطلح وإن تمادياً في تحريفه وتجهيل أنصارهم والناس بمفهومه ومحتواه الحقيقي لا المسطح الظاهري، كما يحلو لهم.
عرفت تركيا الانفتاح الاقتصادي المستنير على العالم وعدم الانغلاق والتقوقع الديني المتزمت منذ سقوط “الرجل المريض” دولة الخلافة العثمانية عام 1924م وقيام نظام اتاتورك العلماني بغض النظر عن عدم تلازم الانفتاح الاقتصادي مع الانفتاح السياسي الديمقراطي الذي سار ببطء ومر بمنعطفات صعبة فماذا جرى للإسلام والمسلمين في تركيا؟ هل قضى ذلك النموذج التركي من الانفتاح والتعددية الثقافية وعدم مصادرة الحريات الشخصية الضامنة لتلك التعدديات الثقافية في المجتمع التركي على الاسلام والمسلمين؟
ثم هل حزب العدالة لو كان يحمل برنامجا انتخابيا متطرفا ينص على حظر المشروبات الروحية فور وصوله إلى السلطة ومنع السفور وفرض الحجاب في الحال سينجح حقا ويصل الى السلطة؟ أليس ذلك يعد ضرباً من حرق المراحل؟ ثم ماذا سيكون يا ترى حال اقتصاد تركي قام وبنيت دعائمه على الاقتصاد الحر المنفتح طوال 85 عاماً وأرسيت كل تقاليده واعرافه في كل المشاريع والاستثمارات على ذينك الانفتاح والمرونة ثم فجأة وبقدرة قادر يقرر “الاسلاميون” سن ذلك “الحظر” الذي سنه نواب الوحدة الوطنية الاسلامية في مجلس النواب البحريني؟ أوليس اقتصادنا الاقل قوة ومناعة من الاقتصاد التركي قد بني على اسس مشابهة من التقاليد الاقتصادية والاستثمارية في تركيا والقائمة على المرونة والانفتاح على العالم؟
85 عاماً من التجربة الاقتصادية التركية الحديثة الحرة القائمة على نهج الواقعية والاعتدال والانفتاح التي تتشابك وتتكامل كل مشاريعها التجارية والاقتصادية والصناعية وفق ذلك النهج ذاته ولاسيما في قطاع السياحة وعلى نحو يصعب معه ان يتأثر سلباً قطاع من تلك القطاعات الاقتصادية بتغييب ذلك النهج من دون ان يترك تأثيراته المدمرة على سائر القطاعات الاخرى، فالاقتصاد كجسم الانسان تماماً اذا اشتكى منه عضو بالحمى تداعى له سائر الاعضاء، واقتصادنا يتشابه كثيراً في عراقة تجربته المديدة مع الاقتصاد التركي.
ومع ان اسلاميينا – حفظهم الله – ظلوا على امتداد ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن واقعيين في الاناة والتؤدة في عدم الاحتجاج الصاخب او تدبيج العرائض لحظر المشروبات الروحية فوراً، ثم امتازوا بالصبر والتريث طوال 8 سنوات من استئناف الحياة البرلمانية دونما ان يطرح هذا الحظر على رأس أولوياتهم لكنهم فجأة قرروه، وبعد أن اختلفوا في كل شيء وخونوا بعضهم بعضاً في كل القضايا، أبوا ان يتركوا مقاعدهم البرلمانية من دون ان يسجلوا للتاريخ على الأقل موقفا وطنيا موحدا ضد الحكومة وضد اقتصاد بلدهم الوطني لإبراء ذمتهم أمام الشعب “الغلبان” الذي انتخبهم، ولا يهم بعدئذ اذا ما تركوا كل قضاياه المصيرية السياسية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية الآنية الاكثر اولوية وإلحاحاً في مهب الريح وراء ظهورهم.

صحيفة اخبار الخليج
4 ابريل 2010

اقرأ المزيد

قياداتٌ برجوازية مخنوقة

أدت التحولاتُ الدراماتيكية في آسيا إلى إضعافِ مواقع القطاعات العامة المسيطرة خلال عقود، التي نشأت معها الأنظمةُ الشموليةُ الحديثة، وأتاحتْ تلك التحولات صعود شخصيات لا ترتكز على الأفكار الشمولية بكل تجلياتها الدينية والعقائدية الجامدة، لكن في روافد صغيرة مخنوقة بسبب الميراث الديني الشمولي الطويل والميراث السياسي الاستبدادي “العريق”!
شخصيات مثل موسوي وكروبي وعلاوي وقيادات بعض الأحزاب المصرية والسودانية وغيرها، عبرت عن ظاهرات جديدة في المنطقة، أهمها انها تسبحُ في ضباب فكري، كأنها مجموعةٌ من الأشباحِ تتردد بين القديم والجديد، غير قادرة على الظهور بمظاهر سياسية وفكرية واضحة مبهرة.
وفي البلدان المفتتة طائفية وقوميا التي لا تمتلك أغلبية شعبية لمذهبٍ أو قومية، لا تُستثمر العناصرُ الديمقراطيةُ والليبرالية في إنتاجِ سياسةٍ نهضوية ديمقراطية، فتجد الزعماء الطائفيين يتقلبون من وجهةِ نظرٍ إلى وجهةِ نظرٍ مضادة، ويهرولون من معسكر إلى آخر، ليس لديهم من حراك سوى”حماية” الطوائف أو قلْ حماية مصالحهم داخل الطوائف الجامدة العائشة في تقاليد غيرِ ديمقراطية وفي عوالمِ الجهل والتخلف الاجتماعيين واضطهاد النساء والركض وراء المصالح والغنى مهما كانت الأسباب يبيعون الدينَ والمبادئ، ويقومون باستغلالِ لُعَب الطوائف لبقاء كراسيهم وأحزابهم الديكورية وهذه الكهوف المعتمة من القرون الوسطى ويضحكون على هؤلاء البسطاء الجهلة.
الحراكُ السياسي هنا حراكُ فقاقيع تطير حسب الرياح اليومية السياسية.
ودعك من الكلمات الضخمة عن الاشتراكية والقومية والإسلام والوطن العزيز فهي مجردُ لافتات تخفي الفقر السياسي المبدئي وراءها.
أما قوى الزعماء المرتبطة بالقوى الوسطى التي بدأت تطلُ برؤوسها داخل بلدان تجري فيها معارك اجتماعية وسياسية عميقة وحادة كإيران والعراق ومصر وغيرها، فقد دخلت في صراعات متباينة مع أنظمة دكتاتورية وجهت أهدافها لتحقيق تحولات ديمقراطية عميقة في حياة السلطات المهيمنة الرافضة للتغيير الحقيقي، التي تواصل أبنية القرون الوسطى واعتقال الشعوب والنساء والعقول تحت لافتاتٍ لم يُنزل بها من سلطان سوى سلطان الاستئثار والتحكم في الشعوب المتخلفة وإبقائها في هذه الزرائب التي صنعوها بأسماء الاشتراكية والأوطان المبجلة والإسلام والقومية وقيادة الثورة المظفرة والدفاع عن الأمة ضد الكفر والتغريب، وما هنالك من مسميات اخترعوها لتضليل العوام السذج عقوداً طويلة.
دساتيرٌ خُيطتْ على مقاسات الأقزام، وظلمات صوروها كالأنوار، وما هي بأنوار بل حروب اجتماعية متخلفة تتفجر ذات يوم بأشكال دموية مدمرة.
لا يريدون الالتحاق بالبشرية الديمقراطية ولا يرفعون أحكامَ الطوارئ عن النساء والعوام والدين، ولهذا فإن قيادات الطبقات الوسطى التي تقفُ أرجلُها على قواعد اجتماعية هشة، هي نفسها لا تعلن الشعارات العظيمة من علمانية وديمقراطية وعقلانية، بصلابة وبتحليلات عميقة في كل شؤون المجتمع لتضرب الخرائبَ الآيلةَ للسقوط، فتختطفُ حدثا سياسيا مهما وتحوله لنهر سياسي يتلف حوله الناس، بلا ثقافة تنوير سياسية واسعة، وبلا مهمات اجتماعية كبرى، لضخامة الجور المحيط ولغياب أساطير العائلة الوطنية الواحدة، والمذهبية الشقيقة المتحدة.
موسوي يركز في تغيير مجرى الانتخابات المزورة، وعلاوي يكاد يختنق بين القوى الطائفية العريقة في التحايل والتلاعب بالدين والأحزاب الديمقراطية المصرية تغرقُ في الفساد.
إن الخطابات السياسية التجديدية مخنوقة لأن المصانع الخاصة مخنوقة، والفضائيات الحرة ممنوعة، والوزارات الفاسدة أبدية، والميزانيات موجهة لكراسي العسكر، وللبذخ السلطوي، ومشروعات الحروب التي لا تتوقف لأن في توقفها زوالهم، وفي سلام الناس عمارا يخنقهم.
العملية الرأسمالية الكونية ذات الأشكال والمستويات المختلفة، لها مصائبها كذلك، ويواجه الشرقيون سلبيات البلدان الرأسمالية المتطورة وكوارث الرأسماليات الشرقية المتخلفة، وكلها تصبُ عليهم محولةً بلدانهم إلى مستنقعات للسلع البائرة، والغالية، وللجنس الأبيض والمخدرات ولتجارة المنظمات الإرهابية التي لا أحد يعرف أرباحها من الأموال ويعرفُ خسائرَها من البشرِ الجثثِ الملقاة في الطرق مثل الذبائح وللحكومات التي تغتني وتزداد الشعوب فقراً ومعاناةً.
هي الشعوبُ الجاهلةُ المفككة طائفيا ودينيا مسئولةٌ عن كل ذلك وتترك الجزارين يقطعون من لحومِها كالمقاصب وتقول هل من مزيد؟

