المنشور

مثقفو البلاط


المثقف الذي لا يتحسس الآم شعبه لا يستحق لقب المثقف، على حد تعبير غرامشي “المفكر الايطالي المعروف”، غرامشي فرق ما بين المثقف العادي والمثقف العضوي، المثقف العضوي الملتزم بقضايا شعبه وبالدفاع عن الفقراء والكادحين.
 
فالثقافة هي التعبير الحقيقي عن واقع الانسان سواء في بلداننا العربية اوفي العالم، فالثقافة تؤسس لوعي متطور في المجتمع، وبالأخص عندما تكون ثقافة تقدمية، تدافع عن حق الإنسان في الحياة.
 
يقول الباحث السوري د.محمد قاسم عبدالله إن عمل المثقفين والمفكرين مشروط بعدد من الشروط بعضها موضوعي “بنية المجتمع، طبيعة المرحلة، موقعهم وأوضاعهم المعيشية” وبعضها ذاتي “تحصيلهم العلمي، وعيهم لطبيعة دورهم، حالتهم السيكولوجية وسمات شخصيتهم”.
 
ويواصل حديثه بالقول، إلا ان هناك عدداً من العقبات تحول بين المثقف وأداء دوره يبرز في مقدمتها نخبوية الثقافة والمثقفين وتتمثل في الانفصال عن الجماهير، والانفصال بين الانتاج الثقافي، وجماهيره، حدث ولا زال يحدث في بلداننا العربية، بما فيهم بلدي البحرين.
 
هذا الوصف هو تعبير صادق عن أزمة المثقف وانفصاله عن واقعه المجتمعي، الذي يجسده نوع من المثقفين يعيشون حالة نرجسية لا يستطيعون الخروج منها، لأنهم قابعون في أبراجهم العالية، يصرون على البقاء فيها، ومن بعيد يكتبون وينظرون تجاه قضايا شعوبهم وما يحدث في بلدانهم، من ثورات وانتفاضات واحتجاجات، وكأنها لا تعني لهم شيئاً، وبعضهم يحاول ان يساير الوضع الناشىء أو الجديد في بلده ويركب الموجة، لكي لا يفوته القطار القادم بسرعة، والبعض الآخر، قبل ساعات من سقوط النظامين في تونس ومصر، كانوا يطبلون لهما، ويبرروا الممارسات الخاطئة لتلك السياسات، من فساد وسرقات وقمع وتعذيب وقتل للناس في بلدانهم، ولا زالت الانتفاضات والاحتجاجات مستمرة في بعض البلدان العربية، فالعديد من المثقفين في تلك البلدان لهم ارتباطات وثيقة بالانظمة السياسية الحاكمة في تلك البلدان وهم الآن قلقون على مصيرهم ومصالحم الشخصية أكثر من قلقهم على بلدانهم وشعوبهم وما يحدث لها من تنكيل وقتل واعتقال ومطاردة وتهجير وفصل من الوظائف والاعمال.
 
ويتجلى بؤس بعض المثقفين من كتاب وإعلاميين في الدفاع عن سياسة القمع والتعذيب الجسدي والنفسي الذي يمارس ضد المتظاهرين والمعتقلين في الساحات والشوارع وفي المعتقلات والسجون في العديد من المدن العربية، لا يحرك ساكناً، ضمير المثقفين المرتبطين بالأنظمة السياسية في تلك البلدان على ما يحدث فيها من فضائع ومآسي.
 
كما برزت التناقضات عند البعض من المثقفين عندما كتبوا عن الذي يحدث في بلدانهم، بأنه من فعل التيارات الإسلامية أو الجماعات المتطرفة، وهي تستغل الدين والناس لأهدافها وأجندتها، بالرغم من مشاركة القوى القومية واليسارية في البلدان العربية في الثورات والانتفاضات والاحتجاجات العربية، وهي التي دفعت ثمناً باهظاً في الماضي ولا زالت تدفع الثمن غالياً، من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والتقدم لشعوبنا وبلداننا وهي ماضية في طريقها الصعب، وأن تعثرت هنا وهناك، عليها اليوم مهام كبيرة يجب الاطلاع بها، وهي قادرة على ذلك، ان وحدت جهودها وصفوفها، لتعيد ذلك الزخم التي حظيت به في الماضي، بالرغم من التغيرات والاحداث الكبيرة في الوطن العربي والعالم، تبقى هي بارقة الامل والحلم للعديد من التواقين لاحداث التغيير والاصلاح الحقيقي والديمقراطية وتطبيق مفهوم المواطنة الحقة في بلداننا، والمشاركة في صنع القرار السياسي، من خلال تداول السلطة في البلدان التي انتصرت فيها الثورات، والتي يجب ان تكرس فيها حقوق المواطنين، متساويين في الحقوق، الثروة والعدل والقانون، لا ينتهك القانون من أجل ارضاء فئة تريد الاستحواذ على الثروة والسلطة وتصادر حقوق الانسان في الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، على المثقفين العرب المناضلين الحقيقيين، ان يناضلوا من أجل ذلك في أوطانهم ويساهموا في تعزيز تلك الحقوق وفي بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على الحرية والعدل والمساواة والتعددية السياسية والفكرية، الضمانة لحق الانسان بأن يعيش حراً في وطنه، مكرماً ومعززاً لا يمارس عليه سوط الجلاد، اذا أبدى برأيه اتجاه الممارسات الخاطئة للنظام السياسي في بلده، كحق من حقوق ابداء الرأي والتعبير والتنظيم، من الحقوق المكفولة في التشريعات والقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، التي يجب عدم تجاوزها في هذا العالم المتداخل والمترابط، لم تعد الجفرافيا مسافات بعيدة فاصلة بين الشعوب والدول، ثورة المعلومات المتطورة للغاية، قربت تلك المسافات.
 
ماذا نقول ونكتب: مثقفون يبررون سياسية قتل الناس في الشوارع والساحات وفي اقبية السجون والزنازن يصمتون على تلك الحوادث المأساوية في بلدانهم، وبعضهم تحولوا الى ابواق اعلامية مدافعة عن تلك الانظمة السياسية التي مارست القتل والتنكيل ضد شعوبهم، والاكثر من هذا، يطالب البعض منهم بتقديم قادة المعارضة، للمحاكم، بالنسبة للذين لم يعتقلون في بعض البلدان العربية التي جرت فيها الاحتجاجات، البحرين واليمن، أمثلة على ذلك، أخطر شيء في المثقف عندما يتحول إلى بوق سياسي وإعلامي يدافع عن سياسة البطش والتنكيل بالمعارضين ويبرر ذلك تحت حجج عديدة، ويسوق الامثلة والاقاويل عن هذا الحزب أو ذاك المعارض، ويحاول أن يتصيد له، إذا وجدت اخطاء أو غيرها، تحت ذريعة التحليل والتشخيص والتوثيق، أو القول بأنه مراقب سياسي، أو مراقب محايد، وبالأخص ذلك المثقف السياسي الذي كان في يوم من الأيام منتمياً إلى حزب سياسي، يكون أكثر قساوة وشدة في كتاباته على حزبه القديم وعلى رفاقه السابقين.
 
 وفي كلمات أخرى يكون ملكياً أكثر من الملك في التعاطي مع الشأن السياسي، وتراه يتنقل يميناً وشمالاً، وكأننا به يقول، أقرءوا كتاباتي وتحليلاتي السياسية والنقدية، فأنه الكاتب المخضرم والقادر على رسم الخارطة السياسية في بلده، ويستطيع تفسير وتفكيك كل مفردة في بياناتكم وخطاباتكم يا معارضة، فبدل بأن توضع مسافات بين المثقف والسلطة، وأن لا يساهم في تمزيق وتفتيت وحدة الشعب الوطنية، وأن يكون صاحب رأي آخر، وهذا حق له، ولكن أن يدافع عن سياسة الاستبداد والظلم، هذا شيء آخر يعني بأن هناك تحول في وعيه وثقافته، و بدل أن تكون علاقة مختلفة ما بين المثقف والسلطة.
 
