المنشور

معارك ماركسية فكرية حول قضايا راهنة ومستقبلية ؟ .

 

 

 



 




معارك ماركسية فكرية حول قضايا راهنة ومستقبلية ؟  

  





 

حوار مؤسسة الحوار المتمدن مع الأستاذ غازي الصوراني – مفكر يساري وماركسي – ومسئول الدائرة الثقافية المركزية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حول: معارك ماركسية فكرية حول قضايا راهنة ومستقبلية ؟ .

تقديم..

لن يكون الكفاح الثوري ، التحرري والديمقراطي العربي والفلسطيني مجدياً، إلا إذا كان كفاح مواطنين حررت إرادتهم وعقولهم، ولن يكون القائد الوطني الماركسي جديراً باسمه إلا إذا كان واجبه التحريض على هذه الإرادة وخلق أشكال سياسية بلا مراتب وبلا رعية وأعيان أو محاسيب أو شلل داخل أحزاب اليسار ، بما يؤدي إلى إنتاج قيادة انتهازية رخوة عاجزة ، مرتدة وغير متجانسة ستدفع بهذا الفصيل أو الحزب إلى مزيد من التفكك والخراب .
فعندما تهترئ الأطر السياسية التي تتصدر قيادة الجماهير، يصبح رصد آفاق النضال الجماهيري، وتلمس مشاكله ضرباً من الجهد الفردي القلق، ومهمة شائكة وصعبة، وخاصة في مرحلة مضطربة وصاخبة ومعقدة كالتي نعيشها اليوم في ظل تجديد وإعادة إنتاج التبعية والتخلف وفق أدوات الليبرالية الرثة أو أدوات الإسلام السياسي.
وبالتالي فإن وحشة الجهد الفردي وقلقه- كما يقول المفكر الراحل ياسين الحافظ- لا يمكن أن يبددهما إلا الالتزام بخط الجماهير ومواكبة تحركها… كما يصبح استلهام جوهر الماركسية وروحها العامة وتراثها الثوري – دونما قبلية، ودونما سجود للصيغ الجاهزة – وسيلة لإقلال احتمالات الخطأ، وتصحيحه، وتجنب السقوط في التجريبية أو الخضوع للعفوية.
ففي ظل عزلته وغياب مصداقيته جف اليسار التقليدي واقترب من مرحلة الاحتضار بعد أن نخره التخلف الفكري، وجعل منه الجمود النظري صنماً فارغاً بلا حياة ، واستنفدت ثوريته الانتهازية وضيق الأفق، وخنقته العزلة الشديدة عن جماهير الفقراء .
إن فصائل وأحزاب اليسار العربي بحاجة إلى كوادر قيادية ثورية ديمقراطية واعية بالماركسية ومسارها التطوري المتجدد ومنهجها وواعية أكثر بمكونات واقع مجتمعاتها..قيادات كفؤة وقادرة على الإجابة على أسئلة الجماهير الفقيرة والاندماج في أوساطها والتعلم منها وتعليمها وتنظيمها وتثويرها ..بحاجة إلى قيادات وكوادر متواضعة وفيّه لكل شهداء الحرية والديمقراطية والعدالة والاشتراكية.. ملتزمة بالمبادئ العظيمة التي ضحوا بأرواحهم من اجلها ..ووفيّه لأسر الشهداء والجرحى والأسرى المناضلين الصامدين ..ووفيّه لجماهير الفقراء والكادحين وقود الثورة وهدفها …أخيراً فصائل وأحزاب اليسار بحاجة ماسة جداً لقيادات مبدئية صادقة لا تعرف النفاق والانتهازية والفساد والشللية.. إنها بحاجة ماسة إلى مثل هذه القيادات الثورية الوفية الواعية الصادقة ليرفعوها على أكتافهم ، وليست بحاجة إلى قيادات تأتي إليها ليرتفعوا على أكتافها …ويتنكروا لمبادئها وجوهرها الأخلاقي…ذلك هو أول الطريق لخروج قوى وفصائل اليسار من أزماتها الخانقة شبه المستعصية التي تنذر – في حال استمرار تراكماتها دون علاج جراحي ثوري – إلى تصدع أبنيتها وانهيارها وإسدال الستار عليها.
لذا فإن حركة اليسار العربي المتجددة أو الجديدة ، لن تأتي عبر تجميع الأطر الكمية الشكلية أو عبر الجمود والتخلف، أو الجثث القديمة، بل ستأتي عبر عملية خلق جديدة. إن ولادة جديدة لليسار العربي تحتاج إلى مخاض طويل وعسير عبر أحزاب بقيادات واعية وثورية تلتحم بالجماهير الشعبية وتسير في مقدمتها في المسيرة الطويلة حتى تحقيق الانتصار

(1)
عن المرأة العربية العاملة … الأم وشريكة العمر والابنة والأُخت والرفيقة والصديقة .

–   كل حديث عن التحرر والديمقراطية والمقاومة والتقدم لا يلتزم في الممارسة بالنضال من اجل المساواة الكاملة للمرأة العربية مع الرجل وتحريرها من كافة القيود الاجتماعية ومن كافة أشكال وأدوات ومظاهر الاستبداد التي تعاني منها المرأة في بلادنا ، هو حديث منافق أو زائف لا معنى ولا قيمة له أو تأثير.
–   أدرك أن مشوار تحرر المرأة ومساواتها مازال طويلاً في مجتمعاتنا ،وعليها ان تتحمل العبء الأكبر مع الرجل ، حيث نلاحظ استمرار العلاقات الأسرية القائمة على الخضوع أو مبدأ الطاعة والامتثال، وهو مبدأ منتشر في كل المجتمعات العربية بدرجات متفاوتة وليست متباعدة ، خاصة وأن الصورة المشتركة للتراث الشعبي (القديم والحديث والمعاصر) على المستوى العربي تتعاطى مع المرأة كخادمة للرجل ولشهواته الجنسية ، أو كإنسان ناقص أو من الدرجة الثالثة ، فهي ” ناقصة عقل ودين ” أو هي مصدراً للهموم حسب المثل الشائع ” هم البنات للممات ” أو ” كيدهن عظيم ” أو ” أمن للشيطان ولا تأمن للنسوان ” وكذلك الأمثال الشعبية المتداولة من قبيل “طاعة النساء تورث الندم ” و “البنت لا تأمنها من بيتها لبيت خالها ” و “الفرس من خيالها والمرأة من رجالها ” “ما خلا رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما”، ويقال أيضا: “المرأة فتنة”، “صوت المرأة عورة”.
و أخيراً وليس أخراً “ظل راجل ولا ظل حيط ” و هو المثل الذي يتضمن صراحة على أن الرجل هو الذي يعطي المكانة الاجتماعية للمرأة وليس الدور المميز للمرأة في العمل أو في السياسة أو في المجتمع أو في الإنتاج الأدبي .. إلخ .فعندما يمتزج الديني بالاجتماعي يبرز شكلا واضحا للتمييز بين المرأة والرجل مثلما يقال في بلادنا “المرأة مرأة والرجل رجل”، “ربّة بيت ممتازة”، “بنت عائلة”، “مطيعة ولا ترفع صوتها ولو بكلمة في وجه زوجها”، إن كلّ هذه الأقوال حول المرأة تتلفظ بها الألسن يوميا هنا وهناك. ويتفنّن الرجال اليوم في التعبير عن صورة المرأة صاحبة الأخلاق العالية بإضفائهم “بعدا أخلاقويا” آخر لصورة “المرأة العصرية” التي لابدّ لها من أن تخرج من البيت إلى ميدان العمل كي “تساعد” زوجها على مجابهة تكاليف الحياة لتصبح في الآن ذاته ربّة بيت ممتازة وعاملة ممتازة أيضا….وهذه الصورة الأخيرة لا تنتمي للتقدم بل هي عندي إعادة تجديد و تكريس للتخلف ولكن بمنطلق انتهازي .
–   إن صورة المرأة في الواقع الاجتماعي العربي ، خضعت وتخضع لسياقات اجتماعية وتراثية تاريخية بكل ما أنتجته من أعراف وعادات وتقاليد سلبية تراكمت على مدى التاريخ القديم والحديث والمعاصر، بواسطة جملة من الأدوات التواصلية كاللغة والدين والقانون والثقافة بمختلف مكوّناتها في إطار المجتمع التابع والمتخلف… وبالتالي فان هذه الأدوات أدت وظائفها داخل هذا الإطار بالتفاعل مع واقعه الاقتصادي والاجتماعي الذي شكل أساس البناء الثقافي لهذه التركيبة / الصورة التي لم تتطور مكوناتها بشكل جوهري أو متمايز عما كان عليه الحال قبل 50 عاماً ، فمازالت المرأة عموماً ، والفقيرة خصوصاً في أطراف المدن والأرياف ، تأتمر بأوامر الرجل وتدخل عنوة وغصبا بيت الطاعة والخضوع، بتأثير مباشر لهيمنة وسيطرة الرجل انسجاما مع الثقافة الذكورية المتخلفة السائدة ،وتساهم بالتالي –وفق ما أسميه عفوية الرضوخ- في إعادة إنتاج مكانتها الدونية في المجتمع.

–  التحرر الحقيقي للمرأة ، يكمن في تحررها الاقتصادي الذي يوفر لها الضمانات الفعلية، القانونية والمجتمعية في اتخاذ القرار في كل الميادين و على كل المستويات ، و المشاركة في الأنشطة السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و الأسرية ، هذا هو التعبير عن حقيقة الارتباط الوثيق بين قضايا المرأة العربية و قضايا مجتمعها في الاستقلال الوطني و النهوض و التقدم الاجتماعي و التنمية و العدالة الاجتماعية و الديمقراطية، و هي قضية يتحمل مسؤوليتها كل مثقف عربي ديمقراطي تقدمي ً، فإذا كان العامل السياسي يلعب دوراً هاماً في تعزيز الهيمنة السياسية الطبقية البيروقراطية الفردية ، فإن العامل الاقتصادي يعزز و يكمل ذلك الدور في المجتمع عموماً ، و في إخضاع المرأة بصورة خاصة بالاستناد إلى التشريعات و القوانين من جهة أو بالاستناد إلى الهيمنة الذكورية الاقتصادية والتاريخية من جهة أخرى .
إذن وفي سياق حديثي عن قضية المرأة في بلادنا ، فإن التحرر الاقتصادي شرط أولي لكل تحرر مادي أو معنوي ، اجتماعي أو سياسي أو غير ذلك ، وهنا تتبدى أهمية العمل بالنسبة للمرأة المعزز بالشهادة العلمية كشرط أساسي لعملية تحررها في سياق العمل ، إذ أن العمل المجرد الذي يتيح دخول أعداد كبيرة من النساء – شبه الاميات والاميات – من الطبقات الشعبية الكادحة إلى سوق العمل المأجور ، لا يوفر سوى شكل من أشكال التحرر الجزئي الاقتصادي ، وهي ظاهرة معروفة في بلادنا، بحيث تبقى المرأة خاضعة لشروط الاضطهاد والخضوع الاجتماعي داخل الأسرة وخارجها ، وبالتالي فان عمل المرأة في المجتمعات العربية يمثل خطوة تقدميّة بلا شك تمهيدا لمشاركتها الفعالة في النشاط العام ، السياسي والاجتماعي ، عبر المؤسسات الثقافية والجمعيات والأحزاب في مسيرة النضال الديمقراطي المشترك لتحرير المجتمع من كل أشكال التبعية والتخلف والاستغلال وتجاوزها صوب مجتمع الحرية والديمقراطية والمواطنة والمساواة بين الرجل والمرأة وفق أسس ومفاهيم قانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية تمثل روح المجتمع والمستقبل المشترك للمرأة والرجل في مجتمع عربي ديمقراطي.

( 2 )
العرب وتحديات الديمقراطية والتنوير والاستنارة والعقلانية والثورة :

يبدو أن أنظمة الاستبداد العربية الكومبرادورية عموما وأنظمة البترودولار الرجعية العميلة خصوصا ، إلى جانب ضعف تأثير وهشاشة دور أحزاب وفصائل وحركات اليسار العربي ، علاوة على غياب التنسيق والعمل المشترك فيما بينها ..مهد الطريق إلى انتشار وفوز حركات الإسلام السياسي عبر استغلال بساطة وعي الجماهير وعفويتها الناجمة – بشكل رئيسي- عن أوضاع التخلف الاجتماعي في كل البلدان العربية وتبعيتها التي أدت إلى تزايد الهيمنة الامبريالية والصهيونية على مقدرات شعوبنا، بحيث يمكن القول بأن هناك نوع من ردة الفعل في أوساط الجماهير العفوية تجاه حركات الإسلام السياسي، تتراوح بين القبول والترحيب والاندفاع في تأييدها دونما وعي حقيقي من الجماهير بطبيعة دور حركات الإسلام السياسي ورؤاها وشعاراتها الديماغوجية وبرامجها، الأمر الذي يفسر تمسك الجماهير العفوية بنوع ساذج من الدين، هذا التمسك يريحها ويسوغ لها هذا انشدادها للتيارات الدينية.
وفي هذا السياق نشير إلى أن النشاط الثوري العفوي للجماهير ،مستمر منذ أقدم العصور، لكن كل هذه المعارك والثورات ،لم تحقق انتصارها ،ولهذا ظلت مُستَغَلَّة مُضطهدة ،تثور مرة ،ثم تعود إلى سباتها سنوات ، وربما عقود، والسبب الجوهري هو أن الجماهير لم يتطور وعيها ،من خلال نشاطها الثوري .إن هذه الواقعة ،فرضت على لينين ،أن يتحدث عن أن الوعي الاشتراكي الديمقراطي ،لن يأتي العمال “إلا من خارجهم”… من الحزب الثوري أو الطليعة الثورية، وهذا هو دور قوى اليسار الذي يتوجب على كل رفيق الالتزام به ووعيه بكل عمق، ذلك إن النشاط الثوري غير المنظم قد يُكسب الطبقات المضطهدة (وهو يُكسبها بالضرورة)، خبرات في التخريب ، وفي التظاهر ، والقيام بالإضرابات … الخ ، لكنه لا يكسبها الوعي الثوري ومن ثم زخم وتواصل الحراك الجماهيري الثوري لاجتثاث أنظمة التبعية والاستبداد والتخلف.
لذلك علينا أن نفسر هذه الحالة الهروبية من الواقع، بصورة موضوعية ارتباطاً بظروف التطور الاجتماعي الاقتصادي الريعي المشوه ، الذي أسهم في تشكيل الوعي العفوي على هذه الصورة السالبة في أوساط الجماهير الشعبية ، في ظل استمرار غياب القوى الثورية الديمقراطية ، مما أدى إلى تكريس هيمنة الرجعية والكومبرادورية على ذهنية الجماهير ووعيها وصولاً إلى مشهد الإسلام السياسي الراهن ، دون ان نتجاوز تأثير الحالة الثورية العربية الراهنة – بالمعنى النسبي – في قسم هام من القطاعات الشعبية الفقيرة عموماً ، وفي المدن والعواصم العربية خصوصاً وهذا يعني بوضوح أن ضعف انتشار الحالة الثورية في أوساط جماهير الفلاحين والمهمشين في المناطق الريفية والطرفية يعود بشكل رئيسي إلى غياب الدور الفعال لأحزاب اليسار في أوساط هذه الجماهير في ظروف الوضع العربي الراهن التي تحفز على الثورة المستمرة حتى إسقاط أنظمة الاستبداد والاستغلال والتخلف ، إذ أن الوضع الراهن، الذي تعيشه شعوبنا العربية ، لم يكن ممكناً تحققه بعيداً عن عوامل التفكك و الهبوط الناجمة عن تكريس وتعمق خضوع وارتهان الشرائح الحاكمة في النظام العربي للنظام الامبريالي حفاظا على مصالحها الطبقية النقيضة لتطلعات ومصالح الجماهير ، لدرجة أن ربع القرن الأخير حمل معه صوراً من التراجع لم تعرف جماهيرنا مثيلاً لها في كل تاريخها الحديث، فبدلاً مما كان يتمتع به العديد من بلدان الوطن العربي في الستينات من إمكانات للتحرر والنهوض الوطني والقومي الديمقراطي ، تحول هذا الوطن بدوله العديدة وسكانه إلى رقم كبير ، يعج بالنزاعات الداخلية والعداء بين دوله وطوائفه، لا يحسب له حساب أو دور يذكر في المعادلات الدولية، وتحولت معظم أنظمته وحكوماته إلى أدوات للقوى المعادية، فيما أصبح ما تبقى منها عاجزاً عن الحركة والفعل والمواجهة، في إطار عام من التبعية على تنوع درجاتها وأشكالها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والسيكولوجية، في ظروف فقدت فيها القوى والأحزاب اليسارية روحها وإرادتها الثورية وهويتها ، وفقدت قدرتها على الحركة والنشاط والنمو، وتراجع دورها في التأثير على الناس أو على الأحداث من حولها، الأمر الذي أفسح المجال واسعا لتيار الإسلام السياسي بمختلف تلاوينه ومسمياته في بلداننا العربية بذريعة منطلقاته الدينية أو الإيمانية التي لا تشكل تناقضا جذريا مع البرامج والسياسات الإمبريالية عموما وبرامجها الاقتصادية والمجتمعية خصوصا. ، ما يعني بوضوح شديد أن بلدان الوطن العربي أمام خيارين ..إما البربرية أو الثورة الاشتراكية .

