المنشور

عدالة تبرئة مبارك – شادي لويس


منذ أن نُقشت شريعة حامورابي في ألواحها المسمارية، وحتى يومنا هذا، تهدف أنظمة العدالة في شقها العقابي، بالأساس، إلى تحقيق الردع، وليس إلى استعادة حق مهدور بأثر رجعي، يصعب تحقيقه في معظم الأحيان. فلا مَن سقطوا صرعى رصاصات الأمن المركزي في الميادين سيعودون للحياة، ولا مَن دهستهم مدرعات الجيش في “ماسبيرو” سيلتئم شملهم بالأحباء يوماً، ولا مَن فقدوا عيونهم في “محمد محمود” سيستعيدون أبصارهم، حتى وإن أنزل القصاص العادل بالمجرمين.

من هنا، فإن اقتصاص العدالة معني بالمستقبل وليس بالماضي، بالمجتمع وليس بالضحية. حتى وإن كان الثأر أحد أركان القصاص، فإنه يهدف في الأغلب إلى شفاء غليل ذوي الضحايا ومجتمعهم، لا استعادة حقوق المجني عليهم أنفسهم. وتأتي الولاية المستقلة للادعاء العام، في جرائم الحق العام، ولو تنازل المجني عليهم وذويهم عن حقهم لدى المدعى عليهم، وذلك لتأكيد منطق نظام العدالة الحديثة بوصفه أداة للردع لصالح المجتمع إجمالاً.

ترجع معضلة العدالة في صورتها تلك، إلى تحويلها الجريمة وعقابها، أمثولةً رمزية، تستقل في إجراءاتها عن الجاني والمجني عليه، بل والجرم نفسه، في تجاوز لقيمة الحق المثالية، مستبدلةً إياها بقيم المصلحة العامة. لكن ادعاء عمومية المصلحة يفندها في بساطة واحدة من مقولات برناردشو الأكثر شهرة: “عندما يبتغي رجل أن يقتل نمراً، يسمي ذلك رياضة.. وعندما يبتغي النمر أن يقتله يسميها ضراوة. الفرق بين الجريمة والعدالة ليس كبيراً”.

لا يخبرنا  برناردشو، هنا، بأن العدالة قياس نسبي، أو منتج اجتماعي قابل للتأويل، فحسب. بل يتجرأ  أيضاً ليساوي بينها وبين الجريمة. فالعدالة أداة لتحقيق مصلحة مَن يمتلك سلطة تأويلها، وفرض تصوره عن الخير والشر، بل وتقنين جرائمه والتستر عليها. وبالرغم من تلك الاشكاليات، فقد نجحت أنظمة الحكم الحديثة في صورتها النيوليبرالية الغربية، في ترويض مواطنيها، وإخضاعهم طوعاً لحكم القانون، عبر عمليات الديموقراطية التمثيلية التي تمنحهم، على الأقل، وهماً بقدرتهم على المشاركة في تأويل العدالة وسنّ قوانينها، من خلال ممثليهم في المؤسسات المنتخبة، وقدرتهم على تغيير منظومتها بوسائل الاحتجاج السلمي، لتخدم في النهاية مصلحة غالبيتهم، وإن لم يكن الكلّ.

كان مثول الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، وقادة جهازه الأمني، أمام القضاء، بتهمة قتل المتظاهرين تحت ضغوط التظاهرات الشعبية، انتصاراً للثورة وجماهيرها على مستويين. أولاً، في تحقيق الردع اتجاه مَن يمتلك مقاليد السلطة في المستقبل. وثانياً، والأهم، كإعلان عملي عن انتزاع الجماهير لسلطة تأويل العدالة من يد النظام الحاكم، بل وإخضاعه لها، وبالتالي تأسيس نظام ديموقراطي للعدل مصدره الجماهير وغايته خدمة مصالحها. من هنا، تأتي فداحة دلالات الحكم بتبرئة مبارك، لا من إفلاته ومَن معه من العقاب المستحق، ولا من زوال عامل الردع اتجاه السلطة في المستقبل فقط. بل بالأحرى في تأكيده، في فجاجة استثنائية وغير مبررة، على استعادة نظام الحكم القمعي العائد بقوة لسلطة تأويل العدالة مرة أخرى واستئثاره بها. وهذه هي الرسالة الأوضح التي ربما ابتغى إيصالها نصُّ الحكم ومَن وراءه في السلطة.