صحيفة اخبار الخليج
4 ابريل 2010

اقرأ المزيد

بين أملاك الدولة وملف الحريات والانفتاح

على مدى الأسبوعين الماضيين انشغلت البحرين بملفين لازالت تفاعلاتهما محل حراك اجتماعي وسياسي، وهما ملفا الفساد والتحقيق في أملاك الدولة وملف الحريات العامة وقضية الانفتاح بشكل عام، وهذا الأخير كان محط اهتمام كبير من قبل قطاع واسع من كبار التجار والمستثمرين وغرفة تجارة وصناعة البحرين ومجاميع واسعة من المواطنين والمقيمين في البحرين، وقد تمثلت تلك الجهود في زيارات واجتماعات متواصلة مع القيادة السياسية والسلطة التشريعية، وربما كان البيان المشترك الذي صدر عن صاحبي السمو الملكي رئيس الوزراء وولي العهد، بدعم الحريات ومزيد من الانفتاح بمثابة الحافز الذي شجع مجاميع كبيرة للمطالبة كل بحسب موقعه للحفاظ على سقف الحريات وحالة انفتاح مسؤول يستدعي عدم التراجع والإقدام على خطوات غير مدروسة، وكان صوت التجار والمستثمرين وما يمثلونه من مؤسسات مالية وتجارية هو الصوت الأبرز، وهذا أمر طبيعي ومتوقع على أية حال، حيث اظهر القطاع التجاري والصناعي حيوية كبيرة ربما نشهدها للمرة الأولى تجاه ما يدور في هذا الشأن، نرجو أن تستمر مستقبلا في العديد من الملفات ذات الشأن الوطني العام نظرا لما يمثله التجار من دور وما ينتظرهم من مهمات في عهد الانفتاح والإصلاح، كما أننا نرجو أن تكلل تلك الجهود بتوافقات وطنية تضع مصلحة الوطن أولوية قصوى لا تقبل التهديد والمساومة، بعيدا عن الارتجال والتخبط أو حتى مجرد القبول بتغليب المصالح الوقتية أو قصر النظر السياسي والاجتماعي، كما يحصل كثيرا بكل أسف حين تعاطي بعض الأطراف مع قضايانا الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى الجانب الآخر كان ملف الفساد والتحقيق في أملاك الدولة حاضرا وبقوة، نظرا لما يمثله هذا الملف من أهمية بالغة بالنسبة لكل أبناء البحرين من الأجيال الحالية واللاحقة أيضا، كون الأملاك العامة للدولة هي جزء رئيس من الأموال العامة وثروات هذا الوطن، وبالنظر إلى حيثيات التعاطي البرلماني مع هذا الملف الهام، فانه من الإنصاف القول أن لجنة التحقيق البرلمانية التي أرى أنها عملت في ظروف صعبة للغاية طيلة أكثر من تسعة وعشرين شهرا، تستحق التقدير على ما قامت به من عمل هو باعتراف أعضاء اللجنة لا يمثل إلا جزءا من كم مهول من الوثائق والخرائط والبيانات التي تاه بل ضاع جزء كبير منها بين التسجيل العقاري وبين وزارتي العدل والمالية، في سجال كشف بوضوح حجم التجاوز والتعدي على الأملاك العامة الذي أملته ظروف غياب الرقابة طيلة أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وفي هذه الجزئية بالذات، طرحت ندوة المنبر الديمقراطي التقدمي يوم الأحد الماضي والتي كانت تحت عنوان “أملاك الدولة.. مقاربة لملفات الفساد” وتحدثت فيها شخصيا إلى جانب رئيس جمعية الشفافية المهندس عبد النبي العكري، طرحت تساؤلات عدة تسترعي الانتباه بالفعل، مفادها.. ماذا لو تم الأخذ بمقترح كتلة الشعب في المجلس الوطني في العام 1973 الخاص بتسجيل كافة أملاك الدولة والحفاظ عليها؟.. هل كانت الأمور يا ترى ستصل إلى ما وصلت إليه من ضياع لتلك الثروات والأراضي والسواحل والفشوت والتي من الصعب تقدير قيمتها الحقيقية في ظل تقادم الزمن وتفاوت القيمة الحقيقية لها؟ بل هل أن أهميتها تكمن فقط في قيمتها السوقية؟ في الوقت الذي نشهد تعارضا في الخطاب الرسمي بين جهة وأخرى حول شح الأراضي أو وفرتها؟! ففي حين يعلن وزير المالية أنه لا توجد أزمة أراض في البحرين نجد أن خطاب وزارة الإسكان يتحدث باستمرار عن أزمة حقيقية في الأراضي مما راكم بدوره أكثر من 50 ألف طلب إسكاني تجد الدولة اليوم صعوبة كبرى في التعاطي معها.
وعلى العكس من تعاطي الحكومة، فان تعاطي القوى السياسية مع هذا الملف جاء موفقا من حيث عرض المشكلة بكل تفاصيلها أمام الرأي العام بغية الوصول إلى حلول لهذا الملف الذي أعتقد انه سيبقى مؤلما للجميع نظرا لتفاصيله المريعة، في حال لم يتم التوصل إلى حلول أو حتى توافقات بشأنه ، والذي نأمل بأن لا يخضع كغيره من الملفات الكبرى لأي نوع من المساومات لحرفه عن مساره الطبيعي، بل إلى حلول عملية تراعي زخم الإصلاح وشروطه ومتطلباته من قبل الأطراف جميعها، وقبل ذلك مراعاة جانب مهم احسبه بيضة القبان في كيفية تعاطي الدولة والقوى السياسية مع نهج الإصلاح ذاته، وهو هنا عامل الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المصالح والحقوق الدستورية والقانونية، بحيث يجب عدم إغفال ذلك في خضم أي تنازلات أو مساومات ربما ترتئيها بعض أطراف اللعبة.
 
صحيفة الايام
4 ابريل 2010

اقرأ المزيد

السياحة بحاجة إلى ثقافة الخدمات (2)

في إحدى الجلسات مع أصدقاء السفر كنا نتحاور عن البحث لتوصيف المدن في جمل قصيرة أو كلمات مقتضبة ؟ فكان اتفاقنا عن إن مدن العالم في السياحة كالنساء ، مثلما النساء كالمدن أيضا ، ولا نود فهم هذا التشبيه على طريقة الأغبياء ، حينما يفهمون المرأة سلعة سياحية أو المدن من وجهة النظر تلك ، إنما النظر للنساء بعمق وقيمة إنسانية مهمة في كل المجتمعات ، فهي تحمل من معنى الغموض والتنوع والجاذبية والخداع والفضيلة والسحر والكمون والبساطة والصبر والانفتاح والشفافية ، والابتسامة والغضب والعناد والكبرياء والتمنع والرغبة والرفض ، فكلاهما المدن والنساء يجعلان تلك الحقيقة تتلاقيان ، ليس من السهل فهمها – المدن – من زيارة واحدة ، بل ومن السهل كالسهل الممتنع فهمهن أحيانا – النساء – بكل سهولة والعكس كذلك فهن عالم من الألغاز والغموض ( عفوا للجمعيات النسائية !! ) . فإذا ما كان الإنسان هو العالم ، فان النساء هن مدن هذا العالم ، حينما نراقب عمق المحيط بدلا من السباحة فوق مياه ضحلة .
لهذا حال أن نقرر السفر إلى بلد ما لا يمكننا إلغاء فكرتين من رأسنا كيف ستكون رحلتنا لهذا البلد ؟ وهل أهل ذلك البلد سيكونون بجمالية وروح الأمكنة المصورة كالفنادق والشواطئ وكل ما يمكن ممارسته من خداع بصري في الصور السياحية ؟ . وكيف بإمكاننا أن نفصل حالتين متداخلتين الإنسان والمكان في العملية السياحية ؟ وكيف نوصل للسكان ثقافة التعامل مع ضيوفك ، فكل سلوك طيب له اثر جماعي على المجتمع وكل سلوك سيئ صغير كفيل بهدم عمارة من ثقافتك وسمعتك كشعب ووطن . كنت شيّدتها لوقت طويل ، وكما يقال إن البناء يستغرق وقتا وان الهدم لا يحتاج إلا ساعات. هكذا السلوك الصغير السيئ يضر بسمعة شعب كامل لأن طبيعة البشر تحب التعميم والحكم المستعجل ، فيما السلوك الحميد والطيب ، فالكلمة الطيبة صدقة بمعناها الديني والأخلاقي والحضاري . فهل نحن بحاجة لترويج تلك الثقافة بين الناس أم فقط للموظفين عند واجهة الكونتر في فندق بخمسة نجوم ؟ من البديهي إن الفندق بمثل تلك الدرجات قد دّرب موظفيه على تلك الخصلة اللازمة كربطة العنق والابتسامة ، فهما تتلازمان مع تلك الشخصية التي نلتقيها ونحن مجهدين من السفر وثرثرة التاكسي التي لم تكن مفيدة ، مثل أشرطته التي صدّع بها رأسنا دون أن يسألنا ماذا نحب ؟ وهل الصوت يزعجنا لكي يخففه ، في الوقت الذي كان مثل ذلك السلوك هو بمثابة الدرس الأول لرجل التاكسي ، الذي في الأساس لا يجوز أن يزعج زبونه . وإذا ما كانت المؤسسات السياحية معنية بتأهيل موظفيها ، فان الناس الذين سيتعاملون ويلتقون بالسياح كضيوف في البلد ، ومصدر هام لدخلها الوطني ، عليهم أن يقدموا لهم يد المساعدة بكل أريحية حينما يطلبونها ، بدلا من الشعور بان مثل هؤلاء قيمة مزعجة لثقافته وطبعه ومزاجه ، وعلينا أن نلحظ ونهتم بأن السائح القادم من ثقافات متنوعة وخبرات شتى ، تدور عينه في كل الجهات ويقتنص كل صغيرة وكبيرة ، دون أن ندرك ذلك، وهو سيكون لبلادنا في بلاده ’’ دعاية مجانية ’’ تلقائية الطابع حينما يتحدث عن تلك البلد التي زارها ، في أرخبيل الخليج اللؤلئي ، وتعرف على عراقة تاريخه القديم وفكره الحداثي أيضا . ليس التاكسي وحده من يغش في البلدان السياحية ، إذا ما غاب عن بصره القانون والتنظيم والتكافؤ في الفرص ، وفهم دوره ليس كسائق أجرة وإنما كمواطن صالح يعتز ببلده ويهمه سمعتها ، فلا احد يحب أن يسمع صفات لشعبه وبلده بأنها ’’ بلد حرامية ’’ مثلا أو غيرها من تلك الجمل السيئة ، ولكنه سيقبلها ، وان كان على مضض ، عندما يقولون له هناك في البحرين ’’ بعض من الحرامية ’’ لذلك ستكون الصدمة اخف علينا جميعا . لا نريد أن نخدع أنفسنا بأمثلة من نموذج في كل بلد مقبرة وغيرها من التشبيهات ’ وإنما علينا أن نجعل مقبرتنا كالحديقة أولا ثم نلتفت للأمور الأخرى وهو أفضل أنواع التفكير بدلا من التشبث بالسلبيات ومقارنتها مع سلبيات بلدان أخرى ونقول ونردد عبارة ’’ على الأقل نحن أفضل من حرامية بلدان الواق واق ’’ بدلا من أن نقول يجب أن نكون مثل سويسرا وسنغافورة .
ولكن لا أريد أن يضحك مني القارئ ، فانا أيضا أطالب من يريدوننا أن نصبح مثل الآخرين كالمرآة الجميلة والناصعة ، أن نرتب سنغافورتنا وسويسريتنا الرطبة ، بعذوبة قلوب الناس وطيبتهم وكياستهم وأمانتهم في الشارع قبل الفندق ، في المكان العام قبل المطار . كل ذلك ممكن متى ما تم إعطاء الجميع حقا في العيش الكريم ، لصاحب التاكسي الذي يعيل عائلة من عشرة أشخاص ، ولشركة تمتلك ملايين نست أن السوق الوطنية لا ينبغي تحويلها إلى بحيرة حيتان في محيط هائج وكل ذلك بسبب الجشع ورغبة الإثراء السريع ، كأي مشروع اقتصادي وطني عام . إن على الجميع أن يفهم إن الكعكة الوطنية لا بد وان توزع حصتها – بشكل قانوني عادل – كأي مجتمع رأسمالي قائم على الفوارق – دون أن تجعل من الحقد والكراهية الطبقية سببا لتصدعنا الاجتماعي والوطني ، خاصة وإننا نشكو من مرض الطائفية البغيض ، ومنع كل سلوك قد يؤدي إلى هذا التفسير والتفكير ، فان المؤسسات التي تنخرط في خدمة المواصلات ، عليها أن تفكر بروح جماعية وطنية وفهم شمولي ، بأن مجال السياحة اقتصاده يهم الجميع إنجاح رسالته ، قبل أن يكون خصوم المهنة هم أول من يهدمون أعمدتها بوعي أو دون وعي .
ما حدث من أخطاء مع السفينة التي رست في ميناء خليفة ، قد يتكرر في أشكال أخرى ، بين أطراف عدة في البلاد تتعامل مع ضيوف يأتون مرة وقد لا يأتون للأبد بعدها ، ولكننا بالإمكان كسبهم عندما يقولون إن في هذا البلد ’’ شعب طيب ’’ وسنتحدث عن تلك المفردة ’’ الشعب ’’ والتي قالها سياح أجانب عن قبرص في استبيان سياحي لزائر جاء إلى الجزيرة أكثر من 25 مرة طوال حياته . هل نحتفظ بهذا النوع من السياح ؟ سنناقش الأمور بهدوء وليقبل منا الجميع النقد والتوضيح بما فيهم علية القوم وبسطاؤهم !!
 
صحيفة الايام
4 ابريل 2010

اقرأ المزيد

الماركسية ليست ضد الدين.. و«لاهوت التحرير» وهمٌ لا حاجة له


اشتغل الباحث سلامة كيلة (مواليد بيرزيت في فلسطين 1955) على تقديم شروحات تركيبيّة للماركسيّة. كان يحاولُ دائماً إعطاء تلك الرّؤية الواقعيّة للاتجاه اليساري، من غير أن تأخذه الصّيحات أو الصّرعات الجديدة، وهو لذلك قدّم أكثر من قراءة نقديّة للتأويلات اليساريّة التي عمِدت، بحسب رأيه، إلى إجراء معالجات مغالطة في إطار الغزل الأيديولوجي وتقليد الآخرين.

تكشف أعماله أنّه من البارزين في تمثيل خطّ يساري عربي شديد الانتماء إلى المدرسة الماركسيّة، ولكنه ضليع أيضاً في قراءة التقاطعات الجارية وتركيز الاهتمامات النقديّة الموازية. في هذا الجزء من الحوار، يتحدّث كيلة عن القراءة الماركسيّة للدّين، مقدِّماً توضيحاً خاصاً بهذا الشأن، ومعلّلاً عدم إمكان اللّجوء إلى الخصوصيّة فيما خصّ الإسلام، رغم أنه يُسجّل نقاطاً إيجابيّة له على مستوى التاريخ والتوظيفات المعاصرة. كما يتطرّق الحوار إلى مسألة لاهوت اليسار التي يرفضها كيلة رفضاً تاماً، ويؤكّد عدم الحاجة إليها في السياق العربي الرّاهن.




