المنشور

نهاية حقبة الدكتاتورية العربية – شفيق الغبرا


في التاريخ وفي كل الازمان أنظمة سياسية تتحول الى حالة عداء تجاه مجتمعها وأمتها. عرف عن نيرون مثلاً والذي حكم روما في العام 62 قبل الميلاد انه أحرق روما مدينته كما يقال لتوسيع مزرعة واستلاب قطع ارض. تساءل الفلاسفة والأدباء عن الاسباب التي تدعو حاكماً لحرق بلده وتساءل آخرون عن الأسباب التي تدعو آخر للتنازل طوعاً اذا شعر بان شعبه لا يتقبله. فالحكام الذين يتركون مسرح التاريخ ويغادرونه غير عابئين بما تركوا وراءهم عرف عنهم انسجامهم مع إنسانيتهم قبل موقعهم وسلطتهم. كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول أحد هؤلاء، اذ ترك السلطة لمجرد ان الشعب لم يعطه النسبة التي ارادها ليستمر. ومن بين العرب من تنحى في السابق كالرئيس السوداني سوار الذهب لمصلحة الديمقراطية، كما تنحى الرئيس السوري شكري القوتلي لمصلحة الوحدة السورية – المصرية. هذا النمط من القادة غير المتعطشين للسلطة وللسيطرة يترك بصمته عبر الازمان ويتذكره الناس في وقت بلائهم كتعبير عن قيم العدالة.
 
لقد عرف الانسان عبر التاريخ نسبة اكبر بكثير من الحكام المتجبرين ممن حركهم طموح أعمى وجنوح للسيطرة والنفوذ لا يحدّه ثمن أو قانون. هذا النوع من الحكام يرى نفسه فوق الشعب وصانعه الاول كما قال القذافي عن شعبه: «من أنتم» وهو يشعر بالتفوق والعليائية تجاه كل الناس (جراثيم، تطهير، جرذان) وهو قلّما يقرأ ويتعمق، ولا يعرف التاريخ ولا يستوعب الظواهر الانسانية والاجتماعية وعلاقة كل ذلك به وبنظامه.
 
ويمتلك الحكام المتجبرون ذكاء حاداً يستخدمونه في لعبة القصر لعزل الخصوم وأحياناً تصفيتهم. وفي القصر يحيطون انفسهم بالشخصيات المعتادة على عدم البوح بالحقيقة والتي تمارس فن السلامة. في أعلى الهرم يعيشون في حالة عزلة وسط جيش من الشخصيات الأمنية المسيطرة ووسط فئة من الناس أصبح القصر بالنسبة اليها وامتيازاته طريقة في الحياة. هذا النوع من الأنظمة يفقد الصلة مع الوقت بآلام الناس واحتياجاتهم وحقوقهم وطبائعهم.
 
هذا النظام السياسي الذي يدور في فلك زعيم لا يفهم إلا منطق القوة والمال والامتيازات كوسيلة للإدارة يتحول مع الوقت الى أحد أكثر الانظمة عرضة للمفاجآت والانهيارات. هذه الأنظمة، على رغم قوتها البادية، تعيش عجزاً عن القدرة على استشفاف القادم وكل ما يخبئه الزمان. فالنظام في هذه الحالة مصاب بمرضين، الأول هو مرض العمى للكثير مما يقع حوله والذي يصيب الأنظمة الدكتاتورية، اما الثاني فهو مرض الاستخفاف بالمجتمع والناس والتغيرات التي تطرأ عليهم.
 
لقد اعتقد شاه ايران، على سبيل المثال، في زمن الثورة العام 1979 أن الشعب معه وإذا به ضده. آمن الشاه حتى الساعات الاخيرة بلعبة القصر. كان معزولاً للغاية ويعيش في عالم من نسج خياله ولم يفهم كيف انقلب المجتمع لمصلحة رجل دين يعيش في المنفى منذ اكثر من عقد ونصف العقد. أما تشاوشيسكو الروماني فهو الآخر نسج عالماً من صنع خياله فانتهى به الحال الى الإعدام على يد شاب من قوات الامن التي يفترض ان تدين بالولاء له ولتاريخه. ولو ذكرنا ميلوسيفيتش الذي سبب حروباً عدة وانتهى معتقلاً في المحكمة الدولية لفهمنا كيف ينتهي الامر بحكام من قمة القوة الى قمة التآكل. اما القذافي فعاش في عزلة شاملة وفي عالم افتراضي لا علاقة له بالواقع المحيط به. نقل هذه المشكلة الى اولاده وانتهى الامر بكارثة مدوية. حتى الرئيس السابق حسني مبارك ظل للحظة متقدمة اثناء الثورة المصرية يعتقد بأن ما يقع في مصر من ثورة هو من صناعة فئة قليلة من «الإخوان المسلمين» وشبان «الفيسبوك» وأنه يجري التعامل معهم لإخراجهم من الميدان. ولم يختلف البقية، فالأسد لايزال يعتقد حتى الآن أن ما يقع في سورية مؤامرة بينما يعيش في عزلة شاملة تجاه نشره الموت في كل مكان وقتله للبراءة في سورية. ان فقدان الصلة بالواقع صفة تلازم الانظمة الدكتاتورية، وعندما تقتل وتوزع الموت نجدها تمارس ما اعتادت على ممارسته عبر عقود. لكن في لحظة تاريخية يصبح الفتك والقتل محاولة فاشلة لإنقاذ نظام انتهى زمنه وواقع لم يعد المجتمع يقبل التعايش معه.
 