الكاتب التقدمي من المغرب العربي، جميل حمداوي، كتب في موضوعة “جدلية المثقف والسلطة”، قائلاً ” ان العلاقة بين المثقف والسلطة قد تكون علاقة جدلية مبينة على التحدي والنقد والنضال المستميت والصمود والصراع من أجل تحقيق الحرية واحقاق حقوق الإنسان وإبطال الباطل وتقويض دعائم الفساد السياسي، وغالباً ما يكون رد فعل أصحاب السلطة تجاه هذا المثقف العضوي هو استعمال الضغوطات المعنوية والمادية من نفي واعتقال تعذيب أو استعمال خطاب اللامبالاة والاقصاء والتهميش وطرده من وظيفته أو اللجوء إلى تسييجه بالاقامة الجبرية، ويصبح المثقف هنا بمثابة فاعل ملتزم بالمبادىء التي يؤمن بها.
 
صحيح وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس حسب قول غرامشي، ولكن ليست وظيفته الدفاع عن الظلم والاستبداد والفساد وتبرير سياسة القتل أو الفصل من العمل على الهوية مثلما جرى في البحرين، اي نوع من أنواع المثقفين، يصنف هذا المثقف الذي يقف ضد حقوق ومطالب شعبه في التغيير والاصلاح السياسي، والنضال من أجل نيل مطالبه المشروعة في الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقة، بدلا من انتقاد النظام السياسي الذي ينتهك حقوق الأنسان ويمارس سياسة تكميم الافواه للمعارضين، ويتراجع عن الحريات العامة وتتوقف عجلة الاصلاح من السير إلى الأمام.
 
المثقف، انسان مثل ذلك الطبيب أو الممرض الذي يضع برهماً أي “بلسماً” على الجرح ليشفي من المرض، ليدخل البسمة والفرح في قلب ذلك المريض، فالمثقف، عندما يبدع في كتابة قصيدة أو قصة أو رواية أو كتب سياسية وفكرية، يقدم اضافة معرفية في الحياة، من أجل الأنسان والوطن، هذا المثقف العضوي سوف تذكره الاجيال القادمة عندما تقرأ ابداعاته الرائعة في الفكر الانساني وستبقى خالدة، أما المثقف الذي يحمل المعول ليهدم البيت وكل ما هو جميل فيه أي “المجتمع”، ويزرع الاحقاد والبغضاء والكراهية، ويساهم في تفتيت وشق وحدة الوطن، أو يتحول إلى محلل أمني وشرطياً على أبناء “جلدته” أبناء شعبه، لأنهم اختلفوا معه في الرأي ومارسوا حقهم في التظاهر والتعبير الذي يكفله لهم دستور بلادهم وكل القوانين والتشريعات الدولية، فيمارس العسف والترهيب الأمني عليهم ويسوق الأوصاف والنعوت والشتائم وكل المفردات السيئة، لأنهم إختلفوا معه، وقالوا شيئاً لا يتفق مع ارائه وتوجهاته الجديدة.
 
 نتفهم جيداً بأن ممارسة النقد البناء في المجتمع والكشف عن الظواهر والتعثرات والمعوقات وتصويب الاخطاء والأشياء نحو الافضل، للارتقاء بالمجتمع وافراده وجماعاته وغيرهم، وأن يكون الموقف واضحاً ومسئولاً وشجاعاً اتجاه سلبيات وأخطاء “المعارضة والسلطة”، وليس كيل الإتهامات والأباطيل والإفتراءات اتجاه المعارضة، ولا ينطق أو يكتب ذلك المثقف، كلمة واحدة اتجاه حماقة السلطة، وما تقوم به من فضائع ومآسٍ بحق شعبها في العديد من البلدان العربية، ماذا نقول عن ذلك المثقف الذي تبرع بنفسه ليقوم بذلك الدور المقزز اتجاه الآخرين المختلفين معه في الرأي، لماذا قلمه مسلط على المعارضين فقط.
 
المثقف يجب أن يكون ناقداً ايجابياً في مجتمعه وتحديداً الكاتب أو الصحفي يجتهد ويعمل من أجل الكشف عن الحقيقة، من خلال مواجهة الفاسدين وسارقي قوت الشعب من خلال تقديم البراهين والأدلة وانهم يستغلون وظائفهم ومسؤلياتهم في أجهزة الدولة المختلفة ويسرقوا ويتقاضون الرشاوي وغيرها، لا أن يتحول إلى ناقد سلبي مدافع عن السلطة ومسئوليها من أجل مصالح ذاتية وشخصية، هذه النوعية من الكتاب و المثقفين إن صح التعبير، تقتات على حساب وكدح الآخرين من فقراء وكادحي  الشعب.
 
فالثقافة والمثقف هما الوجه الحضاري لأي وطن وشعب، فيجب أن يحافظ على نقاوة وبياض ذلك الوجه الجميل في الحياة.    

يوليو 2011
 

اقرأ المزيد

هل يتحول التدخل الأطلسي في ليبيا إلى ورطة جديدة ؟


 
يمضي الوقت، ومع كل يوم يمر، منذ أن دشنت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحليفة لها في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، حربها – الجوية حتى الآن – ضد ليبيا، استناداً وتوظيفاً ماكراً وخادعاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 الصادر مساء الخميس 18 مارس/آذار 2011، أي – ويا للمصادفة – بعد مرور شهر بالتمام والكمال على اندلاع ما سمي بثورة 17 فبراير في ليبيا – نقول مع كل يوم يمر على بدء العمليات الحربية الأطلسية في ليبيا، يزداد انزلاق أرجل حلف شمال الأطلسي وتورطه في الرمال الليبية المتحركة، ليضاف ميدان معارك جديد إلى ميدان القتال الذي وجدت نفسها متورطة فيه حتى أذنيها ونعني بذلك البلاد الأفغانية.
 
فما بدا في البداية انه مجرد غارات متفرقة لشد أزر القوات المناوئة لنظام العقيد معمر القذافي ومساعدتها على الاحتفاظ بالمناطق التي سيطرت عليها في الشرق الليبي وخاصة مدينة بنغازي، تحت ذريعة حماية المدنيين (بحسب نصوص تفويض قرار مجلس الأمن سالف الذكر) – سرعان ما تحول إلى حرب جوية وصاروخية مركزة ومكثفة لم تستثنِ حياة الرئيس الليبي نفسه وأفراد أسرته، حيث نجحت طائرات الحلف في إحدى غاراتها المركزة على مقر إقامة الرئيس الليبي، في إصابة وقتل أصغر أنجال القذافي وهو سيف العرب البالغ من العمر 29 عاماً وكذلك ثلاثة من أحفاد الرئيس وجرح بعض أقرباء وأصدقاء الرئيس الليبي، وذلك مساء السبت 30 أبريل 2011، فيما نجا القذافي نفسه وزوجته من الهجوم بأعجوبة نظراً لمغادرتهما منزل ابنهما قبيل الغارة. مع أن قرار مجلس الأمن رقم 1973 لم يتضمن أي نص يشي تفويضه بشمول القيادة الليبية استهدافات حماية المدنيين التي يتمحور حولها القرار.
 
وللمزيد من الإضاءة على مفارقة الموقف الأمريكي والأوروبي وسرعة تحركهما في المسألة الليبية، علينا أن نتذكر أن هذا الثنائي كان قد تحرك قبل ذلك أي قبل إصدار قرار مجلس الأمن رقم 1973، من أجل إصدار قرار يهدف لفرض عقوبات دولية على نظام معمر القذافي، وكان ذلك في السادس والعشرين من فبراير 2011، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي، بإيعاز من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وبالإجماع، قرار مجلس الأمن رقم 1970 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي نص على منع 16 شخصاً من السفر منهم الزعيم الليبي معمر القذافي وأبنائه الذكور وابنته عائشة وعدد من المقربين من النظام منهم عبدالله السنوسي واللواء أبوبكر يونس ومحمد قذاف الدم، وتجميد أصول الزعيم الليبي وسائر أبنائه ما خلا محمد القذافي وسيف العرب القذافي والساعدي القذافي، وحظر توريد الأسلحة لليبيا، مع الطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتفتيش السفن المتجهة إلى ليبيا ومصادرة كل ما يُحظَر توريده وإتلافه. كما أحال مجلس الأمن، بموجب القرار، الأوضاع القائمة في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط إلى المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فيها.
 