الماركسية ليست ضد الدين.. و«لاهوت التحرير» وهمٌ لا حاجة له
سلامة كيلة في حوار مع ” الوقت” :

أجرى الحوار نادر المتروك


  * يجري الحديث عن قراءة ماركسيّة للدّين، تختلف عن تلك التأويلة المسبقة التي تروج في أوساط الدّينيين بعنوان «الدين أفيون الشعوب». كيف تقدّمون المقاربة الماركسيّة للدّين عموماً؟ وهل يمكن القول إنّ ثمّة خصوصية للماركسيّة «العربيّة» في هذا الخصوص؟

–   لا أدري هل يجري الحديث هنا عن قراءةٍ ماركسيةٍ منجزة للدين، أم أنّ الأمر يتعلق بالسّعي إلى تحقيق قراءةٍ ماركسية للدين تختلف عن/ وتتناقض مع الأفكار التي تروج حول أنّ «الدين أفيون الشعوب» ونقطة! على كلٍّ، ما يمكن قوله هنا هو إنّ الماركسية ليست نظرية مضادة للدين، أيّ أنها لا تساوي الإلحاد الذي هو في تضادٍ مع الإيمان، بل هي طريقة تفكير لفهم الوجود بكلّيته. وهي تنطلق من أساسين؛ الأول هو أن الوجود هو الأساس، وبالتالي فإنّ الواقع هو الذي يُحدِّد الأفكار والتصوّرات، والثاني: هو أن الوجود في صيرورةٍ مستمرة تتحقق في صيغةٍ جدلية. وهذا ما جعلها تحاول تفسير الوجود بما هو وجود، أي من داخله، وتحليل صيرورة تطوّره بما يفضي إلى تحقيق ما يخدم البشر أنفسهم.

وبالتالي، فقد نظر إلى الدين بوصفه جزءاً من تطوّر الوعي البشري في محاولتهم فهم واقعهم، وصوغ الرؤية التي تكيفهم معه، وأنه شكّل تطوّراً كبيراً في مسار الفكر، وانتظام البشر في الواقع. ولهذا ترى أن هذه مسألة تاريخية يمكن أن تبحث في سياق البحث التاريخي. أما في الواقع القائم؛ فإنّ ما يهمّ الماركسية هو كيفية تحقيق تطوّر المجتمع في سياقٍ يخدم البشر، من حيث العيش والتعليم والعمل والرفاء، وفي هذا لا ترى أن صداماً ضرورياً مع الدين هو أمر محبّذ، لأنها لا ترى من ضرورةٍ إلى لمس عقائد البشر، أو فرْض ما يحدّ من قناعاتهم. وأنّ صدامها الأساسي سيكون مع القوى التي تُسيّس الدين لخدمة مصالح طبقيةٍ محدّدة. وصدامها هنا هو مع الطبقي السّياسي، وليس مع العقائد الدّينيّة التي تُترك لقناعات الأفراد. الصراع هنا هو صراعٌ بشري بشأن خيارات طبقيةٍ وسياسيّة، وإنْ كانت بعض القوى تحاول تغليفه في ثوبٍ ديني.

الوعي الديني وصارع العقلانية

*  وما موقف الماركسيّة من العلمنة؟

–   الماركسية تتبنّى العلمنة؛ لأنها تميّز بين المعتقد الشخصي والمشروع الطبقي السّياسي، وبالتالي تضع حداً لاستخدام الدّين في السّياسة، لكنها لا تُلغي الحقّ في تبنّي أيّ معتقد. هذه رؤية «تقليدية» عامة في الماركسية تنطلق من التمييز بين الحقّ الشّخصي والمشروع المجتمعي. لهذا فهي تخوض الصّراع ضدّ كلّ الأفكار والتيارات التي تعوق التطوّر، وتدعم الطبقات المسيطرة المستغِلّة. وهو أساسُ صراعها مع التيارات التي تنطلقُ من الدّين باعتباره أيديولوجيا.

 * تلك عموماً النظرة الماركسيّة للدّين، فما النظرة إلى الإسلام خصوصاً؟

–   فيما يخصّ التصوّر بشأن الإسلام، فأشيرُ أولاً إلى أنه ليس من خصوصيةٍ ممكنة، حيث إنّ الأمر يتعلق بقبول سطوة طبقةٍ متلحّفة بالدين، لكنها تحقق مصالحها الدّنيويّة أو رفضها والصراع معها. ولاشك في أنّ كلّ دينٍ لعبَ الدّور ذاته في التاريخ العالمي، وتحوّل إلى أيديولوجيةٍ لمصلحة طبقات، واستغلّ في الاضطهاد وتبرير النّهب والقتل. ووَصلَ الوضع إلى لحظةٍ تفرض الفصل بين الدين والدولة. والإسلامُ ليس خارج هذا السّياق، بل إننا نشهدُ كيف أنه في جوهره هو كذلك. وبالتالي لا يجب أن نلتفّ حول الموضوع بالحديث عن الخصوصية.

*  ولكن الإسلام، من الناحية التاريخيّة، أسهم بإيجابيّة في حياة العرب، وبالتالي لابد أن ثمّة خصوصيّة لهذا الدّين؟

–   طبعاً، لقد لعب الإسلام دوراً تاريخياً مهماً في صيرورة تطوّر العرب، وفي التاريخ العالمي، لكنه لعب ذلك باعتباره مشروعاً طبقيّاً سياسيّاً استند إلى عقيدةٍ دينيّة. لكن طابعه الدنيوي تحوّل على إثر الانهيار الذي أصاب الإمبراطورية إلى تصوّرات مبسّطة ساذجة وأسطورية، وأصبحت الرؤى التي سادت في ضوء التصوّر الذي طرحه الإمام أبوحامد الغزالي مجرد جملة طقوس بسيطة، من دون عقل أو معادية للعقل. فقد رفض الغزالي كلّ مجالات العلم والفلسفة، وحَصَر «العلم» في «علوم الدين»، التي هي النصّ واللغة العربية والحساب (تعبيراً عن التجارة). وبهذا سادَ باعتباره وعياً عامياً يتكئ على أوليات من الدين. والأخطر هو أن هذا «الوعي الدّيني» بات في تناقض مع الفكر والعلم.

وأصبحت «المؤسسات الدّينية» تُعيد إنتاجه، وتُصارع كلّ ميل عقلاني. وهذا ما تبلور في تياراتٍ سياسيّة تسعى إلى تكريس الماضي، وتعمل من أجل شطب تطوّر هائل تحقّق منذ انهيار الإمبراطورية العربيّة الإسلاميّة، وتكريس ليس حتى ما ساد في الإسلام في أوج عظمته، حيث التطور العلمي والفلسفي، بل ذلك «الوعي العامي» الذي يتكئ على الفتاوى التي تقوم على القياس على ماضٍ سحيق. والأهم هنا هو أن هذه التيارات التي تبدو أنها تهدف إلى إعادة الماضي (والذي يوحي أحياناً بأنها إعادة للماضي المجيد) تميل إلى تكريس الوعي العامي عبر الحرب على كلّ التطوّر الحداثي، لكنها كذلك تكرّس الليبرالية على الصعيد الاقتصادي، الذي يقوم على التجارة بديلاً عن السعي إلى بناء الصّناعة التي هي حاجة ماسة، وهي أساس إيجاد فرص العمل وتطوير الاقتصاد، وتحسين الوضع المعايشي. هنا سنجد أن الماركسية هي في صراع مع هذه التيارات من هذه الزوايا.

الدّين أم السياسة في الحركات الأصولية

*  وماذا عن الدّور التحرّري والمقاوم للتيارات الإسلامية، خصوصاً اليوم؟

–   ربما هناك منْ ينطلق من الدّور الذي تلعبه الحركاتُ الأصولية سواء في مواجهة الإمبريالية أو حتى في صراعها مع النظم للقول إن الإسلام مازال يحمل شحنة «ثورية» يجب على الماركسيين الإقرار بها. وهنا يصبح التأييد المطلق للمقاومة الإسلامية موقفاً ضرورياً، وحتمياً فيما إذا كانت الماركسية تسعى إلى وعي الواقع. لكن، كما حاولنا الفصل بين الدين والدولة؛ سوف نقول إنه يجب الفصل بين الدّين وتحوّل هذه الحركات إلى قوةٍ شعبية في المواقع التي لعبت فيها دوراً ضد الإمبريالية أو بعض النظم، لأنه ليس الدين هو الذي جعل الفئات الشعبية تميل إلى دعم هذه الحركات، بل السّياسة. بمعنى أن الفئات الشعبية نظرت إلى هذه الحركات من زاوية موقفها من الإمبريالية والاحتلال، والنظم، وليس بما هي حركات تنطلق من الدين. أي أن السّياسي هو الذي فرض هذا الموقف، وليس الوعي الديني الذي يسكن الشعب. وهو الوعي الذي لم يمنع من دعم أحزاب قومية أو ماركسية في العقود الماضية.

لاهوت التحرير.. النشأة الملتبسة

 * في الإطار السّابق نفسه، كيف تقدّمون رؤيتكم لمفهوم «لاهوت اليسار»، في إطار الحديث عن إسهامات متبادلة بين المخزون القيمي اللاهوتي، والقيم اليساريّة التحرّريّة؟

–   منذ بعض الوقت وتكرار الحديث عن «لاهوت التحرير» مستمر، والمثال هو ما جرى في أميركا اللاتينية، والهدف هو الدعوة إلى تحقيق «لاهوت تحرير إسلامي» للإفادة من «المخزون القيمي اللاهوتي». أظن أن في ذلك خطأ ينتج عن ذاك الميل الذي يحكم «العقل العربي» للنقل عن تجارب أخرى، فهو عقل مقلّد في أحسن الأحوال. أولاً يجب أن نلاحظ بأن حال أميركا اللاتينية هي حال خاصة، قام بها ماركسيون وهم يعملون لتحقيق الهيمنة بمعناها الغرامشي في مؤسسات المجتمع، ومنها الكنيسة. أي ميلهم لفرض تصور يساري طبقي على نشاط الكنيسة، لتفعيل دورها في الصراع ضد الدكتاتوريات. وهذا ما دفعهم إلى إعطاء المسيحية طابعاً طبقياً يخدم الفقراء في الصراع ضد الرأسمالية، ويناهض الاستبداد، والإمبريالية. لكن يجب أن نلحظ بأنّ المسيحية كانت قد تحوّلت إلى معتقدٍ شخصي بعد أن تحققت العلمنة في أوروبا، وتعمّمت في البلدان التي كانت شعوبها مسيحية على صعيد الدين. وبالتالي باتت الكنيسة مؤسسة اجتماعية (ربما نقول مثل النقابة) لا هدف سياسياً لها، لكنها يمكن أن تستخدم لمصلحة الرأسمالية المسيطرة بالمعنى المعنوي، أي عبر تكريس وعي معين يدعو إلى السكينة وقبول القدر الإلهي. وما فعله الماركسيون هو تعميم الوعي المعاكس عبرها من خلال رجال دين ماركسيين.

لاهوت اليسار يخدم الأيديولوجية الأصولية

 * بناءً على ذلك، كيف تقرأ محاولة تطبيق لاهوت يساري في واقعنا العربي؟

–   ربّما يكون البحث في «لاهوت اليسار» هو ضرب من التوهم الذي يخدم الأيديولوجية الأصولية بدل أن يكون ضدّها، حيث إنّ الصراع مازال قائماً مع هذه الأيديولوجية التي تعمل على فرض ذاتها بوصفها نظامَ حياة وسلطة وتشريعاً، وأيضاً باعتبارها مصالح طبقية لا تخدم سوى الرأسمالية كما أشرت للتو. إن الخطوة الضرورية الأولى هي في تحقيق الفصل بين الدّين والدولة، وهذا يعني التركيز على تعميم الفكر الحديث الديمقراطي العقلاني العلماني، حيث إن الأساس الضروري هو تجاوز البنى والوعي التقليديين والطبقات التي تدعمهما. وهذه العملية هي التي سوف تقود إلى تحقيق ذاك الفصل.