( 3 )
منظور للعلاقة بين أحزاب وفصائل اليسار وحركات الإسلام السياسي

في إطار حديثي عن علاقة اليسار العربي مع حركات الإسلام السياسي ، فإنني أود التوضيح هنا أنني لست في وارد تناول موضوعة ” الدين” من زاوية فلسفية , في إطار الصراع التاريخي بين المثالية والمادية, فهذه المسألة ليست بجديدة, كما أنها ليست ملحة, كما أن عملية عدم الخلط بين الدين كعقيدة يحملها الناس، وبين الجمهور المتدين تعتبر مسألة مهمة وحساسة , فان يكون لنا موقف فلسفي من الدين، لا يعني على الإطلاق سحب ذلك الموقف على الجمهور المتدين , بل على العكس، فان التحليل الموضوعي ، إلى جانب الوعي والشعور بالمسئولية والواجب، يفترض منا الاقتراب من ذلك الجمهور واحترام مشاعره الدينية، والتفاعل مع قضاياه وهمومه وجذبه إلي النضال من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وإنهاء كافة أشكال الاستغلال والقهر والاستبداد، انطلاقاً من فهمنا للماركسية بأنها ليست نظرية مضادة للدين – كما يروج دعاة الإسلام السياسي والقوى الرجعية والامبريالية – بل هي طريقة تفكير لفهم الوجود بكليته ، فالماركسية تنظر إلى الدين بوصفه جزءاً من تطوّر الوعي البشري في محاولتهم فهم واقعهم، وصوغ الرؤية التي تكيفهم معه، وأنه شكّل –في مراحل تاريخية معينة- تطوّراً كبيراً في مسار الفكر، وانتظام البشر في الواقع.
أما بالنسبة للعلاقة الخلافية بين اليسار وحركات الإسلام السياسي، فهي تستند – من وجهة نظري – إلى التحليل الموضوعي الذي يؤكد على أن الأساس في هذه الحركات هو دعوتها إلى معالجة القضايا المعاصرة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…، عبر منطق غيبي تراجعي عاجز عن بلورة برنامج سياسي ديمقراطي اجتماعي تنموي ، يتناقض مع جوهر النظام المخلوع في تونس ومصر أو مع أي نظام استبدادي ، ما يعني إعادة إنتاج أنظمة ليبرالية رثة، وتابعة ومحتجزة التطور، مع استمرار النظام الاقتصادي الاستغلالي على ما هو عليه أسيراً وتابعاً لشروط الصندوق والبنك الدوليين وللسياسات الأمريكية .
وعلى الرغم من كل ما تقدم ، علينا أن ندرك في ضوء المستجدات والمتغيرات المتلاحقة راهناً، إلى أننا سنواجه –مع حركات الإسلام السياسي- ظروفا وأوضاعاً معقدة, ما يفرض على قوى اليسار العربي أن تتمسك برؤيتها الموضوعية إلى أبعد الحدود في العلاقة الديمقراطية وقضايا الصراع الطبقي والسياسي، ومفاهيم الاستنارة والعقلانية مع هذه الحركات بمختلف مذاهبها، كما عبر عنها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وطه حسين ولطفي السيد وأحمد أمين .. وغيرهم، بحيث نحرص على أن لا تصل الاختلافات معها ، إلى مستوى التناقض التناحري، وأن تظل الخلافات محكومة للعلاقات الديمقراطية.
الانفصام السياسي الاقتصادي الاجتماعي، سيظل سمة رئيسية من سمات المرحلة الحالية، أو مرحلة “الإسلام السياسي” وهي مرحلة قد تطول ، لكن الجماهير الشعبية ستتكشف تدريجياً حقيقة التيارات الدينية وسياساتها وممارساتها التي لن تختلف -في جوهرها- عن سياسات النظام المخلوع، ما يفرض على القوى الديمقراطية الوطنية والقومية، والقوى اليسارية أن تكرس كل جهودها من أجل مراكمة توسعها ونضالها في أوساط الجماهير، بما يمكنها من أن تتخطى حالة الانفصام المذكور ، وذلك من خلال امتلاكها لرؤية سياسية مجتمعية اقتصادية ، تنطلق من استمرار النضال لاستكمال مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، عبر التوسع في صفوف العمال والفلاحين والشباب وكافة الأطر والجمعيات المهنية والنقابات ، لكي تدخل معترك الانتخابات القادمة واثقة من انتصارها، خاصة وأن أسباب الانتفاضة الثورية لن تتلاشى أو تزول، بل ستتراكم مجدداً لتنتج حالة ثورية نوعية، تقودها القوى الديمقراطية، المدنية ، العلمانية واليسارية لكي تحقق الأهداف التي انطلقت الانتفاضات الشعبية من أجلها.

( 4)
عن أوهام الربيع العربي وضرورات التواصل الثوري

بعد حوالي عام من فوز جماعة الإخوان المسلمين ووصولها إلى سدة الحكم في مصر وتونس ، بات من الواضح أن حركات الإسلام السياسي وكافة القوى الرجعية والبورجوازية الرثة والبيروقراطية العسكرية والمدنية (المدعومة من الامبريالية الأمريكية) يتحركون داخل حلقة دائرية تعيد إنتاج التبعية والتخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتجدده بأساليب وشعارات ديماغوجية، في محاولة منهم التهرب من تحدي الحداثة والنهضة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية الثورية والتقدم بالعودة إلى تراث انتقائي موهوم استطاعت التيارات الأصولية إعادة زراعته وإنتاجه باسم وأوهام ما يسمى بــ” الربيع العربي ” عبر شكل ” جديد “من أنظمة الاستبداد والاستغلال الطبقي ، في قلب عفوية الجماهير الشعبية، ما يؤكد على أن الأساس في هذه الحركات هو دعوتها إلى معالجة القضايا المعاصرة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ، عبر منطق تراجعي، من خلال الدعوة للعودة، بحسب ادعاء هذه الحركات، إلى الماضي بذريعة العودة إلى أصول الإيمان والاعتقاد.
وبالتالي ، فإن ما يسمى بالربيع العربي لم يجلب للجماهير الشعبية العربية سوى مزيد من الاستبداد والاستغلال والتخلف ، والمزيد من تأثير القوى اليمينية الليبرالية الرثة وقوى الإسلام السياسي والسلفيين خصوصاً، ما يعني عودة أدوات الظلم والظلام بلباس جديد لإعادة تشكيل بلدان النظام العربي في إطار أشكال جديدة من التبعية للسياسات الأمريكية والنظام الرأسمالي العالمي من خلال القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية المؤثرة ، الجيش ورجال الأعمال والكومبرادور وبقية أشكال الرأسمالية الطفيلية المعادية لتطلعات الشباب الثوري و جماهير الفقراء من العمال والفلاحين وكل المضطهدين، وهو أمر غير مستغرب عبر قراءتنا لدورها السياسي ومصالحها الطبقية ، إذ أن هذه القوى الطبقية كانت وستظل حريصة على إعاقة ربيع الثورة وتعطيل و تبهيت الصراع الطبقي ، وهي بالتالي تعمل دوماً على إرجاع مسيرة الثورة الشعبية إلى الوراء، فهي ضد التنوير وضد الحداثة وضد الديمقراطية وضد الاشتراكية والصراع الطبقي الثوري ، ما يؤكد استعداداها لمهادنة الامبريالية والتعاطي معها …لكن صيرورة الثورة الشعبية لن تنطفئ ، بل ستشتعل من جديد معلنة بداية ربيعها الثوري الديمقراطي القادم لا محالة ، خاصة في ظل تزايد أعداد الجماهير الفقيرة المقموعة والمضطهدة تاريخياً،والتي تتعرض اليوم إلى مواجهة أوضاع لا تحتمل، ما يعني بوضوح شديد استنهاض الثورة من جديد رغم التضحيات الجسام … لكن الآمال العظيمة في تحقيق الديمقراطية ودولة المواطنة والعدالة الاجتماعية الثورية بآفاقها الاشتراكية لن تتحقق إلا من خلال التضحيات العظيمة.
وهنا بالضبط تتبدى الضرورة التاريخية التي تستدعي من القوى اليسارية الثورية في كل بلد عربي، تركيز أهدافها ومهماتها الثورية الديمقراطية، السياسية والمجتمعية، عبر التواصل والتأثير في صيرورة الحراك الثوري المتجدد والراهن، وان تتحمل مسؤولياتها الكبرى، في كونها تشكل في هذه المرحلة طليعة الحامل السياسي الاجتماعي الديمقراطي لعملية التغيير الثوري ، من أجل تغيير الواقع الراهن وتجاوزه وتحقيق تطلعات وأهداف جماهير الفقراء من العمال والفلاحين وكل المظلومين والمضطهدين في إطار الثورة الشعبية الديمقراطية .