ان من يقرر ان يحكم بتجبر مدى الحياة بلا مساءلة او قانون سيجد سهولة في اخذ قرار القتال حتى النهاية. بن علي كما مبارك وصالح أجبروا على ترك السلطة ولم يتركوا بصورة اختيارية. وعندما يغادر الرئيس انسحاباً او انقلاباً نجده لا يعرف ماذا حصل ويبقى في حال تساؤل بل ونكران للواقع معتقداً بأن خطأ ما ربما وقع.
 
لا يرى الحكام المتجبرون غير ذواتهم. إذ تتحول شخصياتهم النرجسية الى جرح دائم في الامة، فنرجسيتهم تدفعهم الى التعمق في محاربة الظواهر الإيجابية في مجتمعاتهم، وعندما يكتشفون كم يثير هذا من ردود فعل حولهم نجدهم يقمعون الحريات بقوة لأنها تثير التساؤلات وتخلق الوعي. القذافي مثلاً لم يكن ليتقبل وجود شخصية ليبية واحدة في كل ليبيا يشار اليها بالإيجاب حتى لو كان لاعب كرة قدم. في مصر كما في تونس تم تقزيم الشخصيات الوطنية حاملة الحس المستقل، كما عمل النظام كل ما استطاع لكي يشوّه صورة محمد البرادعي بعد عودته الى مصر. في سورية تمت عملية إلغاء وتصفية كل رأي مخالف، بينما امتلأت السجون بالمفكرين والناقدين من كل جانب. الزعيم يرى ان كل ما هو مختلف وجديد ومتغير وديمقراطي ومستقل يأكل من سلطته ومن دوره ويذكر الناس بما آل اليه وضعهم على يده. مع الوقت تصبح هذه الانظمة في خندق يزداد عمقاً. كلما قهرت مجتمعها وفتكت به ازداد عمق الخندق.
الدكتاتورية التي نشاهدها اليوم في سورية وشاهدنا سلوكياتها في قمع الثورات والانتفاضات نتجت من تاريخ طويل من التراجع العربي في مجال العلم والنقد والتساؤل والحرية وبناء الانسان. فلكي تنجح دكتاتورية تحتاج الى ثقافة مجتمعية تتقبلها وتؤمن بالفرد الزعيم صانع المعجزات. فكلما كان المجتمع ضعيفاً مشتتاً لا يثق بنفسه وبقدراته، كان من السهل فرض الدكتاتورية عليه. ويتطلب نشوء الدكتاتورية مجتمعات تندر فيها المؤسسات الوطنية، ويسهل عبرها بناء الولاء لأفراد وليس لأوطان.
 
اما في الدول التي لم تقع فيها ثورات شاملة أو وقعت فيها انتفاضات وحركات شعبية كما حصل في البحرين أو الحراك الذي وقع في الاردن والكويت والمغرب وغيره، فنجد بحثاً مجتمعياً وشبابياً واسعاً عن الاصلاح الذي يدفع الى المشاركة الشاملة. في هذه الدول تفاعل مختلف مع النظام وعلاقة قبلية وعائلية قديمة ذات مدلول اجتماعي. ولكن عندما يصبح حجم التغير في العقلية العربية والمحلية واضحاً لكل قائد ومسئول في الدول التي لم تصلها شرارة الثورات، سيكون مطلوباً البدء بحركة إصلاح شاملة وتدريجية تعيد ترتيب العلاقة مع الشعب. إن التأخر في هذا سيجعل الثورات امراً ممكناً في اكثر الأماكن هدوءاً وسكينة.
 
الثورات العربية إعلان استقلال وميلاد شعوب. هذه أول مرة ينزل العربي الى الشارع دفاعاً عن حقه في التعبير، ودفاعاً عن موقفه. للمرة الاولى تتبخر السلبية المطلقة التي اعتاد عليها الوطن العربي لتتحول الى ثورة مشاركة وإعلان وجود. العربي الجديد لن يوالي دكتاتوراً من الآن فصاعداً. فبعدما فعل الشعب العربي ما فعل بسلسلة الدكتاتوريات، آن الاوان لنعي ان الشعوب العربية تغيرت وتحولت الى قوة تبحث عن ولاء لوطن وأرض وحقوق وحريات. تريد الشعوب أن يكون الحاكم موالياً لها ولحقوقها قبل ان يكون موالياً لنفسه ولارتباطاته. تريد حاكماً في خدمتها يرتبط بأحلامها ولا يثقل عليها بموقعه. وتريد الشعوب أن تكون مصدر السياسة والشرعية.
 
الكاتب : شفيق الغبرا

صحيفة الوسط البحرينية – 05 مارس 2012م

اقرأ المزيد

الهويات بين الهشاشة والصلابة


هل المحلي هو نفسه الوطني؟ أي هل حين نتحدث عن الثقافة الوطنية نكون قد عنينا الثقافة المحلية ذاتها، أي ثقافة بلد بعينه أم شعب بعينه، أم أن في الأمر شيئاً من التدرج، كأن تكون المحلية سابقة للوطنية، أو في درجة أو درجات أدنى منها، وما الذي يجب فعله كي يتحول المحلي إلى وطني، وتطبيقاً على المثال ذاته: ما السبيل لجعل الثقافة المحلية تتحول أو ترتقي إلى ثقافة وطنية؟
 
كي نمسك بهذا الموضوع ربما وجب علينا العودة قليلاً إلى تلك العلاقة التي حكمت القوى أو الامبراطوريات التي استعمرت بلدان العالم، بالرموز الثقافية المحلية، لنجد أن هذه القوى استهدفت تدمير أو على الأقل تهميش أو تحييد تلك الرموز كي لا تصبح علامة من علامات الهوية، أي ألا ترتقي من طابعها المحلي الصرف الذي نشأت عليه لتصبح ثقافة وطنية أو رمزاً من رموز الهوية.
 