*   ما تقييمك للمحاولات التركيبية التي استعلمت اليسار في التحديث أو الإصلاح الديني؟

–   طبعاً، ما يجري في الوطن العربي منذ سبعينات القرن الماضي هو محاولة إعطاء تفسير «عقلاني» أو حتى «يساري» للإسلام. وعمل البعض من الماركسيين على تأويل الإسلام في هذا السياق، لكننا لاحظنا أن الأيديولوجية الأصولية توسّع دورها منذئذ، ولم تقُد أية محاولة من هذا القبيل إلى تبلور اتجاه «مستنير»، رغم وجود أفراد مستنيرين. وهذه الواقعة توضّح أنّ الانطلاق من الدّين لإعطاء تفسير مختلف عمّا هو رائج؛ لا يقود سوى إلى تعزيز الأصولية. وأصلاً ليست مهمة الماركسي أن يصبح «فقيهاً» دينياً، ولا يجوز عليه ذلك، لأنه أصلاً ينطلقُ من أسس هي خارج الدّين بالمعنى الأبستمولوجي كما بالمعنى الأيديولوجي، ومهمته هي بلورة وعي حديث ديمقراطي وعقلاني وعلماني، وأيضاً علمي. كما أن مهمته هي تغيير الواقع، ولاشك في أن تحقيق التطور المجتمعي، وإعادة تأسيس التعليم، وتعميم الحداثة، هي كلها الأمور التي تفرض «تحديث الإسلام»، بتحقيق الفصل بين الدين والدنيا.

فشل الماركسيين في الدّور

 * إذاً، لا مكان ولا يصحّ إجراء تلك المعالجة التي تمّت في بلدان أميركا اللاتينيّة.

  - إننا مازلنا في تلك المرحلة التي أشرتُ إليها قبل قليل، ولا يمكن لنا «تقليد» تجربة أميركا اللاتينية. وليس مطلوباً من الماركسي أن يعمل على تأويل التاريخ الإسلامي لجعله «يسارياً» أو اشتراكياً، وحتى مادياً. ولا تأويله لكي يكون «دين الفقراء» حيث كان يعبّر، وفق ظروفه، عن الميل الأرستقراطي العربي لـ «وراثة الأرض»، رغم كلّ الجمل حول العدل والفقر وغيرها. هذا تاريخ، ويجب أن يُفهم في سياقه التاريخي، وأيّ تجاوز لذلك يشوّه التحليل الماركسي، ويُضعفه. القرآن جاء قبل قرون عديدة وعبّر عن ذاك الوضع، ولا يمكن لأي عبقرية لغوية أن تفسّره بما يخدم المستقبل، وأصلاً في ذلك ظلم شديد. وكما أشرتُ، ليس ميْل الطبقات الشعبيّة إلى الحركات الأصوليّة نابع من الوعي الدّيني، وفق ما يظنّ بعضُ الماركسيين، بل نابع من دورها السّياسي. وفي هذا يجب أن يكون دور الماركسيين، أي دورهم في تقديم برنامج نضال سواء ضد الإمبريالية والاحتلال، أو في مواجهة النظم الكومبرادورية. وأن يطرحوا بديلاً يخدم تلك الطبقات. ثم إن يدافعوا حقيقة عن هذه الطبقات. المسألة ليست مسألة وعي بل مسألة دور وفعل ورؤية، وهذا ما فشل الماركسيون فيه. وهو ما يجعلهم يميلون إلى تفسير ما يجري فيما يتعلق بدور الأصولية بشكل سطحي وساذج.

*   في الخلاصة، فإنكم لا توافقون إطلاقاً على لاهوت اليسار، ولا تجدون حاجة إليه؟

–   لسنا بحاجةٍ إلى «لاهوت اليسار»، بل إننا بحاجةٍ إلى فعل ثوري لمصلحة الطبقات الشعبية انطلاقاً من وعي حقيقي بالواقع. إنّ أثر تبلور وعي يساري حقيقي، وتشكّل فعل يساري حقيقي، هما أهم من كلّ حديث عن «لاهوت يساري»، وهما سوف يفرضان على الأيديولوجية التي تستند إلى الإسلام التكيّف مع ذلك كما حدث في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين، حينما تحوّل الحديث عن «اشتراكية الإسلام»، و«اشتراكية أبي ذر»، و«العدالة الاجتماعية في الإسلام».. وهذه كلّها نبعت من «إسلاميين» وليس من ماركسيين، على عكس ما بات يجري منذ السبعينات حينما مال الماركسيون إلى تأويل «ثوري» للإسلام.
 
الوقت 2 ابريل 2010
 

اقرأ المزيد

إرادة الشيوعيين أقوى ولن يفلح أحد في تغييبها


الذكرى الـ76 لتأسيس الحزب ليست حدثاً احتفالياً أو مناسبة فنية، إنها مناسبة أساسية لاستذكار تأريخ الحزب ونضالات الشيوعيين وإنجازاتهم في الحركة الوطنية العراقية. وهي في الوقت نفسه، مناسبة لاستخلاص الدروس والعبر من هذه المسيرة الطويلة المضمخة بدماء الشهداء المتفاعلة مع إرادة الشعب ومطالب وهموم الجماهير، وهي ايضاً فرصة لإلقاء الضوء على النشاطات والأعمال السياسية والفكرية والتنظيمية للحزب في الفترة بين العيدين، في كل تنوعاتها وميادينها. من باب أولى، سيما ونحن نحتفل بالذكرى السادسة والسبعين بعد انتهاء فترة نشاط حافلة بالحيوية والتنوع، أن نستنتج ونؤشر ونؤكد ما قمنا به وما أنجزناه، وما رافق ذلك من نجاحات وإخفاقات.


 


في مقابلة مع “طريق الشعب” بمناسبة الذكرى الـ 76 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي


الكبار” ضاقوا بالتعددية البرلمانية … كفاحنا الديموقراطي مع الجماهير سيتواصل


إرادة الشيوعيين أقوى ولن يفلح أحد في تغييبها

احتفال الشيوعيين واصدقائهم بالذكرى الـ76 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي يأتي في ظروف جديدة. فقد خاض الشيوعيون. خلال السنة المنصرمة، منذ الاحتفال بالذكرى الـ 75 للتأسيس، الكثير من النشاطات والنضالات دفاعاً عن مصالح الجماهير ومن اجل ترسيخ الديمقراطية، داخل البرلمان وخارجه، لعل ابرزها كان انتخابات مجالس المحافظات، والانتخابات البرلمانية الاخيرة، التي ماتزال تتفاعل مجرياتها ونتائجها، سلباً وإيجاباً، ان على صعيد الحزب او بين القوى والتكتلات والاحزاب السياسية، او على صعيد حياة الناس، لما يمكن ان تشكل من تأثير على حياتهم ومستقبلهم.

وشأنها في كل عام، طرحت “طريق الشعب” هذه الهموم والأسئلة أو الكثير منها على الرفيق حميد مجيد موسى، سكرتير اللجنة المركزية للحزب خلال التقائها به….

“طريق الشعب”: فبماذا اذن ، يتميز ، احتفال الحزب بالعيد هذا العام؟

–  الذكرى الـ76 لتأسيس الحزب ليست حدثاً احتفالياً أو مناسبة فنية، انها مناسبة أساسية لاستذكار تأريخ الحزب ونضالات الشيوعيين وإنجازاتهم في الحركة الوطنية العراقية. وهي في الوقت نفسه، مناسبة لاستخلاص الدروس والعبر من هذه المسيرة الطويلة المضمخة بدماء الشهداء المتفاعلة مع إرادة الشعب ومطالب وهموم الجماهير، وهي ايضاً فرصة لإلقاء الضوء على النشاطات والأعمال السياسية والفكرية والتنظيمية للحزب في الفترة بين العيدين، في كل تنوعاتها وميادينها. من باب أولى، سيما ونحن نحتفل بالذكرى السادسة والسبعين بعد انتهاء فترة نشاط حافلة بالحيوية والتنوع، أن نستنتج ونؤشر ونؤكد ما قمنا به وما أنجزناه، وما رافق ذلك من نجاحات وإخفاقات. إذ ليس أمام الشيوعيين إلا أن يكونوا صادقين مع أنفسهم ومع الواقع والحقيقة وهذا هو سر تفاؤلهم وإصرارهم على مواصلة المسير، رغم كل الصعوبات والتعقيدات، سواء كانت ممارسات استبدادية لحكام دمويين دكتاتوريين في العهود السابقة، من سجون وقتل وإعدام وتعذيب او كانت حرباً او عراقيل من نوع جديد في الظروف الجديدة التي يناضل في ظلها الحزب، او تزويراً لإرادة المواطنين، او تشويهاً لوعيهم وسلباً لإرادتهم وتغييراً من قناعاتهم، عبر الضغوط الإعلامية والفكرية، وعبر المال السياسي والإرهاب الفكري والضغوط النفسية، وعبر التلاعب بصناديق الاقتراع وتزوير نتائج الانتخابات. هذا ما يواجه الشيوعيين وهم قادرون على مواجهته، بما يملكونه من منهجية علمية وتفاؤل وإصرار على تقديم أفضل الإنجازات للشعب، لتحقيق الوطن الحر والشعب السعيد، يظلون يواصلون المسير والنضال دون كلل ومهما كانت الظروف والأحوال.

المشاركة في الانتخابات موقف مبدئي 

 واضح ان هم الانتخابات الاخيرة، بكل ما لها وما عليها، وبكل ما لكم وما عليكم، هو الهم المسيطر، وهذا امر مفهوم. فهل اتيح لكم على قصر الوقت، استخلاص الاستنتاجات، او بعضها؟

–  نحن حينما توجهنا إلى المساهمة في الانتخابات كانت أمامنا مجموعة من القناعات والانطلاقات التي نعتبرها ضرورية وصحيحة :
اولاً نحن نساهم في عملية سياسية عنوانها ترسيخ الديمقراطية وإزالة كل الشوائب والثغرات التي تعرقل التطبيق السليم للديمقراطية. وأحد أركان الديمقراطية الأساسية هو الانتخابات، التي من شأنها، إذا ما توفرت النزاهة والصدقية والحيادية في من يديرون عملية الانتخابات، ان تساعد الشعب على اختيار الأفضل الذي يمثله تحت قبة البرلمان، بكل ما يعنيه من سلطات تشريعية ورقابية. إذاً نحن ننطلق من مواقع، إن أي مناسبة تسمح للشيوعيين بالظهور العلني والاتصال المباشر بالجماهير لابد ان نخوضها، سواء حصلنا او لم نحصل على مقاعد في البرلمان او في مجالس المحافظات. هذا موقف مبدئي. وليس ثمة ما يمنع الشيوعيين من مواصلة هذا التقليد وهذه القناعة، إلا إذا استجدت ظروف أخرى تغير من مجرى الأحداث، وعند ذلك يمكن أن يقاطعوا، وهذا غير وارد في اللحظة الملموسة التي نواجهها.

من هذا المنطلق نعمل من اجل ترسيخ الديمقراطية وتثبيت الانتخاب كوسيلة أساسية ورئيسية لتداول السلطة سلمياً، وكبديل للانقلابات والحروب الأهلية والعنف الدموي، هذا من جانب. من جانب آخر نرى ضرورة الاستفادة من كل فرصة لخوض النضال الجماهيري ولتقوية أواصر الصلة والعلاقة مع أوسع الجماهير. لهذا يقف الحزب موقفاً ايجابياً من المساهمة في الانتخابات بصرف النظر، وأنا أؤكد ذلك واشدد عليه، بصرف النظر عما اذا حصلنا على مقاعد او لم نحصل. فاذا تحقق لنا ذلك، سيكون بالنسبة لنا، منبراً يضاف للمنابر الأخرى التي يساهم الشيوعيون في النضال من خلالها للدفاع عن مصالح الشعب وتطلعاته. ولكن ان لم يتحقق لنا ذلك، سيتطلب الامر منا تفسير ما حدث، لهذا دخلنا حلبة التنافس ونحن نعرف إن فرصنا ضعيفة.

التعديلات على القانون اضعفت فرصنا

وذلك ارتباطاً بالتعديلات التي ادخلت على قانون الانتخابات، فقد كانت ظالمة وجائرة على حساب من تجري تسميتهم في اللحظة الراهنة (القوى الصغيرة أو الأقليات السياسية). التعديلات ميزت ضد هذه القوى، وحرمتها من فرص الوصول الى البرلمان، وجيرت أصواتها إلى الفائزين الكبار، الذين ابدوا، في أكثر من مناسبة ضيق صدر بالتعددية والتنوع في البرلمان. فحذف المقاعد التعويضية وتحويل المقاعد الشاغرة التي لا تغطيها أصوات اللذين لم يحصلوا على القاسم المشترك وتحويلها إلى الفائزين اضرّ إضراراً بالغاً بإمكانية وصولنا للبرلمان.
كان لابد ان نأخذ ذلك في الاعتبار ونحن نبحث عن ما يساعد على وصولنا الى البرلمان متجاوزين العقبات التي وضعها القانون الجائر وتعديلاته، أقول ونحن نبحث عن وسائل وآليات، هي تتطابق أصلاً مع ما كنا نسعى له من تشكيل قائمة واسعة عابرة للطوائف والاثنيات.
بحثنا مع الآخرين طرق وسبل التعاون والائتلاف، ولكن ما ظهر على الساحة السياسية من إئتلافات وتحالفات لم يتح للحزب الفرصة بأن يتخذ موقفاً ايجابياً منها؛ أما لأنها كانت تكراراً وإعادة إنتاج لنفس الصيغ السابقة التي رفضناها، أو إنها تفرض اشتراطات وآليات لا تنسجم مع إصرار الحزب على الحفاظ على استقلاليته الفكرية والسياسية والتنظيمية.