(5)
المسألة اليهودية والصراع العربي الصهيوني

منذ نشوء الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر، ثم تأسيس “دولة إسرائيل” في 15/5/1948 تم استخدام الأساطير الدينية والتوراتية ، لحساب الأهداف السياسية التي تخدم الكذبة الكبرى التي تقول بأن اليهود أمه، فالأساطير الدينية والتوراتية استخدمت تاريخياً – ولازالت- لحساب الأهداف السياسية، وذلك على قاعدة أن الصهيونية هي الجانب القومي في اليهودية ، واليهودية هي الجانب الديني في الصهيونية ، وبالتالي فإن “إسرائيل” تحقيق سياسي وتجسيد عملي وسياسي للظاهرتين معاً، في إطار العلاقة العضوية بين الحركة الصهيونية من ناحية، ومصالح النظام الاستعماري الرأسمالي من ناحية ثانية، وهذه العلاقة تؤكد على أن “إسرائيل” انطلاقاً من دورها ووظيفتها ، لم تنشأ إلا كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني العنصري في بلادنا، المستند إلى دواعي القوة الغاشمة والاغتصاب، لحماية مصالح العولمة الرأسمالية في بلدان وطننا العربي، وهي دولة لا يمكن أن ترقى عبر هذا الدور الوظيفي لتصبح جزءا من نسيج هذه المنطقة العربية ومستقبلها بأي شكل من الأشكال .
وها نحن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وما زال شعبنا الفلسطيني –الذي قدم الآلاف من قوافل الشهداء- مستمراً في صموده ونضاله رغم كل التنازلات السياسية والمفاوضات العبثية ، ورغم الانقسام الناجم عن الصراع الدموي ، على المصالح والكوتات ، بين حركتي فتح وحماس، الأمر الذي يفرض على كافة القوى اليسارية الديمقراطية العربية مزيداً من الوحدة والنضال الديمقراطي لتثبيت أسس وبرامج الثورة الوطنية الديمقراطية ارتباطاً بمنظور الثورة القومية التحررية الديمقراطية في إطارها الأممي الإنساني، بمثل ما يفرض أيضاً على القوى اليسارية الفلسطينية مراجعة خطابها السياسي بما في ذلك خطاب حل الدولتين ، من أجل استعادة روح النضال الفلسطيني وأدواته وفق قواعد النضال القومي الديمقراطي باعتبار أن الصراع مع هذا العدو هو صراع عربي صهيوني من الدرجة الأولى.
ففي ظل موازين القوى الدولية والعربية المختلة لصالح التحالف الإمبريالي الصهيوني وموقفه النقيض للحد الأدنى من ثوابت وأهداف شعبنا الوطنية ، بات واضحاً ، أن التصوّر الصهيوني يتمسك بلاءات خمسة هي: لا انسحاب من القدس، لا انسحاب من وادي الأردن، لا إزالة للمستوطنات، لا عودة للاجئين، ولا للدولة الفلسطينية المستقلة، الأمر الذي يفرض على القوى الماركسية الثورية أعباء ومسئوليات كبرى ارتباطاً بدورها في المرحلة الراهنة عموماً ودورها المستقبلي الطليعي على وجه الخصوص، وهذا يتطلب إسهام الجميع في مناقشة القضايا المطروحة بكل مسئولية ووعي – من اجل بلورة الأسس الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تكفل نهوضها ، بما يمكنها من تحديد رؤيتها ومهامها ووحدتها الداخلية للمرحلة القادمة بدقة .
ذلك إن صحة الوظائف السياسية والتنظيمية والفكرية والاجتماعية والجماهيرية لهذه القوى الثورية تتحدد في ضوء مدى تأسيس تلك الوظائف على رؤية صائبة ، وأن تصاغ بدورها انطلاقا من قراءة واعية وموضوعية لكافة المتغيرات السياسية والمجتمعية والفكرية ، سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي أو الدولي ، وهنا بالضبط يتجسد المعنى الحقيقي للأعباء والمسئولية الملقاة على عاتق كل عضو من أعضائها، وصولاً إلى النتائج المأمولة التي ستمكنهم من تحقيق عملية النهوض صوب دورها الطليعي المنشود.
لذلك فإن المهمة العاجلة أمام حركات وفصائل اليسار العربي عموما والفلسطينية خصوصا ، أن تعيد النظر في الرؤية الإستراتيجية التحررية الديمقراطية ، الوطنية/القومية ببعديها السياسي والمجتمعي ، انطلاقاً من إعادة إحياء وتجدد الوعي بطبيعة الدولة الصهيونية، ودورها ووظيفتها كمشروع إمبريالي لا يستهدف فلسطين فحسب، بل يستهدف –بنفس الدرجة- ضمان السيطرة الإمبريالية على مقدرات الوطن العربي واحتجاز تطوره .
وبالتالي يجب أن تتأسس الرؤية لدى كافة قوى اليسار القومي العربية، وفي المقدمة اليسار الثوري الفلسطيني، انطلاقاً من ذلك وليس من خارجه، فالدولة الصهيونية هي مركز ثقل الوجود الامبريالي في الوطن العربي، ووجودها حاسم لاستمرار السيطرة الامبريالية، وضمان استمرار التجزئة والتخلف العربيين. لهذا كان ضرورياً أن يعاد طرح الرؤية الوطنية من قلب الرؤية التقدمية القومية الديمقراطية الأشمل، التي تنطلق من فهم عميق للمشروع الامبريالي الصهيوني وأدواته البيروقراطية والكومبرادورية والرجعية، من أجل أن يعاد تأسيس نضالنا الوطني والديمقراطي على ضوء هذه الرؤية.
ولا شك في أن هذه المهمة هي أولاً مهمة الماركسيين في فلسطين والوطن العربي، وفي طليعتهم اليسار الثوري الفلسطيني المناضل من اجل استرداد الحقوق التاريخية على ارض فلسطين ….
والى أن تتوافر هذه الشروط تدريجيا سوف يستمر الصراع كما هو، مهما طال واستمر الحديث عن التفاوض من اجل ما يسمى حل الدولتين وفق الشروط الإسرائيلية الأمريكية، فلن يكون في ذلك سوى تكريسا للهيمنة والسيطرة الأمريكية الإسرائيلية على مقدرات الشعوب العربية واستمرار احتجاز تطورها واستتباعها وتخلفها.
وبالتالي فإن حديثي عن حل الدولة الديمقراطية العلمانية هو حديث يستدعي-على الأقل نظرياً في هذه المرحلة- استنفار كل طاقات اليسار من أجل إعادة النظر في الخطاب السياسي وصولاً إلى خطاب/برنامج يستجيب لمعطيات وضرورات المرحلة الراهنة والمستقبل، الأمر الذي يستدعي حواراً جاداً ومعمقاً بين أطراف اليسار الماركسي العربي لتحقيق هذه الغاية، ليبدأ مرحلة جديدة في نضاله من اجل إعادة تأسيس المشروع القومي التحرري الديمقراطي النهضوي ، كفكرة مركزية توحيدية تلتف حولها الجماهير الشعبية في فلسطين وبلدان الوطن العربي ، وفي الطليعة منها الطبقة العاملة وكل الكادحين والفقراء والمضطهدين والمُستَغَلين العرب الذين سيمثلون روح هذه النهضة وقيادتها وأدواتها .
إن النضال من أجل تحقيق هدف إقامة دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية لكل سكانها ، كفيل بحل المسألة اليهودية في إطار المجتمع العربي الديمقراطي الموحد، وهذه القضية قد يفترض البعض محقا أو بدون وجه حق بأنه موقف طوباوي ، فإنني أقول بوضوح أن هذا ليس موقفاً طوباوياً بقدر ما هو حلم ثوري تتوافر مقوماته وإمكاناته في نسيج مجتمعنا الفلسطيني ومجتمعاتنا العربية عموما، وفي أوساط الشرائح المضطهدة من العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة التي تتطلع بشوق كبير إلى المشاركة في تحقيق هذا الحلم الثوري الذي يجسد الأهداف الوطنية والديمقراطية المستقبلية للشعوب العربية .
إن فكرة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية تتبدى اليوم ، باعتبارها التجسيد الثوري للحل الاستراتيجي الأمثل بالنسبة لحقوق شعبنا من جهة وبالنسبة للمسألة اليهودية برمتها من جهة ثانية، كحل استراتيجي، يكفل ويضمن استعادة شعبنا لحقوقه التاريخية والسياسية والسيادية في فلسطين وهو حل مرهون بتغيير موازين القوى، ما يعيدنا إلى تفعيل فكرة الصراع العربي الصهيوني، التي تتطلب بالضرورة العمل على تجاوز وتغيير هذا النظام العربي ومن ثم تغيير ميزان القوى تمهيداً لفرض الحل النهائي في دولة فلسطين الديمقراطية لكل مواطنيها.
لذلك فإن التحدي الكبير الذي يواجه شعوب امتنا العربية اليوم يجب أن يبدأ بعملية تغيير سياسي جذري ديمقراطي من منطلق الصراع الطبقي ضد أنظمة الإسلام السياسي وكل أنظمة الاستبداد والاستغلال والفساد التي تحكمها، وذلك انطلاقاً من وعينا بأن هذه الأنظمة شكلت الأساس الرئيسي في تزايد واتساع الهيمنة الامبريالية على مقدرات وثروات شعوبنا العربية، كما شكلت الأساس الرئيسي لتزايد واتساع عنصرية وصلف وهمجية “دولة” العدو الإسرائيلي.
إن إيماننا بآفاق المستقبل الواعد لشعوبنا العربية كلها، في هذه اللحظة الثورية ، لا يعني أننا نؤمن بحتمية تاريخية يكون للزمان والمكان دوراً رئيسياً وأحادياً فيها، بل يعني – من خلال أحزاب وفصائل اليسار الماركسي الثوري -تفعيل وإنضاج عوامل وأدوات التغيير الديمقراطية الحديثة والمعاصرة ، والبحث عن مبرراتها وأسانيدها الموضوعية الملحة من قلب واقعنا الراهن.
لذلك كله، “ينبغي علينا أن نحلم” بشرط أن ندرك سر قوة الحلم الثوري الذي يشكل منبع التغيير و الثورة ، وأن القوة الثورية هي مالك هذا الحلم ودون أن تغادر أقدامه تعرجات الواقع، للوصول لهدف نبيل وغاية واضحة، وهل هناك أنبل من غاية تحقيق دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية لكل سكانها تلتزم سياسياً وقانونياً وأخلاقيا بحل المسألة اليهودية في إطارها .

( 6 )
في وعي وممارسة العملية الاستنهاضية لأحزاب اليسار العربي ….

إنني أتحدث عن واقع مأزوم منتشر بضراوة داخل فصائل وأحزاب اليسار العربي ، وهو واقع يحتاج لجرأة عالية ومتصلة من العمل لتخطي دوائر المراوحة والإحباط ومحاولات تبرير الفشل ، باتجاه التأسيس لعمليات نهوض لابد منها ، كوننا لا نزال ، على ما يبدو ، في المرحلة الأولى من جولات الصراع والتناقض الرئيسي التناحري مع أعدائنا ، الامبرياليين والصهاينة ، وفي جولات صراعنا وتناقضنا الرئيسي مع القوى الرجعية وكل أنظمة التبعية والتخلف والاستبداد البورجوازية العائلية والكومبرادورية الرثة .
لذا يجب أن تتم العملية الاستنهاضية ، وعياً وممارسة ،عبر إعادة تجديد وبناء ودمقرطة كل احزاب وفصائل اليسار بوصفها صيرورة تقوم بوظيفتها عبر رؤيتها وبرامجها الثورية ودورها المحدد ،من خلال مراكمة عوامل النهوض والإزاحة المتتالية لكل العوامل المؤدية إلى التراجع أو الفشل ، وذلك مرهون بتأمين شروط الفعالية السياسية والفكرية والتنظيمية والكفاحية والجماهيرية القصوى في قلب الصراع الطبقي، عبر توفير معايير ونواظم وآليات عمل داخلية ، ديمقراطية وثورية ، كعنصر قوة للارتقاء بدور فصائل وأحزاب اليسار العربي ورؤيتها وممارستها وتوسعها وانتشارها في أوساط جماهيرها ، إذ أن بقاء وضع هذه الأحزاب /الفصائل تحت رحمة البيروقراطية القيادية اللاديمقراطية التي تتميز في معظمها بأنها ضعيفة الكفاءة والعاجزة أو المترهلة أو المرتدة فكريا وهابطة سياسيا ،أودت بأحزابها وفصائلها إلى الابتعاد عن الممارسة الصحيحة والغرق في مستنقعات الردة أو المناهج التقليدية والعقلية الجامدة او الهابطة والانتهازية، وهذا يفتح الباب واسعا داخل التنظيم “أمام توليد بيئة ملائمة للشللية وللنفاق وفقدان الجرأة والصراحة واللعب على التناقضات وشخصنتها ، وفقدان القدرة لدى معظم الأعضاء على المحاسبة والنقد الجريء .وبالحصيلة ، مزيد من التراجع والتهميش وإغراق الحزب وما يواجهه من أسئلة ومعضلات ومهام كبرى فكريا وسياسيا وكفاحيا في مزيد من الأزمات والمناورات والحسابات الأنانية التافهة والعزلة عن الجماهير ، وفي مثل هذه الحالة تكمن المأساة ، في أن الحزب هو الذي يدفع الثمن من رصيده السياسي والمعنوي (والتنظيمي) ، على شكل فقدان الشروط الضرورية لتأدية دوره ووظيفته السياسية والاجتماعية على المستوى الوطني ، ويخل ببنيته كعقد اجتماعي”.
لذلك لابد من وقفة مراجعة جدية لاستنهاض أحزاب وفصائل اليسار العربي ، بالمعنيين الموضوعي والذاتي ، خاصة وأن ما ينقص معظم كوادر وأعضاء قوى اليسار هو الدافعية الذاتية أو الشغف والإيمان العميق بمبادئه عبر امتلاك الوعي العلمي الثوري في صفوف قواعده وكوادره ، فبينما تتوفر الهمم في أوساط الجماهير الشعبية واستعدادها دوما للمشاركة في النضال بكل إشكاله ضد العدو الامبريالي والصهيوني ، وضد العدو الطبقي المتمثل في أنظمة التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد والقمع ، إلا أن أحزاب وفصائل اليسار لم تستثمر كل ذلك كما ينبغي ولا في حدوده الدنيا ، لأنها عجزت – بسبب أزماتها وتفككها ورخاوتها الفكرية والتنظيمية – عن إنجاز القضايا الأهم في نضالها الثوري ، وهي على سبيل المثال وليس الحصر: أولا – عجزت عن بلورة وتفعيل الأفكار المركزية التوحيدية لاعضاءها وكوادرها وقياداتها واقصد بذلك الفكر الماركسي وصيرورته المتطورة المتجددة.ثانيا-عجزت بالتالي عن تشخيص واقع بلدانها ( الاقتصادي السياسي الاجتماعي الثقافي ) ومن ثم عجزت عن إيجاد الحلول أو صياغة الرؤية الثورية الواضحة والبرامج المحددة ، كما عجزت عن صياغة البديل الوطني والقومي في الصراع مع العدو الامبريالي الصهيوني من ناحية وعن صياغة البديل الديمقراطي الاشتراكي التوحيدي الجامع لجماهير الفقراء وكل المضطهدين من ناحية ثانية .ثالثا – عجزت عن بناء ومراكمة عملية الوعي الثوري في صفوف أعضاءها وكوادرها وقياداتها ليس بهويتهم الفكرية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي فحسب بل أيضا عجزت عن توعيتهم بتفاصيل واقعهم الطبقي ( الاقتصاد، الصناعة ، الزراعة ، المياه ، البترودولار ، الفقر والبطالة والقوى العاملة، الكومبرادور وبقية الشرائح الرأسمالية الرثة والطفيلية ، قضايا المرأة والشباب ، قضايا ومفاهيم الصراع الطبقي والتنوير والحداثة والديمقراطية والتخلف والتبعية والتقدم والثورة …الخ ) فالوعي والإيمان الثوري (العاطفي والعقلاني معا ) لدى كل رفيقة ورفيق، بالهوية الفكرية وبضرورة تغيير الواقع المهزوم والثورة عليه ، هما القوة الدافعة لأي حزب أو فصيل يساري، وهما أيضاً الشرط الوحيد صوب خروج هذه الأحزاب من أزماتها ،وصوب تقدمها وتوسعها وانتشارها في أوساط جماهيرها على طريق نضالها وانتصارها .

( 7 )
إلى رفاقي في الأحزاب والفصائل اليسارية العربية.. ماذا يعني ان تكون ماركسيا؟