بعد إعلان البراءة، تعاملت قوات الأمن مع تظاهرة لا تتعدي الألفي متظاهر في نطاق “ميدان التحرير” وكان يمكن السيطرة عليها بسهولة لصغر حجمها، بعنف بالغ  ومقصود، ليسقط ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى من المتظاهرين، في تفسير عملي للحكم، أكثر بلاغة من مذكراته التفسيرية، وفي إقرار عملي آخر لعدالة  ترى في التظاهر جرماً يستحق القتل، وفي القتل نفسه تفانياً في أداء مهام الوظيفة الرسمية يستدعي التكريم.

تبقى العدالة رهينة مَن يملك سلطة تأويلها، ويظل بيان الرئاسة المتذرع بعدم جواز “التعقيب على أحكام القضاء” عنواناً للحقيقة، ومنه براءة مبارك، كعدل دامغ لا سبيل إلى مقارعته أو التشكيك فيه… إلى أن يأتي يوم تستطيع فيه الجماهير انتزاع سلطة تأويل العدالة مرة أخرى، أو ربما، وللأسف، يوم تكفر بها وتحطّم منظومتها.
 


الكاتب: شادي لويس –  كاتب واختصاصي نفسي من مصر
حرر في 3 ديسمبر 2014
جريدة المدن الإلكترونية

اقرأ المزيد

حالة «الاغتراب العربي» في ظل النظام الشمولي


ونحن على وشك أن نودع العام 2014، نجد أن المشهد السياسي في المنطقة العربية يتجه باتجاه لا يخلو من بسط حالة الاستبداد الناجمة إما من ممارسات الترهيب أو قلة الوعي السياسي الذي لا يتكلم عن تحسين أوضاع الفرد من خلال نظام سياسي عادل يسمح بالمشاركة في صنع القرار. إن ما حدث في العام 2011، قد جاء بدافع التغيير بسبب تفاقم حالة الاحتقان التي لا تسمح للفرد بأن يتحرّر من قيود ركائز الدولة الفاسدة والبوليسية المتفشية بشكل سرطاني في مختلف بلدان المنطقة العربية. وهو ما جعل شباب تونس مثلاً، يخرجون إلى الشوارع بحثاً عن الحقوق التي غيّبتها الدولة البوليسية في حقب مختلفة، مخلّفةً بذلك ثقافةً لا تعترف بقيمة الإنسان ولا برأيه.

وقد يكون المشهد السياسي في تونس اليوم (رغم بعض الإشكاليات) أفضل حالاً عنه في المشهد المصري الذي وصل إلى تبرئة القضاء المصري للرئيس المخلوع حسني مبارك، والانزلاق في انقسامات حادة تزداد داخل المجتمع المصري قد تمهد إلى حرب أهلية ترمي بظلالها على المنطقة.

إن ما يحدث في أكثر من شارع عربي، يعكس تعزيز ثقافة الترهيب والعمل بالرأي الواحد الذي لا يسمح بالنقد ولا بالإبداع الذي يعترف بالاختلاف، ولا حتى التعددية داخل المجتمع الواحد.

وهذا تماماً ما يأتي في النظام السلطوي الذي يكون أخف وطأةً من النظام الشمولي، الذي يلغي الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة. ففي النظام السلطوي هناك حرية محدودة ونسبية للأفراد ولبعض المؤسسات، ولكن في ظل رقابةٍ مستمرةٍ من أجهزة السلطة. وذلك ما يخلق مجتمعاً عاجزاً عن إبداء الرأي ومسايرة السلطة في توجهاتها المعلنة من غير اقتناع حقيقي.