 فالمحلي غالباً ما يكون محدوداً وقاصراً وتقنياً إلى حدود بعيدة، ونعني بالتقني هنا أنه يؤدي وظيفة من وظائف الحياة، ولكنه لا يكتسب طابع الرمز الوطني، طابع الهوية، أما الوطني فهو دلالة وتعبير عن الوجدان العام للشعب أو للأمة، لذا فإنه يتطور ويتحرك ويتحول إلى فعل مقاومة. ولهذا السبب فإن أي شعب يجد نفسه يخوض معركة استقلال أو تثبيت هوية ينصرف إلى العناية برموز ثقافته المحلية، كي يخرجها من حيزها الطقوسي ويجعل منها ثقافة وطنية، ثقافة للفعل والتأثير وإبراز تمايزها عن ثقافة الآخر الذي هو هنا في صورة المستعمر أو المحتل أو الغاصب أو حتى مجرد الساعي لتسييد ثقافته ونمط حياته على الآخرين.
 
غالباً ما تغلب النظرة السكونية للتراث وللتاريخ الرمزي، أي لأشكال التعبير الثقافي والفني بما في ذلك الحرف والمهن التقليدية والألعاب الشعبية والألغاز والأمثال وسواها، أي النظر إلى الأمر في صورته الأولية، المحلية، لا في صورته بوصفه تعبيراً عن هوية وطنية أشمل وأعمق وأكثر تعقيداً وتشابكاً، أي الاكتراث الشديد بالجانب الظاهري مع التوقف عند حدود طقوس الرمز الثقافي أو الفني وعدم تتبع أبعاده الاجتماعية وتعبيره عن قيم معينة شغلت بال الجماعة في حينه وشكلت حسها أو وجدانها الجمعي.
 
إن ذلك يساعد على فهم حقيقة أن الظاهرة حين تكون محلية فقط، أو يجري النظر إليها بوصفها محلية فقط، فإنها تصبح أكثر قابلية للاندثار والضياع، أما حين يضفى عليها الطابع الوطني الذي يرتقي من الطقوسية إلى الدلالة والتعبير فإنها تشكل رمزاً من رموز الهوية أو تعبيراً من تعبيراتها.
 
ما يجري اليوم في بلدان عربية مختلفة، ولسنا هنا، في البحرين باستثناء من ذلك، هو العودة مجدداً لتفكيك الوطني وحله ليعود إلى الحال التي كان عليها، مجرد، مجرد عناصر أولى متنافرة، اي إلى محليته، فيغدو ما كان جامعاً وموحداً ومشتركاً عامل فرقة وتنافر، وتدخل الهويات الفرعية، أو المحلية إن شئنا، في تجاذب واشتباكات بعد أن يُنزع عنها بعدها أو عمقها الوطني الذي تشكل نتيجة مخاض تاريخي طويل ومعقد، في نتيجته توحد القوم حول أهداف مشتركة ومشروعة.
 

اقرأ المزيد

القِــيل والقــال


يفترض أن «القيل والقال» ليس هو التاريخ، السياق الذي يرد به هذا التعبير يجعله أقرب، في أذهاننا، إلى الإشاعة أو الادعاء بغير الحقيقة، وأحياناً تزييفها. أكثر من ذلك فإن «القيل والقال» ليس رأياً منفرداً، أو بضعة آراء منفردة، وإنما هو حشد هائل لا نهاية له من الأقوال، بعضها يكتسب طابعاً جدياً حين يقدر له أن يرسخ في التداول، فلا يعود بالوسع تجاهله، دون أن يضفي عليه ذلك طابع الصرامة أو الرصانة التي يجب أن تكون عليهما الحقيقة.
 
ويفترض أن التاريخ، أو كتابته، تقتضي الأمانة والدقة والصرامة في سرد الوقائع، لكن الأمور هنا شديدة النسبية، فالزاوية التي يتناول بها أحدهم رواية التاريخ هي ما توجه روايته وُجهةً معينة، تحملها على مدلولات تتسق ورؤية الراوي، حتى وإن سعى أو تظاهر بالموضوعية والأمانة في دقة رواية ما حدث.
 
ليست الفكرة في سرد ما جرى، إنما في تأويله، والسرد، على حياديته الظاهرة، هو شكل من أشكال التأويل، لأنك حين تسرد واقعة من الوقائع كما تفهمها، تكون أضفيت بطريقتك تأويلاً عليها. التاريخ هو ما مضى، هو الأحداث وقد وقعت، أما «القيل والقال» فيحضر في الراهن أيضاً. حياتنا اليومية في أدق التفاصيل محاطة بالقيل والقال، بالإشاعات والتخمينات، والإشاعة والتخمين يحتملان الكذب والخطأ كما يحتملان الصدق والحقيقة، فمفردة الإشاعة، رغم ما تشي به عند النطق بها بأنها رديف الكذب أو عدم الدقة، ليست كذلك دائماً، فما أكثر الإشاعات التي تشف عن حقائق، وما أكثر الوقائع التي تبدأ بإشاعات سرعان ما تكشف الأيام صحتها.
 
لكن المشكلة ليست هنا، المشكلة تنشأ حين يصبح «القيل والقال» هو التاريخ، على نحو ما يذهب اليه كاتب معروف هو اوسكار وايلد الذي يرى أن «القيل والقال» فاتن، وأن التاريخ ليس سوى «القيل والقال»، وأن «الحقيقة هي (قيل وقال) جعلتها مبادئ الأخلاق مضجرة».
 