وبعد، أوليست غريبة ولافتة تلك السرعة التي تحرك بها الأمريكيون ومن ورائهم الأوروبيين للتدخل في ليبيا تحت ذريعة إنقاذ المدنيين من بطش قوات العقيد القذافي؟
 
فلم تكد تنقضي تسعة أيام على اندلاع حركة الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الليبي الحاكم، حتى هرعت واشنطن ولندن وباريس لاستصدار القرار رقم 1970 من مجلس الأمن وتحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ثم سرعان ما أَتْبعت ها القرار بقرار آخر أشد هو القرار رقم 1973 ولم يكن قد مضى على صدور القرار الأول عشرين يوماً. وكما نعلم فإن التدخل العسكري الأمريكي الأوروبي من خلال حلف الناتو في ليبيا والذي بدأ بعمليات قصف جوي غير منسقة ومتفرقة سرعان ما تحول إلى حرب مفتوحة يجري الحديث الآن في أروقة الحلف لتطويرها لتشمل عمليات برية، أي بما يتجاوز كلياً التفويض الممنوح لها بموجب القرار 1973.
 
وعندما لم يؤدِ هذا المستوى من التدخل في الصراع الأهلي الليبي إلى تغيير ملموس على الأرض، فقد أعلنت بريطانيا في 15 مايو/آيار الجاري انها ستضاعف قصفها لأهداف عسكرية واقتصادية في ليبيا وحثت بقية دول حلف الناتو على فعل الشيء نفسه. وبموازاة ذلك تم تحريك المحكمة الجنائية الدولية حيث أعلن مدعي عام المحكمة لويس مورينو اوكامبو انه قدم طلباً لقضاة المحكمة بإصدار أمر قبض على الرئيس الليبي معمر القذافي ونجله سيف الإسلام ومدير مخابراته عبدالله السنوسي وذلك استناداً إلى أدلة دامغة كما قال تثبت تورطهم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
 
بهذه السياسة التدميرية يبدو الناتو وكأنه يتماهى ويتقاطع مع سياسة التدمير التي تتبعها قوات القذافي في حربها ضد المتمردين على نظامه، مع فارق أن القذافي يعلنها جهاراً نهاراً انه سينفذ ذلك بسياسة الأرض المحروقة .. من بيت لبيت ومن زنقة لزنقة، بينما يعلن الناتو انه بقصفه لليبيا إنما جاء ليحمي السكان المدنيين. وهذا ما يصعب تصديقه، فعمليات القصف اليومية مكلفة، والناتو ليس جمعية خيرية أو مؤسسة للأعمال الخيرية كي يتفرغ ويفرغ إمكاناته العسكرية والمالية لنجدة الشعب الليبي، فلابد من ثمن سوف يطلبه، وربما طلبه وحصل عليه من المجلس الوطني الانتقالي، السلطة الجديدة التي تمثل المعارضة الليبية، والثمن هو بالتأكيد الطاقات الإنتاجية الحالية للنفط والغاز الليبيين واحتياطياتهما المثبتة.
 
هي إذن ليست حرب تحرير للشعب الليبي من طغيان نظام العقيد، بقدر ما هي حرب أطلسية ذات أطماع استعمارية مهما تم تلفيقها وتغليفها بمزاعم الحنو والعطف على الشعب الليبي.

اقرأ المزيد

الحوار في اهتمام وتطلعات المواطن


ينفضُّ هذا الأسبوع حوار التوافق الوطني ويخرج بمرئياته، ورغم ما طُرح من آراء تذهب باتجاه التقليل من قيمة ومن مردود الحوار بدا جلياً اهتمام المواطن البحريني في العموم وبجميع المستويات بالحوار وبمخرجاته رابطاً إياه بخطوات عملية يرتجيها لتحقيق مطالبه، آماله وطموحاته. الحوار حدثٌ نال فعلاً اهتمام فئات واسعة في المجتمع وليس ذلك بمستغرب. فجمعٌ كهذا يناقش فيه الناس شئونهم وشجون وطنهم ينعقد لأول مرة على أرض البحرين.

وجَّه المواطن اهتمامه للحوار كونه أتى في أعقاب أزمة غير مسبوقة مر بها الوطن وعاشها كل فرد أياً كان وفي أي موقع، ومسّه شيء من تأثيرها في هذا الجانب من حياته أو ذاك. من جانب آخر لعب تسليط الضوء الإعلامي المكثف على الحوار دوراً في لفت انتباه أوسع قطاع من المواطنين، ولا نغفل عما أولاه الإعلام العربي والعالمي للحوار البحريني وما يُنتظر منه في أعقاب أزمة سياسية تابعها ويتابع تداعياتها ونتائجها العالم برمته.

أضف لذلك ما تتميز به المرحلة الحالية من ظرف اقتصادي بحريني صعب وضاغط، فقد تقاطعت على الاقتصاد البحريني تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية مع التداعيات السلبية التي خلفتها الأحداث الأخيرة. ومن دون مبالغة نقول إن المتضرر الأول في كل ذلك هو المواطن ونخص بالذكر المواطن محدود الدخل الذي يجد نفسه فريسة الحيرة مجبراً أن يعيد جدولة أوجه صرف دخله يُنقص هنا ليزيد هناك. محدودو الدخل أكثر فئةٍ من المواطنين تتلظى بنار صعوبة الحياة وشظفها لدى أي تغير سياسي أو اقتصادي يحدث في المجتمع.

الاهتمام المجتمعي العام بالحوار والذي غطى قطاعاً واسعاً من الناس نابعٌ من كونه (الحوار) ضم ممثلين عن تكوينات جماهيرية متنوعة وعن فئات متعددة من المواطنين. لقد دخلت هذا الحوار كل نوعيات ومستويات الناس وتلك برأينا ليست نقيصة في حق هذا الحَدث بل إثراءٌ يعكس وجهات النظر التي يتوافر عليها هذا المجتمع التعددي بمواطنيه وبتنوع مطالبهم. ونكاد نجزم أنه في هذا المجتمع الصغير قد وجد كل مواطن شخصاً أو اثنين أو حتى خمسة من المتحاورين ممن يقربه أو يجاوره أو يعرفه، ويستطيع أن يوصل من خلاله همومه ومطالبه، وهذا القريب أو الصديق إن لم يكن أخذ بتلك المطالب وطرحها على طاولة الحوار بحذافيرها فلا ريب أنه تفاعل معها بدرجة ما، ولا ريب أيضاً أنه طرحها بشكل أو بآخر. ولكي نكون منصفين نقول إن هذا الحوار في أهدافه ومراميه وفي شموليته وشفافيته بل وفيما قد يتحقق من مرئياته يكاد يضاهي ما ناقشته وأقرته السلطة التشريعية على مدى فصلين تشريعيين ونيف.
من الطبيعي أن ينظر كل مواطن للحوار من الزاوية التي تخصه وتلبي احتياجاته وطموحاته، وكذلك من الزاوية التي تتناسب ومستوى وعيه وفهمه للمشهد المجتمعي العام ولضرورة الإصلاح في جوانبه السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية.

هناك نسبة كبيرة من المواطنين مطحونة بضيق ذات اليد وصعوبة كسب اللقمة وافتقاد العيش الآمن والمستقر، ومثلهم محدودو الدخل ومتوسطو الحال من عمال وموظفين ومهنيين في القطاعين العام والخاص. شرائح كبيرة من هذه الفئات الواسعة يتمحور همها اليومي وطموحاتها حول تحسين وضعها ووضع أسرها المعيشي الصعب، وشرائح أخرى تعاني –على خلفية الأحداث الأخيرة- من افتقاد الأمن والعيش المستقر ومن الشعور الدائم بالتهديد وافتقاد السكينة الحياتية والنفسية، بؤرة اهتمام وطموح هؤلاء جميعاً تتركز في أن يتمخض ما دار وراء طاولات الحوار عن تحقق تحسين فعلي، سريع وملموس في أوضاعهم المعيشية وفي أمنهم الحياتي.
قطاعات أخرى نظرت للحوار من الجانب الذي يخصها مهنياً واستثمارياً كالاقتصاديين ورجال الأعمال والطبقة الميسورة. وهؤلاء ربما وجدوا في مناقشات المحور الاقتصادي وما خرج عنه من مرئيات حجر الزاوية في الانطلاق بالبحرين إلى مستقبل اقتصادي أكثر متانة وأكثر خيراً، ويتطلعون لتنوع فرص الاستثمار ولتوسيع المشاريع التنموية، وذلك –برأيهم- سيكفل توافر حلول مجتمعية شاملة لإشكالات المحاور الأخرى.