أما النظام الشمولي فهو يفرز ثقافته الخاصة، وهي ثقافة تقوم على فرض الطاعة والخوف من السلطة، والانصياع التام لأوامرها. ثقافةٌ لا تسمح بالإبداع ولا بالإبتكار، وإنّما تنصّ على تنفيذ توجهات الحاكم الفرد مهما كانت، وذلك من أجل إفراغها من أي مضمون.

ولذا فإن الانتقال من نظام شمولي إلى آخر ليبرالي ليس بحاجةٍ إلى تغييرات دستورية وسياسية فقط، وإنما بحاجة إلى ثورةٍ ثقافيةٍ كبرى تنقل المواطن من حالة السلبية والخوف، وبصورةٍ أدق من حالة «الاغتراب»، إلى الحالة الإيجابية، وهذه النقلة الكيفية من شأنها أن تجعل المواطن الذي كان مجرد رقمٍ في قطيع كبير في ظل الشمولية، إلى فردٍ له استقلاليته وله كرامته الإنسانية.

قد تكون مجريات ما حدث في البلدان العربية شبيهة بما جاء في رواية الكاتب التشيكي فرانز كافكا «القلعة»، التي نشرت في العام 1926، وتعالج حالة اغتراب الفرد والبيروقراطية وحالة الإحباط المستمر من جراء محاولات مقاومة النظام. فهي تتكلم عن بطل الراوية «ك» الذي حاول أن يقابل من في القلعة (السلطة) التي تحكم القرية من أجل أن يعمل مسّاح أراضٍ.

إن الواقع السياسي العربي ليس بعيداً عمّا تطرحه رواية كافكا، الذي عكس فيها صورة السلطات التي تبعد نفسها عن الحقيقة. هذه «القلعة» بملفاتها الغريبة وتراتبية موظفيها التي لا يمكن فك ألغازها، وإصرار البطل على أن يجابه ذلك باحترام كلي، وطاعة عمياء في ظل غياب تام للعدالة واغتراب شبيه اليوم بحالة الاغتراب العربي المعاشة في ظل النظام الشمولي.
 


صحيفة الوسط البحرينية – 03 ديسمبر 2014م

اقرأ المزيد

كل الأيام فلسطين


الجمعية العامة للأمم المتحدة عدّت التاسع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، يوماً عالمياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني، استناداً الى قرار الأمم المتحدة رقم “181” بتاريخ 29-11-،1948 الذي نصَّ على الحق المشروع لهذا الشعب بقيام دولته المستقلة، وهو الحق الذي ما زال محروماً منه حتى اللحظة، رغم جسامة التضحيات التي قدمها ويقدمها هذا الشعب في سبيل نيله، بوجه آلة البطش الصهيونية التي ما انفكت تنكل بأبناء هذا الشعب: قتلاً وسجناً وتشريداً واستيطاناً لأراضيه .

الجمعية العامة للأمم المتحدة اتخذت، أيضاً، قراراً باعتبار عام 2014 عاماً للتضامن مع الشعب الفلسطيني، في وجه ممارسات “إسرائيل” اليومية، وانتهاكها الفاضح لحقوقه . مع ذلك فإن هذه الانتهاكات لم تكن في هذا العام أقل مما كانت عليه قبل ذاك، ففيه شنت آلة الحرب الصهيونية عدوانها على غزة، وفيه استمر العدوان المتواصل على المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك حرمانهم من الصلاه في المسجد الأقصى المبارك، والسماح للمستوطنين “الإسرائيليين” بتدنيس المسجد الأقصى واستخدامه لأغراض استفزازية .