التحدي الكبير

لهذا كنا نرى أن فرصنا للحصول على مقاعد ليست كثيرة. مع ذلك اعتبرنا إن الحاجة لبلورة التيار الديمقراطي وتأسيس نواة صلبة له تتمثل في صياغة برنامج يعبر عن عميق طموحات شعبنا وكادحيه هو ضرورة موضوعية تفرضها الحالة السياسية في العراق، بما يعنيه ذلك من ظهور صوت مميز يعبر عن هذه الشرائح. من هذه الناحية كانت المشاركة في الانتخابات واعدة وذات أفق مشرق. ولهذا اعتبرنا مساهمتنا بالانتخابات بإسم “اتحاد الشعب” وهي تمثل فئات هامة من التيار الديمقراطي تحدياً. واعتقد ان كل من يفهم معنى كلمة التحدي يدرك بأننا لم نضع احتمال الفوز باعتباره الاحتمال الوحيد، وإنما، ايضاً، احتمال الخسارة؛ فنحن نعمل ونناضل في ظروف سياسية واجتماعية غاية في التعقيد. وما أدانه الرأي العام من ظواهر طائفية واثنية، اجبر بعض القوى السياسية على التخلي عنها، ظاهرياً، ولكنهم بقوا متمسكين به فعلاً وحقيقة. وواهم من يتصور إن الأمور والانتخابات جرت بعيداً عن الولاءات الثانوية، أو على أساس المواطنة والبرامج السياسية. بل إن ما سبق الانتخابات من صراع محموم، دفع الناس إلى التخندق والاصطفاف مجدداً خلف قوائم هي بالأساس رائدها وشعارها ذات عمق طائفي واثني، هذا بشهادة كل المتابعين المتعمقين لحالة العراق، سواء كان ذلك بأسم اجتثاث البعث أو الخوف من مؤامرة بعثية. كل ذلك أعاد التخندق والتشدد إلى الجمهرة الأساسية من الناخبين.
إذا لم تكن البرامج ولم تكن الأهداف السياسية الأصلية هي المتحكم في خيارات الناخبين، دع عنك إننا نعيش في مجتمع ما زالت الأمية تحتل نسبة عالية فيه وما زال سائداً الجهل والتخلف الثقافي وضعف التقاليد الديمقراطية وضعف المعرفة بألاعيب وخفايا و”فنون” الانتخابات!، هذا فضلاً عن التزوير والتلاعب والتدخلات الخارجية الكبيرة. فوزير الخارجية يقول علناً: انتخاباتنا ليست عراقية صرف وإنما هي انتخابات إقليمية بامتياز! فهل سيكون هذا التدخل لصالح الشيوعيين ولصالح الديمقراطيين؟ أم لصالح قوى أخرى؟ لقد اثر كل هذا كثيراً على إرادة الناخبين، وزيف وعيهم، ودفعهم باتجاهات لا تخدم مصالح المواطنين الحقيقية.
ولا يمكن اغفال تدفق المال السياسي، بشهادة الأجهزة الحكومية وغير الحكومية، ما وضع المواطن العراقي، بأغلبيته، تحت ضغط الإعلام المفبرك وتحت ضغط الإعلام الموجه لصالح جماعات على حساب جماعات أخرى.
هذه الظروف هي التي دفعت نتائج الانتخابات بالاتجاه الذي رأيناه، وهي التي وضعت العقبات والعراقيل التي صعّبت على قائمة اتحاد الشعب ان تتسع وان تمتد إلى أوسع من ما امتدت إليه.

النتائج لا تعكس الحقيقة

لكن يبقى أن امتدادها هو أكثر مما ظهر في الإحصاءات الرسمية، فالأصوات التي كسبتها هي أوسع مما ظهر، لكن ما العمل غير أن نشكو للشعب في هذه اللحظة من هذا الظلم، وأن نلجأ الى الوسائل القانونية لانصافنا من هذا الاعتداء على قائمة اتحاد الشعب وعلى من يمثل اتحاد الشعب. ويبدو إننا لسنا الوحيدين بين القوائم التي عانت كثيراً من عمليات التلاعب والتزوير. لهذا كانت فرصتنا للظهور في البرلمان معدومة بسبب كل هذه العوامل. مع ذلك فنحن لسنا مبتئسين، حتى لو كنا رافضين للنتائج ومتألمين مما جرى في الانتخابات من مسخ وتشويه وأذى لمسيرة ترسيخ الديمقراطية في العراق، فذلك لا يدفعنا لليأس والقنوط والإحباط بل سيزيدنا عزيمة على العمل لزيادة الوعي وللتخلص من كل العوامل والآثار المضرة التي أفرزتها هذه النتائج المعلنة.

وقفة للتقييم والدراسة 

 


مع ان الوقت لا يزال مبكراً، لكن هل توقفتم عند دور بعض مظاهر القصور في عمل الحزب ونشاط منظماته في ما حصل؟


–  في ظل هذه اللوحة الموضوعية المعقدة والتي كما قلت زادها تعقيداً هذا التعديل المجحف والجائر في قانون الانتخابات وهذا التدخل المنفلت الفج للقوى الخارجية في   الشأن العراقي الداخلي، ولأسباب جدية اخرى، فنحن لسنا بصدد السكوت عن فحص وتشخيص نواقصنا الذاتية. بالعكس فمنظمات الحزب على امتداد الرقعة الجغرافية للعراق تدرس، بالملموس، وكل من موقعه، مسيرة نشاط المنظمات والرفاق وتشخص النجاحات والإخفاقات. وستتكلل هذه الدراسات بتجميعها ووضعها في إطار موحد في الاجتماع الاستشاري المقبل وفي الاجتماع القادم للجنة المركزية. في هذه الظروف المعقدة والصعبة نستطيع ان نؤشر حقيقة ان نشاط الحزب وعموم المنظمات في هذه الانتخابات، كان أفضل من نشاطنا في أي انتخابات سابقة. فنحن لسنا أمام حالة تراجع وتدهور في حجم ونوع النشاط الذي قمنا به. ولذلك نشعر بالألم والامتعاض من التزوير، أكثر من أي وقت آخر، ومن التلاعب بالانتخابات. ان وقوفنا عند هذه الأرقام وعدم حصولنا على نتائج اكبر لا يعود بالاساس الى قناعتنا بتردي نشاط منظماتنا ورفاقنا ونهجنا وتكتيك لجاننا الانتخابية. مع ذلك نحن نشعر اننا لو كنا قد تجاوزنا بعض النواقص او بعض الثغرات لكانت الحصيلة اكبر وأفضل.لأننا ونحن نخوض إنتخابات بقائمة مستقلة لم نكن نتوقع حجماً هائلاً من المصوتين، وهذا ما يجب أن نسعى لتحقيقه في المستقبل مع العمل على كل الصعد الموضوعية والذاتية. كان يمكن ان يكون تأثير التزوير والتلاعب اقل، نسبياً، لو كان زخم التصويت لقائمتنا اكبر. اعتقد إننا بحاجة إلى ان نعزز التوجه لإعادة بناء حزبنا كحزب انتخابي بمعنى التخلص من بعض الأساليب وطرائق العمل والنشاطات التي تعيق توسيع عمل الحزب، وان لا نضع النوعية بالتضاد مع الكمية. فالنوعية مطلوبة كذلك الكمية ما دمنا ندخل ميدان التنافس الانتخابي. ومطلوب، أيضاً، ان نمتد جغرافياً أكثر، ان نتلافى الثغرات التي أظهرتها الانتخابات في بعض المناطق وبعض المواقع كالقرى والأرياف والمحلات. علينا أن نعزز من حيوية وديناميكية ومبادرات المنظمات الحزبية وان نؤصل ما قامت به المنظمات في الأشهر الأخيرة. اعني الانخراط في النشاط المطلبي وفي طرق الأبواب وفي الفعاليات الجماهيرية. فهذه وسائل أثبتت نجاحها وضرورتها في تعزيز صلة الحزب بأوسع الناس وللتأثير على وعيهم من خلال تحريك القضايا المطلبية الخاصة بالناس، هذا ما يجب تثبيته كنهج. وبالتالي لابد من أيجاد الوسائل التي تقرب الهيئات القيادية من الهيئات القاعدية، بمعنى ضرورة إعادة النظر ببعض الحلقات الوسطية التي تحرم المنظمات القاعدية من فرصة التعرف والاطلاع على سياسة الحزب بشكل اكبر. هذه وغيرها في ميدان العمل الفكري والحاجة لتطوير إمكانيات الرفاق وقدراتهم في المحاججة، ومعرفة تعقيدات الواقع وصياغة الخطاب المطلوب لتحريك الناس، من خلال فهم ما يطرحه الحزب من شعارات ومن أهداف.

لا مناص من تطوير عملنا الفكري

كل ذلك أمر في غاية الحيوية، ولقد تأكد بأن لا مناص لنا من تطوير عملنا الفكري والثقافي، ليس في داخل الحزب فقط وانما مع المحيطين بالحزب، لتخليصهم مما علق في أذهانهم من قضايا متخلفة وغير ناضجة ومشوهة حول الديمقراطيين والشيوعيين واليسار عموماً وما يمثلونه من فكر وبرنامج ونشاط اجتماعي. نعم نحن بحاجة الى تنظيم علاقاتنا مع الجمهرة الواسعة من القوى الديمقراطية وجعل التعاون الذي حصل في الفترة الأخيرة بمثابة نواة قابلة ومن الضروري، ان تتطور لاحقاً لتتكاتف في إطارها سائر القوى الديمقراطية ولتواصل عملها المشترك في الفعاليات والمناسبات السياسية الكبرى القادمة.

هناك أمور كثيرة أخرى تستحق الجهد في تحريك كادر التنظيم الحزبي ولبعث الجرأة المعنوية والروح الاقتحامية في الانتشار والتغلغل بين الناس. علينا أن يكون نشاطنا اكبر في المنظمات الجماهيرية (منظمات المجتمع المدني) في النقابات والجمعيات، لنكون على صلة مباشرة مع كل مكونات الرأي العام العراقي الحقيقية.

قائمة الميادين والمجالات التي ينبغي ان نطور أعمالنا بها وان نكرس جهداً استثنائياً للحضور في أوساطها كثيرة وكبيرة، وهذا ما اعتقد ان العقل الجماعي للحزب سيتوصل له وهو يدرس بموضوعية وبأناة وصبر، بدون قيود وأيضاً بدون تشاؤم وبدون انهزامية، وبدون جلد للذات. التجربة التي مر بها الحزب والشيوعيون وأصدقاؤهم كبيرة، لكني مؤمن ان الشيوعيين قادرون على ان يستخلصوا دروساً وعبراً من هذه التجربة الصعبة المريرة، ولكن الجريئة، المملوءة بالتحدي لتطوير نشاطهم في المستقبل.

من الاحتجاج الى التغيير


ألا تعكس نتائج الانتخابات، برغم كل ما شابها، نوعاً من الاحتجاج على سياسات القوى المتنفذة؟

–  دعني أعبر عن قناعتي في هذا الجانب. نعم كان الاحتجاج واضحاً وكبيراً على أداء الحكومة وأداء القوى السياسية المتنفذة حتى قبل الانتخابات، وكان النقد عالياً في  وتيرته وخطابه ضد الحكومة وضد القوى السياسية، المساهمة الأساسية في الحكومة، وكانت الشكوى مرة من أوضاع الأمن، رغم التحسن النسبي الذي طرأ عليها، ومن عدم وجود الاستقرار ومن الخدمات السيئة ومن الفساد المستشري الخ. لكن، للأسف الشديد، وحتى أكون صريحاً وواضحاً وحتى لا نخدع أنفسنا، فإن هذا التذمر وهذه الشكوى لم تتحول إلى أصوات فعلية لصالح التغيير، بل للأسف الشديد، جرى التصويت لنفس الكتل والاتجاهات التي كانت مسؤولة عن إدارة الدولة خلال السنوات السبع السابقة، إلا بتغييرات جزئية فوقية. هذا لا يعني إننا نهمل واقع الاحتجاج والتذمر. لكن يبدو ان الاحتجاج والتذمر، لوحده، غير كافٍ. وقد قلناها في اللقاءات الحزبية وفي منابرنا الإعلامية، انه ينبغي العمل من اجل تحويل هذا الاحتجاج والتذمر إلى فعل تغييري ملموس. نحتاج إلى جهد تثقيفي مبرمج، طويل النفس، وهذا يتطلب وقتاً، لأن تغيير الأفكار ليس عملية انقلابية إطلاقاً. هذا أحد العوامل التي تدعونا لعدم التشاؤم وتبعدنا عن الروح الانهزامية وعن الاستسلام، وتدفعنا للتراص والمثابرة على العمل الجاد مع الناس لتغيير قناعاتهم وتحويلها من مجرد رفض إلى فعل إيجابي. نعم هذه حقيقة الوضع، وهو برغم تعقيده، لا يمثل تغييرات جذرية في اللوحة السياسية وفي تركيبة البرلمان، فقد تبدلت وجوه وشخصيات ولكن جوهر المواقف سيتواصل ويستمر.

