المنشور

هل نلغي ربيع الثقافة ؟


هل عدمت القضايا المهمة والمؤرقة في البلد، التي تثقل كاهل المواطن اللاهث وراء لقمة عيشه وكرامته، وهل وجدت طريقها للحل قضايا الفساد المالي والإداري ومعضلات التنمية، وتأمين الخدمات الاجتماعية للمواطنين بالصورة التي يرتجونها في مجالات الإسكان والصحة والبنية الأساسية وسواها؟ هل تمَّ كل هذا بالفعل، أو أنه على وشك أن يتم، لكي لا تجد بعض الكتل النيابية سوى بعض الحفلات الفنية التي تشهدها البحرين حالياً ضمن مهرجان ربيع الثقافة السنوي، لكي تفتعل حولها معركة يصحبها غبار كثيف، كأن المجلس النيابي يقوم بالمهام المناطة به على أتم وجه في مجالات التشريع والرقابة على الأداء الحكومي، بما في ذلك التحقيق في الوقائع الدامغة للتجاوزات المالية والإدارية الواردة في تقارير ديوان الرقابة التي تحتاج إلى عدة لجان تحقيق دفعة واحدة، لهول ما ورد فيها، وهو بإجماع البلد كلها ليس سوى غيض من فيض، فلم يجد النواب ما يسلون به أنفسهم ويجزون به وقتهم سوى إثارة الزوبعة ضد الأنشطة الفنية المقامة.
 
مازلنا نتذكر الحملة التي شنها مجلس النواب في الفصل التشريعي السابق ضد بعض أنشطة ربيع الثقافة، ولا تبدو الحملة النيابية الحالية خارجة عن السياق نفسه، حتى لو تذرعت بما يجري من فظائع ضد الشعب السوري الشقيق ليكون عنواناً للمطالبة بتجميد النشاط الثقافي والفني في البلد، وكأن الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية لم تكن تتعرض للمذابح طوال السنوات المنقضية على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني وعلى أيدي أنظمة عربية ديكتاتورية، فلمَ لمْ نطالب بالأمر نفسه فيما مضى من سنوات، لأن دم الأبرياء الذي يراق في أي مكان من هذا العالم العربي المنكوب بالاحتلال والاستبداد له الحُرمة ذاتها.
 
الفلسطينيون الرازحون تحت الاحتلال يقيمون في رام الله والقدس وغيرها من مدن فلسطين المعارض التشكيلية والحفلات الموسيقية والعروض المسرحية، وهم الذين يواجهون ماكنة العسف الصهيوني اليومية التي تقتل النشطاء والأبرياء، وتحشد في معسكرات الاعتقال الآلاف من الفلسطينيين نساء ورجالاً، كأنهم يبرهنون على مقدرتهم في الحياة والعطاء رغم قسوة العيش وفظاعة الاحتلال، وكان شاعر فلسطين الكبير محمود درويش لسان حال شعبه وضميره حين هتف ذات قصيدة: ” نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا “.
 
ونحن نقرأ ونسمع هذه الدعوات نتساءل: أي مشروع للمستقبل تعد به البحرين كتلنا النيابية هذه إذا كانت تضيق ذرعاً بحفلات فنية تؤديها فرق راقية معروفة على المستوى العالمي، وأي سلم للأولويات يحكم أداءها إذا كانت قادرة على غض الطرف عن قضايا الوطن والمجتمع المؤرقة والمقلقة، وعدم التوجه نحو معالجة ما هو داخل في صميم عملها التشريعي والرقابي في الأمور المفصلية التي تمس حياة المواطن البسيط؟ ونحن لا ننظر للأمر من هذه الزاوية فقط، وإنما من زاوية أشمل تتصل بصورة البحرين التعددية التي استوعبت، عبر مسار تاريخي مديد، تنوع أنماط العيش والسلوك والثقافة والذائقة الفنية، التي تجعل المجتمع ينفر من أية فكرة شمولية تريد إملاء أحادية ثقافية أو اجتماعية، تصادر ما فيه من تعدد وتُجيره قسراً لفكرة واحدة أو نمط تفكير بعينه.


12 مارس 2012

اقرأ المزيد

ماذا بعــد ..؟


هذا هو السؤال الذي نحسب انه يختصر الحاجة الى اسئلة متعددة ومتشعبة بعد كل هذا الذي تكشف من تجاوزات ومخالفات جسيمة رافقت مسار الإصلاح هي في اصلها ومنتهاها وجه فاقع من اوجه الفساد والتطاول على المال العام. لجنة التحقيق البرلمانية التي كشفت عن ذلك اخيرا ومؤخرا وفي مؤتمر صحفي بينت للجميع الى اي مدى كان المشهد في هذه القضية من أوله الى آخره حافلا بالتفاصيل المفجعة على نحو ترجم بصدق مقولة « الشيطان يكمن في التفاصيل»، عبر ممارسات ضربت بعرض الحائط بقوانين ونظم ولوائح واصول واعراف واجراءات ادارية وتنظيمية ومالية ورقابية وتعاقدات والتزامات، وغيبت وبالعين المجردة كل قواعد المتابعة والتقييم والتقويم والمحاسبة مما لايحتاج المرء معه الى «فهامة» لكي يستوعب شيئاً مما جرى، وكيف ولماذا جرى..؟! ولكنه يبدو انه بحاجة الى استيعاب وفهم تعليقات بعض اعضاء لجنة التحقيق الذين تحدثوا في المؤتمر الصحفي كما لو ان العقل في غيبوبة والمنطق صار اخرسا، فهي اقوال تدهش ايما دهشة وتكاد تضعنا ام وضعتنا والسلام امام علامات استفهام وتعجب شتى..!!
 
بعد كل هذا الذي اتضح للجنة من تجاوزات ومخالفات مذهلة يبشرنا احد اعضائها «بان الامر قد يرتقي الى مستوى فساد مالي!!»، وبشرنا آخر بقوله: « لم نجد سرقات ولكن لدينا شك كبير..!!، ذلك وغيره كلام موثق ومنشور.. وكأن هذا الذي تكشف لهم بهذه الدرجة وهذه الحدود من التجاوزات والمخالفات والاخطاء ليس كفيلا باقناعهم بتسمية الشيء باسمه مادام هذا الاسم يفرض نفسه وهو الفساد..!!
 