ازاء مثل هذا الاعتقاد نجد أنه حين يمر الوقت على الحدث فيصبح تاريخاً، دون أن نتبين إزاءه الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أي ألا نجزم بمدى صحة ما جرى، فيغدو «القيل والقال» هو الحقيقة، رغم أنه ليس بالضرورة كذلك، وإنما هو أهواء متضاربة تعبر عن أمزجة ومصالح متناقضة، فالتاريخ لم يكن يوماً تاريخاً واحداً وانما هو عدة تواريخ، ولم يكن المؤرخون ولن يكونوا مجردين من الأهواء مهما إدعوا ذلك، فلا يمكن للرواية التاريخية أن تكون حُرة من أهواء من يرويها، ناهيك عمن يؤولها.
 
ستبدو فداحة هذا الموضوع ماثلة أمام أذهاننا ليس فقط حين العودة إلى وقائع التاريخ المختلف عليها، وكان هذا الاختلاف منبع اشتباكات ثقافية ودينية وسياسية، وأحياناً منبع حروب بين الأقوام أو حروب أهلية داخل البلدان، وانما أيضاً حيال قراءة أحداث الحاضر التي تمر أمام ناظرينا، فرغم أنها تجري الآن، ولكن الاختلاف لا يدور حول تأويلها، وانما أيضاً حول حدوثها من عدمه، حين يبلغ الأمر حد نفي الواقعة التي ثبت وقوعها، لأن في النفي برهان إدانة أو برهان براءة، وليس من مصلحة الناكرين أن يستقيم هذا البرهان.

اقرأ المزيد

أزمة حرية الصحافة


تبدأ اليوم (الثلثاء) في البحرين فعاليات ملتقى الإعلاميين الشباب العرب بمناسبة اختيار «المنامة عاصمة الصحافة العربية 2012» في حين تشهد الصحافة البحرينية أسوأ مرحلة في تاريخها، منذ أن بدأ رائد الصحافة البحرينية عبدالله الزايد إصدار «جريدة البحرين» في العام 1939.
 
لم تشهد الصحافة البحرينية تدنياً في الخطاب على مدى تاريخها الطويل كما هو حاصل الآن، كما لم يشعر عامة الصحافيين بأنهم مجرد آلة كاتبة تطبع الحروف التي تضغط عليها أصابع رؤساء التحرير ومسئولي الصحف كما يشعرون في هذه الفترة خصوصاً.
 
العديد من الصحافيين لعبوا خلال السنة الماضية دوراً بغيضاً في نشر الفرقة والكراهية بين المواطنين واتهموا طائفةً بكاملها بالخيانة والعمالة للخارج، ولم يكتفوا بذلك بل قام البعض بدور المخبر والمحرض على أبناء وطنه لمجرد أنهم يختلفون معه في الرأي!
 
ويشير تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق التي أمر جلالة الملك بتشكيلها برئاسة البروفيسور محمود شريف بسيوني إلى بعض ممارسات الصحف ووسائل الإعلام الأخرى كالإذاعة والتلفزيون ومدى تفشي لغة الخطاب الطائفي والتشهير.
 
ولكي لا يكون كلامنا مرسلاً، يمكن الإشارة إلى بعض ما جاء في هذا التقرير، حيث يقول: «من الجلي أن وسائل الإعلام البحرينية كانت منحازة إلى الحكومة فست من الصحف اليومية السبع تعد صحفاً موالية إلى الحكومة، كما تسيطر الدولة على خدمة البث الإعلامي… وتبين للجنة أنه كان هناك اتجاه في وسائل الإعلام البحرينية يقوم على تلويث سمعة المحتجين سواء خلال أحداث فبراير (شباط) ومارس (آذار)2011 أو بعدها ولاسيما البرامج الإخبارية والصحف… وشاهدت اللجنة مجموعة من المواد التي عرضت على التلفزيون الوطني أو أذيعت عبر أثير الإذاعة الوطنية أو التي نشرتها وسائل الإعلام المطبوعة وتضمن الكثير من هذه المواد لغة مهينة وتغطية تحريضية للأحداث، وقد يكون بعضها انطوى على التشهير».
 
في مقابل ذلك أبدى العديد من الصحافيين تذمرهم من التضييق على حريتهم وعدم السماح لهم بالتعبير عن آرائهم بشكل يرضي ضميرهم أو حتى الرد أو الدفاع عن أهلهم أو زملائهم المتهمين.
 
لم يقتصر الأمر على التضييق على الصحافيين وعدم السماح لهم بالتعبير بحرية عن آرائهم، وإنما تعدى ذلك بكثير؛ فخلال العام الماضي تم فصل أكثر من 120 صحافيّاً وعاملاً في مجال الصحافة لمجرد انتمائهم إلى طائفة معينة، وحتى الآن لم يتم إرجاع أي منهم إلى عمله، ومع ذلك لم تتطرق الصحافة إلى قضيتهم ولم يتمكن من الدفاع عنهم زملاء المهنة، كما لم تهتم بذلك إطلاقاً جمعية الصحفيين البحرينية في تخلٍّ تام عن مسئوليتها تجاه الأعضاء والمنتسبين.
 
في تقريرها الصادر مؤخراً عن حرية الصحافة في العالم؛ صنّفت منظمة «مراسلون بلا حدود» البحرين في المركز 173 من أصل 179 دولة… هكذا هو حال الصحافة اليوم
 

صحيفة الوسط البحرينية – 28 فبراير 2012م
 

اقرأ المزيد

تنشيط المؤسسة الأمنية مقابل “ترشيق” انفاق المؤسسة العسكرية


أمام تفاقم أعباء ومشاكل الدين العام (يوازي القيمة الاجمالية للناتج المحلي الاجمالي) ومشاكل عجز الموازنة العامة، لم تجد الولايات المتحدة الامريكية في عهد الرئيس الحالي باراك أوباما بُداً من تقليص ميزانية الدفاع ذات الأرقام الانفاقية الفلكية (خفض بقيمة اجمالية يبلغ 487 مليار دولار على مدى عشر سنوات اعتبارا من عام 2013). وبما ان هذا الاجراء الاضطراري لا يتوافق مع سياق ممارسة دور الدولة العظمى الأولى وحرصها على استمرار دورها القيادي العالمي، فقد اهتدى المخططون الاستراتيجيون الى مقاربة تُزاوج بين “ترشيق” (تنحيف) الانفاق العسكري وبين تفعيل (زيادة فاعلية ونشاط) المؤسسة العسكرية والأمنية، وذلك بالمزاوجة الحصيفة والمتكاملة بين عمل مؤسسة البنتاجون (وزارة الدفاع) وعمل وكالة المخابرات المركزية الامريكية “سي.آي.ايه” في انجاز مهام سرية منسقة خارج حدود الولايات المتحدة.
 