كيف ستتطور الأمور؟


الآن وقد انتهت الانتخابات إلى ما انتهت إليه، واضافت تعقيدات جديدة إلى التعقيدات السابقة، إلى مَ يمكن برأيكم ان تؤول الأمور؟

–  نحن من أنصار الديمقراطية. لقد أكدت في البداية على التزامنا بالديمقراطية رغم ما تواجه من تشويه. سنعمل من اجل إزالة هذه التشويهات وسننشط سيقوم ضد التشويهات وليس ضد الديمقراطية. نحن ضد الانقلابات والحروب الأهلية والعنف الدموي. نحن مع التغييرات ذات الطابع السلمي، وسنعمل بجهد ومثابرة وباحترام لإرادة الناخبين، على ما هي عليه، فهي إرادة الناخبين في هذه المرحلة. لكن هذا لا ينفي التزوير وهو ما ليست الجماهير مسؤولة عنه، المسؤول وهو من أدار العملية الانتخابية. مع ذلك فأن الناس اختارت وعليها ان تتعامل مع محصلة اختيارها، وكل ما سنسعى له هو ان نتخذ الموقف الصحيح وان نساعد الناس على استخلاص الاستنتاجات المناسبة للاستفادة منها في الانتخابات القادمة. نحن نحترم إرادة الناس وما اختاروه، نحن ديمقراطيون لكن إذا توقفنا عند المحصلة الراهنة وتبصرنا ملامحها الأولية فاعتقد إننا سنواجه أياماً عصيبة، والاحتمالات مفتوحة. ولا يمكن لأي منا ان يتكهن بنتائجها مسبقاً، رغم إننا نتمنى من كل القلب وبكامل المسؤولية ان تمر الأمور بسلاسة وهدوء وان لا تحصل مضاعفات أو تعقيدات ومشاكل وتتعارض مع رغبة الشعب ومصلحته، ومع تمنياتنا بأن تجري الأمور بسلاسة ووفق القانون وعلى أساس العدالة والإنصاف.

خلافات على توزيع الغنائم

ولكن يبدو ان الغبن واضح والتذمر لم يعد قضية المواطنين وحدهم. التذمر متوفر لدى مسؤولي القوائم والكتل السياسية، وهناك عدم ثقة وهناك طعون وعدم ارتياح وهذا ما انعكس على علاقة القوى ببعضها البعض. الاختلاف يبدأ من الكلمة الأولى، من الكلمة الافتتاحية: من سيكلف بتشكيل الوزارة؟ هذه مسألة عليها خلاف، حتى بين القوى المؤتلفة مع بعضها. فالكثير منها لا تملك الانسجام حتى الداخلي. دع عنك في ما بينها وبين الكتل الأخرى القريبة منها. فكيف ستنتهي الأمور؟ وكيف ستوزع الغنائم، والمسؤوليات؟ ومن سيحصل على كذا وكذا؟… تبدو هذه قضية كبيرة، لان نتائج الانتخابات ليست حاسمة، وضعت أربع قوائم في موضع متقارب. نحن لا نرى انه لا يمكن، بالتالي، إلا أن تؤخذ مصالح الوطن والناس للخروج من الأزمة. وهذه غاية صعبة المنال. يضاف إلى ذلك شعور الآخرين بالإجحاف، وبالغبن والخسارة، غير العادلة. هذا كله يخلق أجواء متوترة محتقنة… ولا زال المتدخلون، من كبيرهم حتى صغيرهم، يلعبون اللعبة السخيفة، التي لا تحترم إرادة العراقيين ووحدة العراق واستقلاله. انهم يريدون أن تبقى الكلمة الأولى المقررة لهم دائما وهم سيبقون على عدم حسم الأمور وعلى التنابز والتنافر بين القوى حتى يكونوا لاعبين أساسيين في تحقيق أية تسوية.

لا يمكن لنا في هذه اللحظة إلا التعبير عن التمنيات: نتمنى ان يسود العدل في حل الإشكاليات، واعتماد مصالح البلد والشعب العليا كأساس للاستقرار، وهذا ما كنا نركز عليه في كل الأوقات ونكرره الآن، وبالتالي يحتاج الأمر إلى حوار، إلى تنازلات متقابلة ويحتاج إلى استيعاب كل القوى القادرة على تقديم فعل مفيد وناضج للبلد وتقدم البلد.

نزعة التفرد غير مقبولة، نزعة احتكار السلطة غير مقبولة، كذلك العودة إلى المحاصصة الطائفية الاثنية التي ولدت كل هذه التعقيدات، وقادت إلى التخندق والتعثر، فهي أيضاً يجب أن لا تعود. لابد أن يؤخذ الاستحقاق الانتخابي بالاعتبار وان لا تحتكر السلطة وان لا يجري تجاهل قوى مؤثرة في البلد، وعند ذلك إذا ما توفرت إرادة خيرة طيبة كهذه سنستطيع تجاوز المحنة. وإلا فقد يتطلب الأمر كما يطرح البعض، (وهذا يحتاج إلى دراسة) ان تعاد الانتخابات وتجرى انتخابات جديدة.
هذا ما تطالب به قوى كبيرة، ويجري طرحه علناً ومن على شاشات التلفزيون. فما أعلن عنه من نتائج غير عادل، ولا يمكن التعامل معه. هذا إن لم تتم إعادة الفرز والعد يدوياً ويطمئن الكثير من المشككين والطاعنين إلى النتائج.




هل يعني هذا إنكم ستتحولون إلى حزب معارضة؟

-   نحن لم نكن حزب موالاة. نحن حزب يدرك تعقيدات الوضع الحالي، لقد ساهمنا بالعملية السياسية، ليس شرطاً ان يكون للمساهمين في العملية السياسية ممثلون في البرلمان. كثير من القوى السياسية كانت مهتمة بالعملية السياسية، ولكنها كانت خارج أطر الأجهزة الحاكمة، سواء كانت سلطة تنفيذية أو تشريعية، وهذا ينطبق علينا أيضاً. فإذا كانت هناك إجراءات سليمة وتصب في مصلحة التقدم الاجتماعي ومصلحة الجماهير والشعب فنحن نؤيدها، وسنكون اشد المعارضين مع ما يتعارض مع مصالح الشعب وتقدم البلد ومصالحه العليا، سواء كنا في البرلمان أو خارجه. لا يوجد شيء قاطع بمعنى أما معارضة أو موالاة أو تأييد. نحن معارضون لكل ما يسيء للشعب وتقدم الشعب، لكل ما يشوه الديمقراطية ومعاني الديمقراطية. معارضون لكل ما يعرقل العملية السياسية في تحقيق أهدافها في بناء عراق ديمقراطي تعددي برلماني اتحادي مستقل، ومناصرون لكل ما يسعى أو يؤدي إلى تحقيق طموحات الشعب، هذا ما سنعمل عليه.




 وانتم تقفون على عتبة العيد السادس والسبعين وتستعرضون ما تحقق من إنجازات وإخفاقات، وتستشرفون المستقبل، ما هي الكلمة التي توجهونها للشيوعيين وأصدقائهم؟



نثق بالناس وبالنفس ونتفاءل بالمستقبل

–  نحن دائماً وفي كل المناسبات نفحص تجربتنا وكما قلت في البداية، ونستخلص الدروس. فما علينا إلا أن ننتقل من عملية التحليل والبحث والتشخيص الى تحويل ما نعتقده صحيحاً إلى أعمال، واعتقد ان الشيوعيين الذين استطاعوا ان يصمدوا 76 سنة قادرون ان يحولوا ما يستنتجونه وما يتوصلون اليه من حلول وقناعات، الى أفعال وممارسة. إننا ننطلق من الثقة بالناس، والثقة بأنفسنا والتفاؤل بالمستقبل، وهذا يتطلب منا المزيد من الإصرار والجرأة والتماسك والوحدة كي نواصل المسير بكفاءة.
لم نشارك دائماً في السلطة، ولم نعش دائماً في العلن فأغلب تاريخنا كان خارج السلطة، مجبرين على العمل السري.أما الآن فالوضع يوفر لنا فرصة العمل العلني وان ننشط في ظروف سياسية انسب، وافضل من أيام الشؤم والاستبداد، والدكتاتورية. علينا ان نستفيد من هذه الفرصة التاريخية استفادة كبرى لمصلحة نشر أفكارنا وتعزيز قواعد انتشارنا الجماهيرية وبناء تنظيماتنا على أساس صحيح. لنضمن لها الفاعلية والقدرة على التحرك وعلى الإنجاز وعلى مواجهة العراقيل والصعوبات، وهي ليست قليلة، كما أشرت سابقاً، بل هي تتعدى العراق إلى الخارج في التعامل مع الناخبين. لقد نشرت الجريدة أمثلة على تزوير إرادة ناخبي الخارج الذين عبروا عن احتجاجهم على تجاوزات المفوضية وتلاعبها بما في ذلك التحايل.

لكن إرادة الشيوعيين ستبقى قوية وأصيلة ومتفانية في خدمة الشعب والوطن من اجل تحقيق السيادة الكاملة والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والحضاري لكادحينا ولسائر أبناء شعبنا.

وكل عام والشيوعيون بألف خير وهم في مقدمة المناضلين لخير الشعب، لا ينتظرون منحة من أحد ولا يقدمون ما يقدمونه بمنة على الشعب. نحن نفعل ذلك بقناعة وإخلاص وصدقية، وما نقدمه سنحصد ثماره ان لم يكن الآن ففي المستقبل. 