لانظن – رغم ان بعض الظن اثم- بان رئيس لجنة التحقيق البرلمانية بحاجة الى من يذكره ويذكر زملاءه في اللجنة بتصريحه المنشور في الصحف «15 يونيو2011» فهو وليس غيره القائل: «ان الفساد المالي والاداري في مشروع مستشفى الملك حمد فاق التوقعات»!!. هل هي زلة لسان ما جاء في هذا التصريح، وهل ما نسب الى عضوي لجنة التحقيق له بواعثه او وجاهته مما لايجدي فيه توضيح او تحليل الآن على الاقل.
 
 على اي حال لا يهمنا من ذلك كله الا ما اعلن ونشر، ففيه من الحيثيات والتفاصيل والوقائع حتى وان كانت في حدها الادنى مالا يدعو مجالا للشك باننا امام قضية خطيرة ومعقدة وشائكة، وملف من ملفات النكد التي سيكون السكوت عنها امرا مشينا يدين الجميع، من شارك ومن تواطأ، ومن تراخى، ومن صمت. الا يكفي ان تعلن لجنة التحقيق وليس غيرها بانه خلصت الى تورط 3 وزارات في تجاوزات مالية وادارية استمرت على مدى عشر سنوات لم تجد عيونا ترصدها رفعت كلفة انشاء المستشفى من 18 مليون دينار الى 28 مليونا ثم الى45 مليونا ثم الى 105 ملايين دينار، ألا يكفي الكشف بان ذلك المبلغ كاف لبناء مشروعين بنفس المواصفات، ثم ألا يعني شيئا اكتشاف ان الشركة الاجنبية التي عهد لها بادارة المشروع لم تكن مؤهلة لهذه المهمة ولم تكن لها علاقة لا من قريب او بعيد بعمليات تنفيذ وهندسة المستشفيات، ألا يعني ذلك شيئا، ثم ألا يعني شيئا كذلك خطابات التمرير الصادرة من عدة جهات رسمية والتي جعلت الشركة التي كلفت بتجهيز المستشفى من اجهزة ومعدات بانها شركة مثالية ثم اكتشف بانها غير مؤهلة على الاطلاق وهي التي طلبت 27 مليون دينار لشراء تجهيزات المستشفى، ثم اتضح ان من ضمنها ما تم الاستغناء عنه في ثمانينات القرن الماضي، ثم ماذا يعني ان يحقق الاستغناء تلك الشركة «المثالية» وقيام وزارة الدفاع بالمهمة وشراؤها احدث التجهيزات ووفر قيمته 21 مليون دينار. ذلك غيض من فيض ليس إلا، ألا يكفي ذلك لكي يقتنع النائبان وربما معهما آخرون باننا امام قضية فساد غير عادية ضاعت فيها قدسية المال العام، وانه بات عليهم خوض معركة ينتظرها الجميع بقدر انتظارهم لإجابات لأسئلة من نوع:
– اين كانت اجهزة الحساب والرقابة من كل هذا الذي جرى؟
– اين كان مجلس النواب وهو المؤتمن، على الرقابة وتمثيل الشعب في المراقبة؟
– هل تعني الوقائع التي حدثت بان بوسع كل مسؤول، او بعض المسؤولين ان يفعلوا ما يشاؤون دون حسيب او رقيب؟
– ماهو حدود الدور الذي لعبته بعض الشركات الخاصة في تلك التجاوزات؟، وماهي الاجراءات التي اتخذت بحقها؟
– اين كان ديوان الرقابة المالية؟
– هل سيبقى هامش” التسامح” لاحدود له، الى الحد الذي يسمح بعدم حساب المعنيين والمتورطين بالتجاوزات والاخطاء وهدر المال العام، وهو التسامح الذي له شواهد كثيرة لازالت وستبقى عالقة في الاذهان.

الاسئلة كثيرة، ولكن يبقى السؤال الجوهري الذي قلنا انه يختصر الحاجة الى اسئلة متعددة ومتشعبة، ولا نملك الاجابة عليه: ماذا بعد؟!!

 
12 مارس 2012

اقرأ المزيد

صناعة المشتركات الوطنية


في ظرفٍ دقيق كالذي تجتازه البحرين اليوم سيكون من المتعذر أن تتفق أطراف الخلاف على رؤية طرفٍ منها بعينه. فلكلٍ روايته الخاصة ورؤيته المختلفة وتصوره المغاير للآخرين لطبيعة الحل، وهذا ينطبق على علاقة الدولة والمعارضة، وعلى علاقة المكونات الاجتماعية والفئوية المختلفة في المجتمع بعضها بعضاً، حيث لا سبيل لنكران حجم التفاوت الكبير في الطريقة التي يفكر بها كل طرف.
مع ذلك، فبالقياس لما كان عليه الحال قبل شهور، يمكن القول ان البلد بات أكثر جاهزية لولوج طريق الحل، وغني عن القول ان دور الدولة في ذلك دور محوري، فهي، اكثر من أية قوة أخرى، الأقدر على دفع الأمور في هذه الوجهة أو تلك، وهي أيضاً من بيدها أدوات التنفيذ لأية تدابير يجري الاتفاق عليها، سواء تعلق الأمر بتوصيات اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق، أو بأي اتفاقات يمكن بلوغها في الأفق المنظور، وسط الحديث المتواتر، والمؤكد على أية حال، عن تواصلات تجري نحو هذا الهدف.
 
وكما في أي مجتمع من المجتمعات مرَّ أو يمر بظروف الانقسام التي يعاني منها مجتمعنا اليوم، فان المطلوب هو صناعة المشتركات، لا تعظيم الخلافات أو تضخيمها بحيث تظل، كما هي الآن، عقبة في وجه أي حل.
 
وليس معنى هذا القول انه لا توجد خلافات جوهرية وجذرية حول حجم وطبيعة الاصلاحات المنتظرة أو المطلوبة، وكذلك حول التداعيات السلبية الكثيرة التي نجمت عن الأزمة التي عصفت بالبلاد، وما زالت تداعياتها مستمرة حتى هذه اللحظة.
 
ولكن لبلوغ الحل لا بد من تسويات ممكنة، لا تمس بجوهر الحاجة إلى الاصلاحات في المجالات الدستورية وفي البنية التشريعية وفي صلاحيات المجلس المنتخب وآلية تشكيل الحكومة وإصلاح القضاء والإعلام وتوسيع رقعة الحريات العامة، وغيرها من أمور لا مناص لنا من إنجازها، ولكنها بالمقابل تأخذ بعين الاعتبار التعقيدات المحلية الناشئة، وكذلك توازنات المحيط الإقليمي، لتحقيق ما ندعوه بصناعة المشتركات، والتي تبدو صعبة أو عصية عندما ينظر لها كل طرف من خندقه الراهن حين لا يريد مبارحته، ولكنها ستكون ممكنة حين ندرك جميعاً انه لا بد من الخروج من الأزمة التي لم يعد من مصلحة البلاد أن تبقى فيها بدون حل.
 