لا خلاف على ان الماركسية نشأت في أتون الاستغلال الرأسمالي والصراع الطبقي، وتميزت بنضوجها ووعيها لطبيعة النظام الرأسمالي ، إلا أن هذه النشأة لم تكن بمعزل عن التيارات السابقة للفكر الاجتماعي، وبالتالي لن تكون بمعزل عن التطورات والصراعات الطبقية الاجتماعية والسياسية اللاحقة .
فالماركسية ليست تصور أو مجموعة أفكار فقط، إنها فلسفة الشك التي تفترض إعادة تقييم الظواهر بلا توقف، وفق قوانينها العامة التي لا يمكن تطبيقها بصورة موضوعية صحيحة إذا لم تأخذ في الاعتبار طبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الخاص لهذا المجتمع أو ذاك .
فالماركسية هي نظرية علمية قابلة للتطبيق على أي مجتمع وفق خصائصه الاقتصادية الاجتماعية الثقافية في جميع مراحل تطوره ، وهي بهذه الصفة علم متجدد ومتطور لا يقل دقة عن سائر العلوم الطبيعية، فهي علم تطبيق المنهج المادي الجدلي والتاريخي والاقتصاد السياسي على تاريخ المجتمع البشري بجميع مراحله وأنماطه المختلفة عموماً، وعلى التاريخ الخاص لكل مجتمع من المجتمعات البشرية خصوصاً.
أن تكون ماركسياً يعني أن تبدأ من ماركس، ولكن لا تتوقف عنده، أو عند أحد كبار خلفائه في العصر الحديث. وهناك فرق بين أن تكون ماركسياً، أو أن تكون ناطقاً بالماركسية. أن تبدأ من ماركس، يعني أن تبدأ بوعي منطلقاته المادية الجدلية والتاريخية ورؤيته الاشتراكية وتتواصل مع مسيرتها وتطوراتها وتجددها . وبهذه الروح يجب في رأيي أن ننظر في قضية النظرية الثورية اليوم.
وعلى هذا الأساس فإن الحفاظ على الماركسية ومتابعة رسالتها الإنسانية لا يكمن في الدفاع اللاهوتي أو الدوغمائي عن تعاليمها، وإنما بالنقد الدائم لأفكارها وتجديدها ارتباطاً بأهدافنا العظيمة من أجل التحرر الوطني والقومي الديمقراطي التقدمي في إطاره الإنساني والأممي .
لهذا يجب أن يتحدد دورها في الصراع الراهن، في إطار التناقض الرئيسي التناحري مع الإمبريالية والحركة الصهيونية، وفي إطار التناقض الرئيسي الداخلي في الصراع السياسي والطبقي ضد أنظمة التبعية والتخلف والاستبداد في بلادنا ، وهذا هو واجب كل أحزاب وفصائل اليسار لمواجهة وإزاحة قوى اليمين الوطني واليمين الديني عبر النضال الديمقراطي .
في إطار هذه الضرورة، ووعينا لها، علينا تبني الماركسية كمنهج للتحليل وكنظرية في التغيير الثوري، خاضعة للتطور والاغتناء ارتباطاً بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
أن تصبح ماركسياً معناه أن تقوم بزيارة التاريخ لا أن تُزَوِّره ، أن تَزُورَه عبر تحليل وفهم التطور التاريخي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لشعوبنا العربية منذ آلاف السنين وفق قوانين الماركسية ومقولاتها العلمية الموضوعية، ووفق مضمونها الطبقي الثوري الذي يرفع رايات الكادحين ضد رايات الرأسمالية وأدواتها المُستَغِلّة التي تنزف دماً من كلّ مساماتها ….أن تكونوا ماركسيين معناها ان تقوموا بتوفير كل شروط ومقومات وأسس الحزب الثوري الذي يتقدم الجماهير معبرا عن همومها وتطلعاتها في إنهاء كل مظاهر الاستغلال والإفقار والقهر والاستبداد…حزبا ثوريا خاليا من كل عناصر الهابطين والانتهازيين والفاسدين والمرتدين ومن كل مظاهر وشخوص الشللية والتكتلات وتطهير الحزب أو الفصيل منهم أولا بأول ليبقى ثوريا نقيا مناضلا في كل الأوقات والظروف.
أيها الرفاق ، أن تكونوا ماركسيين اليوم، معناها أن تراكموا كل عوامل الثورة الشعبية لإزالة وسحق أنظمة التخلف والرجعية والاستبداد والتبعية واجتثاثها من بلادنا وإقامة المجتمع الاشتراكي الديمقراطي وهذا يفرض عليكم المبادرة إلى إقامة العلاقات السياسية والفكرية والتنظيمية بما يمكنكم من صياغة أساليب العمل المشترك بين كافة قوى وأحزاب وفصائل اليسار عبر رؤية ثورية إستراتيجية مشتركة لا تلغي خصوصية أي حزب أو فصيل، بقدر ما تؤكد على أهمية التنسيق والعمل المشترك بما يؤدي إلى تكريس وتقوية العلاقات عبر اللقاءات الدورية (السياسية والفكرية والتنظيمية) بين جميع قوى اليسار، تمهيداً لوحدة الحركة الماركسية العربية…. وهذا يفرض أن تكونوا ماركسيين معناها أن تقاوموا هذه الحركة الصهيونية، وليدة النظام الرأسمالي وربيبته، وان تناضلوا من اجل إزالة الصهيونية وتحقيق الهدف الاستراتيجي في إقامة دولة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها، وأن تقاوموا نظام العولمة البشع ، لا أن تستهلكوا بضاعته الفكرية الرخيصة من الواقعية إلى الليبرالية إلى المهادنة…. أن تكونوا ماركسيين ، يعني أن تكونوا حاضنة دافئة للجماهير الشعبية العفوية، تحترمون كل تراثها ومعتقداتها وتتعلموا منها ، فأن تكون ماركسياً، يعني أن تنظر إلى الدين على أنه وعي اجتماعي وجزء هام ورئيسي من الوعي الإنساني، استطاع أن يلعب دوراً في تحرير الإنسان من الاستغلال عندما أحسن التعاطي مع أفكاره وجوهره عموما وفي بداياته الأولى خصوصا .
وأخيراً أن تكون ماركسياً، هو أن يتكامل وعيك أيها الرفيق، فتنهل من النظرية وتدرك منهجها إدراكا ذاتيا ، وتؤسس لك أرضية صلبة تنطلق منها للعمل النضالي والديمقراطي، الوطني والقومي والإنساني، لا أن تأخذ السياسة على حساب الفلسفة، فالجزء يكمل الكل، ولا تنفصل النظرية الماركسية ومنهجها بالنسبة لنا وفي كل الظروف عن العمل السياسي، فإذا ضاع الجزء، ضاع الكل ، وضاعت معه هوية حزبنا الفكرية .
أن تكون ماركسياً هو أن تعمل على أن يكون وطننا العربي كله، وطن لأبناءه ، وطناً مستقلاً حراً موحداً تسوده الاشتراكية والحرية والديمقراطية والمساواة ، يبنيه ويحميه أبناءه من العمال والفلاحين الفقراء والكادحين بإرادتهم الجماعية الحرة، وبقيادة الحزب الماركسي الطليعي الجماهيري الثوري والديمقراطي.
من هنا أتوجه إلى كل الرفاق عموماً والشباب والشابات خصوصاً بالقول: إن البحث في الماركسية يجب أن يبتدئ من التخلص من إرث الأفكار البالية الرجعية والمتخلفة، وامتلاك الوعي بالمنهج الجدلي المادي وتطبيقاته على الاقتصاد والمجتمع والثقافة ، كما على كل جوانب الواقع في الممارسة التنظيمية والنضالية واليومية لهم ولرفاقهم، كما أتمنى عليهم بل أطالبهم بأن يمارسوا مراكمة وعيهم ونضالهم الكفاحي والسياسي والديمقراطي انطلاقاً من قناعتهم بأن أحزاب اليسار الماركسي العربي وحدها التي تملك الرؤية الإستراتيجية النقيضة للوجود الامبريالي الصهيوني في بلادنا ، وهي وحدها أيضاً التي تملك الرؤية الإستراتيجية الكفيلة بإنهاء كل مظاهر التبعية والاستغلال والقهر الطبقي وتحقيق العدالة والمساواة … وهي بالتالي وحدها التي تمثل المستقبل لشعوبنا العربية .
المهم أن ننطلق من قناعتنا بأن “الناس هم الذين يصنعون التاريخ” … هذه هي القيمة الثورية التاريخية للماركسية، خاصة وأننا نعيش اليوم في ظروف الانتفاضات العربية و انتشار الروح الثورية ضد أنظمة التبعية والتخلف من ناحية وفي ظروف انتشار الإسلام السياسي والثورة المضادة والفتن الطائفية ، وتفاقم مظاهر الفقر والصراع الطبقي، وغياب الأفكار التوحيدية على الصعيدين الوطني والقومي، وبالتالي فإن الحاجة إلى برنامج الثورة الوطنية التحررية والديمقراطية بآفاقها الاشتراكية اكبر بما لا يقاس من أي مرحلة سابقة.
وفي كل الأحوال فإن تساؤلاتنا وإجاباتنا – حول الواقع والنظرية – ستكون بالضرورة محدودة بحدود معرفتنا أو طبيعة التزامنا… وكلنا ثقة بأن السواد الأعظم من رفاقنا ورفيقاتنا في فلسطين والوطن العربي ، حريصون على توسيع معارفهم بالنظرية ومنهجها بمثل حرصهم على وعيهم لمكونات واقعهم في مشهد الانتفاضات الشعبية المليء بالاحتمالات والقلق المشروع – في اللحظة الراهنة – من إمكانية استعادة قوى الثورة المضادة بدعم صريح ومباشر من القوى الامبريالية وحلف الناتو ودولة العدو الإسرائيلي ، لإعادة إنتاج التبعية والاستبداد والتخلف بصور وأشكال جديدة ، الأمر الذي يتطلب استنهاض كافة قوى اليسار العربي الديمقراطي الثوري من أجل توفير كل مقومات القوة والوحدة السياسية والفكرية والتنظيمية بما يمكنهم من استعادة دورهم الطليعي في تحقيق أهداف الثورة الوطنية والقومية ، التحررية الديمقراطية التي تنتظرها الجماهير بشوق كبير.
 
 
من موقع الحوار المتمدن
13 يناير 2013

اقرأ المزيد

البروفيسور الأميركي إميل نخلة: وقت الحوار ينفد في البحرين!






  • بعد 40 سنة من صدور كتابي عن البحرين.. المظالم نفسها النموذج القبلي نفسه وحتى «السيّد 50 في المائة» نفسه!

  • القيادة السعودية لم تَشْفَ بعد من ما حدث لمبارك..والموقف الأميركي من البحرين متأثر بالاقتصاد السعودي المغلغل

  • التحدي الرئيسي هو إذا ما كان لآل خليفة متسع من الوقت للانتظار.. فنافذة الحوار قد تغلق في وقت قريب





مرآة
البحرين (خاص): في العام 1972، حصل البروفيسور الأميركي إميل نخلة على
منحة عبارة عن سنة دراسية لإجراء بحث ميداني عن البحرين. قدم المنحة برنامج
«فولبرايت» الذي كان يهتم بإجراء بحوث عن الدول العربية الجديدة في
الخليج، حديثة الاستقلال. زار البحرين (1972 – 1973) من أجل ذلك، كأوّل
باحث أميركي يحصل على هذه المنحة. كان حرّاً في أن  يدعم مشروعه البحثي
بإجراء اللقاءات مع من يريد، الوزراء ورجال أعمال وخرّيجي الجامعات
والمزارعين والصيادين والغواصين وتجار المجوهرات واللؤلؤ والنشطاء
السياسيين وحقوق الإنسان والمعلمين والأساتذة وعمال المصانع. 



زار
كل المدن والقرى، وأجرى مقابلات مع كل ناد في كل حي. كما غطّى أيضاً
انتخابات المجلس التأسيسي (1972) الذي تواجد تقريباً في جميع الدورات التي
عقدها إلى أن تبلورت الصيغة النهائية لدستور (1973)، ولاحقاً المجلس الوطني
(1973). وقام بإجراء حوارات مع كل المترشحين ومن ثم الأعضاء المنتخبين في
المجلسين. 


على
كل هذا، جاء كتابه «البحرين: التطور السياسي في مجتمع متحدث» الذي يعد
اليوم من أهمّ المراجع التي يمكن العودة لها لمعرفة مخاضات هذه الفترة.
ويقول نخلة «تعرفت على الكثير من البحرينيين، وأقمت علاقات صداقة وثيقة
بعضها ما يزال قائماً منذ 40 عاماً. في الحقيقة كان من السهل جداً أن أقع
في حب البحرين». إلا أن كتابه الذي حظي بكل هذا الزخم من التغطية
والتسهيلات لكتابته، والذي نشر في العام (1976) لم يتم السماح بتداوله في
البحرين. في تعليقه على ذلك، يقول «أعتقد أنه كان محظورا لأنه ناقش أموراً
داخل الأسرة الحاكمة، والديناميات السياسية عشية وعقب الانتخابات في المجلس
التأسيسي، والوضع الأمني في البلاد».  كما يكشف نخلة لأول مرة بأن «(رئيس
الوزراء) الشيخ خليفة (بن سلمان آل خليفة) ومدير الأمن في ذلك الوقت،
البريطاني إيان هندرسون، اعترضاَ على لقاءاتي مع الكثير من البحرينيين». 


قدم
نخلة كتابه الذي جاء باللغة الإنجليزية وحوى تحليلاً معمقاً، إلى كل
الجمعيات التي كانت موجودة آنذاك. وقامت «دار الكنوز الأدبية» بترجمته إلى
اللغة العربية ونشره من بيروت. ومؤخراً، قامت إحدى دور النشر الأميركية
«لكسينغتون للكتب»، بإعادة نشر الكتاب عقب اندلاع ثورة 14 فبراير/ شباط
2011.  


ويوضح
في هذا السياق «إن الناشر رأى بشكل صحيح أن كثيراً من المظالم التي تحدث
عنها الكتاب في سبعينات القرن الماضي كانت ما تزال هناك إلى اليوم، بما في
ذلك رئيس الوزراء القديم نفسه». وقد اختار نخلة لوحة للرسام البحريني محمد
البوسطة، كان قد ابتاعها من معرض له العام 1973، كغلاف للطبعة الجديدة.
ويستذكر هنا حادثة ذات دلالة «خلال ذلك المعرض رأى الشيخ خليفة اللوحة،
ولكن لم يحبها! ربما لأنها كانت تحوي نوعاً من التطلعات الشعبية. وقد وضعت
بشكل متزامن مع إعلان الدستور». ويضيف بهذا الصدد «اللوحة تصور ثلاثة
بحرينيين: امرأة، مزارع، وعامل مصنع. كانت الآمال السائدة آنذاك أن يسترد
الدستور الجديد آمالهم وتطلعاتهم. لكن هذه الآمال تبددت». ويتابع نخلة «لم
تعط المرأة الحق في التصويت، مزارعو القرى فقدوا الكثير من أراضيهم على
أيدي أناس من آل خليفة، ومنع عمال المصانع من الحق في التنظيم النقابي».
ويقول «البحرين ما تزال مشروعا غير مكتمل، وبالتالي فإن اهتمامي بها
مستمر». 


«مرآة
البحرين» التقت إميل نخلة، عضو مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة
الأميركية، والمدير السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي
إي» وحاورته حول عدد من الخلاصات التي انتهى إليه كتابه، وما إذا كانت لما
تزال فاعلة للآن، وكذلك عن الموقف الأميركي من أزمة البحرين. فيما يلي
مقتطفات:


مرآة البحرين:
هل ما زال نمودج «القبلية المتحضرة» الذي ناقشته في كتابك عن البحرين في عام 1970 ساريا حتى اليوم؟


 

إميل نخلة:

على الرغم من مرور 40 عاما منذ أن بحثت وكتبت كتابي عن البحرين، النموذج
القبلي، للأسف، لا يزال ساريا على حكم عائلة آل خليفة في البلاد. فآمال
المواطنين البحرينيين – الشيعة والسنة- التي كانت معلّقة على انتخابات
المجلس التأسيس والمجلس الوطني عام 1972-1973 وعلى الدستور الذي أصدره
الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في عام 1974، قد قُضي عليها
بعد عامين. وبحلول عام 1975، عاد آل خليفة إلى الحكم الاستبدادي في البلاد
دون أي مشاركة من المواطنين. وبعد عام 1975، عندما تم حل المجلس الوطني
وتجميد الدستور، ظلت العائلة الحاكمة تنظر إلى البلد والشعب على أنهم جزء
من ملكية آل خليفة. وفي الواقع، فإن العديد من المناصب الرئيسية، بما في
ذلك الديوان الملكي، ووزارة الدفاع، ووزارة الشؤون الخارجية، ومكتب رئيس
الوزراء، ووزارة العدل، إلخ،  يشغلها حاليا أولاد وأحفاد المؤسسين الأوائل
لحكم آل خليفة. وقد أعرب البحرينيون عموما عن ولائهم لرأس قبيلة آل خليفة
لأربعة أسباب على الاقل.

الأول، أن
البحرينيين عموما أحبوا واحترموا  الشيخ عيسى. الثانية، الشعب التزم
بالفكرة القومية لبحرين مستقلة. الثالثة، هو أن العديد من نشطاء حقوق
الإنسان في عام 1970، من الشيعة والسنة، ظلوا يأملون أن يُحيي الشيخ عيسى
المجلس الوطني ويعيد الدستور. الرابع، معظم نشطاء حقوق الإنسان وغالبية
البحرينيين لم ينظروا إلى دعوات الإصلاح السياسي ومحاسبة الحكومة كانعكاس
للانقسام الطائفي في البلاد. وعلى العكس من ذلك، فإن معظم النشطاء دعوا إلى
حرية التعبير والتجمع وحكومةٍ مُساءَلةٍ شفافة لجميع البحرينيين. وقد
أظهرت أبحاثي الميدانية أن الكثير من العمال البحرينيين كانوا مُستائين من
السيطرة السياسية والمالية المتفشية التي يمارسها الشيخ خليفة، ورئيس
الوزراء وشقيق الأمير على العقود، والتوكيلات، والمشاريع – بدءًا من بناء
الفنادق إلى استصلاح الأراضي والتنمية.
فالعديد منهم وصفوه سرا بأنه
«السيد 10 بالمئة، 40 بالمئة، أو 50 بالمئة» اعتمادا على النسبة المتصورة
التي كانوا يعتقدون أنه حصل عليها من عقود معينة. المعارضون المؤيدون
للإصلاح قبلوا بإدارة قبيلة آل خليفة للبحرين كإقطاعية دون مساءلة الجمهور.
وبعد الثورة الإيرانية عام 1978 -1979، برر الشيخ خليفة وقواته الأمنية
سيطرتهم بأنها وسيلة لإحباط ما يتصورون أنه دعم إيراني للنشاط الشيعي في
الخليج العربي.