 
طريق الشعب 30 مارس 2010

اقرأ المزيد

رغــــم أنهـــــا سنــــة انتخـــــابــــات

أنها سنة انتخابات،‮ ‬تبدو الساحة السياسية البحرينية،‮ ‬على‮ ‬غير العادة،‮ ‬هادئة نسبياً‮ ‬فيما‮ ‬يتصل بتفاعلات وترقبات واستعدادات كافة فرقاء العملية السياسية،‮ ‬وذلك على عكس ما شهدته أروقة الصحافة المحلية والمجالس والديوانيات الأهلية في‮ ‬الأشهر القليلة الماضية من حراك أوحى بحدوث تسخين سابق لأوانه‮.‬
ما الذي‮ ‬حدث؟‮.. ‬هل هو مؤشر على حدوث تبدل في‮ ‬المزاج الشعبي‮ ‬من الحماس للبرلمان والتفاعل مع تجربته إلى العزوف عن التعاطي‮ ‬أو على الأقل متابعة أعمال جلساته وما‮ ‬يدور فيها من مداولات وسجالات‮.‬
مما لاشك فيه أن هرولة السادة النواب في‮ ‬أدوار الانعقاد الأولى من الفصل التشريعي‮ ‬الثاني‮ ‬لتفصيل وإخراج نظام امتيازات‮ (‬تقاعد وخلافه‮) ‬لمصلحتهم وعلى‮ ‘‬مقاساتهم‮’ ‬الشخصية،‮ ‬قد أحدث ردة فعل سلبية من جانب الجمهور تجاه المجلس وأعضائه‮.‬
يجيء بعد ذلك انصراف النواب نحو السجالات والمشاحنات الطائفية الجاهلية والولوغ‮ ‬في‮ ‬أوحالها لتزيد الناس نفوراً‮ ‬على نفورهم،‮ ‬حتى قيل إن السنوات الأربع ونيف الماضية كانت أكثر السنوات عجافاً‮ ‬بالنسبة للنسيج الاجتماعي‮ ‬والمجتمعي‮ ‬البحريني،‮ ‬فقد عملت الخطابات المبثوثة سواء من داخل أروقة البرلمان أو خارجه حيث امتدادات‮ ‘‬روضات‮’ ‬تلكم الخطابات المسمومة والمشحونة بخزين وفير من الضغائن والأحقاد والكراهية،‮ ‬على إثارة أجواء داكنة ملبدة‮.‬
على أن الموضوعية تقتضي‮ ‬منا القول إن أداء المجلس النيابي‮ ‬لم‮ ‬يكن كله سلبياً‮ ‬بالمطلق،‮ ‬وإنما كانت هنالك شذرات إيجابية تخللت بعض المحطات المهمة في‮ ‬عمل المجلس على مدى العام الرابع والأخير من عمر هذا المجلس‮.‬
فبعيداً‮ ‬عن كل تأويل وتسبيب‮ ‬يصدر من هنا وهناك بشأن منطلقات ودوافع بعض كتل المجلس النيابي‮ ‬البحريني،‮ ‬فقد شهدت أروقة المجلس جلسات ذاد فيها النواب عن حقوق المواطنين المعيشية والإسكانية والصحية،‮ ‬كما شهد دور الانعقاد الأخير في‮ ‬هذا الفصل التشريعي‮ ‬الثاني‮ ‬أداءً‮ ‬لافتاً،‮ ‬وفي‮ ‬بعض الأحيان مميزاً،‮ ‬للسادة النواب على صعيد ممارسة أحد أبرز أدوارهم النيابية ألا وهو الدور الرقابي،‮ ‬فراحوا‮ ‬يتتبعون أداء المؤسسات الحكومية ويقيِّمون نتائج أعمالها السنوية ويرصدون مكامن اختلالاتها المالية والإدارية ويساجلون السلطة التنفيذية ويصرون من أجل تصحيحها من دون الاكتفاء بما زودهم به ديوان الرقابة المالية من معلومات توضح تلك الاختلالات‮. ‬حيث اختاروا التوسع في‮ ‬تشكيل لجان التحقيق في‮ ‬أداء عديد المؤسسات الحكومية وخرجوا منها بحصيلة جيدة من الملاحظات والتصويبات المقترحة‮.‬
وكانوا قبل ذلك قد أبلوا بلاءً‮ ‬حسناً‮ ‬فيما‮ ‬يتعلق بمناقشة وتحسين بنود الموازنة العامة للدولة‮ ‬2009‮ – ‬2010‮ ‬قبل إقرارها‮.‬
ولقد برز بصورة خاصة دور اللجنة المالية في‮ ‬المجلس التي‮ ‬لعبت دوراً‮ ‬مميزاً‮ ‬في‮ ‬إضفاء النشاط والحيوية على أداء المجلس ونتائج عمله ما رفع من قيمة وسمعة المجلس في‮ ‬عيون الرأي‮ ‬العام وأعاد له بعض الاعتبار الشعبي،‮ ‬وذلك برغم انقياده وتورطه بين الحين والآخر في‮ ‬مطبات طائفية مقززة‮.‬
لذا‮ ‬يمكن القول إن أداء المجلس النيابي‮ ‬البحريني‮ ‬في‮ ‬سنته الانتخابية الأخيرة‮ ‬يختلف تماماً‮ ‬وجذرياً‮ ‬عن أدائه في‮ ‬السنوات الثلاث السابقة‮. ‬بل إن المجلس الذي‮ ‬كان أحد أسباب هبوط الفاعلية المجتمعية والسياسية،‮ ‬والتي‮ ‬تجسدت تراجعاً‮ ‬واضحاً‮ ‬في‮ ‬مستوى الحراك السياسي‮ ‬الذي‮ ‬عرفته الساحة البحرينية على مدى سني‮ ‬الأجواء الإيجابية التي‮ ‬أشاعها المشروع الإصلاحي‮ ‬لجلالة الملك،‮ ‬قد أضحى الآن بمثابة الرافعة الوحيدة المتحركة في‮ ‘‬المجال الحيوي‮’ ‬للمجتمع البحريني‮ ‬ومكوناته الفاعلة،‮ ‬فيما‮ ‬يكاد‮ ‘‬الركود‮’ ‬يخيم على بقية هذه المكونات التي‮ ‬وإن حرص بعضها على إرسال بعض الإشارات للتذكير بين الفينة والأخرى بوجوده وحضوره‮ ‘‬الفاعل‮’ ‬وعدم انقطاعه عن العمل والتفاعل مع مجريات الأحداث الجارية على الساحة،‮ ‬حتى وإن جاء ذلك ضمن الحدود الدنيا من المشاركة الرمزية في‮ ‬عملية الحراك التنموي‮ ‬السياسي‮.‬
هذه بلاشك مفارقة،‮ ‬لافتة فالمجلس النيابي‮ ‬الذي‮ ‬كان حتى وقت قريب‮ ‬يغط في‮ ‬سبات عميـق بالنسبة لأولويات عمله الرقـابي‮ ‬والتشريعي‮ ‬الأصيل،‮ ‬قد انتزع،‮ ‬في‮ ‘‬الأمتار الأخيرة‮’ ‬‭-‬إن جاز التعبير‭-‬‮ ‬زمام مبادرة الفاعلية المجتمعية من بقية الكيانات والمكونات السياسية والأخرى المدنية التي‮ ‬وقفت تتفرج مشدوهة على ما تصنعه الكتل السياسية في‮ ‬المجلس النيابي،‮ ‬بما‮ ‬يشمل ذلك تباريها ومزايدتها في‮ ‬المسائل الحساسة التي‮ ‬طالما شكلت جزءاً‮ ‬من نمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية الليبرالي‮ ‬الذي‮ ‬بلور الشكل العام للمجتمع البحريني‮ ‬المنفتح على الثقافات والحضارات العالمية المختلفة على مدى المائة عام ونيف الماضية‮.‬
وإنه لأمر محيِّر حقاً،‮ ‬فلكأن التيار الليبرالي‮ ‬ذا القاعدة العريضة المعبرة عن المزاج الشعبي‮ ‬البحريني‮ ‬العام،‮ ‬قد توارى فجأة تاركاً‮ ‬الساحة لقوى اليمين الديني‮ ‬تصول فيها وتجول وتفرض أجنداتها الخاصة على المجتمع فرضاً‮ ‬قسرياً،‮ ‬مستغلةً‮ ‬القنوات المفتوحة أمامها للعمل والتحرك بكامل حريتها،‮ ‬ما شجعها على التمادي‮ ‬في‮ ‬إنفاذ برامجها وأجنداتها المعلنة والأخـرى‮ ‬غير المعلنة التي‮ ‬أعادت البحـرين سنوات عديـدة إلى الوراء على مستوى التمـدين والتحديث الذي‮ ‬حققته أجيـال رائعة من أبناء البحـرين منذ ما قبل الاستقلال‮. ‬وهي‮ ‬‭-‬البحرين‭-‬‮ ‬التي‮ ‬لم تكن تضاهيها في‮ ‬مستوى الانفتاح واللبررة‮ ‬‭(‬Liberalisation‭)‬‮ ‬حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي،‮ ‬سوى بيروت العاصمة اللبنانية التي‮ ‬كانت مضرب المثل في‮ ‬تقدمية الحضارة العربية وتلاقحها مع تيارات الحداثة والحضارة العالمية‮.‬
نعم الكل‮ ‬يسأل أين هو التيار الليبرالي‮ ‬البحريني‮ ‬مما‮ ‬يدور ويتفاعل في‮ ‬الساحة البحرينية،‮ ‬وما قد‮ ‬يحمله من تداعيات وخيمة على الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمع البحرين الحديث؟‮!‬
قد‮ ‬يقول البعض إن التيار الليبرالي‮ ‬في‮ ‬البحرين منكمش على نفسه نتيجة لشعوره بالإحباط من مشهد تهاوي‮ ‬رموز وعناوين الإنجازات الحداثية وقيم التسامح والاتصال العقلاني‮ ‬بالعالم المحيط،‮ ‬أمام ناظريه،‮ ‬فاختار الانزواء كمداً‮ ‬وغماً‮.‬
وهذا،‮ ‬بالمناسبة،‮ ‬في‮ ‬كثير من جوانبه صحيح‮. ‬إنما لابد من إفاقة‮.. ‬وإفاقة سريعة قبل فوات الأوان‮.‬
 
صحيفة الوطن
3 ابريل 2010

اقرأ المزيد

الحريات والانفتاح وجهان لعملة واحدة

الكل يعرف ان الجماعات المتشددة التي تريد للبحرين بلد التسامح والتعدد والانفتاح والحضارة الانغلاق لها حساباتها العقائدية السياسية الخاصة وبالتالي فاذا كانت هذه الجماعات تتظاهر بالبكاء على الديمقراطية فان اجندتها تقول لنا عكس ذلك، ولاشك ان موقف هذه الجماعات في «بيت الشعب» الداعي الى مصادرة الحريات الشخصية يمثل في الحقيقة فكر الوصاية الذي يدعو الى العودة للعبودية، والى الانغلاق، والى العصور الحجرية، في حين ان الخيارات التي تفرض نفسها في زمن الحداثة والانفتاح، والديمقراطية والحريات، والشفافية والمساواة في الحقوق، والتعددية، ودولة المؤسسات والقانون والى آخره من قيم الحداثة والعقلانية.
دعونا نتحدث بوضوح، ان سبب هذه المقدمة هو ان اغلب الاصوات في البرلمان تدفع بهذه البلاد الى الحدود الخطرة!! وازعم ان يافطات المنع والتحريم التي ترفعها تلك الجماعات داخل المجلس النيابي وخارجه تفسر لنا عما يريده فكر الوصاية للبحرين، وما هي الانزلاقات التي تنتظر هذه البلاد، وتفسر لنا ايضاً الازدواجية التي يمتاز بها هذا الفكر ولاسيما عندما يدعو الى الديمقراطية، في حين ان مصادرة الحريات الشخصية والمدنية تمثل آفاق هذا الفكر.
ببساطة ما الذي حققه نوابنا الافاضل بعد عشر سنوات من المسيرة الاصلاحية؟
سؤال كثيرا ما يتداول الآن في المجالس الخاصة والديوانيات وخاصة ان الفصل التشريعي الثاني قارب على الانتهاء.
كان بودنا ان يسمع نوابنا ردود الفعل التي نلخصها وننقلها بامانة من بينها هناك من يقول وبالفم المليان «براڤو» نوابنا كل شيء على ما يرام، اغلب الملفات العالقة انجزت بصورة قياسية غير متوقعة، فالاوضاع المعيشية اصبحت في احسن حال، والفساد انتهى امره وولى من غير رجعة، ومثل هذه النتيجة العجيبة جعلت من الاداء النيابي اصدق مثال على محاربة الفساد، وان هذا الفعل الجبار يستحق تدوينه في موسوعة «غنيتس»، ومن هنا نرفع القبعات تحية للجهد الكبير الذي جمع بين الالتزام بالرقابة وبين التشريع.. بالفعل كانت المسؤوليات كبيرة وكان التحدي اكبر وعلى هذا الاساس نقول «يعطيكم العافية» ومن بين ردود الفعل هذه تلك التي تقول مع نهاية هذا الفصل التشريعي نجد كل كتلة برلمانية تفكر في حملاتها الانتخابية القادمة وهذا حق مشروع، ومن هنا لماذا لا توظف هذه الدورة الاخيرة التي قال عنها احد النواب مضيعة للوقت للدعاية الانتخابية؟
ومن هنا نجد الحماس الشديد للقضية الفلسطينية اكثر من الفلسطينيين انفسهم، ونجد لجان التحقيق تتشكل في الوقت الضائع، ونجد ايضاً التصريحات النارية التي تهاجم بعض الوزراء الذين صنفوا في قائمة المقصرين. وهناك من قال كنا نتوقع ان تتضاعف الجهود للخروج بتشريعات اقتصادية تتناسب مع المرحلة الحالية التي تمر بها البحرين التي تتطلب عقليات تؤمن بان التنمية الاقتصادية والاجتماعية اهم الخيارات، و الشيء نفسه يمكن ان يقال عن الاستثمارات والسياحة التي تحتاج الى بيئة جذب مشجعة لا طاردة. هذا ما اكدت عليه القيادة السياسية في البلاد «بان الاقتصاد بحاجة دائماً الى الانفتاح، وان مملكة البحرين بلد منفتح على العالم بحضارته وثقافته المختلفة، وهذا الانفتاح لم يكن يوماً على حساب الهوية البحرينية وما تتميز به من خصوصية، بل كان دائماً معززاً ومسانداً للتطور الاقتصادي ولمتطلباته الاجتماعية والثقافية والمعيشية، كما ان المنطقة تشهد انفتاحاً غير مسبوق، وبدأت تفتح الابواب التي كانت مغلقة، وان البحرين جزء من هذه المنطقة وتراجعها خطوة عن الانفتاح في الوقت الذي يتقدم فيه الغير خطوات سيؤثر على موقعها الاقتصادي الريادي اقليمياً ودولياً وعلى قدرتها التنافسية.. ومع ذلك نقول صحيحا ان انجازات النواب كانت متواضعة، وان الاخفاقات تعود لاسباب لا يتحملونها لوحدهم، ولكن ان نسلب المواطن حريته ونعني الحرية المسؤولة، وان نزج بالبلاد في مستنقع الانغلاق والعزلة ما يعرض حاضر البحرين ومستقبلها لكثير من العقبات والتحديات فهذه مصيبة ما بعدها مصيبة.
 