ما أسهل اليوم من سوق الخطابات المُعيدة لانتاج هذه الأزمة، جرياً وراء منفعة هنا أو هناك، فهناك منظومة مفردات ومصطلحات تشكلت خلال الشهور الماضية، لا يتطلب الأمر سوى إعادة صفها في كل مرة، هكذا في متوالية عبثية إستمرأها أصحابها، ولكن هل هذا ما تريده البلاد بعد أكثر من عام على إندلاع الأزمة، أم أن الوقت قد أزف فعلاً للخروج من هذه الدوامة، حرصاً على مستقبل الوطن والعيش المشترك لأبنائه، والذهاب إلى المستقبل وقد تخفننا من الأعباء المريرة التي ما زال الوطن ينوء بها ؟
 
يجب استثمار الاشارات الايجابية في الذهاب نحو حلٍ ممكن، ويجب تدعيم ذلك بخطابٍ داعٍ للحل وداعم له، والأهم بتدابير سريعة تداوي الجراح، وتغلق ملفات ينبغي ألا تستمر مفتوحة، لإنهاء التحشيد الطائفي وتسهيل ظروف المصالحة الوطنية.

اقرأ المزيد

هواجـس مشـروعة


كثيرة هي المخاوف التي تنتاب أوساط المجتمعات المدنية المعاصرة في البلدان العربية التي شهدت صعود أحزاب وحركات الإسلام السياسي إلى السلطة بفضل الثورات الشعبية التي أطلقها الشباب العربي الغاضب ضد أنظمة الاستبداد والقهر .
 
في مصر على سبيل المثال، هناك مخاوف من إلغاء قانون الخُلْع وإلغاء نظام الكوتا النسائية البرلمانية، وهما من الإصلاحات التشريعية والاجتماعية النوعية المهمة التي أنصفت المرأة في بعض حقوقها التي كفلتها لها الرسالات السماوية والمواثيق والمعاهدات الدولية . وهناك خوف في الوسط الفني من أن يؤدي تولي جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي السلطة، إلى انعكاسات سلبية على السينما والمسرح وأشكال الإنتاج الفني والثقافي في مصر كافة، وهو يجد تجلياته في الزيارة التي قام بها نقيب الفنانين للمرشد العام للإخوان المسلمين .
 
وفي تونس، حيث صار الإخوان المسلمون “حزب النهضة” على رأس الحكومة التونسية الجديدة بعد الثورة التي أطاحت نظام زين العابدين بن علي ويهيمنون على أغلب الحقائب الوزارية بعد فوزهم الساحق في أول انتخابات حرة ونزيهة تجري في تونس منذ الاستقلال، فإن هناك مخاوف مماثلة من أن يؤدي حكم الإسلاميين إلى تراجع سقف الحريات ومنها الحريات الاجتماعية والثقافية والشخصية، لاسيما تلك المتعلقة بالمرأة التونسية التي تعد أكثر النساء العربيات تمتعاً بحقوقهن “الجندرية” والاجتماعية والسياسية .
 
وكذلك الحال في المغرب حيث شكل الإسلاميون ممثلين في حزب العدالة والتنمية أول حكومة برئاستهم بعد فوزهم الصريح في أول انتخابات تُجرى هناك بعد التعديلات الدستورية التي تقدم بها العاهل المغربي وعُرضت على الشعب في استفتاء عام، وهكذا الأمر دواليك، في بقية البلدان المرشحة للدخول في “المعترك”، “الإصلاحي الدستوري” تحت ضغط عوامل التغيير المحلية والدولية .
 
فهل لهذه الهواجس والمخاوف من أساس يبررها ويصدّقها؟ بعض الممارسات التي أتت بها الأحزاب الإسلامية المنتشية بفوزها الباهر، وبعض التصريحات المتعجّلة التي أطلقها بعض رموز هذه الأحزاب، لاشك في أنها عملت على تغذية هذه المخاوف وأمدتها بالقرائن التي تحتاج إليها للتشكك في نوايا الممسكين الجدد بمقاليد الحكم .
 
ولعل أسطع مثال يمكن أن يسوقه المتشككون في نوايا الحكام الجدد دليلاً على ما يذهبون إليه، تلك الحملة الشعواء التي شنتها جماعات الإسلام السياسي ضد رجل الأعمال المصري المعروف نجيب ساويرس ورفع دعوى قضائية ضده بتهمة السخرية من المسلمين، مستندين إلى رسم فكاهي تناوله ساويرس على حسابه “تويتر”، نقلاً عن مواقع أخرى ويظهر فيه ميكي ماوس في شكل سلفي وحرمه المنقبة . ومواصلة للهجوم على الملياردير المصري فقد فزع وانضم إلى الدعوى المقامة ضده أكثر من عشرين محامياً مدعين بالحق المدني وتوجهوا يوم نظر الدعوى في محكمة جنح بولاق أبو العلا، إلى المحامين المترافعين عن ساويرس بالسب والشتم، ونعت أحدهم ب “المجرم”، لكن القضية انتهت بتبرئته من تهمة “الازدراء” .
 
إلى ذلك ازدادت المخاوف من جهات مجهولة إثر عملية تصفية عضو ائتلاف لجان الدفاع عن الثورة الناشط محمد جمال، ذبحاً، في الساعة الرابعة فجراً خلف دار القضاء العالي، أي على مسافة غير بعيدة من ميدان التحرير، حيث كان قبل دقائق بصحبة مجموعة من القضاة المعتصمين للترتيب لمسيرة كان مقرراً لها أن تتوجه يوم الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2012 للتضامن مع مطالب القضاة المعتصمين، وبحث إمكانية مشاركة القضاة في تظاهرات يوم 25 يناير، قبل أن يفاجأ المعتصمون بعودته بعد مغادرته المكان بدقائق منحوراً وينزف بغزارة من رقبته ثم يسقط وهو يشير بيده إلى ما خلف مبنى دار القضاء العالي ويفارق الحياة في الحال . وتزامن مقتل الناشط محمد جمال مع حادث سير غامض تعرض له قبل يومين من ذلك الناشط السياسي كريم أبوزيد عضو ائتلاف الثورة بمحافظة الغربية .
 