وهناك المفكرون والمثقفون وأصحاب الرأي والتكنوقراط وهؤلاء معنيون بباقة المحاور مجتمعة، فلهم في كل محور جوانب تستدعي الاهتمام والبحث والخروج بمرئيات إرساء أو تطوير، هم مهتمون بشكل أساسي بتعزيز الحريات وحمايتها، وبحقوق الإنسان وصونها، وبإرساء قوانين ضامنة لما يليق بالمواطن من حرية وعدالة وعيش كريم.

ووسط كل هؤلاء يبرز المواطن المسيس الذي ينحاز لفكر سياسي معين أكان منخرطاً في العمل السياسي من خلال عضويته في جمعية سياسية أو كان منحازاً لرؤية سياسية معينة، هذا المواطن ينشغل في الغالب بما ستسفر عنه طاولة الحوار السياسي ويربط نجاح الحوار بتثبيت رؤاه حول مناحي الإصلاح السياسي، بل يرى البعض أن الحوار كان يفترض أن يكون سياسياً فحسب وتحضره أطراف معينة فقط. الأحداث الأخيرة التي عصفت بالبحرين سياسية بالدرجة الأولى لا شك في ذلك لكن الحاصل أن هذا الحوار لم يتقرر فقط لحل الإشكال السياسي الذي أفرز الأزمة ويبدو أن الدولة تأمل وتعوِّل على أن يذهب الحوار لوضع رؤية مستقبلية متكاملة وشاملة للمجتمع البحريني تجنبه الانزلاق إلى أزمات مماثلة أو أخرى من أي نوع.

لو عُقد حوار من هذا النوع في مجتمع متقدم لرأينا المشاركين يندفعون إلى طاولات المحاور الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية أكثر من ركضهم نحو الطاولة السياسية، سيعقِّب البعض بالقول: الحلول لكل إشكاليات هذا المجتمع تبدأ بالإصلاح السياسي وتتمحور حوله والمجتمعات المتقدمة تتمتع بديمقراطيات حقيقية أفرزت استقراراً سياسياً لذا يلتفت مواطنوها لتطوير الجوانب الأخرى. نقول: وما المانع وما الضرر أن نسير نحو الإصلاح والتطوير من مختلف الاتجاهات وفي وقت واحد ونحن مجتمع بحاجة لرفد عملية الإصلاح في كل جوانب حياة المواطن، وعلى أهمية المحور السياسي لا يخامرنا شك في أن مرئيات المحاور تتقاطع لتصب جميعاً باتجاه تحقيق مطالب وطموحات كافة فئات المواطنين، وهذا المنحى لا ينفي على الإطلاق الاجتهاد المكثّف في المطالبة بالحلّ السياسي الرئيس والمتمثل في اكتساب المواطن البحريني سلطات أوسع وأكثر عدلاً في اتخاذ القرار السياسي.

ترى جمعيات المعارضة أن التوافقات الحاصلة في المحور السياسي لا ترقى للطموح المرتقب على صعيد مباشرة المواطن لحقوقه السياسية مباشرة ديمقراطية عادلة، وتبدي تخوفاتها من أن التطوير القادم للعملية السياسية في البحرين قد لا يلبي ذلك الطموح، وحري بالآخرين احترام رؤيتها قبلوا بها أم لم يقبلوا لا الهجوم عليها واعتبارها خارجة عن الصف الوطني بمجرد أن أبدت رأياً مغايراً للسائد، وما الحاجة للحوار إذن إن لم يوضع الاختلاف في الرؤى على الطاولة.

ولكون المحور السياسي رسُّ المشكل البحريني فيما بين الدولة والمجتمع ولكون أوان مصالحة مجدية جامعة مانعة قد حان بل هو اليوم يفرض نفسه فلا منحى منطقي – بظننا- للمضي في عملية تطوير المشروع الإصلاحي دون الإقدام على خطوات واسعة للأمام باتخاذ قرارات جريئة – ملكنا المعظم أهلٌ لها- على صعيد توسيع السلطة الشعبية في دستور المملكة وفي أنظمتها الانتخابية ومؤسساتها التشريعية. وهنا نحن بحاجة فعلاً إلى اجتراح توليفة سياسية ديمقراطية عادلة تلبي حقوق الشعب السياسية وتحفظ في الوقت ذاته للمجتمع أمنه واستقراره دون التفريط في اعتبارات تصون التمثيل العادل لكافة مكونات هذا المجتمع وتتساوق مع الاعتبارات الإقليمية والدولية.

لقد قدّمت جمعيات المعارضة مرئياتها وأدلت الشخصيات المستقلة التي تشارك في مناقشات المحور السياسي بدلوها، وفيما تم تداوله الكثير مما يمكن أن يُدرس ويُغربل ومعه ما قد يراه الخبراء الضالعون في المجال، وفوق هذا وذاك تأتي الرؤية الملكية الثاقبة لنخرج بالتوليفة الناجعة النابعة من خصوصيات هذا المجتمع والملبية لحقوق ومطالب أبنائه وذلك ليس بعسير على البحرين التي يدرك العالم كم هي سبَّاقة ومدهشة في كل مجال
 