صحيفة الايام
3 ابريل 2010

اقرأ المزيد

بدعة البلكون !

فتحت نافذة ذاكرتي وغصت فيها وتجولت ’ وتحولت ذاكرة الطفولة ثم الصبا إلى حديقة جميلة بالذكريات ’ فاستعادت الذاكرة كل صورة وحكاية ربما نحن لم نتوقف عندها كثيرا بسبب انصرافنا نحو مشاغل أخرى رغم إننا كنا وفق ذلك الوقت الدافئ نعيش لحظاتها ’ إذ تحولت القصص إلى نوع من الحلم الجميل العابر والساكن في قاع الذاكرة وفضاءتها الرحبة الواسعة . ما أجملها من لحظات وأنت واقف تنتظر خروج تلك البنية من غرفتها أو غرفة البيت لتطل أو تقف ولو قليلا في تلك البلكونة. ومثلما تتنسم تلك الصبية الحلوة بعضا من هواء الحرية في عالم مغلق الأبواب والحركة، كنت أنت سجين تلك اللحظة الآسرة الساحرة، سجين أحلام بخارية ولكنها جميلة عندما ترمي لك بورقة أو احد أشيائها المتطايرة، وكان المنديل « البناتي» ظاهرة مميزة فالأولاد في مجتمع مثل مجتمعاتنا لا يجهل مثل تلك الأشياء وحسب بل ويعتبرها قرناؤه سخرية من سخريات المجتمع الذكوري. والأكثر من ذلك أين نضع المنديل الذي تحول إلى عادة رجال الليل والنساء ولا يصح للصبيان استخدامه حتى وان فرضت علينا لاحقا طوابير المدرسة عادات حضارية جديدة كاستعراض طابور الصباح لنظافتنا وقيافتنا، ولكن المنديل ظل غائبا وعقابه ظل متواصلا حتى عجزت المدرسة عن مواصلة تربيتها وتعليماتها المنهارة في ملاحقة جيوبنا الممتلئة بتلك الأولويات الحياتية من العاب واحتياجاتها لا يمكن للمنديل منافستها. ولكن أن تلقي لك فتاة تقف في البلكون منديلها فذلك تعبير آخر نحو عواطفنا الملتهبة. لكم وقفت طوابير في النهار ملوحة من بعيد أو قريب، وكم تنافس الصبية على صبايا صديقات أو من الأهل وقفن في ظلال ذلك البلكون، المهم أن يتلقف من يقف في الأسفل عطاء من العلى، «وأنت وحظك !» دون أن تهتم بتلك القهقهات، فكل ما تفهمه أنها تعبير عن عواطف دفينة، في وقت حاولن الصبايا استخراج ذلك الكبت الاجتماعي والعائلي من مساحة البلكون.
فهل بدعة بناء البلكون تعبير وخطوة نحو حرية اجتماعية للمرأة أو الأنثى ؟ أم أنها مجرد مساحة هندسية يستمتع، مهندس البناء اختلاقها جماليا في مجتمع ثري اقتنع الأعيان فيه بحق البنات الترويح عن أنفسهن، طالما إننا، يقول التجار والأعيان – إننا نسجن بناتنا داخل البيت. الفكرة ترافقت بين الخلق الهندسي والشعور الاجتماعي والعاطفي للتعبير عن بناء مساحة من الحرية وفق نظام داخلي ما زالت مفاتيحه وأقفاله مستغلقة عند إلام في حالة غياب الأب، ولكن «خلي البنات يروحون عن نفسهم ويشمون شوية هوى» جعلت للحرية متسعا خاصا، فكانت تلك النسمات الغائبة والحاضرة هي اللحظة التي تتطاير فيها المناديل مع العواطف والمشاعر، فكانت شمة شوية هوى تتلازم اجتماعيا مع مفهوم الحرية الجديدة للنساء. فجاءت شمة الهوى في الرحلات « الكشته « حيث الابتعاد في المسافة ولكن خارج المكان وفي ظل قوانين مستحدثة توافقية واسترضائية بين الجميع. تحولت شمة الهوى إلى فسق وفجور في أزمنة أخرى ووضعت حول عنقها الاستحكامات الأمنية والبوليسية من عقول متشددة وغابت البلكون كبدعة تاريخية جاء بها التجار من ربوع فارس وبومبي، فحرمت الفتاة من الوقوف في البلكون وتم بناء جدران شاهقة كقلاع تاريخية! ولكن شمة الهوى ومناديل العشق الجميل ظلت كجزء من أحلام البراءة، ولم تلتفت الى توصيفات أقلية ضاعت في زمننا فلم تكن البلكونة إلا قوة اجتماعية وظاهرة تعبيرية عن تقدم المجتمع نحو الحرية الجديدة. عندما يتراجع الإنسان عن فضاء الحرية المفتوحة يتراجع شكله المعماري وروحه الهندسية، ولكن عندما تنفتح تلك الروح نحو الحرية فان الهندسة لا تصبح مجرد أحجار صامتة وخرساء. البلكونة لم تكن مجرد زيادة أضافية للبناء وإنما امتداد داخلي للبيت نحو الخارج مثلما يتحول الباب والنافذة مدخل للخارج ضمن هندسة المعمار. وتطور البلكون البدعة فانطلق من بيوت عامرة وكبيرة إلى أحياء فقيرة وبيوت عادية في الخمسينات والستينات، بعدها لم تعد حكاية « شمة الهوى» أمرا عسيرا فقد نالت المرأة جزءا أوسع من جلوسها في البيت بانتظار الزوج. لقد حولت المدرسة وضع البنات والأنثى إلى حالة جديدة، باتت مساحة الطريق بين البيت والمدرسة «شمة هوى جديدة» ناهيك عن فضاء فصل المدرسة وحوشها، وغابت عن الفتية تلك الانتظارات الحالمة الجميلة في عالم الحرمان، انتظار الابتسامات والمناديل والإشارات والقبل في الهوى كجزء من شمة الهوى القادرة على حمل الأثير العاطفي المعلن والمكتوم. شعرت بالأسى وأنا أتجول في الأحياء القديمة فأرى بلكونات تاريخية مهملة، فلم يشعر جيل أخر بمعناها ولا دلالاتها، فيما كنت أرى بروحي حكايات مرت كشريط جميل، فما أجملها من عبارات متداولة «خلنا نروح فريج الفاضل، هناك بتشوف بنات حلوات واقفين في البلكون « فيومها بيوت الفقراء والسعف والطين لم تلد بعد حلمها في بناء قطعة من الحجر يطل من الداخل للخارج، وتقف البنت لحظتها لكي تشم الهوى وتشم رائحة الأنوثة الغاضبة والحرية المنتظرة المفقودة. لكل أجسادنا وحركاتنا ومحيطنا الاجتماعي تعبيراته، وللإنسان علاقة بتلك البيئة المتغيرة والمتنافرة، فجاءت البلكونة في لحظة تاريخية كتعبير عن ذلك المتغير الروحي والأخلاقي للمجتمع والمرأة خاصة كجزء من التنفيس لكائن مختنق في داخل الجدران الأربعة، ولابد من إطلاق مجنونه الداخلي المتفجر.
شمة الهوى فضاء جميل محفور في الحكايات والانتظارات الطويلة لفتاة لم تطل ذلك اليوم لا من نافذة البيت ولا بلكونته، فقد رحلت فجأة إلى بلد أخر ليتزوجها ابن العم هناك. ظلت البلكونة خاوية لا قيمة لها، فالمعمار الهندسي بلا حضور إنساني تتلمسه روحا أو جسدا، يبدو كابوسا في حلم مفزع. بكت ليالي رمضان التالية لغياب البلكون من رواده، ولم تتطاير من هناك المناديل المعطرة ولا أوراق مكتوبة بحروف صغيرة هاربة، فما كان علينا إلا البكاء على « أطلالنا / البلكون» كبدعة جديدة عصرية، فلا ليلى من ديارنا ولا قيس العامري من الأصدقاء !
 
صحيفة الايام
3 ابريل 2010

اقرأ المزيد

شموع لعرائس الإلهام !

تمضي كل يوم بين عشر إلى اثنتي عشرة ساعة وحدها في غرفة للكتابة، لا تتحدث مع أحد ولا تتلقى مكالمات هاتفية.
ومن خلال هذا التدريب اليومي الطويل والمضني اكتشفت الكثير عن نفسها وعن الحياة. إنها تقوم بتسجيل ملاحظات طوال الوقت، وتحتفظ بدفتر في حقيبتها، وحينما ترى أو تسمع شيئا مُثيراً تقوم بتسجيل ملاحظة، وتأخذ مقتطفات من الجرائد ومن أخبار التلفزيون، وتكتب قصصا يرويها لها الناس، وحين تشرع في كتاب ما تحضر كل تلك الملاحظات لأنها تلهمها. وبدون تخطيط مسبق تبدأ الكتابة مباشرة على الحاسوب مُتبعةً في ذلك إحساسها. حين تقوم بتطوير شخصية ما تبحث عادة عن شخص يمكن أن يكون نموذجاً لها، وإذا كان هذا الشخص حاضراً في ذهنها، يصبح من السهل بالنسبة لها أن تخلق شخصية مقنعة.
الناس، برأيها، مركبون ومعقدون وهم نادرا ما يظهرون كل الجوانب المتعلقة بشخصياتهم، وعلى الشخصيات الروائية أن تكون كذلك أيضاً.
تلكم هي إيزابيل الليندي، الروائية التشيلية الشهيرة التي تمتن إلى حكايات ألف ليلة وليلة التي اكتشفت فيها الفنتازيا والايروسية، لكنها تقول أيضا إنها تأثرت بأعمال الكتاب الكبار في أمريكا اللاتينية وبالروائيين الروس والانجليز وبالكتب الموجهة للناشئة التي قرأتها في طفولتها.
تقول انه يراودها شعور بأنها لا تخترع أي شيء، وإنها بطريقة ما تكتشف أشياء موجودة هناك، ووظيفتها هي العثور عليها وإحضارها إلى الورقة، لان الإنسان حين يمضي ساعات طويلة متواصلة، كالساعات التي تمضيها هي، في الصمت وحيدا يصبح بوسعه أن يرى العالم. إنها تتخيل إن الناس الذين يتأملون لساعات طويلة أو الذين يبقون وحيدين في مكانٍ ما سينتهي بهم الأمر لسماع أصوات وإبصار رؤى، لأن الوحدة والصمت يخلقان الأرضية لذلك.
الكتابة، كما ترى، تشبه عملية التدريب لكي تصبح رياضيا. هنالك الكثير من التدريب والعمل اللذين لا يراهما أحد لكي تكون قادرا على المنافسة.
الكاتب بحاجة لأن يكتب كل يوم، تماماً كما يحتاج الرياضي للتدريب. الكثير من هذه الكتابة لن يستخدم أبداً، ولكن من المهم القيام به، لذا فإنها تنصح طلابها الشباب بأن عليهم كتابة صفحة واحدة جيدة كل يوم، وفي نهاية العام سيكون لديهم 360 صفحة جيدة، وهذا يشكل كتابا.
في الثامن من يناير عام198، وكانت في الأربعين من عمرها بالضبط، تلقت مكالمة هاتفية تخبرها إن جدها الحبيب يحتضر، وبدأت في كتابة رسالة إليه أصبحت فيما بعد روايتها الأولى:»بيت الأرواح».
منذ ذلك العام داومت على العادة نفسها . في الثامن من يناير من كل سنة، الذي بات يوما مقدسا لها تحضر إلى مكتبها في الصباح الباكر وحيدةً، تُوقد بعض الشموع للأرواح وعرائس الإلهام. تتأمل بعض الوقت ثم تشرع في كتابة الجملة الأولى لروايتها الجديدة وهي في حالة من الغشية .
إنها تتعاطى مع المشاعر، لذا فإنها معنية بتلك الأشياء المهة في حياة المرء، والتي لا تحدث إلا في الغرف السرية للقلب!
 
صحيفة الايام
3 ابريل 2010

اقرأ المزيد