ولهذا الغرض قام الرئيس أوباما في شهر مايو من العام الماضي بنقل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية ليون بانيتا الى وزارة الدفاع لشغل منصب وزير الدفاع محل روبرت جيتس واعادة قائد القوات الامريكية في أفغانستان الجنرال ديفيد بترويس من أفغانستان الى واشنطن ليحل محل بانيتا مديرا للـ”سي.آي.ايه”. فلقد كان بانيتا ابان قيادته للـ”سي.آي.ايه” قد حولها الى مؤسسة شبه عسكرية بتصعيدها الهجمات الجوية بطائرات الأزيز غير المأهولة (Drone aircraft) ضد عناصر تنظيم القاعدة في المناطق القبلية الجبلية على الحدود الباكستانية الأفغانية، وزيادة عدد القواعد السرية والعمليات السرية في مناطق نائية ومنعزلة من أفغانستان واليمن والصومال.
 
أما الجنرال بترويوس فقد قام من جانبه بتعميق صلات المؤسسة العسكرية مع المؤسسة الأمنية لاسيما الـ”سي.آي.ايه” وتداخلها مع قياداتها العليا، وذلك باستخدام قوات عمليات خاصة وشركات أمن خاصة للقيام بأعمال تجسسية سرية. وبوصفه رئيسا لأركان الجيش الأمريكي منذ سبتمبر 2009، فقد أصدر تكليفا سريا لقوات العمليات الخاصة القيام بعملية جمع معلومات في دولتين عربيتين وايران. والنتيجة انه صار من الصعب التفريق بين المؤسستين العسكرية والاستخباراتية وهما تنفذان العمليات السرية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ما استدعى بعض الأصوات الخافتة في الكونغرس اصدار بعض التحذيرات من عدم معرفة حجم ونطاق تلك العمليات التي أبعدت البنتاجون والـ”سي.آ.ايه” عن دئرة المحاسبة وتحمل مسئولية عواقب العمليات التي تنفذها الجهتان في العراق وأفغانستان وباكستان وليبيا واليمن. ولكن وبسبب اعتماد هذه العمليات السرية المشتركة (للبنتاجون والسي.آي.ايه”) على اختراق وانتهاك سيادة الدول، فقد كان لابد وأن تتسبب في حدوث “احتكاكات” سياسية، بعضها علني وبعضها الآخر خفي، بين واشنطن والدول التي تنفذ العمليات على أراضيها، كما حدث مع باكستان، حيث أدت الاستباحات الدائمة والمفضوحة لأجوائها الى توتر في العلاقات بين الدولتين الحليفتين استراتيجيا. ففضلا عن الاشكالات القانونية التي بات يثيرها هذا الاندغام العملي لعمل الجيش مع العمل الجاسوسي والتساؤلات التي يطرحها ومنها خصوصا ما اذا كان الجواسيس يحظون بنفس الحماية القانونية التي يحظى بها الجنود المشاركون في العمليات السرية!..وفي الجانب الآخر فان بعض العاملين في الـ”سي.آي.ايه” راح يعبر عن قلقه من ان الوكالة التي حافظت تاريخيا على طابعها المدني قد تمت عسكرتها وذلك من خلال الزج بها في الهجمات الصاروخية التي تنفذها بانتظام خارج الحدود لاسيما في باكستان واليمن والصومال، باعتبارها الاستراتيجية الحربية التي تشكل حجر الزاوية في سياسية أوباما الخارجية، في الشق العسكري منها. وبنفس القدر تثير هذه العمليات قلقا لدى بعض دوائر البنتاجون، فكلما ازداد استخدام الجنود في هذه العمليات ازدادت فرص تعرضهم للاعتقال من قبل حكومات البلدان/مسرح تلك العمليات، فضلا عن فرص ضبطهم متلبسين بانتهاك اتفاقيات جنيف.
 
ولكن يبدو ان جميع هذه المخاوف مأخوذه في حسبان مصممي هذه الاستراتيجية التي وضعتها ادارة الرئيس أوباما موضع التنفيذ بديلا عن الحروب الواسعة النطاق، البالغة الكلفة والجالبة للسخط على الولايات المتحدة. انما بطبيعة الحال ليس كل المحاذير، فهذه الاستراتيجية الحربية الساخنة، ذات الأمد القصير والتي لن تكون بديلا لاستراتيجية شن الحروب واسعة النطاق عندما يتحسن وضع المالية العامة للبلاد، تمثل عودة لاستراتيجية “فرق الموت” (Death Squad) التي مارستها واشنطن في بلدان أمريكا الجنوبية ضد الحركات والأحزاب والنشطاء اليساريين خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث شكلت المؤسسة الأمنية والعسكرية الامريكية ما سمي بفرق الموت السرية بالتعاون والتنسيق مع الأنظمة الدكتاتورية والفاشية الحاكمة الحليفة لواشنطن في أمريكا الجنوبية، مهمتها القيام بعمليات تعقب وخطف وتصفية القيادات والنشطاء اليساريين، راح ضحيتها مئات الآلاف من الأشخاص، ولازالت آثارها غائرة ندوبا في المجتمعات اللاتينية حتى بعد مرور أكثر من عقد على انهيار الدكتاتوريات السوداء هناك.
 