المرآة:

كيف سيكون أثر الربيع العربي على دول الخليج العربي؟ الميثاق الوطني 2001
 وعد بدستور إصلاحي جديد، ولكن للأسف، الناس أصيبوا بخيبة أمل لأن الأمير
(تغيرت تسميته إلى ملك بعد عام 2002) قد تراجع عن وعود الإصلاح التي وعد
بها الشعب في عام 1999. ما هو المسار الذي ستتخذه الحركة المؤيدة للإصلاح
وما  هو التأثير الذي سيشكله على البلاد؟


نخلة:

على الرغم من طبيعة الحكم القبلي والأسري في البحرين، فقد تأثرت البلاد
بالربيع العربي، سواء أحبت ذلك الأسرة الحاكمة أم لم تحب. فمطالب الكرامة
والمساواة، والاحترام، وحرية التعبير لا تعرف الحدود الوطنية. بمعنى أن
الأسرة الحاكمة محظوظة لأن المطلب الرئيسي للمعارضة البحرينية في البداية
لم تكن لتغيير النظام. فلقد ركّزوا على تأسيس برلمان وطني منتخب مع سلطات
تشريعية كاملة، وإعادة دستور عام 1974، وتغيير رئيس الوزراء، وسلطة قضائية
مستقلة، وحكومة شفافة خاضعة للمساءلة، ووضع حد للممارسات التمييزية ضد
الأغلبية الشيعية، وخاصة في مجال العمل في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة
والمستشفيات، والجامعات، والشركات والمؤسسات المالية التي تسيطر عليها
الحكومة.  تلك المطالب لم تكن طائفية ولا مدفوعة من قبل إيران.
قمع
النظام المستمر والاعتقالات غير القانونية للمتظاهرين قد أدت ببعض
المتظاهرين إلى رفع شعار «تغيير النظام». بينما الاضطرابات الشعبية في تونس
ومصر واليمن وليبيا، والآن في سوريا  دعت منذ اليوم الأول إلى تغيير
النظام، وفي البحرين مطلب تغيير النظام هو مطلب حديث جدا. فإذا لم يَسُد
القادة الحكماء والزعماء المؤيدون للإصلاح داخل الأسرة الحاكمة، وإذا ظل
الملك وولي العهد مهمشين، فإن حكم آل خليفة سيصبح أكثر هشاشة، وأعمال العنف
ستتوسع، وستتم إراقة المزيد من الدم البحريني، والعناصر المتطرفة ستصبح
أكثر مقدرة داخل المعارضة المؤيدة للإصلاح. والأكثر إثارة للقلق هو أن سلطة
الملك وابنه ولي العهد تتآكل ببطء والفصيل المناهض للإصلاح داخل العائلة
الحاكمة، سواء كان الجيل القديم المتمثل برئيس الوزراء أو بعض الوزراء
البارزين الأصغر سنا الممثلين  بما يسمى بـ«الخوالد» يصبحون أكثر تزمتا ضد
الشيعة وأكثر تأثيرا. هذا الفصيل يتماشى مع المبادئ التوجيهية السعودية على
كيفية معارضة الإصلاحات الديمقراطية.
عندما
دخلت القوات السعودية إلى البحرين تحت ستار الاتفاقية الأمنية الخليجية،
وقعت البحرين عمليًا تحت الهيمنة السعودية. وفي حين أن الحارس العجوز لآل
خليفة قد رحب بهذا التدخل، فإن العناصر المؤيدة للإصلاح داخل وخارج الأسرة
الحاكمة استاءت من الوجود العسكري السعودي واتهمت رئيس الوزراء بالتخطيط
لذلك. وعلى الرغم من أن الوجود العسكري السعودي  يخدم معاداة المملكة
العربية السعودية لإيران وسياسة مناهضة الشيعة، فإنه على المدى الطويل سوف
يلحق ضررا هائلا بالاستقرار، والمجتمع، والحكومة في البحرين. فالجيش المصري
والأجهزة الأمنية المصرية الأكثر قوة فشلت في إسكات الصحوة الشبابية في
ميدان التحرير.  وقوات الأمن البحرينية سوف تفشل بالمثل في إسكات المعارضة.
نافذة الحوار الحقيقي بين الملك والمعارضة حول إصلاح سياسي ذي مغزى ينغلق
بسرعة. وعندما تغلق النافذة، سوف تجد البحرين نفسها في مشكلة اقتصادية
وسياسية حقيقية، وسوف يخسر قادة آل خليفة «بيعة» شعبهم – من السنة والشيعة.


المرآة:
كيف تقيمون العلاقات الأمريكية السعودية المتعثرة حول الديمقراطية والإصلاح في المنطقة وكيف تتصورون تطور هذه العلاقة؟


نخلة:

العلاقات السعودية الأمريكية حول اضطرابات انتفاضات الربيع العربي
والتحولات الديمقراطية أصبحت متوترة منذ أن قام الرئيس الأمريكي بتأييد
الحركة المؤيدة للديمقراطية في مصر وحث الديكتاتور المصري على التنازل عن
العرش. وبسبب علاقاتهم الوثيقة مع مبارك، غضب السعوديون من موقف الولايات
المتحدة وادعوا أن الرئيس كان سريعا جدًا في التضحية بمبارك. كان موقف
الرئيس أوباما هو أن الولايات المتحدة تساند القائد طالما أنه يحظى بثقة
شعبه. وبمجرد أن يفقد ذلك فإنه ينبغي أن يرحل. هذا هو الحال مع مبارك في
مصر، وصالح في اليمن، وزين العابدين بن علي في تونس، والقذافي في ليبيا،
والأسد في سوريا الآن. السعوديون يجدون من الصعوبة القبول بأي دور ذي مغزى
للشعب في تحديد نوع الحكومة والزعيم الذي يرغبون به. وعلى الرغم من العلاقة
الاستراتيجية التي تمتد لعقود بين واشنطن والرياض، فإن القيادة السعودية
لم تَشْفَ بعد من ما حدث لمبارك. فهذه العلاقة الاستراتيجية ارتكزت على
النظرة الأمريكية السعودية المشتركة حول الاستقرار الإقليمي، والتعاون
العسكري القوي والصادرات النفطية، والموقف الإيراني المتصور للهيمنة على
منطقة الخليج.
 

الولايات
المتحدة والسعودية يعملان بشكل وثيق في المجال العسكري، وينسقان بانتظام
ضد إيران، ويتفقان بشأن سوريا. ولكن يختلفان على ردة فعل الحكومة البحرينية
تجاه الاضطرابات وعلى والحملة القاسية لآل خليفة ضد الأغلبية الشيعية.
فواشنطن لم تدعم التدخل السعودي العسكري في البحرين وتعتقد أن هذه الخطوة
من شأنها أن تثير الوضع أكثر، وتشعل الطائفية. والرياض لم تظهر أي استعداد
لبدء حوار حقيقي بين آل خليفة والمعارضة، كما أنها لا تتصور أي دور ذي مغزى
للغالبية الشيعة في الحكومة. وبسبب القلق بشأن برنامج إيران النووي،
والعنف البشع في سوريا، ووجود الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، والحملة
الانتخابية الرئاسية عام 2012 في الولايات المتحدة، تم تأجيل أمر
الانتفاضة في البحرين، على الأقل في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن واشنطن
كانت تحث باستمرار الحكومة البحرينية، وإن كان دائما بغاية اللطف، على
التحاور مع الحركة المؤيدة للديمقراطية وكانت تشجع ولي العهد للعب دور أكثر
نشاطا في تعزيز هذا الحوار.

ومن
ناحية أخرى، الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري قوي في الخليج وتنسق مع
حكومات دول الخليج لمكافحة الإرهاب في شبه الجزيرة العربية والقرن
الأفريقي، وفي مواجهة النشاطات المزعزعة للاستقرار من الجانب الإيراني.
الولايات المتحدة حتى الآن لم تستخدم نفوذها الكبير مع آل خليفة لفرض حوار
مع المعارضة. وكما توقع العديد من المحللين، فإن التدخل السعودي العسكري
لسحق الانتفاضة قد فشل على الرغم من ضراوة الموقف تجاه الطائفة الشيعية.
وعلى العكس من ذلك، فقد نشطت المعارضة رغم القمع المستمر الذي يمارسه
النظام، وأيضا مكنت المتشددين ضد الشيعة داخل الأسرة الخليفية، وبشكل غير
مباشر همشت الملك وابنه ولي العهد.


المرآة:

هل قامت المملكة العربية السعودية باستخدام اعتماد الولايات المتحدة على
النفط السعودي ومبيعات الأسلحة الأمريكية الضخمة إلى المملكة لابتزاز
الولايات المتحدة  لاتخاذ موقف يبدو أكثر تسامحا تجاه التكتيكات القاسية
لآل خليفة ضد الناشطين المؤيدين للديمقراطية؟ هل من الممكن أن يكون هناك
طلاق بين العلاقات الأمريكية- البحرينية بسبب العلاقات السعودية –
الأمريكية؟


نخلة:

لم تحاول المملكة العربية السعودية التأثير على السياسة الخارجية
الأمريكية تجاه الانتفاضة البحرينية من خلال الابتزاز. هذه المحاولة، إن
وجدت، ستكون عقيمة وسوف تأتي بنتائج عكسية بالتأكيد. عندما تصبح الولايات
المتحدة مكتفية ذاتيا في مجال الطاقة، وعندما تهدأ الحرب في أفغانستان،
وعندما تبحث إيران عن تسوية تفاوضية مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها
النووي، فإن الولايات المتحدة سوف تبدأ في البحث عن استراتيجيات للحد من
وجودها العسكري في المنطقة. كما يمكن للقرارات المالية وتلك المتعلقة
بالميزانية داخل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أيضا التقليل من الوجود
العسكري الأمريكي في الخليج، لتشمل الأسطول الخامس. ووفقا لبعض التقارير،
فإنه خلال عقد ونصف من الآن من المتوقع أن تحتاج السعودية بين 6-8 مليون
برميل من النفط يوميا للاستهلاك المحلي،  وبشكل أساسي في توليد الطاقة
وتحلية المياه. وبناء على ذلك، فإن المملكة سيكون لديها كميات نفط أقل
للتصدير وعائدات نفطية أقل. وفي الإطار الزمني نفسه، الحكومة السعودية
بحاجة إلى المزيد من المال لتوفير الرفاهية لمواطنيها، خاصة في مساعدة
البطالة، والتعليم، والصحة.
وبوجود
مال أقل للإنفاق واحتمال علاقة أكثر سلاما مع إيران، فإن الحكومة السعودية
ستكون أقل ميلا للإنفاق على مشتريات الأسلحة الضخمة من الولايات المتحدة أو
أي مكان آخر. وسوف تكون الحكومة أيضا غير قادرة على إنفاق مليارات
الدولارات  لتهدئة الأوضاع في قطاعاتها السكانية المضطربة، كما فعل الملك
عبد الله ردا على الربيع العربي عام 2011. فإذا تحققت هذه التوقعات، ستضطر
الحكومة السعودية للحد من دعمها للمتشددين السنة في البحرين. وعندئذ سيضطر
آل خليفة للاستجابة لمطالب شعبهم من أجل الديمقراطية والعدالة دون الدعم
السعودي. حاليا، العلاقات بين الولايات المتحدة والبحرين تبدو أنها ترتبط
ارتباطا وثيقا بالعلاقات الأمريكية- السعودية بسبب الاقتصاد السعودي
المتغلغل والنفوذ الأمني في البحرين. وكلما تغيرت موازين القوى في المنطقة
على مدى العقد المقبل، وكلما أعادت الولايات المتحدة النظر في مصالحها
الاستراتيجية والتزاماتها في المنطقة،  فإن آل خليفة بحاجة للبحث عن
استراتيجيات من أجل إصلاح حقيقي وعدالة اقتصادية واجتماعية. والتحدي
الرئيسي هو إذا ما كان لآل خليفة متسع من الوقت للانتظار حتى ذلك الحين.
فنافذة الحوار قد تغلق في وقت أقرب بكثير. فاذا ما حدث ذلك، فإن الدعوة إلى
تغيير النظام سوف تتفوق على الدعوة إلى الحوار. البحرين اتخذت أهمية أكثر
من  حجمها في العامين الماضيين بسبب الصراع على السلطة بين إيران والمملكة
العربية السعودية، وعندما، يخف هذا الصراع، ستعود البحرين مرة أخرى لتكون
لاعبا صغيرا في تكوينات القوى الإقليمية.


المرآة:
كيف تقيمون القوى المؤيدة للديمقراطية والحركة الديمقراطية في البحرين؟


نخلة:

مثل كل حركة احتجاج عربي في العامين الماضيين، الانتفاضة المؤيدة
للديمقراطية في البحرين بدأت تطالب سلميا بإصلاح سياسي حقيقي ومساءلة
الحكومة. ومثل كل نظام وقعت احتجاجات ضده، لجأ آل خليفة إلى العنف والقمع.
وكلما أصبحت الحملة أقسى وأكثر دموية، وكلما أثارت الحكومة السنية لآل
خليفة العنف ضد الطائفية الشيعة وأطلقت النار وضربت المتظاهرين السلميين
وعذبت السجناء، فإن البعض في الحركة المؤيدة للديمقراطية بدأ يتساءل عما
إذا كانت العائلة الحاكمة مهتمة في التوصل إلى تسوية مع المعارضة. الدعوة
إلى العدالة والكرامة في دوار اللؤلؤة في المنامة كان لا يختلف عن تلك
الموجودة في ميدان التحرير في القاهرة. ومع ذلك  ردود فعل الديكتاتور
المصري و آل خليفة كانت تختلف اختلافا كبيرا. فمبارك كان مقتنعا في التنازل
عن العرش قبل اراقة المزيد من الدم، في حين أن آل خليفة، وخاصة رئيس
الوزراء، يواصل تشبثه بالسلطة. وعلى الرغم من أن الحركة البحرينية المؤيدة
للديمقراطية هي حركة أصيلة وحقيقية، فإنها ليست متجانسة. فهي تتكون من
الكثير من الجماعات الشيعة والسنة، الدينية والعلمانية، تتراوح بين الوفاق
إلى وعد، والمنبر، وحق وآخرين. وكلما أصبحت المواجهات مع الحكومة أكثر
عنفا، فإن بعض المعارضة بدأت باختيار العنف كرد فعل مبرر لقمع الحكومة.
آخرون
رفضوا العنف  واستجابوا لبعض دعوات الحكومة للحوار. وهناك أيضا فجوة من
حيث الأجيال داخل الانتفاضة، مع جيل شبابي يصبح أكثر دعما للعنف ويعارض
الحوار. ويبدو أن الوفاق قد فقدت البعض من نفوذها، والحركات العلمانية
السنية أصبحت أكثر تهميشا. والحركة الديمقراطية تنقسم فكريا وجيليا. بعض
الفصائل ما زالت تأمل ببحرين صالحة ديمقراطيا تحت مظلة الملكية
«الدستورية”» لآل خليفة ولكن من دون رئيس الوزراء الحالي.  الآخرون، الذين
يعتبرون أن إقامة نظام ملكي دستوري أمرًا غير واردٍ للغاية، قد خرجوا لأجل
تغيير النظام. وعلى الرغم من الخلافات العميقة داخل الحركة الديمقراطية على
الاستراتيجيات التي يجب اتباعها، فإن معظم الفصائل توافق على أن الوضع
الحالي في البحرين غير قابل للاستمرار. فحكم آل خليفة لا يستطيع أن يحكم
قبضته على السلطة كما كان قبل شباط/فبراير 2011.