وفي الأردن عبّرت أوساط مختلفة عن مخاوفها وامتعاضها من قيام الحركة الإسلامية المعارضة بالتلويح بالعمل الميليشياوي بعد تنظيمها استعراضاً ميليشياوياً لمجموعة من الشباب معصوبي الرؤوس بشارات خُضْر تحمل عبارة “طفح الكيل” .
 
وفي ليبيا حيث أطاحت الميليشيات المسلحة التي تطغى عليها التوجهات الإسلامية “الجهادية”، فإن آلافاً من الليبيين محتجزون في سجون غير رسمية قدّرتها نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأكثر من 60 سجناً، وعدد المحتجزين المعلومين فيها لدى المفوضية بنحو 8500 معتقل بشبهة الانتماء إلى نظام القذافي . وبحسب المفوضية فإن الميليشيات التي تحتجزهم تمارس عليهم مختلف أصناف التعذيب، وأنها لا تعلم عن مصيرهم شيئاً .
 
لا شك في أن الإسلاميين المنتشين بانتصاراتهم “المظفرة” “سواء عبر صناديق الاقتراع أو عبر التمرد المسلح المدعوم من الناتو” هم اليوم في وضع يسمح لهم بالادعاء بأن لديهم تفويضاً من أغلبية الناس، وأنهم بالتالي ليسوا بحاجة إلى بقية مكونات المجتمع الأخرى على اختلافها . وهذا صحيح إلى حد ما . بل ونزيد عليه بالقول إنه وبرغم هذه المخاوف المبررة بصورة عامة، فإنه لابد من احترام إرادة الناس في نوعية التغيير الذي ينشدون، ومحتواه واتجاهاته . فكل شيء خاضع للحراك المجتمعي الذي حرك الجمود والركود السياسي الممتد لأكثر من ستة عقود . ثم إن إدارة الدولة تكاد تختلف جذرياً عن إدارة الحزب واقتصاد الحزب أو الجماعة، لأن قيادة الدولة تضع الممسكين بمقاليد الحكم فيها أمام المسؤولية الكاملة والمباشرة عن المجتمع بكامله ومقدرات البلاد بكاملها، وليس عن جماعة أو حزب أو اقتصاد حزب أو جماعة .
 
هي مرحلة انتقالية ولابد من القبول بمعطياتها ومخرجاتها الظرفية إذا كان للديمقراطية العربية الوليدة أن ترى النور وتتنفس الهواء الطلق لأول مرة، وتتطور بحكم الحراك المجتمعي الكلي .
 

اقرأ المزيد

لن يقبل الشعب البحريني أن يعود بخفي حنين ! – عيسى سيار


إن الحراك الشعبي المدني غير المسبوق في تاريخ البحرين الحديث الذي انطلق في 14 فبراير/شباط 2011، والذي مازالت تداعياته وانعكاساته مستمرة على مختلف مناحي الحياة… لم يكن زوبعةً في فنجان، ولا سحابة صيف عابرة كما يعتقد البعض، وإنما هو مخاض شعبي طبيعي ودليل على حيوية وصحة المجتمع البحريني. فمن يرصد التاريخ ويقرأ عن الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في دول الربيع العربي وغيرها، سيجد في الغالب ان من أهم أسبابها غياب العدالة وانتشار الفساد والخلل الطبقي في المجتمع، أي وجود طبقة أقلية غنية وطبقة غالبية فقيرة.
 
لسنا بعيدين طبعاً عن الربيع العربي، وبعد هذا المخاض العسير الذي مازالت البحرين تعيش تداعياته، فإن من يرفض إحداث تعديلات دستورية جوهرية بحجة أنه كانت هناك أخطاء ارتكبت أو هناك تآمر أو استقواء بالخارج من قبل قوى المعارضة، عليه أن يطلب من الطرف الآخر أن يعلنها على الناس وبوضوح ومن خلال الأدلة القطعية بأن ما تُطالب به المعارضة من إصلاح وتغيير هو عبارة عن مطالب تعكس إرادات خارجية وليست مطالب بحرينية خالصة. وهنا نتساءل ألم يبرئ تقرير لجنة تقصي الحقائق المستقلة (بسيوني) المعارضة من تبعيتها لأية دولة أجنبية؟ ألم يدع التقرير النظام والقوى الوطنية إلى مصالحة وحوار حقيقي جاد ومنتج؟ ألم يقل وزير خارجية البحرين في أحد المؤتمرات الصحافية أثناء فترة الأحداث ان جمعية الوفاق شريك في العملية السياسية؟ ألم يقل سمو ولي العهد ان الخروج من الأزمة يتم من خلال الحوار وإن الحل يجب أن يكون صناعة بحرينية ؟
 
إن من يزايد على القيادة السياسية في البحرين وتقرير بسيوني، وتقارير مفوضية حقوق الإنسان وغيرها، متستراً بقطاع الطائفية ويريد أن يكون كاثوليكياً أكثر من البابا فهو إما أن يعيش في وهم أو لديه أجندات غير معلنة هدفها إيقاف وتعطيل، بل وتدمير قطار الإصلاح والتغيير إلى الأفضل في مملكة البحرين، وهذا الأمر بالطبع يجرنا إلى مسألة خطيرة جداً تهدد السلم الأهلي وهي انسداد أُفق الحل السياسي وبالتالي استمرار البحرين في حالة من عدم الاستقرار المجتمعي والذي قد يجر إلى مواجهات قد تخرج عن السيطرة وتحرق الأخضر واليابس. وما حصل حديثاً في منطقة عراد وقبلها في فريق الحياك وبعض مناطق مدينة حمد وداركليب والبسيتين… إنما هي مؤشرات وأجراس إنذار.
 
إن النظام السياسي في البحرين مُطالبٌ اليوم أكثر من أي وقت مضى بوقفة جادة والقيام بمراجعة شاملة لجميع حساباته السياسية، ودراسة ما ورد في تقرير «بسيوني» وتقارير المنظمات الدولية كالمجلس العالمي لحقوق الإنسان ومنظمة«هيومن رايتس ووتش» و«أمنستي انترنشيونال» وغيرها، دراسة متعمقة من جهة ومن جهة أُخرى تلمس حراك كل من الشارع السياسي الشيعي والسني. إن ترك القضايا المفصلية والمصيرية للقدر أو للفوضى الخلاقة قد تكون نتائجه وخيمة على حاضر ومستقبل البحرين وأهلها.
 