وهكذا يمكن القول ان ادارة الرئيس أوباما استطاعت ان تطوي صفحة عقد من الحروب التي شنتها ادارة سلفه الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وتعتمد عوضا عنها استراتيجية حماية الأمن الوطني واستعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم، وهي استراتيجية أُعلنت خطوطها الرئيسية في 27 مايو 2010 وتتضمن حماية وتعظيم المصالح الامريكية وتوفير الامن للمواطنين الامريكيين، وتنمية الاقتصاد الامريكي، ودعم القيم الامريكية وترويجها، واقامة نظام عالمي يستطيع مقابلة تحديات القرن الحادي والعشرين، ومنها ضمان عدم وقوع الأسلحة النووية في أيدي الارهابيين، وتسويق وتشجيع السلام والامن لاسرائيل والشرق الاوسط، واعادة تنشيط علاقات التحالف الامريكية سواء في اطار الناتو أو خارجه.
 
هذا لا يعني ان الاستراتيجية العسكرية الامريكية المكرسة لخدمة أهداف السياسة الخارجية الامريكية، أصبحت أقل حربية وانما أصبحت أكثر ميلا للتخفف من الأعباء المالية والسياسية والأخلاقية الناتجة عن المشاركة في الحروب والمجابهات العسكرية العلنية والواسعة النطاق، كما حدث في حرب الناتو الأخيرة لاطاحة نظام معمر القذافي، حيث كانت المشاركة الامريكية جزئية ومواكبة للمشاركة الاوروبية الرئيسية في تلك الحرب. وهذا لا يعني أيضا انها ستكون أقل مدعاةً واستدعاءً لسخط الآخرين على نواتج السياسات الامريكية “الاقتحامية”، فالعمليات “السرية”  المشتركة والمنسقة للبنتاجون والسيي.آي.ايه في باكستان، أدت الى توتر العلاقات بين البلدين، وهو توتر يمكن تحسس صداه في ردة فعل كبار ضباط الجيش الباكستاني حين توجه اليهم السفير الباكستاني في واشنطن عندما كان يحاضر فيهم في “الجامعة الباكستانية للدفاع الوطني” في العام المنصرم، عن أكبر عدو لباكستان، أجاب ثلثهم: “الولايات التحدة الامريكية”!

اقرأ المزيد

هل العولمة أمريكية فقط ؟


هذا سؤال مثار، وكثيراً ما يجاب عليه بالإيجاب، فكثيرة هي الكتابات التي تساوي العولمة بالأمركة.. وهذه المساواة بين الأمرين تنطلق في حالات عديدة من ردود فعل مشروعة تجاه ما نعيشه من غلبة لنمط الحياة الأمريكي على النمط المُعَوْلم الذي يجتاح العالم، وإذ تقترن هذه الغلبة بالشعور العميق بالمظالم التي تسببها السياسة الخارجية الأمريكية في مناطق عدة من العالم، خاصة في عالمينا العربي والإسلامي، فإن الأمر يصبح مثل البداهة التي لا ترد: العولمة هي الأمركة.
 
لكن هذه البداهة بحاجة إلى فحص وتحليل. هل أوروبا أقل اهتماماً بالعولمة من الولايات المتحدة الأمريكية، أليست الموجات الاستعمارية الأولى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر موجات أوروبية: فرنسية وبريطانية وهولندية وروسية وإيطالية.. إلخ، وأليست هذه الموجات شكلاً مبكراً، أو جنينياً إن شئنا، للعولمة أدت فيما أدت إلى خلخلة البنى الاجتماعية التقليدية في البلدان الفقيرة النائية، وفرضت عليها أنماط إنتاج وسياقات ثقافية واجتماعية «دخيلة» عليها إذا استعدنا مصطلحات المراحل السابقة.
 
ولماذا العودة إلى التاريخ، تكفي نظرة متفحصة للحاضر: هل فرنسا اقل عناية بنشر الثقافة الفرانكفونية في النطاقات الجغرافية التي تستطيع إليها سبيلاً من عناية الولايات المتحدة بنشر الانجلوساكسونية وحصراً نمط الحياة الأمريكي منها.. هل اليابان أقل عناية من أمريكا وأوروبا في السعي للمنافع الاقتصادية في مناطق مختلفة من العالم حتى لو لم تسيّر إلى تلك المناطق بوارج حربية وحاملات طائرات؟ هل روسيا التي امتد نظامها السوفييتي في آسيا الوسطى والقوقاز وضفاف البلطيق وفي المدى السلوفاكي القريب: أوكرانيا وروسيا البيضاء، والأبعد: التشيك وسلوفاكيا وبلغاريا ويوغسلافيا قبل أن تتفكك إلى دول وجمهوريات متحاربة معيدة «البلقنة» الدامية إلى الحياة، وأبعد من ذلك: المجر ورومانيا وشرقي ألمانيا، هل كانت روسيا السوفييتية وما بعد السوفييتية وما قبل السوفييتية عندما كانت محكومة من قياصرة بطرسبورج أقل اهتماماً ببسط نفوذها في العالم والتمدد حتى المياه الدافئة، يوم كان القياصرة المتحلقون حول المدافئ في صقيع قصر الشتاء يحلمون؟!
 