والأدهى من ذلك كله استمرار مخطط تهويد القدس والضفة الغربية كاملة عبر توسع الاستيطان بنطاقات غير مسبوقة، حيث يستغل العدو حالة الفوضى العربية الراهنة، وانشغال شعب كل بلد عربي بمآسيه، لتنجز بأسرع وتيرة مخططها في سد الباب بوجه أي إمكانية فعلية لقيام الدولة الفلسطينية .
يوم عالمي واحد، أو حتى عام بكامله لا يكفي فلسطين إنما كل الأيام، ففلسطين وشعبها أسطورة أخرى، حية من لحم ودم ودموع، ففي واحدة من مآثر العصر برهن هذا الشعب على تمسكه بأرضه، فجعل من حجارتها سلاح مقاومة للغاصب، في سابقة لم يعرف لها التاريخ مثالاً، حجارة الأرض تحمي الأرض وتدافع عنها . شعب وهب الحجر السر والسحر والقوة وعبأه بالنشيد .

تراءت لبطل إحدى روايات جبرا إبراهيم جبرا المبحر فوق مياه المتوسط، وهو الفلسطيني، أضواء ثغور وطنه العتيدة مضيئة ليل المتوسط، فهتف أنه سيقف على قمة رابية من روابي فلسطين، ومن هناك سيرفع يده إلى السماء كالمجنون ويصيح بأعلى صوته: يا بلدي!

ربما لم يعد الرجل إلى فلسطين كما كان يحلم، ربما طوحته أراض بعيدة، وربما أنجب أطفالاً لم يروا شبراً من فلسطين، ولكن مئات الآلاف من أمثالهم ممن صحوا على أرض ليسوا سادتها، امتشقوا الحجر ليصنعوا انتفاضات العزة والمجد، وليبلغوا “باب الشمس” .


madanbahrain@gmail.com
 

اقرأ المزيد

حقيقة انهيار أسعار النفط


انخفاض حاد متواتر في أسعار النفط لم يكن منتظراً للاقتصادات الخليجية التي كانت موازناتها العامة وموازنات شركات قطاعاتها البترولية على وشك إنهاء سنتها المالية وفقاً للحسابات والتقديرات الموضوعة قبل بداية العام الجاري . فقد حافظ متوسط سعر برميل النفط على مدى السنتين الماضيتين على مستواه الذي راوح مئة دولار . وفجأة بدأ السعر ينحدر رويداً رويداً اعتباراً من شهر يوليو/تموز الماضي ليفقد نحو 20 دولاراً في المتوسط .

ومن الطبيعي أن يتسبب هذا الانهيار المفاجئ لسعر برميل النفط في حدوث نوع من الإرباك المالي الذي سيجد من المرجح ترجمته في التصميم القادم لتقديرات إيرادات ومصروفات موازنة 2015 لبلدان دول المجلس، حتى وإن كان بعض دول المجلس مازال في منطقة الأمان المالي من حيث عدم تجاوز الهبوط لسعر البرميل المقومة به تقديرياً إيرادات موازنة 2014 . ومن صور هذا الارتباك تلك التصريحات المتفاوتة التي صدرت من بعض الوزراء المسؤولين عن قطاع النفط والوزراء المسؤولين عن وزارات المالية الخليجيين، ففي حين اعتبر بعضهم أن هذا الهبوط كان متوقعاً وأنه لن يستدعي اتخاذ قرار من جانب أوبك لخفض سقف إنتاجها البالغ 30 مليون برميل يومياً، اعتبر آخرون أن تراجع سعر النفط لفترة قصيرة قرابة 25% له تأثير على اقتصاد بلادهم .