إن البحرين لن تحلق في رحاب الديمقراطية الحقيقية إلا بجناحين كما كانت في الماضي، وإن الحراك الشعبي الشيعي والسني بالتأكيد له مطالب شرعية لا يختلف عليها اثنان، وإلا لماذا خرجت جميع مكونات الشعب البحريني رافعة مطالب بالإصلاح والتغيير؟
 
إن هذا الحراك وإن تفاوتت السقوف بين الفرقاء السياسيين فيما يتعلق بالإصلاح، يريد أن تكون للشعب مشاركة حقيقية وفاعلة في صناعة القرار السياسي ويريد أن يكون الشعب البحريني مشرعاً ورقيباً وحسيباً حقيقياً لا شكلياً على أداء الحكومة. هذا الحراك يريد أن يرى عدالة في توزيع الثروات، وأن يرى المواطن البحريني يتمتع بخيرات بلده في عزة وكرامة، لا أن يعيش على العطايا والهبات والمساعدات وفتات الموائد. إن هذا الحراك والمخاض الشعبي المطلبي لن يقبل في اعتقادي بأن يعود بخفي حنين… فمن يرفع الشراع 
 



الكاتب: عيسى سيار

صحيفة الوسط البحرينية – 10 مارس 2012م

اقرأ المزيد

الحراك الشعبي في البحرين… حقائق للتاريخ


ثمة جدال يحتدم على المستويين السياسي والاجتماعي على خلفية ما تسرب من أنباء عن «الموجة الثانية» من الحوار التي يجري الحديث عنها حاليّاً، والمتوقع انطلاقها قريباً (أحد الإخوة الحقوقيين يصر على تسميتها بالمفاوضات). وتتزايد التكهنات والمبالغات الصحافية التي لا يمكن الاعتداد بها عن هذه المسألة في ظل محادثات استكشافية أولية لا ترقى إلى درجة الحوار والمفاوضات، ناهيك عن عدم وضوح آليات وأبعاد هذا الحوار والمسارات التي يمكن أن يتخذها، بالإضافة إلى النقطة المفصلية في كل هذه العملية، وهي المتعلقة بالنتائج أو الحصيلة النهائية التي يمكن ان تتمخض عنها، وما إذا كانت قادرة على نزع فتيل الأزمة الراهنة، ووقف النزيف الذي يعاني منه البلد سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً.
 
في الواقع لا ندري ما إذا كان إعلان فكرة الحوار هذه التي جرى تسريبها عبر الصحافة بالتزامن مع ذكرى مرور عام على الحراك الشعبي في 14 فبراير/ شباط العام الماضي قد كان مجرد مصادفة أم تصرفاً مقصوداً لإيصال رسالة محددة إلى الداخل والخارج. وعموماً؛ فإن الإعلان من جانب السلطات الرسمية عن استعدادها إجراء جولة جديدة وجادة من الحوار مع القوى السياسية المعارضة، يكتسب أهمية لا يمكن أن تخطئها العين، كما يحمل هذا الإعلان بعض الحقائق القائمة على الأرض التي هناك من يجاهد مستميتاً لإنكار وجودها.
 
أولى هذه الحقائق أن الحراك الشعبي السلمي الذي أطلق قبل عام، ولايزال يتواصل على شكل فعاليات سلمية وراءه تيار شعبي عارم لا يمكن تجاهله أو إقصاؤه، مهما تطاول الوقت واشتدت كثافة الضغوط السياسية والاعلامية والأمنية. الأمر الذي يؤكد قوة الاستقطاب والقدرة على التعبئة في هذا الحراك، الذي مكنته من احتضان أطياف شديدة التنوع سياسيّاً واجتماعيّاً ومن كل الفئات العمرية من الرجال والنساء والشباب.
 
الحراك الشعبي الذي جاء في سياق التظاهر السلمي الذي يكفله الدستور، وتؤكد عليه المواثيق الدولية التي أعلنت البحرين التزامها بها، ما كان له أن يطوي تحت جناحيه كل هذا الزخم السياسي والكم العددي لو لم يكن لصيقاً بهموم الناس وبمطالبهم العادلة، ولو لم يكن يعكس طموحاتهم في حياة حرة كريمة وعادلة. ليكون بذلك جسراً للعبور بالوطن وبكل المواطنين على مختلف انتماءاتهم السياسية والعقائدية والمذهبية، إلى رحاب التعددية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
 
والحقيقة الثانية أن هذا الحراك الشعبي قد جاء في سياق الاحتجاجات الجماهيرية التي هبّت مع موجة الربيع العربي واجتاحت العديد من العواصم العربية، إلا أنه لا يمكن إغفال خصوصية هذا الحراك، كما لا يمكن إنكار ان أساس وجذور هذا التحرك هي داخلية بحتة، تكمن في تربة البحرين التي كانت مواتية وتنتظر اللحظة التأريخية. ما يعني أن تحرك الناس لم يأتِ هكذا بغتةً ومن دون مقدمات، بل إن إرهاصاته كانت تتجمع منذ ما يزيد على العقد، مع تكشف النواقص في التجربة السياسية الإصلاحية. وبعد أن سُدّت كل الآفاق في وجه الحلول السياسية التي كانت تدعو وتطالب بها القوى المعارضة، وكانت للأسف تقابل بتجاهل تام، وبإصرار غير مفهوم على رفض أية خطوة إيجابية من قبل الدولة. وهو ما أبقى الكثير من الملفات الشائكة التي تحمل بذور الانفجار مفتوحة وعالقة من دون حل، الأمر الذي صار معه الوضع السياسي والاجتماعي أكثر ركوداً وتأزماً وزاد بالتالي من حجم العقبات التي تقف في وجه تطور الواقع السياسي. وهذه جميعها معطيات تمنح الحراك السياسي مشروعية ليس بمقدور أحد الطعن أو التشكيك بها، من حيث الولادة والأهداف.
 