ولكن ثمة أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل الأدب المنتج في أمريكا اليوم هو أدب أمريكي صرف.. ماذا عن الأدباء الأمريكان المنحدرين من جذور زنجية أو صينية أو لاتينية أو سواها.. هل ما تقدمه المختبرات الأمريكية من اكتشافات وتقنيات هي اكتشافات أمريكية صرفة، ما الذي يفسر أن عالم الكيمياء المصري الأصل زويل ينال جائزة نوبل في الكيمياء باسم أمريكا، وما الذي يجعل اللبناني أمين معلوف مقروءاً بالفرنسية قبل أن تترجم رواياته، وهو العربي المولد والنشأة والتجربة، إلى العربية؟!
 
ماذا نقول عن كاتبة ولدت في فرنسا من أبوين جزائريين أخذت منهما كل جيناتها الوراثية حتى لو لم تنطق بالعربية، ثم انها في صباها هاجرت إلى أمريكا وفيما بعد أصبحت كاتبة بالانجليزية: هل هي كاتبة عربية.. أم فرنسية أم أمريكية، حين كتبت ترصد سيرة سلالتها من صحراء الجزائر حتى باريس حتى أمريكا. كم في العالم اليوم من نماذج مثل هذه الشابة الموزعة على ثلاث قارات، على ثلاث ثقافات وحضارات.
 

اقرأ المزيد

الربـيـع العـــربي مــرة أخـرى..!


ثمة حقيقة لابد وان تكون محل تسليم وهي ان الديمقراطية – ثقافة وفكراً وسلوكاً – تحتل مكانة متأخرة في منظومة الوعي الاجتماعي والسياسي العربي سواء على مستوى النخبة السياسية والثقافية بكل شرائحها او على مستوى القواعد الجماهيرية في المدن والقرى ومختلف التجمعات الاجتماعية، هكذا يقول محمد نور في كتابه البحث عن العدل وغيره من الدارسين والباحثين في الشأن الديمقراطي ومع ذلك لا يمكن بأي حال من الاحوال القول ان الديمقراطية صالحة لهذا المجتمع وغير صالحة، لذاك وليس غريباً ان يردد اعداء الديمقراطية والتطور والانفتاح مثل هذه الحجج!
 
ولعل الخطوة الاولى والاساسية نحو المشروع الديمقراطي العربي كما يقول «نور» هو نشر ثقافة الديمقراطية والتعددية والحوار والاختلاف وحقوق الانسان في كل خلايا المجتمع ومؤسساته التعليمية والاعلامية والثقافية، وعلينا من الآن ان نربي نشئاً يجيد الاختلاف لا الانصياع والاقتناع، لا الانطباع ولا الترديد ويغلب العقل على النقل، تلك هي القيمة الثقافية التي تكمن في صميم المشروع الحضاري الديمقراطي.
 
كل ذلك يقودنا الى سؤال مهم وضروري خاصة في ظل المتغيرات السياسية التي تشهدها بعض الدول العربية او ما يسمى بدول الربيع العربي والسؤال هو: الى اي مدى دول الربيع العربي ماضية في انجاز مهام وشروط الديمقراطية؟ ورغم اهمية ثورات دول «الربيع» في تغيير الانظمة الديكتاتورية التي نجحت طيلة عقود في فرض حالة الطوارئ والقوانين التعسفية الا ان ما نراه اليوم هو عكس ما كان مطروحاً قبل تلك الثورات، وبعبارة اخرى ان الاشكالية التي تتعارض مع طموحات الشعوب التواقة للحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة تتمثل في تراجع من صعد الى السلطة – ونعني بالاسلام السياسي – عن الكثير من الشعارات الديمقراطية وخصوصاً التعددية وحقوق المرأة منها!!
وقد ادى هذا التراجع الى خيبة امل اولئك الشباب الذين كانوا وقوداً في سبيل التغيير الحقيقي الضامن للحقوق والحريات الاساسية.
 
ولو اخذنا مصر مثالاً هناك اسئلة لابد من طرحها وهي كيف تعامل الاسلام السياسي مع حقوق الانسان؟ وهل ما يدور ويجري في مصر اليوم يعد انتصاراً للديمقراطية؟ كيف ادار هذا التيار – الاخوان والسلف – دفة التحالفات الداخلية والخارجية؟ ما هي آفاق التحالف بين هذا التيار والامريكان؟
 
واذا ما توقفنا عند التحالفات الخارجية فانه من الاهمية بمكان الاشارة الى مقالة كتبها المحلل السياسي الشيوعي زياد حداد قال فيها «في مصر عادت الولايات المتحدة الى وصف الاسلاميين وخاصة الاخوان المسلمين بأنهم «معتدلون» وانهم جديرون بالاحترام والتأييد في حالة صعودهم الى السلطة بعد نتائج الانتخابات المصرية الأخيرة، وقد اظهرت الولايات المتحدة قدرة فائقة على التحول السريع من التحالف مع النظام الاستبدادي الذي كان يرأسه حسني مبارك الى هذا الموقف الجديد من الاخوان المسلمين ويلاحظ في هذا الصدد أن الولايات المتحدة لم تعد تعلن خشية من ان يستمر الاخوان في سياسة معارضة اسرائيل الامر الذي يدل على ان الاخوان قدموا لواشنطن تعهدات بعدم السير في هذا الطريق اذا استمرت الولايات المتحدة في دعمهم كقوة سياسية تمارس الحكم وتشارك فيه، ومعناه ايضاً ان الاخوان تعهد والمسؤولين الامريكيين بأن يصلوا في اعتدالهم الى حد دعم الحروب الامبريالية ضد القوى العلمانية ذات التوجه الوطني بين الجمهوريات العربية.
 