صحيفة الوسط البحرينية – 26 يوليو 2011م

اقرأ المزيد

المذهبيون بلا جذور طبقية


تفرضُ المرحلةُ الراهنةُ الغامضة من وعود الثورات وخطورة تحولها إلى كوابيس جديدة على الأمة العربية وشعوبها، أهميةَ التدقيق والفحص في القوى الاجتماعية السياسية المنتشرة، حيث يقوم التأييد الجماهيري بنفخها وتحولها إلى قوى باطشة.
رجال الدين ليست لهم مواقع راسخة في الطبقات، ولهذا لم يكن لهم موقفٌ متجذر في صراع الرأسمالية والاشتراكية المؤدلج السابق، والمتحطم.
لكن كان رفض التشكيلتين الرأسمالية والاشتراكية سائداً بينهم، لتشكيلة ثالثة موهومة، وشاركتهم في هذا الوهم فئاتٌ وسطى صغيرة عديدة.
لم يبق رجالُ الدين عند المستوى الفقهي التخصصي، بل تبنتْ أراءَهم قوى شعبية عديدة، فلم تكن ثمة تنظيمات سياسية دينية في بداية القرن العشرين، وكان الحراكُ الديمقراطي الحداثي هو الغالبُ في الجماعات السياسية بفضل التغلغل الغربي وضده كذلك.
كانت الأريافُ في بدءِ فيضها السكاني والأزمة الاجتماعية للنظام التقليدي تتصاعد، والعلاقاتُ الرأسماليةُ تتغلغلُ في الأرياف بصعوبة وتؤدي إلى خلخلة وكوارث من دون بدائل، وجاءتْ أولُ موجةٍ للطريق الثالث، طريق رفض الرأسمالية والاشتراكية، من الضباط الأحرار والانقلابات وحتى بعض الثورات الشعبية كالجزائر.
وكان هذا تعبيراً عن ضخامة الفئات الصغيرة والفلاحين وتدفق المقتلعين من الأرياف العربية والإسلامية المأزومة معيشياً. وأيدت هذه الموجاتُ خيارَ رأسمالية الدولة الشمولية كما هو الشأن في الأغلبية الساحقة من دول الشرق وأمريكا اللاتينية، وهو أمرٌ يعودُ إلى مستوى التطور الاقتصادي- الاجتماعي المنخفض في هذه القارات، كما إلى جذورِ الاستبداد العريقة فيها، وعدم تطور الثقافة الديمقراطية.
الآن نجدُ الموجةَ الثانية، حيث اتسعت اضطراباتُ الأرياف والبوادي العربية الإسلامية وملأت المدن، ولم تقمْ الموجةُ الأولى بترسيخ الاستقرار في تلك المناطق الزراعية والرعوية، كما شكلتْ تنميات بإداراتٍ حكومية بيروقراطية تعددت مظاهرُ البناءِ والاختلالات فيها حسب الدول، فيما تضخمتْ التنظيماتُ المذهبية السياسية المؤدلجة للإسلام حسب رؤاها الاجتماعية المأزومة المغمورة بذلك الاضطراب وغياب الانتماء للتشكيلة الرأسمالية الحديثة أو لنقيضها الاشتراكي الكامن، والمتحرك معها بدءًا من بناءات التحرر الوطني ووعود خدمة الكادحين من دون تحقق جوهري لذلك، إلى أن صار هذا النقيض الكامن مُرّحلاً للمستقبل، لكن مازال يسايرُ الكادحين في نضالِهم وتطورهم مُقارِباً أكثر فأكثر البناءَ الديمقراطي الرأسمالي الراهن.
هناك بعض التطور في مواقف بعض الدينيين من التشكيلة الحديثة، فذلك التشنج الأيديولوجي من الحداثة كنظامين إجتماعيين لم يعد موجوداً، لأن الحداثةَ المتصارعةَ تجسدتْ في نظامٍ واحد، مختلف الرؤى، لكننا أمام رأسمالية دولة جديدة بشكل محافظ مذهبي سني هذه المرة، بعد أن ظهرت وتأزمتْ رأسماليةُ الدولة بشكلٍ محافظ شيعي في إيران، فالوقائع في بلدان مثل مصر وليبيا وسوريا تشير إلى هذا المد السني غير المعروف المصير الذي هو بين مقاربة التجربة الإيرانية وبين تجاوزها.
يرجح هذا ضخامة التراكم الديني المحافظ خلال العقود السابقة، رغم جفاء رأسماليات الدول السنية الشمولية للديمقراطية وتوزيع الخيرات على الأغلبيات الشعبية، لكن الموجة الجديدة تطرحها بشكل تداولي للسلطة لكن هذا الأمر محفوف بالصعاب.
فوجود ديمقراطية محضة أمرٌ لا يتحقق، فالديمقراطية هي دكتاتورية ما، ومعركة تداول السلطة ستتحدد عبر الدساتير والصراع حولها. فهذه الأقسامُ المذهبية السياسية تقوم بترسيخ سلطاتها وتكوين دكتاتورياتها من خلال هذا المد الشعبي، الذي يتوجه لتغيير أوضاعه المعيشية والسياسية، وليس لترسيخ كيان سياسي محدد ومحدود.
مدينةٌ مفتتةٌ من قِبلِ الريف كالقاهرة تغلغلتْ التنظيماتُ الدينية داخلها نحو السلطة، وثمة أريافٌ ومدن صغيرة محرومة تتوجه لحصار مدينتي رجال المال والجنرالات في سوريا خاصة أو المدينة الواحدة المهيمنة كما في ليبيا واليمن.
القوس الواسع من القوى الاجتماعية السياسية يبرزُ فيه رجالُ الدين والقبائل، بأطروحاتٍ محافظة، فيما الشباب يحاول القفز نحو المستقبل غير الواضح ولا يمتلك منظمات قوية.
عدمُ انتماءِ رجال الدين ومؤيديهم للصناعة أو للعمال، وتغلغلهم في الملكيات الصغيرة والمتوسطة العقارية والمالية والخدماتية عموماً، وتكون أحزابهم من خطابات مُنتزعة من الإسلام وتقرأ سطوحَهُ المحافظة وتريد إبقاء المسلمين مُفككين مذهبيين في أشكال العصور الوسطى، سيؤدي للصراعات معهم، سواءً كانوا داخل السلطات متحكمين فيها، أو مشاركين أو كانوا خارجها، لأن المرحلة مقاربةٌ أعمق للحداثة من المرحلة السابقة، وتوحيد المسلمين عبر الحداثة والعلمانية والديمقراطية، سيبرز الصراع بين الشباب والقوى الحديثة وبين القوى المحافظة على مصير هذه البلدان.

 
 أخبار الخليج 2 أغسطس 2011

اقرأ المزيد

الإدارة.. ثم الإدارة ..!


ثمة حزمة معتبرة من الأسباب التي تجعلنا ننظر باهتمام وتقدير ما ذهب إليه مشاركون في إحدى الجلسات ذات الصلة بالمحور الاقتصادي في حوار التوافق الوطني الذين رأوا بأن أزمة الإدارة تمثل احد أهم واكبر التحديات التي نواجهها. ويبدو إنهم أكدوا على ذلك من واقع المعرفة والتجربة والمعطيات والتطلعات. حقاً الادارة هي وراء كل نجاح، وهي ايضاً خلف وفوق وامام كل إطارات الفشل والإخفاق والعقم، وعلى هذا الأساس فان الادارة المتخلفة الضعيفة هي التي تكبل انطلاقة المجتمع، اي مجتمع، وهي التي تسيء الى المواطنة، وتشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني الذي يحتاج الى جذب المستثمرين واكتساب ثقتهم، وهم الذين يكفيهم عدم شفافية الإجراءات والمعاملات وما يتعرض له بعضهم احياناً من «تحت الطاولة»، ومهما امتلكنا من اجهزة ومعدات افضل وترتيبات وتنظيمات متقدمة وليس عندنا ادارة تمتلك كل مقومات الكفاءة والجدارة والاستحقاق والنزاهة فلا خير في ذلك. اما الادارة الناجحة فهي الادارة الفاعلة، والمرنة والناجزة والمدركة لدورها ولا تنساق للأهواء الخاصة أياً كانت ولا تخلق دوائر الشلل والمحسوبية، وما يتعارض مع المصلحة العامة، ولا تتبنى استراتيجيات وهي لا تفهم في الاستراتيجيات الا اسمها، وهي التي لديها القدرة على ان تمارس فن التعامل مع مشاكل وقضايا الناس، والادارة الناجحة هي ايضا التي لا تنتظر توجيهات لكي تعمل، ولا تعوّل على تعليمات لكي تنجز ولا تأكل من رصيد ما تمارسه من عمل بل تضيف الى هذا الرصيد، ولا تطلق خطط عمل بالجملة لا نجني من ورائها سوى الخيبة. والادارة الناجحة هي التي تضع ارفع المناصب «منافسة» بين الاكفأ والأجدر والانفع والأنزه والقادر على ان يكون بمنأى عن سياسة اللامسؤولية، وبعيدا عن الارتجال والعشوائية والقرارات غير المدروسة، وهي ايضا الادارة المبادرة وقت الحاجة الى المبادرة، ومسؤولة لا تحجم وقت اتخاذ القرار. الادارة الناجحة هي التي تعطي الاعتبار للعقلية المتحررة التي تأبى الجمود والانغلاق والبيروقراطية وتسعى للابتكار والتطوير وهي التي لا تجعل من يعتلي المسؤولية مشتتا بين مهام كثر من لجان، ولجان فرعية ومجالس ادارة وعضوية في هيئات ومؤسسات لتتكرس ظاهرة التخمة في المركز وفقر الدم في الانجاز. ويبدو ان الذين اشاروا في الحوار الوطني الى تحدي الادارة، والذين دعوا الى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وخرجوا بمرئيات متوافق عليها تدعو الى الدقة والكفاءة في التعيينات والى الارتقاء بكفاءة وجودة الخدمات الحكومية، والى اعتبار الابتكار والابداع من المرتكزات المستقبلية وغير ذلك من المرئيات التي تصب في اتجاه التأكيد على اهمية ودور الادارة يبدو ان هؤلاء قد اكتشفوا ان الاصلاح الاداري متصل بالاصلاح السياسي، والاصلاح الاقتصادي وبأمور كثيرة تتعطش اليها البلاد، مثلما هو مرتبط بمعضلات وأخطاء وتجاوزات آن لنا ان نواجهها بمسؤولية، واحسب ان الأنظار في الحوار الوطني في اطار متابعة الهموم الكبرى والصغرى معلقة على تحديد الطريق الواجب سلوكه بما يؤمن لنا إصلاحا إداريا ملتزما بقواعد التغيير والتطوير والشفافية والخضوع للمساءلة، إصلاحا يحّسن الأداء ويرفع الإنتاجية، ويراقب الإنفاق ويضبط الهدر ويحارب الفساد وكل ذلك لن يتأتى في ظل وضع اداري ضعيف قسم كبير لا يستهان به من التعيينات فيه تتم على اسس تقليدية من محسوبية، وقرابة واعتبار طائفي او سياسي مما يفترض ان يقاومه ويضع حدا له اي اصلاح اداري حقيقي.
 