المرآة:
كيف تقيمون استخدام النظام إيران كتكتيك مخيف لكسب الدعم الغربي في حملته ضد المعارضة؟


 

نخلة:

الحركة الديمقراطية وحركة حقوق الإنسان في البحرين لم تكن أبدا بسبب
الشيعة أو بسبب إيران رغم ادعاءات النظام خلاف ذلك.  الدعوات إلى الإصلاح
السياسي وحقوق العمال بدت منذ عقود خلت عندما كانت إيران لا تزال في عهد
الشاه. معظم الشيعة البحرينيين لا يتخذون آيات الله الإيرانيين كمراجع لهم.
في الواقع، البحرينيون الشيعة في معظمهم يتبعون الزعماء الدينيين
العراقيين في النجف وكربلاء كمراجع. منذ قدوم الربيع العربي، وحكومة آل
خليفة تردد ذريعة مموليهم السعوديين أن إيران تقف وراء حركة الاحتجاج في
دول مجلس التعاون الخليجي. وأما الغرب فيعتقد أن المدافعين عن حقوق الإنسان
في البحرين، والمملكة العربية السعودية والكويت وعمان وأبو ظبي وغيرها من
المجموعات الأصيلة ليست موجهة بالضرورة أو مسيطر عليها من قبل طهران. ولكن
الاضطرابات المستمرة في الخليج العربي يمكن أن يكسب إيران مصالح قصيرة
الأجل، فالنظام الإيراني الحالي متوجس من الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية
لئلا تتوسع إلى إيران.

الجمهورية
الإسلامية لا تريد أن ترى تكرار الاحتجاجات الضخمة في حزيران/يونيو 2009
التي أعقبت الانتخابات. إيران فقدت بالفعل الكثير من نفوذها في العالم
العربي بسبب دعمها لنظام الأسد في سوريا.  حتى حزب الله الشيعي فقد الكثير
من بريقه في الشارع العربي الذي أقامه في أعقاب حرب لبنان عام 2006 بسبب
دعمه للأسد. حجة الحكومة البحرينية بأن إيران تقف وراء الاضطرابات لم تحصل
على أي جاذبية بين واضعي السياسات في واشنطن، ولندن، وعواصم غربية أخرى.
خلافات الغرب مع إيران والعقوبات الدولية عليها هي بسبب برنامج إيران
النووي، وليست من دعمها المتصور للاضطرابات الداخلية في الدول العربية
السنية. شبح ما يسمى بالهلال الشيعي الذي أثارته السعودية ومصر مبارك،
والأردن قبل بضع سنوات قد تلاشى. في الواقع، العديد من المحللين في الغرب
يقولون الآن إن ” الهلال السني ” في صعود في العالم العربي، وإن إيران
أصبحت أكثر عزلة في المنطقة.



  • ببلوغرافيا:
الدكتور
إميل نخلة استشاري مستقل وعضو في مجلس العلاقات الخارجية، أعرق مراكز
التفكير وأكثرها  تأثيراً ونفوذاً في صنع القرار في الولايات المتحدة
الأمريكية. كان يعمل في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية حتى عام 2006،
ولمدة 15 سنة. خدم في الوكالة ككبير ضباط المخابرات، ورئيس وحدة التحليل
الإقليمي في مكتب الشرق الأدنى وجنوبي آسيا، ومدير لبرنامج التحليل
الاستراتيجي للإسلام السياسي. وقبل التحاقه بوكالة المخابرات، عمل باحثاً
مقيماً وكبيراً للمحللين لدى وزارة الخارجية الأمريكية. وقبل ذلك، عمل
أستاذاً ورئيساً لقسم العلوم السياسية في كلية ماونت سانت ماري، بولاية
مريلاند. وألقى سلسلة من المحاضرات في معظم بلدان الشرق الأوسط وكذلك
ألمانيا وبريطانيا وكندا والمكسيك واليابان وأستراليا.


تتضمن
اهتماماته البحثية قضايا الإسلام السياسي والحكم في الشرق الأوسط، القضية
الفلسطينية، وعلاقات الولايات المتحدة بمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط
والعالم الإسلامي، استقرار النظم، والإصلاح التعليمي والسياسي. وقد نشر
أكثر من ثلاثين دراسة في دوريات علمية مختلفة. كما ألف العديد من الكتب،
منها: “انخراطٌ ضروري: إعادة اختراع علاقات أمريكا بالعالم الإسلامي”
(برنستون، نيوجيرسي: منشورات جامعة برنستون، 2009)، “مجلس التعاون الخليجي:
السياسات والمشكلات والإمكانات المستقبلية” (وست بورت، كونيكتيكيت:
مطبوعات بريجر، 1986)، “الخليج العربي والسياسة الأمريكية” (وست بورت،
كونيكتيكيت: مطبوعات بريجر، 1982)، “أجندة فلسطينية للضفة الغربية وغزة”
(واشنطن: معهد الأعمال الأمريكي، 1980)، و”التنمية السياسية في البحرين”
(وست بورت، كونيكتيكيت: مطبوعات بريجر، 1976. ترجم إلى العربية ونشر ببيروت
عام 2006). كما ساهم بفصول في عدة كتب، أحدثها “التعاون المخابراتي: الفرص
والمخاطر”، في: ستيف سانج (محرر)، مواجهة الإرهاب الدولي: البحث عن إطار
فكري بديل (وست بورت، كونيكتيكيت: مطبوعات بريجر، 2009). 


حصل
الدكتور نخلة على عدة جوائز، منها تعيينه زميل أبحاث أول في ناشيونال
إنداومنت فور هيومانيتيس، وأستاذاً زائراً في جامعة بير زيت، وباحثاً
زائراً في مركز ودرو ويلسن الدولي للباحثين، وحصل على منحة فول برايت
للأبحاث. كما حصل على عدة ميداليات تكريمية من وكالة المخابرات الأمريكية،
مثل ميدالية المدير وغيرها. وقد ورد اسمه في كتاب المشاهير في أمريكا.  وقد
حصل إميل نخلة على الدكتوراه في العلاقات الدولية من الجامعة الأمريكية،
والماجستير في العلوم السياسية من جامعة جورج تاون، وبكالوريوس العلوم
السياسية من جامعة سانت جونز بولاية مينسوتا.الدكتوراه في العلاقات الدولية
من الجامعة الأمريكية، والماجستير في العلوم السياسية من جامعة جورج تاون،
وبكالوريوس العلوم السياسية من جامعة سانت جونز بولاية مينسوتا.
اقرأ المزيد

تحديات الهوية الفلسطينية في عالم متغير – شفيق الغبرا

تمثل الهوية الفلسطينية واحدةً من أكثر الهويات المثيرة للمشاعر
والتفاعلات، وذلك لأنها نمت عبر الضدية المباشرة مع المشروع الصهيوني
واختبرت على مر العقود الاقتلاع وفقدان الأرض والاحتلال والشتات. لقد
تعايشت الهوية الفلسطينية مع خطوط التماس وولدت من فوهة التحديات المصيرية
من دون أن تعرف ما الذي ينتظرها في اليوم التالي، فالأرض من حولها اهتزت
كما لم تهتز في مكان آخر، بينما أحاطت بها السجون، وكبّلتها حياة المخيمات
وحصار الأسلاك الشائكة والجدران العالية.

ومنذ العام 1948 عند قيام
«إسرائيل» ومنع عودة الفلسطينيين، سكنتهم حالة العودة إلى فلسطين والتي
سارت بموازاة مع روح المساهمة والبناء في مساحات العالم العربي والعالم
المختلفة. فلقد توزّعت الهوية الفلسطينية على كل الأمكنة لتكتشف لنفسها
طريقاً، في أماكن عرفت الاحتواء والصداقة والعمران، وفي مناطق واجهت
التهميش واختبرت الاضطهاد. على مر العقود تفاعلت الهوية مع الرياح التي
هبّت على العرب بدءًا من الناصرية والقومية العربية والإسلام السياسي
وصولاً إلى التغيرات العربية الراهنة وآفاقها.

ولقد مرت الهوية
الفلسطينية، ككل هويةٍ مضطَهَدةٍ، بمراحل ضمور وتجدد، وبمراحل استعداد
وتأمل. إنها هويةٌ عرفتها كل الجبهات والميادين وسط تعرضها اللامتناهي
للقساوة والفتك، فبعد كل تراجع تعيد المحاولة وكأن شيئاً لم يقع. وتمر
الهوية الفلسطينية الآن بواحدةٍ من هذه المنعطفات، وذلك بسبب تكثف الصراع
على الأرض واليقظة العربية الربيعية الجديدة، وبسبب تكاثر الأسئلة الوجودية
والخوف على مستقبلها.

في كل هذا تحمل الهوية الفلسطينية حملاً
ثقيلاً، يفرض عليها إعادة تعريف مكانتها وتحدياتها عند كل منعطف. والملاحظ
أن الهوية الفلسطينية تتناثر وتضعف عندما تبتعد عن جذورها التي كوّنتها
وذكرى القرى والمدن المدمرة التي حدّدت شكل وجودها. فقوة الهوية الفلسطينية
ارتبطت دائماً بمدى مقدرتها على التحصن في حصنها الأخلاقي وروايتها
التاريخية الأولى وذلك بهدف إعادة اكتشاف المنابع التي حدّدت مأساتها
واقتلاعها من الوطن الذي كوّن بداياتها.

وبينما يبدأ تاريخ الهوية
الفلسطينية منذ أزمانٍ طويلةٍ في ظل دول إسلامية متعاقبة وتاريخ سابق لكل
التواريخ، إلا أن العام 1948 مثّل بداية مختلفة وولادة انبثقت من خطوط
النار. ما كان قائماً في فلسطين قبل النكبة احتوى على شعب ينتمي إلى حضارةٍ
تسعى لدولة مستقلة أسوةً ببقية العرب في زمن سيطرة الاستعمار، وما وقع في
النكبة العام 1948 اقتلع الحلم وهجّر الشعب الذي أراده. هنا بدأ الحدث الذي
هزّ عوالم العرب ولم يعرف الشرق مثيلاً له.

لقد عزّز هذا البعد
السياسي – الانساني للهوية الفلسطينية من مقدرتها على استيعاب كل من يتداخل
معها. كان محجوب عمر المناضل المصري في صفوف المقاومة وألوف العرب الذين
ناضلوا واستشهدوا من أجل فلسطين نماذج لهذا التداخل الذي صنع الهوية
الفلسطينية بصفتها هويةً كفاحيةً وهويةً إنسانية. فالهوية الفلسطينية
بالأساس ليست عرقيةً وطنيةً مغلقة، بل تشكّلت بامتيازٍ عبر ميزانٍ لعدالةٍ
مفقودة. هذا البعد الأخلاقي – الحقوقي للهوية الفلسطينية سمح بالانتماء
إليها والسباحة في ربوعها من قبل مواطنين من مجتمعات شتى.

هوية
فلسطين حاضنةٌ لحالةٍ نجدها مختزلةً في قصص عن منزلٍ مصادَر ومفتاحٍ للذكرى
وشجر صبّارٍ ينبت مكان قرى مدمّرة وزيتون وبساتين برتقال منهوبة وقرى
محروقة ومدن مفرغة وعائلات مشتتة ومخيمات متلاصقة. إن هذه الهوية الملاحقة
في الميادين والجبهات لم تصل لما يريحها ويريح موتاها ويرفع الظلم عنها،
وعلى الأغلب ستبقى تبحث وتبحث عن طرق الوصول إلى مستقبلٍ عادلٍ لا يحدّه
مكان أو وقت. لهذا ستحتاج في طريقها القادم إلى وسائل مبتكرة وطرق تفكير
مبدعة.

فمن الطبيعي أن نتساءل أين تقف الهوية الفلسطينية من تحديات
بنيان معاصر ومجتمع نام وعادل وإنساني. فجزء من تعبيرات الهوية الفلسطينية
قائم من خلال علم وطني وتحرير بعض الأرض كما في غزة وبعض مناطق السلطة
الفلسطينية. لكن هذا لا يكفي ولن يكفي، وقد يتحول إلى كابوس مقلق.

فالدولة
من دون مقومات وفي ظل التهويد والاستيطان والاقتلاع ستتحوّل إلى عبء على
الهوية الحاضنة لها. هذه هوية عابرة للدول والأماكن، فهي في كل مكان في
العالم لكنها مازالت بكثافة على أرضها التاريخية: إنها في يافا والناصرة
وعكا كما في رام الله والخليل ونابلس وبلعين، وهذا يمثل أساس قوتها.

وكيف
تتطور هوية بلا فتح متنفس واضح للخلافات بين مكوناتها. هذا يفرض تقبل
الرأي المعارض قبل تقبل أي رأي، واعتبار التنوع وتعايش الآراء مدخلاً
للإغناء. أليست قيمة الأرض من قيمة الإنسان، وتحرير الأرض متداخلاً مع
تحرير الإنسان وفكّ قيوده وتطوير قدراته؟ كيف يكون تحرير الإنسان المؤدي
لتحرير الأرض ممكناً بلا منهج ثابت لتأسيس الحقوق المدنية والإنسانية
وتقديس الحريات والمساحة الإنسانية بما فيها الطريقة الديمقراطية في انتخاب
القادة والممثلين؟ في هذا الزمن وفي هذه اللحظات التاريخية التي تشهد
تحولات كبرى في العالم العربي، يجب إعادة قراءة التجربة الكفاحية المسلحة،
كما يجب في الوقت نفسه استلهام تجارب جنوب افريقيا والهند والحقوق المدنية
في مجتمعات شتى.

لكل هذا أثر حاسم على نمو الهوية وتطورها. ستؤدي
أنماط جديدة للمقاومة المدنية إلى مرحلة جديدة من الكفاح. فالمقاطعة وإحياء
الذاكرة، والمقاومة بواسطة الفن والمسرح والسينما والإعلام والأغنية
والتعبير والكتابة والتعليم والثقافة والمسيرات المنظمة والإعمار وبناء
المؤسسات ودعم الإبداع وزرع الأشجار وتحدّي الموانع والحواجز وحماية
الحريات والتنوع، قد تكون الشكل الأهم للمقاومة في المراحل المقبلة.

في
لحظة تحوّل، بإمكان هذه المقاومة أن تعزّز الهوية وتقوّيها وتبرز نقاط
قوتها، فتهزم أعداءها في فكرهم وأخلاقهم وسلوكهم ومرحلتهم التاريخية قبل أن
تهزمهم في ساحة الوغى.

شفيق الغبرا
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

لنتوقف عن ممارسة القيادة السياسية المشوهة – د.علي فخرو

لقد عُرّفت كلمة القيادة في أدبيات الفكر السياسي بأنها القدرة على
توليد الثقة في أحقية وصلاح الأهداف التي ينادي بها القائد، وعلى إظهار
الشجاعة لتنفيذ تلك الأهداف، وعلى جعل أتباع القائد من المطيعين والملتزمين
بالأهداف. ولقد وصل الحال بالبعض إلى اعتبار القيادة إحدى الفضائل التي
تغني عالم السياسة، وانشغلوا بوصف الصّفات الشخصية التي تجعل من القائد
شخصية محبوبة وموثوقاً بها ومطاعة.

في اعتقادي أن هناك جانباً من هذا الموضوع قد أهمله الكثيرون، وهو
الجانب المتعلق بامتداد تلك القيادة، أهدافاً وقادةً جدداً وأتباعاً لا
ينقطعون، امتدادها في الزّمن. وهذا الجانب، كما سنبيّن لاحقاً، يعتمد إلى
حدّ كبير على تصُّرفات وأخلاقيات القائد.

بالنسبة لنا نحن، عرب القرنين العشرين والواحد والعشرين، هذا موضوع بالغ
الأهمية، إذ انّه كان أحد النواقص المفجعة في حياتنا السياسية العربية
طيلة المئة سنة الماضية. ذلك أن الأمة العربية لم تحظ عبر تلك السنين
الطويلة بقيادات تمتد عبر الزمن، وإنّما حظيت بشخصيات كاريزميّة محبوبة
ومطاعة، مارست الرئاسة والهيمنة وحقّقت نجاحات مبهرة أحياناً، ولكنّها لم
تمارس القيادة. ذلك أن القائد الناجح الحقيقي هو الذي يترك من بعد رحيله
أتباعاً تلامذة يؤمنون بفكره ويحملون مسئولية رسالته ويحاربون ويموتون من
أجلها.