وفي السياق نفسه، ذكر المفكر الماركسي الامريكي «جيمس بتيراسي» في بحث له نشره موقع «انفور ميشن كليرنغ هاوس» على شبكة الانترنت يوم 12 ديسمبر الماضي بعنوان «التحالف بين واشنطن والاسلام المعتدل»، ان هذا التحالف يعطي الاسلاميين مسؤولية فرض سياسات اقتصادية اورتوذكسية واعادة تأسيس نظام يدعم النظام القائم مع اقتصادي البنوك وانصار الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي من الجنرالات ومسؤولي الامن وفي المقابل يحصل الاسلاميون على مناصب وزارية معينة ويتولون تعيين اعضائهم وفرض جدول اعمالهم المالي والاجتماعي والثقافي».
 
وفي مقابلة اخرى له مع موقع «كوبا ديباتي» عند سؤاله عن الربيع العربي قال ان الربيع العربي هو سلسلة من الانتفاضات الشعبية ادت الى انهيار الديكتاتوريين الموالين للولايات المتحدة ولكنها ليست ثورات سياسية وذلك لسببين وهما ان اجهزة الدولة والجيش بالاضافة الى النظم القضائية والسياسية القديمة لم تتغير واشار «بتراسي» في حديثه الى انه في مصر نظام مبارك حل محله المجلس العسكري الذي استمر في سجن وتعذيب وقتل الناشطين المؤيدين للديمقراطية وفي رأيي ان الولايات المتحدة تلقت خبر الانتفاضة الشعبية على حين غرة لكنها في وقت لاحق بدأت تأتي في صف المجلس العسكري والتعاون مع الاخوان المسلمين.
 
الأيام 3 مارس 2012

اقرأ المزيد

الترفيه أم التسطيح؟


أذكر دراسة للباحث فيكتور سحاب عن البرامج الترفيهية على شبكات التلفاز، غايتها تفنيد القول الذي يقرن الترفيه بالتهريج والابتذال على نحو ما هو سائد في إعلامنا العربي اليوم، ويشير إلى أن المادة الترفيهية يمكن أن تكون في الآن ذاته مادة تربوية أو تثقيفية، إذا وُجد الإعلاميون القادرون على تحقيق هذه المعادلة الخلاقة، ولكن ترفيه التهريج والابتذال السائد الآن ليست غايته الترفيه عن الناس وتسليتهم، وإنما تسطيح عقولهم، واستنساخ نماذج هائلة من البشر لا تفكر إلا في السطحي والعابر، فاقدة لأدوات التحليل لمعرفة ما يدور حولها.
 
يقول الدارسون إنه حسب أكثر المعايير تساهلاً فإن غالبية الأمريكيين تعاني من جهل بالسياسة وبسير القضايا الوطنية، وقد أدى ذلك إلى قيام مناقشات حامية بين باحثي وسائل الاتصال حول أسباب هذا الجهل. كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون قد دعا مواطنيه إلى ضرورة الاهتمام بمتابعة الأحداث السياسية في العالم لمعرفة ما يدور فيه، والتعرف إلى الدور الذي تلعبه بلادهم في مجرى هذه الأحداث.
 
والاعتقاد السائد لدى المحللين السياسيين والإعلاميين على حدٍ سواء هو أن العامل المباشر وراء تدني الثقافة السياسية للمواطنين، يرجع إلى اعتمادهم على التلفاز بوصفه وسيلة معرفة، وينظر هؤلاء المواطنون إلى المعلومات التي تقدمها النشرات الإخبارية المتلفزة كمعلومات تافهة نظراً لاعتمادها على الفذلكات الكلامية والوسائل البصرية.
 
مجموعة من الكتاب الأمريكيين أصدروا كتاباً عن السياسة الأمريكية في ما يوصف بـ” عصر التلفزيون”، أفردوا فيه فصلاً بكامله لتحليل التأثيرات المركبة للتلفزيون في المواطن الأمريكي، فلاحظوا أن بين أخطر عوامل التأثير مسألة ترتيب أولويات الأحداث، ذلك أن بوسع التلفاز أن يجعل من قضية دولية ثانوية موضوعاً أساسياً، وأن يهمش قضية جوهرية أو حتى يتجاهلها، بل يمكن لهذا الإعلام أن يجعل من قضية داخلية صرفة ليست ذات مساس بالشأن العام موضوعاً عاماً وحيوياً وأساسياً، وأن يشد انتباه الجمهور إلى هذه القضية، ويصرف نظره بالتالي، قاصداً ذلك أو غير قاصد، عن القضايا الدولية الأهم. كلما زاد المشاهد بعداً عن الشؤون العامة زاد تأثير التلفاز في عملية ترتيب أولويات الأحداث عنده.
 
وإلى مسألة ترتيب الأولويات هناك قضية تحديد المسؤولية عن القضايا السياسية، فطبيعة التغطية الحديثة التي يعتمدها التلفاز جديرة بأن تجعل المسؤول مبهماً أو غامضاً أو غير محدد، لذا يظل المسؤولون في حماية من غضب الجمهور أو لومه وانتقاده، على خلاف التغطية الموضوعية التي تسمح بتقصي جذور أي قضية تعرض وتقدم في سياق متكامل يردها إلى جذورها ويكشف عن عناصرها المختلفة.
 
يمكن أن يضاف إلى ذلك أيضاً أن كثافة المادة الترفيهية وبرامج التسلية، تسهم في التفريغ المقصود للاهتمامات العامة ليس على مستوى أمريكا وحدها أو الغرب فحسب، وإنما أيضاً على النطاقات العالمية، بما فيها نطاقنا العربي، ليس لأن التسلية بحد ذاتها غير محمودة، وإنما لأنها تقدم بكثافة تجعلها تغطي الفضاءات التي تسمح باهتمامات أخرى، مما يجعل من التسلية وسيلة وغاية في آن، وسيلة لصرف الأنظار عن اهتمامات أخرى سواها، وغاية لأن يقبع المتلقي في دائرة التسلية ذاتها ولا يبارحها.
 
 

اقرأ المزيد