من يمعن في الكثير من المرئيات التي طرحت في الحوار والمناقشات التي جرت سيجد بان موضوع الادارة وكم الملاحظات والمآخذ عليها تشكل قاسما مشتركا فيما أثير بالحوار، وهذا يعني ضمن ما يعنيه ان الاصلاح الاداري يجب ان يتصدر اولويات المرحلة القريبة المقبلة، مع ملاحظة جديرة بالتأكيد عليها وهي ان الاصلاح الاداري لا ينبغي ان يفهم او يحصر في تبسيط الاجراءات، وتسريع وتيرة انجاز الخدمات والتركيز على ما بات يعرف بالحكومة الالكترونية، ولا في المشاريع والبرامج المعدة للتأهيل والتطوير الاداري، بل قبل ذلك باقتلاع ثقافة سائدة وبناء ثقافة بديلة تعتمد على الكفاءة، وعلى زرع افكار الانجاز والانتاجية والتكيف والمبادرة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ادارة حقيقية تخلصنا من عوامل الترهل والجمود وانخفاض الكفاءة والفساد.. ادارة يتحول فيها مفهوم السلطة الى مفهوم الخدمة في علاقاتها بالجمهور من مواطنين ومقيمين، ادارة يتحول فيها نمط الموازنة الحكومية الى موازنة برامج وأداء وأهداف قابلة للانجاز والقياس. وتتعامل مع المواطن باهتمام واحترام. ادارة عامة فاعلة تستلهم الديمقراطية الصحيحة، ويصبح مبدأ الشفافية والمساءلة شرطا مركزيا فيها. وهذا يعني اننا بحاجة الى عقلية جديدة.. ومعايير وقيم جديدة، ونوعية جديدة من القيادات في مختلف مواقع المسؤولية تماثل في كفاءتها ونزاهتها واخلاصها النوعية التي قادت عدة مجتمعات في آسيا من طور التخلف الى مرحلة متقدمة من الانتاجية والتنافسية والنشاط والنجاح، وجعلت الشفافية والمساءلة محورين اساسيين في مسألة الحكم الصالح والادارة الرشيدة. واصبحت مجتمعات كفاءة بدلا من مجتمعات مكافأة، فهل نحن جادون في الاصلاح الاداري الذي ينقلنا من حال الى حال؟! هذا هو السؤال الذي لا نملك الإجابة عليه حتى الآن على الأقل، ولكن يبقى الأمل بان يكون هذا الإصلاح احد ثمار ومخرجات حوارنا الوطني.
 
الأيام 2 أغسطس 2011
 

اقرأ المزيد

رغم الفضيحة ! امبراطورية مردوخ باقية


هي ليست فضيحة عادية من ذلك النوع من الفضائح التي يحفل بها مجتمع الطبقة الأوليغارشية والمشيخة السياسية والفكرية المحيطة بها والتي تحكم بالنيابة عنها في بلدان المركز الرأسمالي. إنها فضيحة تعادل في دَوِيِّها الإعلامي (رغم محاولات هذه الطبقة لتقليصه إلى الحد الأدنى) وحجمها وخطورتها فضيحة “ووتر جيت” التي تجسس بموجبها الجمهوريون على الديمقراطيين في الولايات المتحدة وانتهت بإطاحة الرئيس الأمريكي الجمهوري ريتشارد نيكسون من منصبه.
 
فعلى مدار سنوات طوال تمكن “تايكون” الإعلام العالمي روبرت مردوخ من خلق نوع من الإعلام الخاص في بريطانيا أُطلق عليه صحافة التابلويد (Tabliod Journalism)، وهي الصحافة التي تركز على الإثارة المتصلة بالجرائم وفضائح نجوم المجتمع من ساسة ورياضيين وفنانين، والتي تتخذ حجماً مصغراً أو مضغوطاً قياساً إلى الحجم الطبيعي للصحف البريطانية السيّارة، وإن كان حجم صحيفة محترمة مثل صحيفة الاندبندنت يجعلها – من حيث الحجم فقط – تنتمي إلى طائفة صحافة التابلويد. كما تمكن هذا القطب الإعلامي الاسترالي المولد بواسطة “أدوات السيطرة” والتدليس الإعلامية في إنشاء امبراطورية أمنت لنفسها موقعاً أهَّلها وأهَّل مالكها لأن يكون لهما نفوذ وتأثير مباشر وغير مباشر ليس فقط على دوائر صناعة القرار في بريطانيا وإنما على تشكيل وتوجيه الرأي العام في بريطانيا وخارجها.
 
نعم لقد أدى “خطأ بشري” إلى كشف جانب من هذه المافيا الإعلامية الاخطبوطية، وذلك بقيام الصحفي السابق للشئون الفنية في صحيفة الفضيحة ذاتها “نيوز انترناشيونال” التابعة لامبراطورية مردوخ “نيوز كورب”، شون هور بإطلاع هيئة الإذاعة البريطانية بأن رئيس التحرير السابق للصحيفة أندرو كولسون طلب منه التنصت على الهواتف، قبل أن تتم إقالة الصحفي المسرب للفضيحة بزعم إفراطه في الكحوليات وتعاطي المخدرات، ومن بعد العثور على جثته ميتاً في شقته واعتبار الشرطة البريطانية الوفاة عادية ولا تنطوي على أية شبهة!
 
… نقول صحيح أن الكشف عن الفضيحة قد وقع وأحدث صدمة في بريطانيا أجبرت رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون على قطع زيارته إلى أفريقيا والعودة إلى لندن لمقابلة تحديات الفضيحة – إلا أن تداعيات الكشف المتواتر عن ملابسات الفضيحة والتحقيقات الجارية بشأنها تشي بأن المخفي أعظم، وأن الأصل في هذه التحقيقات هو إنهائها عند الحدود الحصينة والمصونة “للسيستم”.
 
لنلقي أولاً نظرة سريعة على بعض ملابسات هذه الفضيحة:
 
-       قيام رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بتعيين أندرو كولسون رئيس التحرير السابق في صحيفة نيوز أوف ذي وورلد المتورط في فضيحة التجسس على الهواتف في منصف مدير الاتصالات في حكومته.
-       قيام نيل واليس نائب رئيس تحرير صحيفة نيوز أوف ذي وورلد السابق الذي ألقي عليه القبض في الفضيحة، بإسداء النصح بصورة “غير رسمية” للمستشار الإعلامي لديفيد كاميرون. وكان قائد شرطة سكوتلنديار قد عيَّن واليس مستشاراً.
-       قيام المحكمة بإطلاق سراح أندرو كولسون ونيل واليس بكفالة!
-       حسب تقديرات الشرطة، وهي مخفضة، على ما يبدو من الملابسات حتى الآن، فإن 4 آلاف شخصاً، بينهم أفراد من الأسرة المالكة، استهدفتهم عمليات التنصت.
-       بعد يوم واحد من استقالة قائد شرطة لندن، قدم جون تيس مدير مكافحة الإرهاب في “اسكوتلنديارد” استقالته من منصبه، بعد لومهما على ما أظهراه من تقاعس عن التحقيق في فضيحة تنصت صحيفة “نيوز أوف ذي وورلد” على المكالمات الهاتفية.
-       وقبل هذا كان روبرت مردوخ قد اتخذ قراراً بإغلاق صحيفة نيوز أوف ذي وورلد التي ظلت تصدر على مدار 168 عاماً، وذلك بهدف امتصاص غضب الرأي العام على جريمة التنصت التي تورطت فيها الصحيفة.
-       وأخيراً وليس آخراً العثور على جثة مفجر هذه الفضيحة ميتاً في شقته حسبما أسلفنا ذكره.
 