استمرار فكر ووهج الرسالة وعدم تراجع زخم النضال من أجلها عبر الزمن
المستقبلي هو جزء لا يتجزأ من مفهوم وشروط القيادة الناجحة. والقادة الذين
بعد موتهم يخيّم الصّمت المطبق على ما رفعوا من شعارات وما بذلوا من جهد
لحفرها في واقع المجتمعات كانت نجاحاتهم مؤقتة وقياداتهم ناقصة.

فالشعارات والأفكار العظيمة التي جاء بها رجال عظام تحتاج دوماً إلى
أكثر من جيل وإلى سلسلة طويلة من القادة الجدد لإيصالها إلى نهاياتها
المبتغاة السعيدة.

إن فشل الكثيرين من القادة السياسيين العرب إبان القرن الماضي في أن
يكونوا من الذين يخرقون حاجز الزمن الحاضر إلى الزّمن الممتدّ في أفق
المستقبل قد جعل السماء السياسية العربية إبّان ذلك القرن مليئةً بالغيوم
الكثيفة التي ولّدت الكثير من ضوضاء الرعد ولمعان البرق، لكنّها فشلت في أن
تنزل مطراً يجعل الأرض العربية تهتزّ وتربو زرعاً ونماءً وطنياً وقومياً
وحضارياً.

اليوم والوطن العربي يموج بالانتفاضات الثورية الواعدة، نحتاج الى أن
نطرح على أنفسنا السؤال المشروع: لماذا عمّت ظاهرة التشوُّه التي وصفناها
سابقاً في ممارسة القيادة عبر الحياة السياسية العربية الحديثة؟ لماذا لم
يستطع قادة عرب مخلصون، شهد لبعضهم القاصي والدّاني بقوة الشخصية وعمق
التأثير الجماهيري واتساع رقعة المؤيدين في هذا القطر أو ذاك، بل وأحياناً
في الوطن العربي كله، تربية قادة جدد آخرين قادرين على حمل الراية وتجييش
الجماهير إلى يوم احتفال الأمة بالنصر؟ في اعتقادي أن جزءاً من الأسباب
يعود إلى تقصيرٍ من القادة أو إلى أخطاءٍ ارتكبوها. بعضهم نسي أو جهل أن من
أهمّ وأعظم مهمّات كل قيادة توليد ورعاية قادة آخرين وليس فقط إنتاج أتباع
آخرين، كما يؤكد المناضل السياسي ـ الحقوقي الأميركي الشهير رالف نادر.

البعض الآخر أصابهم شلل التوجّس من وجود أيّ نوعٍ من القادة الآخرين من
حولهم وذلك خوفاً من وجود من يزاحمهم في الشهرة أو المكانة أو النفوذ.

آخرون لم يدركوا أن القيادة تحتاج إلى فريق بقائد وليس إلى قائد بلا
فريق. ولذا ناءوا تحت ضخامة العبء الذي حملوه ففشلوا كأفراد قادة وأفشلوا
معهم الرسالة.

جميعهم لم يفرّقوا بين مركز الرئاسة ومركز القيادة. فكما أوضح أحدهم
بتفصيل فإن رئيس الفريق يخلق الخوف أما القائد فيخلق الثقة؛ والرئيس يلوم
الآخرين أما القائد فإنه يصحّح الأخطاء؛ والرئيس مشغول ومهتمٌ بنفسه بينما
القائد يركّز اهتمامه على المناصرين والأتباع. ويستطيع الإنسان أن يعطي ألف
مثل على تصرّفات الكثيرين من قادة العرب التي أظهرتهم كأنهم رؤساء نوادٍ
وورش عمل ودكاكين بدلاً من تصرُّفهم كقادة مجتمعات وأوطان.

مناسبة طرح هذا الموضوع من جديد، ما يلاحظه أي مراقب من انجرافٍ تدريجي
لقيادات ما بعد ثورات وحراكات الربيع العربي نحو ارتكاب الأخطاء والنواقص
نفسها التي اتصفت بها القيادات العربية السياسية السابقة. فالشخصنة، وعدم
رعاية قيادات جديدة، والاستيلاء على كل الأضواء والمنابر، وممارسة ما يشبه
مماحكات المنافسة بين رؤساء وورش السَّمكرة، ولوم الآخرين، وازدراء الأخذ
والعطاء… كل ذلك وأكثر بدأ يطلُّ برأسه من جديد، والنتيجة هي تهديدٌ
حقيقي لقدرة أحداث الحاضر المبهرة في أن تحفر نهراً متدفّقاً يمتدُّ في
المكان والزمن العربييّن.

علي محمد فخرو
صحيفة الوسط البحرينية 
اقرأ المزيد

حين تصبح حقوق الإنسان سلاحاً ضد أمريكا



تُعدّ
الولايات المتحدة ومازالت، القوة العظمى الأولى في العالم، وهي كانت منذ
نهاية الحرب العالمية الثانية في العام ،1945 ومازالت، اللاعب الأول والأهم
في مناحي الحياة الدولية كافة، السياسية والاقتصادية والتكنولوجية
والاجتماعية والثقافية . فهي التي ترسم للعالم مسارات تطوره وتسهم بقسطها
الأعظم في وضع الخطط والجهود الدولية المكرسة للسير قدماً في إنفاذ الأطر
العملية لخطط هذه المسارات .


ولقد
أعطت الولايات المتحدة لنفسها، باعتبارها القوة العظمى الأولى في العالم،
حق ممارسة الدور القيادي والريادي في شؤون عالمنا المعاصر كافة، تساعدها في
ذلك الدول الأوروبية الواقعة في غربي القارة العجوز التي تتشارك معها في
المحتوى الثقافي للحضارة المعاصرة، وبضمنه، وفي جوهره، النظرة الفلسفية إلى
محتوى التطور المجتمعي المؤسس على الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق
المفتوحة، فضلاً عن الدعم المادي والمعنوي الذي تتلقاه من الذراع العسكرية
والقوة الضاربة لهذه المنظومة الاقتصادية/الاجتماعية/الثقافية شبه
المتجانسة والمتحلقة حول محور هذه المنظومة: الويات المتحدة، ونعني بذلك
حلف شمال الأطلسي (الناتو) .


فالولايات
المتحدة بهذا المعنى تتصرف على أساس أنها الدولة المعنية بقيادة العالم
والسهر على شؤونه وشجونه . ومن وحي شعورها بهذه المسؤولية التي تطوعت
ذاتياً لحمل أعبائها والنهوض بدورها كقائد “للأمة العالمية”، فإنها تفترض
في كل أعضاء الأسرة الدولية وتتوقع منهم، أن يسلموا لها بهذا الدور، وأن
يتعاونوا معها لتسهيل قيامها بأداء المهام الجسام الملقاة على عاتقها، وهي
تجد نفسها بالتالي مدعوة إلى فرض إرادتها واحترامها على الجميع . ومَنْ من
الحكومات، مَنْ يقرّر سلوك غير الطريق الذي رسمته واشنطن للجميع للسير
عليه، فعليه أن يتوقع أن يكون عرضة لإحدى أدوات زجرها . . ابتداء من تحريك
وتشغيل مجلس الأمن الدولي الذي تتمتع فيه بأغلبية ثلاثة إلى اثنين من أصوات
الأعضاء الدائمين (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة نفسها مقابل صوتي كل
من روسيا والصين)، إلى جانب أصوات معظم الدول الأعضاء غير الدائمين في
المجلس وعددهم عشر دول، إلى تحريك فريق الادعاء في محكمة الجزاء الدولية،
إلى فرض العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية المتدرجة، إلى تحريك مجلس حقوق
الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى وضع الدولة على قائمة الاستهداف
الإعلامي والدعائي المستمر الذي يشمل تعريضها لأضواء ساطعة في التقارير
السنوية التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية مثل التقرير الخاص بالحريات
الدينية، والتقرير الخاص بالاتجار بالبشر .


وقد
تكون هذه التقارير هي “أضعف الإيمان” في حزمة أدوات الضغط التي يتوافر
عليها ويستخدمها النظام السياسي الأمريكي في إطار ممارسته للدور القيادي
والريادي للولايات المتحدة في العالم، ولكن تأثيراتها ومفاعليها في حكومات
البلدان التي تتناولها لا يمكن الاستهانة بها أبداً .


فكثيراً
ما كانت هذه التقارير سبباً لإقبال الحكومات، محل تناولها، على شراء رضا
واشنطن بواسطة عقد صفقات سلاح معها تفضيلاً على عروض بيع منافسة . ومع أنها
لا تكاد توفر بلداً من حيث رصدها لانتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها
البلدان الصديقة لها، إلا أن هذه التقارير تبقى مسيّسة بامتياز، وهذا هو
الغرض الأساسي الذي من أجله يتم إنتاجها وإشهار نتائجها بطريقة تشبه
الإعلان الدراماتيكي لسجل الناجحين والراسبين في نهاية العام الدراسي، بحيث
تتحسب حكومات الدول لورود أسماء بلدانها في النسخة السنوية من هذه
التقارير .


غير
أن تطوراً جديداً طرأ هذا العام على هذا النوع من ال “بيزنيس” السياسي
متمثلاً بمبدأ “كما تدين تدان”، قررت روسيا استخدام هذا السلاح الذي ظلت
تحتكره الولايات المتحدة وتشهره في وجه الآخرين لأهداف وغايات مختلفة،
بعضها أخلاقي من حيث كشفها وإدانتها لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها
حكومات مختلفة حول العالم، وبعضها الآخر ابتزازي نفعي بالدرجة الأولى،
وتغيير قواعد اللعبة، وذلك بعدم الاكتفاء بتلقي الدروس والمواعظ
والانتقادات الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان في روسيا، وإنما بقيام وزارة
الخارجية الروسية في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي
بإصدار تقرير رسمي يرصد أوضاع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة .


يقع
التقرير الذي صدر بعنوان “وضع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة
الأمريكية”، في 56 صفحة، ويرصد تحت عناوين مختلفة (15 عنواناً) أبرز
الانتهاكات التي وقعت في الولايات المتحدة في عام 2012 لحقوق الإنسان، من
انتهاك للحريات والتمييز العنصري والعرقي والتعذيب والقتل العمد خارج
القانون خارج الأراضي الأمريكية، والمعاملة السيئة للسجناء، وتنفيذ عقوبة
الإعدام، إلى رفض الولايات المتحدة التصديق حتى الآن على المعاهدات الدولية
المتعلقة بحقوق الإنسان والمرأة والطفل والعمال المهاجرين، فضلاً عن عدم
انضمامها إلى 17 اتفاقية دولية حقوقية، إلى تزايد حالات الاعتداءات
العنصرية للشرطة الأمريكية ضد الأقليات والمهاجرين واستغلال العمال
المهاجرين خارج القانون .


وعلى
صعيد “الحقوق الاجتماعية والاقتصادية”، يشير تقرير الخارجية الروسية إلى
أن40% من الأمريكيين لا يتمتعون بالضمان الصحي، وأن 46% من الأمريكيين لا
يملكون منزلاً، وأن واحداً من كل خمسة أمريكيين لا تصل المياه ولا الكهرباء
إلى منازلهم، وأن نظام العمل الأمريكي هو من بين الأضعف في العالم لناحية
حماية حقوق العمال الذين وصلت البطالة في صفوفهم إلى 8 .12 مليون عاطل .


أما
على صعيد الحريات، فإن التقرير يلفت إلى تراجع الولايات المتحدة في قائمة
منظمة “مراسلون بلا حدود” 27 مرتبة في عام ،2012 وأن 80 صحافياً تعرضوا
لاعتداءات الشرطة خلال تغطيتهم احتجاجات “احتلوا وول ستريت”، واتساع ظاهرة
طرد الإعلاميين من وظائفهم بسبب آرائهم السياسية وانتقاداتهم للإدارة
الأمريكية، ويقدم التقرير بعض الأمثلة على ذلك .


يقول
قسطنطين دولغوف مفوض حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الروسية الذي عرض
التقرير على البرلمان الروسي أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إن
التقرير يستند إلى وقائع ودراسات وبيانات من مصادر أمريكية موثوقة ومن
منظمات غير حكومية ومن دراسات للأمم المتحدة، وأنه، أي التقرير، ليس نسخة
نظيرة للتقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية، وإنما هو
مساهمة في توسيع النقاش ودعوة الأمريكيين إلى التنبه لمشكلاتهم العديدة
والتعامل معها قبل وعظ الآخرين، فهم ينتقدون ويحاكمون الجميع باستثناء
أنفسهم . فإذا أرادوا أن يحتكروا دور القائد أو المعلم أو المرشد في مجال
حقوق الإنسان – ونأمل ألا يفعلوا ذلك – يجب أن يعلموا أنه يجري رصدهم أيضاً
.


هو،
إذاً، أسلوب جديد لمقاربة روسية مبتكرة لكيفية إدارة العلاقات الدولية
لروسيا الاتحادية، وبضمنها، وخصوصاً منها، علاقات روسيا بالولايات المتحدة .
وهو أسلوب يعتمد، كما نرى، على مقابلة الحجة بالحجة انطلاقاً من المثل
الشائع “إن كان بيتك من زجاج فلا تقذف بيوت الآخرين بالحجارة” .
اقرأ المزيد

2012 الحصاد المر (المعتقلون – 3)

لكي يظل الأمل متقدا، لابد من استذكار الماضي، ولكي نتقدم للأمام لابد
أن تكون الطريق التي عبدناها بتضحياتنا ماثلة لنا في كل لحظة، لنتيقن أن ما
مضى لم يكن إلا خطوات نحو مستقبل لابد أن يأتي، وأحلاما لابد أن تتحقق وان
طال الانتظار.

هكذا مر العام الماضي 2012 بكل مآسيه وآلامه، فلقد
شهدت البحرين خلال هذا العام الكثير من الأحداث التي ما كان لها أن تكون
لولا عناد البعض ورغبة البعض الآخر في جني المزيد من الأسلاب والغنائم
وانغلاق الأفق عن أي مخرج يمكن أن يعيد البسمة والفرحة للآلاف ممن أصبحوا
لقمة سائغة، لمجرد مطالبتهم بالإصلاح.

خلال العام المنصرم فقدت
البحرين 11 ضحية موثقة، 11 قتيلا سقط ولم يقدم أحد للمحاكمة، فيما تشير
الحالات الموثقة إلى أن 253 مواطنا أصيبوا بجروح عدد منها خطيرة جدا نتيجة
استخدام سلاح الشوزن.

وبحسب إحصاءات لجنة الرصد بجمعية الوفاق فإن
أكثر من 1866 مواطنا تم اعتقالهم خلال العام الماضي بسبب آرائهم السياسية
بينما يقبع في السجن المئات غيرهم منذ عام 2011.

وتشير هذه الإحصاءات
إلى أن 379 طفلا لم تتجاوز أعمارهم السابعة عشرة تم اعتقالهم خلال الإثني
عشر شهرا الماضية، فيما تجاوز عدد المداهمات الليلة لبيوت المواطنين 1323
مداهمة.