نحن هنا نتحدث عن الحراك السلمي في خطه العام ومطالبه العادلة وشعاراته المتزنة، والتي تتمحور حول مسألتين أساسيتين: المملكة الدستورية وإصلاح النظام السياسي، اللتين تعكسان جوهر الأزمة في البحرين، وأي خروج أو انحراف عن هاتين النقطتين يجب عدم سحبه أو تعميمه على هذا الحراك أو تحميل وزره للمعارضة السياسية، مع الإقرار بأنه ليس هناك أي حراك جماهيري بهذا الثقل يمكن أن يكون خالياً تماماً من الأخطاء أو التجاوزات مهما صدقت النوايا ودرجة الحرص على تفادي هذه الأخطاء. نقول ذلك من باب المسئولية الوطنية والأخلاقية والإنسانية، التي تفرض في المقابل على جميع الأطراف عدم تجاهل أو نسيان الخطايا التي جوبهت بها تلك الأخطاء، والتي شكلت علامة كارثية فارقة في حياة هذا الوطن، وصارت صفحات مشوهة في تاريخه بعد أن صارت عنواناً صارخاً على انقسام المجتمع البحريني وتمزقه طائفيّاً وبلوغه مستوى لم يكن لأحد أن يتصوّر يوماً حدوثه، من إزهاق أرواح وقطع أرزاق وانتهاك حرمات. ومع كل هذه المصائب نحن نطالب هؤلاء الناس بضرورة التسامي فوق جراحهم ونسيان أوجاعهم المريرة، من أجل مصلحة الوطن ووحدة الشعب في هذه اللحظات الحرجة والتاريخية، التي تتطلب من الجميع القيام بمسئولياته الاجتماعية والوطنية، لإخراج الوطن من محنته وتجنيبه ويلات الانقسام الأهلي والنهوض به مجدداً. وسوف لن يكون ذلك ممكناً من دون توافر الإرادة والقناعة الناضجة لدى جميع الشركاء في المصير الواحد والمستقبل الواحد، لأن مستقبل البحرين رهن بتماسك المجتمع ووحدته، لذلك؛ علينا عدم الالتفات أو الاستغراق في بعض المهاترات التي تستنزف الجهود والطاقات، من قبيل الحديث عن شروط تسبق أي حوار أو تقديم اعتذارات، وغيرها من مواقف لا تقنع حتى أولئك الذين يطلقونها!
 
والحقيقة أننا أمام حالة سياسية ومجتمعية عصية على الفهم والتفسير، تريد أن تجعل من الضحية ذئباً مفترساً، إذ كيف يجرؤ أحد على الاستهانة بأوجاع وآلام الناس وتجاهل حقوقهم إلى هذا المستوى الذي لا يليق بمن يدعي احتكار الوطنية، والحرص على مصلحة الوطن دون غيره من القوى السياسية. مع الإصرار على المضي في سلوك الإقصاء والتهميش، وامتهان خطاب تحريضي متربص تحركه الغرائز الطائفية المتخلفة، لا مكان فيه للعدل والإنصاف، وهو خطاب مشحون بالظلم والجور، يستهدف إخوة وشركاء في الوطن والدين. فهل يدرك هؤلاء معنى إبقاء الصراع الطائفي قائماً ومفتوحاً بهذا الشكل الذي لا مجال فيه لحوار، ولا مكان فيه لمنطق وافتقار أطرافه إلى الحد الأدنى من الثقة تجاه بعضهم بعضاً، وغياب أي حل منصف أو عادل. فليس لهذا الوضع المقلق سوى طريق واحد؛ هو دخول البلاد في كابوس مرعب -لا قدر الله- يهدّد بجعلها دولة فاشلة على كل المستويات.
 
إن هذا الحراك الشعبي لم يكن ظرفيّاً، بمعنى انه ليس وليد حادث جزئي منعزل عن سياق الأحداث الكبرى في هذا الوطن. كما انه ليس انفعاليّاً خالياً من أي وعي أو من دون هدف. ولذلك فإن زخمه لم يتوقف، والتفاعل معه لم يضعف بمرور الوقت، بل رأينا مع تطور الأحداث أن «حمولته» السياسية والاجتماعية تزداد ثباتاً وقناعة به على رغم كل التضحيات المقدمة، وحجم الأذى الذي يكابدونه.
 
 

صحيفة الوسط البحرينية – 09 مارس 2012م

اقرأ المزيد

موسكو لا تصدق الدموع


بدَّد رئيس روسيا السابق – اللاحق فلاديمير بوتين أسباب الدهشة التي اعترت الكثيرين، وهم يشاهدون بأم أعينهم عينه وهي تخر دمعاً. كيف أمكن لرجل الاستخبارات القوي، غليظ القلب، الذي عرف بالصرامة والشدة أن يذرف الدمع، في لحظة إعلان فوزه المطعون فيه شعبياً وسياسياً؟ ولكنه بكى! قيل إنها دموع الفرح.
 
وللعين أن تذرف دمعها في الحزن والفرح، لكن بوتين لم يترك للعرافين والمُؤولين والمحللين أن يعزوا سبب دموعه إلى شعوره بفرحة فوزه بولاية جديدة لرئاسة روسيا، يريد لها، في قرارة نفسه، أن تتمدد لتصبح ولايتين أخريين، تضافان إلى ولايتيه السابقتين، بعد أن عهد إلى ظله الشاحب ميدفيدف لأن يقوم بدور «المحلل الشرعي»، الذي من خلاله تغلب على القيد الدستوري للترشح لولاية ثالثة، فمكث في موقع القرار كرئيس للوزراء، متوارياً بعض الشيء خلف صنيعته المنتقاة بعناية لسنوات معدودات، عاد بعدها رئيساً متوجاً لروسيا مرة أخرى.
 
قال بوتين: «نعم كانت هذه دمعة حقيقية»، لكنها لم تكن دموعا للفرح، فسببها لا يعدو الرياح الشديدة التي هبت في الساحة التي التقى أنصاره فيها بعد إعلان الفوز. أما الروس المعارضون له، وهم يعلقون على الدموع التي وجدوها زائفة، فقد استعاروا عنوان الفيلم الشهير: «موسكو لا تصدق الدموع»، وهو فيلم جميل يعود للحقبة السوفياتية، أخرجه فلاديمير مينشوف ونال جائزة الأوسكار في مطالع الثمانينات الماضية، يوم كانت السينما في ذلك البلد تحصد الجوائز في المهرجانات العالمية، ويعرض الفيلم حكاية ثلاث فتيات ينزحن من بلدات روسية بعيدة إلى العاصمة موسكو، ليواجهن تحديات العيش في المدينة الكبيرة التي ينصرف أهاليها إلى همومهم اليومية، وبرز فيه الأداء المدهش للممثلة فيرا ألينتوفا التي أدت دور مديرة معمل للنسيج تقع في حب عامل بسيط.
 