ولأن المتورطين في الفضيحة كثيرون، بمن فيهم ممثلو النخبة الحاكمة، فقد كان لابد من أن تجد طريقها لمجلس العموم الذي استجوب رئيس الحكومة يوم الأربعاء 2 يوليو 2011، حيث مَثُلَ ديفيد كاميرون أمام المجلس لشرح وقائع وملابسات الفضيحة. وكما كان متوقعاً فقد جاء خطاب كاميرون أمام المجلس خطاب علاقات عامة حافلاً بالتخرصات والتبريرات وحتى الاعتذارات الدبلوماسية الماكرة المستبقة لتكشف مزيد من الحقائق، مع الحرص على التأكيد بعدم علمه بما جرى. وكان روبرت مردوخ وابنه جيمس قد مثلا قبل ذلك بيوم واحد أمام لجنة استماع في مجلس العموم لاستجوابهما بشأن الفضيحة، حيث كان التملص والمراوغة عنوان ذلك الاستجواب. رئيس الحكومة ديفيد كاميرون لم يرد بصورة واضحة على سؤال أحد النواب له حول صلة حزبه (حزب المحافظين) بامبراطورية قطب الإعلام روبرت مردوخ (حيث عيّن كاميرون كما قلنا أندرو كولسون رئيس التحرير السابق في صحيفة نيوز أوف ذي وورلد المتورط في الفضيحة، في منصب مدير اتصالاته). كاميرون قال بأنه آسف على هذا “الخطأ” وانه ما كان يتوجب عليه توظيفه لو كان يعلم بحقيقة أمره، وإذا تبين كذب كولسون بخصوص عدم معرفته بجريمة التنصت فإنه سوف يقدم للبرلمان “اعتذاراً عميقاً” (ما شاء الله!). 
  
كما هو واضح فإنه وبرغم فداحة الأمر وخطورته التي تتجاوز وقائع جريمة التجسس على الناس، ورغم تشعب الجهات المتورطة فيها من زعامات سياسية ودوائر أمنية وأجهزة إعلام، ورغم ما كشفت عنه الفضيحة من تأكيد لصحة الاتهامات التي ظلت توجه لمردوخ وامبراطوريته الإعلامية من انهما قد حرفا الإعلام البريطاني عن مساره، من إعلام تنويري وتثقيفي، ومن سلطة موازية للسلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، تسهم بقسطها في حماية الدولة والمجتمع وقائياً من أية تعديات وأضرار نتيجة للانحرافات الغريزية للسلوك البشري .. إلى إعلام إثارة يختلط فيه السمين بالغث الموجه تركيزاً على مشاهير السينما وكرة القدم ونجوم المجتمع. 
  
كيف لا يكون ذلك وقد تصدر السيد روبرت مردوخ وامبراطوريته الإعلامية الحملة التسويقية لمشاركة بريطانيا في الحرب الأمريكية على العراق، وكذلك حملة الدفاع الشرس عن الكيان الصهيوني وعن جرائمه، وحملة التسقيط والتشهير بالقضية الفلسطينية. ثم لا ننس انه صانع الملوك كما يقال! وأي ملوك؟ مارغريت تاتشر وتوني بلير وجورج بوش. 
  
بالعربي الفصيح “الرجل واصل”، فهو عضو أصيل في “السيستم” الآخر غير المرئي. ولذلك لم يكن كلامه عبثياً عندما صرح في أعقاب استجوابه في مجلس العموم على خلفية الفضيحة إياها: “سوف تخرج امبراطوريتي من هذه الأزمة أكثر قوة”! 
  
تماماً كما خرج توني بلير مثل “الشعرة من العجين” من لجنة التحقيق في ملابسات القرار الذي اتخذه بلير حين كان رئيساً للوزراء، بمشاركة بلاده في الحرب على العراق!
 
حرر في 29 يوليو 2011

اقرأ المزيد

ما أسبابُ تبخرِ الأجور؟


إنها سوقٌ متداخلة، تغيبُ منها البُنية الموحدة، فهي ضائعةُ الملامح، متناقضةُ الأشكال، وهذا ينعكسُ على الأجور. وغيابُ البنيةِ التوحيديةِ الإنتاجية الوطنية هي من أهم أسباب تبخر الأجور.
هناك أساسان للأجور: الأساسُ الحكومي الذي يعكسُ بنيةَ الرأسماليةِ الحكومية، ويتم هنا تحديد الرواتب والأجور بشكل عام، وتبعاً لإراديةٍ، وليس للسوق وحراكه، مما يُضفي عليه أبعاداً سياسية إدارية، وبأشكالٍ غيرِ مسيطرٍ عليها كلياً بطبيعة الحال.

الأساسُ الخاصُ وهو للرأسماليةِ الخاصة تابعٌ لبنيةِ الرأسمالية الفردية عموماً، وهي تضع الأجور حسب إمكاناتها وبنائها الاقتصادي وطريقة اشتغالها في السوق.
تجد ان الأجانب تتفاوت أجورُهم بشكلٍ شديدٍ بين توظيفِهم في الحكومةِ وتوظيفاتهم في الرأسماليةِ الخاصة، والتفاوتُ هائلٌ ويعكسُ التناقضات بين هيكلية الرأسماليتين.

الأجانب وهم أكثر من ثلاثمائة ألف شغيل وموظف، وبلغ متوسط الأجور في القطاع الخاص لهم مبلغ نحو 196 ديناراً، فيما كان المتوسط في الحكومة 766 ديناراً، حسب طريقة حساب هيئة تنظيم سوق العمل.
لكن المتوسط للشغيلة الأجانب وهم القاعدة أقل مما هو مبين بينما الموظفون الأجانب المميزون رواتبهم أكبر حسبما هو مرئي ومتداول صحفياً.
وتقوم هذه القوى الأساسية في قوة العمل بتحويل أكبر كمية من هذا النقد للخارج، وهو تبخرٌ للأجور ولكن بشكل مفيد لهذه القوى العاملة، وهو تبخرٌ من البلد.
الرواتب والأجور في القطاع العام سياسية ويحاول القطاعُ أن يجعلها تجارية ويقلص أسبابها السياسية ولكنه لا يقدر على ذلك، لأن الوضع السياسي هو الذي يقود، وتسديد الأجور يأتي بآثار تضخمية، واستنزافية، لأن الأجورَ لا تنتجُ سلعاً مقابلةً في كل الأحوال، فتلعبُ سلعةُ النفطِ دورَ المُسدد حسب تذبذبها.

الأجورُ في القطاع الخاص اقتصاديةٌ لأنها تُعطى مقابل إنتاج سلع وخدمات، ولكن المشكلة هنا هي عدم عودة الأجور إلى القطاع الخاص نفسه، في مجالات البيع والعقارات، ومن هنا تزدهرُ قطاعاتُ التحويل المالي.
في القطاع الخاص الأجور تظهر وتكبر لأنها تحققُ الأرباح، هنا يحدثُ تراكم مستمر، لكن البنية الصناعية للمواد الخام لا تقابلها بُنيةٌ صناعيةٌ من قبل القطاع الخاص بل هو يمتصها ليحولها للقطاعات المالية والعقارية والخدماتية وليس الإنتاجية فلا تظهر عمالة وطنية واسعة، أي لا تزدهر الأجور المحلية.
ولهذا فإن الأجورَ الوطنيةَ على المدى البعيد تتقلص وتتأزم.

يتدفق المواطنون على القطاع العام ويتدفق الأجانبُ إلى القطاع الخاص.
لكن تدفق البحرينيين على القطاع العام لم يعد مرتفعاً بل حدث التراجع والتقلص. القطاع العام لم يعد ولن يعد على الأكثر مستقبلاً يحتضن المظلة الواسعة نفسها:

في نهاية عام 2009 بلغتْ أعدادُ المواطنين في القطاع الحكومي 50 ألفاً وفي العام الذي يليه47 ألفاً، وبالتالي فإن نسبةَ التراجع تزداد. وتعكس هذه الأرقام تقلص الموارد وسياسة التقشف.
ومن أسبابِ ذلك الأعباء المالية المتفاقمة للقطاع العام، والتوجه للخصخصة، وبيع بعض المؤسسات غير ذات المردود الكبير للقطاع الخاص.