وتعدت الأحكام الصادرة على المئات من المواطنين المطالبين
بالإصلاحات بحسب إحصائية لجنة الرصد خلال السنة الماضية أكثر من 600 سنة
حكما بالسجن – ومع استمرار المحاكمات للنشطاء السياسيين فمن المتوقع أن
تزيد هذه السنوات لأكثر من 1000 عام – من بينها السجن المؤبد لسبعة من
قيادات المعارضة البحرينية بتهمة انتهاك أحكام الدستور والمشاركة في مؤامرة
قلب نظام الحكم والتخابر مع جهات أجنبية، فيما تؤكد أغلب المنظمات
الحقوقية، ومنظمات حقوق الإنسان العالمية أن هؤلاء القادة هم من معتقلي
الرأي.

العام الماضي شهد أيضا اعتقال عدد من المدافعين عن حقوق
الإنسان في البحرين من بينهم نبيل رجب ويوسف المحافظة بتهم فضفاضة، كما
أسقطت الجنسية البحرينية عن 31 شخصا من أبناء البحرين.

حصاد مر
تجرعته فئة من المواطنين في السنة الماضية، لم تكن هي من زرعته، وإنما سعت
لتعبيد الطريق نحو مستقبل أفضل للوطن، وهي لاتزال تحلم بذلك رغم كل ما
قدمته من تضحيات.

جميل المحاري
صحيفة الوسط البحرينية 
اقرأ المزيد

المخرج من الطريق المسدود ليس مستحيلاً

الفشل السياسي على المستوى الوطني والمؤسسي في أي بلد يبدو واضحاً إذا
طالت أزمة وتعقدت، أو إذا تطورت لتتحول إلى انقسام مجتمعي، أو تخندق بين
أطراف تعتمد سياسة استنزاف الطرف الآخر. الفشل السياسي أيضاً يمكن استقراؤه
من التصريحات والخطابات المتناقضة على المستوى الرسمي وكذلك على مستوى
المعارضين أو القوى الفاعلة.

ولو نظرنا إلى وضعنا البحريني، فإننا نشهد مظاهر لفشل واضح في التعامل
مع مجريات الأمور، بحيث تتقلص الأرضية المشتركة، ويزداد البعد والتناقض
والنفور. وبالنسبة للنفور، ترى أن شريحة من المجتمع تعتقد بأحقيتها في
الاستحواذ على المقدرات ومنعها عن الآخرين، بينما يزداد حجم الشعور لدى
شريحة أخرى من المجتمع بأنها مظلومة، وأن مظلوميتها ستستمر طويلاً.

ولعل البعض يرى في إشغال الناس ببعضهم بعضاً ربما يساعد في خلق توازن
مجتمعي يوفر المجال لعدم الاستجابة لمطالب غير مرغوب بها، لكن الأمر يحمل
خطورة واضحة. فالمستفيدون من الوضع سيقاومون أية محاولة لتصحيح الأوضاع،
بينما سيتحول الإحباط لدى المتضررين إلى حراك يتموج عبر الزمن، وقد يتجه
نحو أنماط غير محبذة، واستمرار مثل هذا الوضع يؤثر سلباً على الوضع
الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

إن استمرار حالة التناقض تجعل من أطروحة حل الخلافات على أساس فوز
الجميع غير ممكنة، وتتجه الأطراف المتناقضة إلى التفكير بفرض وجودها على
الأمر الواقع بأية صورة ممكنة.

غير أن الذين يؤمنون بمجتمع يتكون من فئات وشرائح متنوعة، متكاتفة
ومتماسكة، فإنهم يرون أن المخرج من «الطريق المسدود» يكمن في توافق على حل
سياسي، يعتمد على «المواطنة»، والمساواة أمام القانون، والاعتراف المتبادل
بأهمية وجود الآخر (بدلاً من النهج الإقصائي الذي يؤمن بضرورة إزالة الآخر
أو استبداله).

المخرج من الطريق المسدود ليس مستحيلاً، وهو يتطلب رجاحة العقل لدى عدد
كافٍ من الجهات الفاعلة التي لا تخون بعضها الآخر، وهذا يعني أن هذه
الأطراف يجب أن تبتعد عن الاعتماد على العواطف والأحقاد والصور النمطية عن
الآخر، وأن تفكر في مستقبل يحتضنها بأمن واستقرار وعيش مشترك وأفق رحب يسع
الجميع ضمن عدالة اجتماعية وبيئة سياسية تحترم الإنسان.

منصور الجمري

صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

على التخوم الأمريكية الفرنسية



يبدو
أمراً لافتاً أن إدوارد سعيد الفلسطيني، أو فلنقل العربي، هو أول من نقل
للثقافة الأمريكية التراث النقدي للمدارس الفلسفية والفكرية الفرنسية
المعاصرة . صحيح أن إدوارد سعيد حين تحدث عن ذلك قال عن نفسه: “كنت
الأمريكي الأول الذي تناول مدرسة النقاد الفرنسيين الجديدة في كتبه”، أي
أنه تحدث عن نفسه بصفته أمريكياً، لكن الرجل الذي عدّ نفسه دائماً خارج
المكان، ما كان سيفعل ذلك، على الأغلب، لو أنه كان أمريكياً محضاً، فلقد
أبدى اهتماماً مبكراً باللغة والأدب الفرنسيين منذ أن كان تلميذاً في كلية
فيكتوريا بالقاهرة، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة
دراسته، ثم للعيش والعمل فيها حتى مماته .


بالنسبة
للفتى الفلسطيني إدوارد سعيد المقيم في القاهرة تلميذاً شكلتْ فرنسا
الخيار البديل، حيث كان له كثير من الأصدقاء الناطقين بالفرنسية، لا في
الكلية وحدها وإنما في نوادي القاهرة أيضاً، حيث كان يتمرن على لعب التنس .
وكان اتصاله الأول بالأدب الفرنسي في سن المراهقة، عبر نص الجدار لسارتر،
حيث تأثر كثيراً بآفاق هذا الكتاب الفلسفية والفكرية، وأدهشته التعددية
التي ينطوي عليها، لاسيما بالمقارنة مع الأدب الأمريكي . “في الفترة عينها،
كنا نقرأ جون شتاينبك، يقول سعيد، إلا أن أسلوب سارتر ونظرته إلى العالم
مختلفان تماماً، وقد سحرني هذا الاختلاف” .


المقال المطول الأول الذي، من خلاله، عرف إدوارد سعيد الأمريكيين بالنقد الفرنسي الحديث كان  عن
لوسيان غولدمان، حيث اهتم بفكرة أن غولدمان كان تلميذ جورج لوكاتش في
الثلاثينات، وأنه كان ينتمي في تلك الفترة إلى أنصار “النقد الجديد”، وهي
مجموعة تختلف عن النقد الأمريكي كلياً . كانت مخالفة تماماً للفلسفة، وتشدد
على أولوية الجمالية . وفي موازاة ذلك، لم يتوقف سعيد عن قراءة سارتر
وسواه من ألمع المفكرين والنقاد والفلاسفة الفرنسيين الذين لعبوا، من وجهة
نظره، دور الوسطاء بين الفلسفة الألمانية والتقليد الأنغلوأمريكي في بعض
مجالات النقد والمعرفة .


سيغدو
إدوارد سعيد نفسه وسيطاً بين ثقافتين، وهو النموذج الحي للمثاقفة في
معناها الثري العميق، فرغم أنه لم يتقن العربية إلا متأخراً، فإنه ليس
بالوسع تصوره خارج تأثره العميق بالثقافة العربية، وكان وقوفه عند تخوم
لغتين وسياقين حضاريين مختلفين: أنغلو سكسوني وفرانكفوني مكّنه من أن يكون
جسراً للتفاعل الخلاق بينهما على النحو الذي شرحه هو .
اقرأ المزيد

العمال والطائفية.. اختطاف العمال


جاءت مرحلةُ الجمهوريات الدينية كقفزات إلى الوراء في
التاريخ الحديث للمسلمين، فالقوى التي قفزتْ لم تصبر على إحداث التراكم
الرأسمالي الطويل لتغيير طابع القوى المنتجة والاقتراب من التطور العالمي
الحديث.






وهذا ما أدى إلى أن تكون قوى الاستعجال من الأرياف تفرض قفزاتها على المدن السياسية القائدة التي تاهتْ بين التطور والفساد.





الجمهوريات العربية كانت أقرب للتحديث العلماني المبسط الشعاري لكنها فقدت
الصفتين الضروريتين المكملتين لرفع الجمهور إلى مستوى تطور العصر وهما
الديمقراطية والعقلانية، فواصلت الإبقاء على البُنى التقليدية المتخلفة،
وأشكالها الإيديولوجية التفكيكية في فهم الدين والحياة.


لهذا كانت
الجمهوريات الدينية قفزات إلى الوراء فهي عوضاً عن أن تكمل مسيرات الأنظمة
التحديثية تخلت عن قسماتها المتكاملة الإجبارية لهذا العصر.






تشير مرحلة
الجمهوريات الدينية إلى أنساق الفوضى في الاقتصاديات والاعتماد على رأس
المال الديني الاحتيالي الذي تكون في بعض الرساميل النفطية غير الديمقراطية
وتوسع في المصارف والشركات وهيمن على أموال المدخرين وقادها إلى أحلام
الغنى الوهمية وإلى الأعمال الدموية والفوضوية واضطراب الأسواق والدول.






الخداعُ الديني يكمن إيديولوجيا في الادعاء بالانتماء إلى المرحلة
الجمهورية المؤسِّسة لفجر الإسلام، في حين إنها تعود إلى مرحلة أسرِ
الأشراف التي استولت على الحكم في أعقابِ ذلك والتي هيمنت على العالم
الإسلامي المُفتت، ولهذا فالطابع الطائفي السياسي يكمن في كونها أحزاباً
طائفية مُفتِّتة، ولا تحمل طابعَ التوحيد.






هنا لم تستطع الفئات
البرجوازية الصغيرة والوسطى من تكوين رأسمالٍ صناعي قويٍّ يعيدُ تشكيل
المجتمعات، مثلما هي مضطربةٌ بين المذهب السياسي والإسلام التوحيدي العاجزة
عن الوصول إليه، فالتفكك بحد ذاته مقولات اقتصادية اجتماعية كنقصِ وسائل
المواصلات وربط أجزاء المجتمع وتحويل المهّمشين العاطلين والحرفيين
المنهارين ونساء البيوت والمغتربين إلى عمال صناعات كبرى، ولغياب ثقافة
التحديث التراكمية لدى المسلمين وبقية قوى العالم المتحضرة.






أي أن
المذهبيات السياسية جزء من عالم الإقطاع، عالمِ الجزئياتِ الصغيرة
الاجتماعية والسياسية، وتجاوزه يحتاج إلى التوحيد الاقتصادي الكبير
والأشكال السياسية التعاونية الواسعة.






الحصول على رأس المال الكبير
والقفز إليه يظهر في العودة الغريبة إلى الصناديق المالية الغربية ذات
الشروط القاسية والربوية، وهي المُهاجمة خلال عقود بسبب ذلك!






كذلك فإن
محاولات نشر النموذج الجمهوري العنفي الفوضوي اللاعقلاني في التاريخ العربي
الإسلامي في بلدان الخليج العربي مرةً عبر النموذج الإيراني، ومرة عبر
النموذج الإخواني، يتوجه لاستغلال الثغرات الاجتماعية والسياسية في تطور
هذه الدول والحصول على رأسِ المال الكبير المُفتَقد.






في حين إنه من
الممكن التعاون التوحيدي العربي الإسلامي عبر العلاقات الاقتصادية المفيدة
لكل الأطراف، لخلق تعاون واسع يطور القوى المنتجة في البشر والمصانع
والعلوم.






لكن هذا يتطلب العودة إلى نقد المذهبيات السياسية كتعبير عن
المغامرةِ وإنتاج الفوضى السياسية، أي إعادة النظر في تاريخ المسلمين بشكلٍ
موضوعي وليس بأشكال طائفية مؤدلجة لقوى ما قبل رأسمالية، وهذا ما يؤدي إلى
الارتفاع عن الأطر الضيقة للطوائف، واحترام التكوين التاريخي لها، وكذلك
الارتفاع إلى مستوى تجارب البشر الحديثة في تجاوز الأشكال الضيقة لعالم
الطوائف.






إن الصناعات الكبرى تتطلب ذلك ولهذا فإن الجمهوريات الدينية
المحافظة تعتمد على مدخرات العمال ونشاطهم الكثيف خلال عقود ثم تسيطر على
وعيهم وتقودهم إلى مغامرات بدلاً من أن توحدهم مع بقية العمال العرب
والمسلمين وتوحدهم مع بقية التكوينات الاجتماعية في بلدانهم لتكوين تلك
الصناعات التي لا تتكون إلا في شروط اجتماعية واقتصادية وثقافية متطور.






اقرأ المزيد

ما العمل من أجل التغيير؟ – بشار يوسف



لم تعد مهمة النقاشات الجانبية والهامشية، التي يحاول أن يجرنا إليها خصوم الديمقراطية، حول نسبة المقاطعة ونسبة المشاركة في انتخابات مجلس الصوت الواحد، أو الحديث عن أداء مثل هذا المجلس الساقط، شعبياً وسياسياً، وغير ذلك من الأمور التافهة، إذ إننا جميعنا نعلم بأن الهدف الأساسي للحراك الشعبي لا ينحصر في الصوت الواحد أو الأصوات الأربعة، بقدر ما هو حراك رافض لنهج الانفراد بالسلطة ومطالب بإقامة نظام ديمقراطي حقيقي تكون السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً.


والمهم الآن، هو التفرُّغ التام للعمل والإجابة – بالأفعال – عن سؤال ما العمل من أجل تحقيق التغيير؟


إن أي تغيير يتطلب عاملين، موضوعيا وذاتيا.. وفي ظني، إن العامل الموضوعي ناضج، فالأزمات السياسية تتوالى، والفساد مستشرٍ بجميع مؤسسات الدولة، وعجلة التنمية متوقفة، والحكومة تثبت يوماً بعد يوم فشلها في إدارة البلد، مع أنها متفردة بالسلطة، هذا فضلا عن نجاح الحركات الشبابية والشعبية في بعض البلاد العربية بإحداث التغيير، إلى جانب أن الشعب محبط ومتذمر وغاضب وفاقد الثقة في الحكومة الحالية وطريقة عملها، والأهم أن هناك تطلعاً شعبياً نحو التغيير.


أما العامل الذاتي، فهو مَنْ يجيب عن سؤال ما العمل للتغيير؟ إذ يجب علينا أن نقدِّم بديلاً عن الوضع القائم عن طريق العمل على بلورة مشروع حقيقي واضح متكامل تتعاون القوى السياسية المعارضة والقوى الشبابية على صياغته وتضع خارطة طريق لتنفيذه وللتحرُّك عبر جميع الوسائل السلمية المتاحة لإقامة نظام برلماني ديمقراطي كامل وتحقيق مشاركة شعبية فعالة في الحكم.


إن ردود الفعل العفوية من مسيرات وتجمُّعات وندوات ولجان شعبية وتحرُّكات شبابية، على أهميتها، إلا أنها تنطلق، مع الأسف، من دون أن يكون لديها مشروع واضح متكامل ومتفق عليه يلبي مطالب التغيير الديمقراطي.


إن المعارضة الديمقراطية يجب ألا تقبل بأنصاف الحلول، وألا تقبل بالحلول الترقيعية، وعليها ألا تتنازل عن حق الشعب في الديمقراطية الكاملة وإطلاق الحريات السياسية والاجتماعية، وإنما يجب أن تنطلق هذه المعارضة الديمقراطية من مشروع سياسي واضح يتفق عليه غالبية الشعب بمختلف أطيافه.


بشار يوسف
منقول عن جريدة الطليعة تاريخ 0912013 العدد:1977.
اقرأ المزيد