ذاع صيت هذا الفيلم في ربوع الاتحاد السوفيتي وخارجه، حيث شاهده أكثر من 90 مليون مشاهد، للرهافة التي قدم بها، وهي سمة طبعت الكثير من أفلام الاتحاد السوفيتي، يوم كان لا يزال موجوداً، قبل أن تنتهي بروسترويكا غورباتشيوف إلى عبثية وسوقية يلتسين، في لحظةٍ عبثيةٍ، هي الأخرى، تحوَّل فيها التاريخ إلى كاريكاتير يسخر من الذين يسخرون منه. لقد اقتات بوتين طوال سنوات من الرصيد الذي حققهُ، كونه الرجل الذي أعاد إلى روسيا شيئاً من المهابة التي كانت لها، ولكن هذا الرصيد، شأنه شأن أي شيء آخر في الدنيا، أخذ في التآكل التدريجي الذي بدت نتائجه في الظهور، ولعله في لحظةٍ قادمة يتجلى في سقوط مُدوٍ.
 
حسب خصوم يلتسين فانه تحايل على تآكل رصيده عبر تزوير الانتخابات، ليضمن لنفسه أغلبية مصطنعة، وليس واضحاً إلى أي مدى ستكون هذه مجدية له ليقود البلد وسط صعوبات داخلية جمى، ووسط تحديات دولية كبرى، ليس بوسع روسيا أن تدير لها الظهر.

اقرأ المزيد

في لُجة ” الانترنت “


هناك حركات لا يمكن إلا أن تأخذ الطابع العالمي، طبيعتها تحمل في ثناياها فكرة التضامن بين المنخرطين فيها، وهي إن انطلقت من بيئات محض محلية، فسرعان ما تجد حركات قرينة لها في أماكن أخرى من الكوكب، تفكر بالطريقة ذاتها، وربما تستخدم الآليات نفسها في العمل والتعبئة.
 
منذ القرن التاسع عشر وربما قبله لم يكن من الممكن أن يجعل العمال على مستوى أوروبا وأمريكا وأستراليا وسواها من يوم العمل ثماني ساعات فقط، بعدما كان يمتد نحو نصف اليوم أو أكثر لولا التضامن بين عمال هذه البلدان.
 
في ظرف اليوم ازدادت هذه الفكرة رسوخاً، فآليات العولمة، رغم أنها في الجوهر عنت تدويل رأس المال العالمي وفتح الأسواق وتحويل العالم برمته إلى سوبر ماركت واحد كبير يبيع ذات السلع وفي كل مكان، إلا أن العولمة حملت معها نقائضها أو فلنقل أعراضها الجانبية كتلك الآثار الناجمة عن تناول دواء ضد مرض معين، فيحدث أن يحمل معه آثاراً أخرى على جسم المريض لا فكاك له منها إن أراد تناول هذا الدواء.
 
ولم تعد حركة العمال والفئات المهمشة وحدها هي التي تحمل الطابع التضامني العالمي، وإنما هناك حركات أخرى لا تقل أهمية كالحركة النسوية وحركة مناهضة الفقر، وفي مقدمة هذه الحركات حركة الدفاع عن البيئة، التي أنشأت ما يشبه «الأممية» الخضراء الجديدة التي تعم العالم، في مواجهة المخاطر المحدقة التي تواجه الحياة بسبب استنزاف ثروات الكوكب التي ستفنى إذا ما استمرت معدلات الاستهلاك الجنوني الراهنة.
 
في «ما لا تقوله الكلمات»، وهو كتاب يقدم بعض الطرق للحد من سوء تفاهم الثقافات، يلاحظ واضع الكتاب أن فضائل العولمة يبشر بها أولئك الذين يفيدون منها، أي أولئك الذين في متناولهم السفر من طرف الكوكب إلى طرفه الآخر، وبالملاحة في فضاء الانترنت، والذين يفيدون من المبادلات العالمية لمنتوجات وخدمات اقتصادية، تقنية وفكرية وفنية.
 
مع ذلك، فلنراهن على أن المضمون الفعلي لما هو عملي وما هو محلي يختلف اختلافاً ملحوظاً. إن شاباً عاطلاً عن العمل في الهند أو حتى في أمريكا ذاتها لا يمكن أن يفكر بالطريقة التي يفكر فيها موظف كبير في البنك الدولي، لكن وسائط الاتصال الحديثة جعلت من بشر مختلفين يعيشون على أراضٍ مختلفة يتبادلون الآراء حول أفكار واحدة.
 
في ظروف اليوم تستطيع الفكرة أن تعبر المسافة من قارة إلى أخرى في برهة أو طرفة عين. ملامسة إصبع لآزرار جهاز «آي فون» أو «آي باد» تجعل هذه الفكرة تطير بسرعة الضوء إلى أي مكان تريد.
 
صحيح أن تضاريس الواقع هي أشد سماكة وصلابة وواقعية من شفافية وسائط العالم الافتراضي، والواقع لا يتغير قبل نضج عوامل تغييره الواقعية، ولكن بوسع الفكرة الافتراضية أن تحفر بسرعة غير معهودة في هذا الواقع، فتؤسس لمعطيات جديدة لا تخطر على بال.
 
بقي أن نختم بالقول: الفكرة يمكن أن تضيع في لجة»الانترنت»، فهي لوحدها لا تغير، إن لم تجد من يتبناها ويروج لها. ما أكثر المروجين، ما أوسع التضاد في أهدافهم.



7 مارس 2012

اقرأ المزيد

إنكار الواقع هل يلغيه ؟


ما هو مسلم به أنه لا يمكن تجاوز الواقع بمجرد إنكاره والتعامل مع ما هو حاصل كأن لم يكن.

إغفال الواقع ومحاولة فرض أفكار موجودة في عقول البعض على الناس لن ينطلي على أحد، فنحن في دولةٍ صغيرةٍ جداً، الفرد فيها يعرف الجميع، كما أن وسائل الاتصال الحديثة تتيح لأي شابٍ صغير أن يعرف ما يحصل حال وقوعه، فما عادت وسائل الإعلام التقليدية هي المصدر الوحيد للمعلومات.