التقلص والتوجه للقطاع الخاص الممتلئ والضيق بالعمال والموظفين وبانتشار المؤسسات الصغيرة الغالبة يقللان الأجورَ، فيغدو العرضُ من الايدي العاملة أكبر، ولهذا تنحدرُ الأجور عامة.
لكن موظفي (ديوان الخدمة المدنية) يقولون غير ذلك ويذكرون أن معدلَ الأجور العامة المتوسطة للبحرينيين في ارتفاع خلال السنوات الأخيرة، فهي من 326 إلى 440 ديناراً، ولاحظ الدقة في الأرقام!
وحتى لو وافقنا على هذه الأرقام فإن راتب الخمسمائة دينار لا يستطيع أن يقوم بأي دور قوي في مواجهة ارتفاع الأسعار المرتفعة أصلاً حتى عن بقية دول المنطقة، فصغرُ حجمِ السوق البحرينية يقودُ إلى رفع الأسعار، ورفع الإيجارات للمحلات وتتحولُ الخدمات الإسكانية والكهربائية والمائية كافة لسلع مرتفعة القيمة تستنزفُ الأجر المتوسط المحدد سابقاً.
ومن جهة أخرى فإن الموارد غير محددة التوزيع والصرف وفق تخطيط مُدقق فيه. فتُهدرُ أموالٌ كثيرة كان يمكن أن تشكل خططاً اقتصادية لعمالة بحرينية كبيرة ذات أجور جيدة.
وهناك محاولةٌ لتشجيع تصاعد العمالة الوطنية عن العمالة الأجنبية خلال الفترة السابقة نفسها، ولكن الأرقام غير موجودة لهذه السنة.

تجد الرأسماليةُ الخاصة أن أجور العمال الأجانب المتبخرة من السوق تعويضاً لها في أجور المواطنين المشترين الدائمين فترفعُ الأسعار بشكل مستمر لكي توسع سوقها وأرباحها، وتجذب الأجانب الأقل أجوراً للعمل، فيما هم يضعفونها في مجال الشراء وذلك حسب القطاعات المتعددة المتضادة في بنية اقتصادية غير موحدة.
 
أخبار الخليج 30 يوليو 2011

اقرأ المزيد

طالبان في ثوب الحمل الوديع !


ملفتة ومثيرة مسارعة حركة طالبان الأفغانية لنفي مسئوليتها عن التفجير الانتحاري الذي نفذه بعض أفرادها بسيارة مفخخة في مستشفى بإقليم “لوجان” جنوب العاصمة الأفغانية كابل.
 
وبحسب إحدى القنوات الفضائية المتخصصة في إذاعة بيانات وبث تصريحات وإجراء لقاءات مع قيادات طالبان والقاعدة، فإن الانفجار الذي وقع أواخر الشهر الماضي أسفر عن مقتل 60 شخصاً وإصابة نحو 45 آخرين معظمهم من الأطفال والنساء.
 
علماً بأن مقاتلي الحركة ينشطون في الأقاليم الجنوبية الأفغانية مثل قندهار وهلمند وأورزوجان، ويعمدون باستمرار لتنفيذ هجماتهم إما بتفجير العبوات الناسفة على جوانب الطرق وإما باستخدام القنابل البشرية المتحزمة بأحزمة ناسفة أو باستخدام الانتحاريين للسيارات المفخخة التي يقودونها باتجاه كافة رموز الدولة الأفغانية من شخصيات مسئولة إلى مؤسسات إنتاجية وخدمية وتعليمية مختلفة.
 
والمثير للسخرية أن الحركة التي سارعت لنفي مسئوليتها عن هذه المجزرة المريعة، اعتبرت أن القصد من هذا الهجوم الانتحاري على المستشفى تشويه صورة وسمعة طالبان بين سكان إقليم لوجار وفي أعين الرأي العام الأفغاني!… ولكأننا أمام عناصر تنظيم مناضل منضبطين، سجلهم ناصع لا تشوبه شائبة .. ولسنا أمام تنظيم عسكري أيديولوجي يعتمد الإرهاب الأسود، بما فيه القتل الجماعي عبر التفجيرات الانتحارية، والاغتيالات والتصفيات العشوائية والإعدامات التي تنفذ اعتماداً على محاكمات صورية لا تتوفر فيها أدنى أركان عملية التقاضي المتعارف عليها دولياً، ولأسباب تكون في الغالب من النوع المضحك المبكي.
 
وليست هناك إحصائية يمكن التيقن منها حول عدد ضحايا أعمال العنف والإرهاب التي نفذتها حركة طالبان ضد أبناء الشعب الأفغاني فقط خلال الفترة الواقعة بين انهيار حكمهم في كابل في عام 2001 إثر الغزو الأمريكي لأفغانستان على خلفية هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية وحتى اليوم. والمؤكد أن العدد مهول بهول عدد العمليات الإرهابية التي تنفذها عناصر الحركة يومياً في مناطق أفغانستان المختلفة.
 
ولعل المفارقة التالية تؤكد ممارسة الحركة للإرهاب بشتى أنواعه جنباً إلى جنب مع مقاتلة قوات الاحتلال الأطلسية لأفغانستان. فلم تكد تمضي بضعة أيام فقط على تنصل الحركة من مسئولية عملية تفجير المستشفى الإرهابية حتى قام “مجاهدو” الحركة الأشاوس بتفجير حافلة صغيرة بواسطة عبوة ناسفة كانت تقل أسرة أفغانية مكونة من أحد عشر فرداً كانت عائدة إلى ديارها من باكستان، فقُتل جميع أفراد الأسرة ومعظمهم من الأطفال والنساء. ذلك أن عودة اللاجئين الأفغان إلى ديارهم لا تخدم أهداف طالبان التي تعمل بدأب على إشاعة الفوضى والاضطراب بما في ذلك تشريد السكان من أجل إثبات فشل الحكومة الأفغانية في إشاعة الأمن والاستقرار في البلاد.
 
ومع ذلك فإنه وبرغم أساليب البطش والتنكيل التي تتبعها الحركة ضد السكان الذين لا حول لهم ولا قوة، ورغم سطحية ودوغمائية سياساتها وأنماط الحياة البدائية التي تنادي بها وتفرض تطبيقها على سكان المناطق الواقعة تحت سيطرتها، فإنه يجب الاعتراف بأنها تمكنت من الوقوف في وجه أعظم حلف عسكري في التاريخ الحديث ألا وهو حلف شمال الأطلسي (ناتو) وذلك بفضل الدعم الذي تلقاه من وراء الحدود عبر القنوات السرية والأموال الطائلة التي تجنيها من تجارة المخدرات. واليوم وبفضل هذه الثلاثية (الإرهاب وتجارة المخدرات والأموال المهربة عبر الأقنية السرية ومنها الواجهات الخيرية)، فإن حركة طالبان تسيطر على مناطق واسعة من أفغانستان، بل إنها صدَّرت نموذجها المتوحش والمتخلف إلى باكستان المجاورة فكان أن وقع الشعب الباكستاني ضحية أعمال القتل والإرهاب الدموي لطالبان باكستان.
 
لا مراء في أن النظام السياسي الذي شيده المحتل الأمريكي ومعه حلفاؤه في حلف شمال الأطلسي ونصَّبوا على رأسه رجلاً “مناسباً” للإدارة العليا للاحتلال الأطلسي لأفغانستان، ليس هو النظام الذي يمثل ويعكس مصالح كافة فئات وأطياف الشعب الأفغاني، ناهيك عن سمعته بالغة السوء في مجال الفساد، ولكن هذا لا ينهض مبرراً كافياً لإحلال حركة طالبان محله في حكم البلاد. فنظام الرئيس حامد كرزاي ليس أسوأ من النظام الذي ستقيمه حركة طالبان في حال استيلائها على السلطة من جديد، على الأقل فيما يتعلق باحترام آدمية الإنسان. وقد سبق للشعب الأفغاني أن ذاق مرارة حكم الطالبان عندما حكمت البلاد خلال الفترة من 1996 إلى 2011.
 
وعلى ذلك فإن عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، سواء باتفاق مع الناتو أو بانهيار النظام القائم إثر انسحاب فوضوي لقوات الاحتلال الأطلسي، سوف يكون كارثة على باكستان المجاورة وعلى المنطقة بأسرها.

اقرأ المزيد