تجاهل عشرات الآلاف ممن يخرجون في مسيرات سلمية بشكل أسبوعي أو تجمعهم في مكان محدد يومياً، وعلى مدى عدة أيام، من قبل وسائل الإعلام المحلية من إذاعة وتلفزيون وصحافة، لن يلغي وجودهم على أرض الواقع ولن يقلل من تأثيرهم على مجريات الأمور. فلا يمكن إلغاء شريحة واسعة من المجتمع لمجرد أن البعض لا يعجبه أو لا يتفق مع هذه الشريحة، فإن أردنا فعلاً الخروج من المأزق الحالي فإن أول ما يجب فعله هو الاعتراف بالواقع.

خلال الأشهر الماضية خرجت العشرات من المسيرات السلمية المرخصة من وزارة الداخلية، وشارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين، ومع ذلك لم تقم أي من الصحف المحلية بنشر أي خبر عنها حتى وإن كان هذا الخبر لا يتعدى أسطراً بسيطة، في حين تناولتها أغلب وكالات الأنباء العالمية.

أول ما يمكن طرحه في هذه المسألة هو هل تمتلك صحافتنا المحلية الصدقية والحرفية ما يمكنها من انتقاد وسائل الإعلام الأخرى واتهامها بالتحيز لطرف دون آخر أو محاولة تزوير الوقائع؟ أم أن الواقع يشير إلى أن صحافتنا لاتزال مجرد وسائل إعلام موجّهة لا تكتب إلا ما هو مسموح به وما يراد لها أن تقوم بنشره.

في أهم توصية للجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق فيما يخص الإعلام، تؤكد أهمية إعطاء القوى المعارضة مساحة مقبولة لطرح وجهة نظرها في وسائل الإعلام التابعة للدولة. إن هذه التوصية تشكل محوراً مهماً جداً في روح الإصلاحات المطلوبة، ذلك أن المعارضة تشكل جزءاً مهماً من مكونات المجتمع البحريني، لا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤه بمجرد محاولة إغفاله أو إقناع الناس بعدم وجوده أساساً.

ما تطرحه جميع المنظمات العالمية هو أهمية تعزيز مفهوم المواطنة في البحرين، ما يعني الاعتراف بأن جميع المواطنين لهم حقوق متساوية، وأن يكونوا متساوين أمام القانون، فهل أن ذلك ما هو معمول به حالياً في البحرين؟ وهل هناك توجهٌ لتطبيق ذلك في المستقبل القريب على الأقل؟
 

صحيفة الوسط البحرينية – 06 مارس 2012م
 
 
 
 
 

اقرأ المزيد

مكامن النص العظيم


لم يكن جان بول سارتر وهو الفيلسوف والمثقف الكبير والأب الروحي للشبيبة الثورية في الستينات قد قرأ نيتشه الفيلسوف الألماني الشهير الذي تطبق شهرته الآن الآفاق، كما ان سارتر لم يقرأ من مؤلفات فرويد سوى مؤلفين فحسب، ولم يعرف من مؤلفات هيغل إلا ما وضعه هذا الأخير عندما كان شاباً.
 
هذه معلومات تنقلها رفيقة سارتر سيمون دو بوفوار. لكن هذا لا يرد أبداً في نطاق النقد لسارتر. حياة الانسان، حتى لو كان فيلسوفاً لامعاً مثل سارتر، لا تتسع للاطلاع على كل شيء. لكن هذه المعلومات وردت في سياق آخر، هو سياق الترجمة.
 
كان على أعمال نيتشه وهيغل وفرويد أن تكون مترجمة الى الفرنسية، وهي كانت كذلك فعلاً، ولكن ليس بصورة تامة وانما انتقائية، وحتى حين تمت ترجمة أعمالهم كاملة، هم وسواهم من عمالقة الفلسفة الألمان، فإن ذلك لم يعد نهائياً. الباحث والمترجم العراقي الذي أعاد ترجمة أجزاء من كتاب كارل ماركس الشهير: «رأس المال»، قال انه حين قرأ، وهو لما يزل شاباً، الترجمة العربية للكتاب التي وضعها محمد عيتاني لم يفهم منها شيئاً، وبدا له الكتاب أوضح وأسهل حين أخذ في قراءته بالانجليزية في عمر لاحق. وهذا بدوره يطرح سؤالاً: هل الترجمات السابقة كانت سيئة أم ان اللغة من حيث كونها كائناً حياً تتطور وتتسع وتتغذى بمصطلحات وافكار جديدة تجعلها اكثر مقدرة على تقديم الأفكار في اللغات الأخرى بصورة أفضل.
 
ولأننا في اللغة، هل يبدو المتنبي مثلاً أقرب إلى قرائه العرب اليوم اكثر من قرائه في عصره وفي العصور اللاحقة. المؤكد انه اليوم مقروء أكثر بسبب مهم هو ان دواوينه تطبع بآلاف النسخ وهكذا كان متعذراً في السابق، وبالتالي فإنه يُعرف بصورة أوسع مما كانت عليه في زمنه وفي ما تلاه من أزمنة، ولكن هذه المعرفة الأوسع له تيسر كذلك اكتشافه من جديد مرة ومرات.
 
قارئ اليوم المزود بأدوات معرفة جديدة وبذائقة جديدة يرى في المتنبي أشياء جديدة لم يكن بوسع مجايليه أن يروها، وهذه آية النص العظيم، الذي هو كالحجر الكريم الذي يزداد تألقاً مع الزمن، ولا يبلى.
 
ونحن هنا نتحدث عن المتنبي بصفته شاعراً عربياً، ولنا أن نتخيل حال شعر المتنبي وهو ينقل الى لغات أخرى، ألن تكون الترجمات نفسها متفاوتة العمق والمستوى أخذاً بعين الاعتبار ما يتيسر للمترجمين من أدوات ومعارف على مرّ الزمن. ثم ان الترجمة تؤسس في اللغة التي تترجم إليها نصوص من لغات أخرى تراثاً ينبني عليه، لأن ما يسمى بالأمانة في الترجمة ليس أكثر من «قدرة المؤلف على أن يفصح عن حنينه الى ما يتمم لغته ويكمل نقصها» كما يذهب الى ذلك أحد الدارسين.
 
هذه الأفكار ربما تقود الى سؤال: أليست هناك حاجة لترجمات عربية جديدة لأعمال فلسفية أو فكرية أو إبداعية أجنبية سبقت ترجمتها، لأن العدة الفلسفية والفكرية وحتى الإبداعية في فضائنا اللغوي العربي أوسع أفقاً وثراء مما كانت عليه، لتكشف مكامن بريق جديدة في الأحجار الكريمة؟!
 
6 مارس 2017
 

اقرأ المزيد