ولعل هذا التفاوت في تقدير تأثيرات انهيار الأسعار، ناجم عن تفاوت تقديرات إيرادات الموازنات الخليجية لعام 2014 المحتسبة على أرقام متفاوتة لسعر برميل النفط . حيث قدرت دولة الكويت إيراداتها على أساس 75 دولاراً للبرميل، وقطر 65 دولاراً للبرميل، والسعودية 88 دولاراً، والبحرين 90 دولاراً، والإمارات 70 دولاراً، وسلطنة عمان 85 دولاراً . فلا شك، والحال هذه، أن هناك قلقاً وترقباً عما ستؤول إليه الأسعار حتى نهاية السنة المالية الجارية، بما يشمل ذلك الدول التي مازالت في “منطقة الأمان” التي تشكل الحد الفاصل بين العجز المفترض والفائض المفترض المتقاطعين عند نقطة التعادل . ذلك أن الانخفاض الحاد الحالي (في حالة بلدان منطقة الأمان)، سيكون له تأثير مباشر وكبير على الفائض الذي كان متوقعاً أن تحققه ميزانية الكويت على سبيل المثال، كما عبر عن ذلك وزير ماليتها أنس الصالح (السبت 25 أكتوبر/تشرين أول 2014) في المؤتمر الصحفي الذي عقد على هامش الاجتماع المشترك لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي مع كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي .

بعيداً عن التأويلات السياسية التي شطح بها الكثيرون بمن فيهم أكثرهم خيالاً الكاتب في نيويورك تايمز توماس فريدمان، فإن ما جرى من انهيار في الأسعار، يعود إلى عوامل تتعلق بالأساسيات الاقتصادية Fundamentals وبعض العوامل الفنية فبعد أن كان السوق يستند حتى شهر يونيو/حزيران الماضي وما بعده بقليل على الهامش الصغير لفائض الطاقة الاحتياطي لبعض بلدان “أوبك” في الحيلولة دون تقافز سعر البرميل، فإنه الآن يشعر بوطأة الفائض في السوق والبالغ نحو 3 ملايين برميل يومياً، وهو الرقم الذي يعادل، ويا للمفارقة، حجم الطاقة الإنتاجية الاحتياطية الفائضة لدى المنتج المرجح داخل أوبك . وهذا الفائض قد يتحول إلى تخمة تزامناً مع العودة الثابتة لإنتاج النفط العراقي، حيث وصلت الصادرات النفطية العراقية في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 55 .2 مليون برميل يومياً من الحقول الجنوبية فقط، إضافة إلى ارتفاع الإنتاج من حقول الشمال رغم الأوضاع الحربية التي يعيشها العراق، وكذلك ارتفاع الإنتاج الليبي إلى 800 ألف برميل يومياً رغم الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد، ما أبطل مفعول تأثير تراجع إنتاج أنغولا ونيجيريا بواقع 120 ألف برميل يومياً في الشهر نفسه، حيث مازال إجمالي إنتاج أوبك فوق سقف الثلاثين مليون برميل يومياً المتفق عليه بواقع 720 ألف برميل .

هناك أيضاً التراجع الحاد لسوق الولايات المتحدة كأكبر مستوعب للطاقة الإنتاجية العالمية من النفط، (من 55 .12 مليون برميل يومياً في عام 2005 وهو ما كان يشكل 60% من إجمالي استهلاكها، إلى 45 .7 مليون برميل يومياً في عام 2012 نزولاً إلى 40% من إجمالي استهلاكها، وإلى 32% من استهلاكها في عام 2013)، وذلك نتيجة لارتفاع إنتاجها المحلي من النفط خصوصاً في ولايات تكساس وداكوتا الشمالية وألاسكا، حيث يقدر إنتاجها النفطي بنهاية هذا العام بنحو 4 .8 مليون برميل يومياً، ويتوقع أن يرتفع إلى 1 .9 مليون برميل يومياً في عام 2015 بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية .

لذا صار التكالب على الأسواق الصاعدة في آسيا، فكانت المضاربة بين المنتجين على عرض أسعار مخفضة للنفط لإغراء المشترين الآسيويين . ولكن بيانات قياس أداء الاقتصادين الصيني والهندي المبنية على تسجيل عدد من مؤشرات التباطؤ الاقتصادي، لا تشيع أجواءً تحفيزية لرواج عمليات الاتجار في النفط في المدى القصير، وإن كان بعض المستثمرين يتوقع بقاء حجم إمدادات النفط من أوبك إلى السوق الصينية في عام 2015 عند مستواه في عام 2014 .

أخيراً فإن ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي، المقومة به صفقات بيع وشراء النفط العالمية، إلى أعلى مستوى له منذ 4 سنوات أمام أهم العملات العالمية في ضوء بيانات العمل الأمريكية الإيجابية واحتمال تقديم موعد البدء برفع أسعار الفائدة الأمريكية لموازنة النمو وتجنب الإحماء الزائد للدورة، كان لابد وأن ينعكس انخفاضاً في سعر برميل النفط .
 
حرر في 30 نوفمبر 2014

اقرأ المزيد

أربعينية الرفيق الراحل عبدالله خليفة


شهدت البحرين منذ مطلع القرن العشرين حراكاً شعبياً امتاز بالمد الثوري أحياناً، والجزر تارةً أخرى، ففي خمسينيات القرن الماضي كان مداً ثورياً طال معظم البلدان العربية، والبحرين واحدة من تلك البلدان. وما يدلّل على ذلك حركة هيئة الاتحاد الوطني بين العام 1954 و 1956 .

وفي فترات المد الثوري والحراك الاجتماعي والسياسي المتصاعد، تتجذّر الجماهير أو قطاع كبير منها، فيخلق ذلك المد الثوري أرضية خصبة لأفكار اليسار الثوري، وكان بالفعل ما حدث آنذاك حيث نشأت جبهة التحرير الوطني البحرانية إلى جانب حركة القوميين العرب، فكان النشاط الثوري المتقد ليس حصراً على البناء التنظيمي فقط، بل وبتوعية الجماهير بمطالبها الشرعية والتنديد بالسياسة الاستعمارية البريطانية عبر الإضرابات العمالية والمظاهرات الطلابية والجماهيرية.

تلك الأجواء السياسية، بالإضافة إلى الفقر المدقع بين الأحياء السكنية، دفع الكثير من الجماهير المتعطشة للحرية والكرامة والعيش الرغيد، إلى الإحساس بالصراع الطبقي، وتشكّل الحس الوطني، وهذا ما ينطبق على حياة الرفيق المناضل والكاتب المبدع عبدالله خليفة، الذي تربّى في بيوت العمال، ونشأ في أوساطهم بفريق العمال «اللينات» المبنية من سعف النخيل بمنطقة القضيبية.

وفي أجواء مدرسية ذات حراك ثوري، كان تلميذاً ذكياً وشغوفاً بقراءة مختلف الكتب والروايات السياسية، ما أهّله بمدرسة الحورة الثانوية لقيادة المظاهرات الطلابية، وبالخصوص في العام 1965، أثناء انتفاضة مارس المجيدة. هذا النشاط الثوري العفوي قاده للالتصاق بمجموعة من رفاق الجبهة، وبالتالي سجّل انتماؤه للجبهة العام 1966، فكان رفيقاً نشيطاً وحريصاً على القراءة والاطلاع باستمرار، فكان يتابع كتابة القصة والرواية وسرد الحياة النضالية في مؤلفاته الأدبية بأسماء مستعارة، حفاظاً على التنظيم وإبعاد الأعين عنه.

فإن كان ثمة مناضلون يتنافسون في البذل والعطاء، كل حسب قدراته وإمكانياته وطاقاته، فإن بعضهم يواصل المشوار ،في حين يتوقف البعض الآخر، وآخرون يكونون في وضع متذبذب، خصوصاً عندما تمر بهم الأزمات السياسية وطغيان حب الذات. أما الرفيق عبدالله خليفة فإنه سما على ذلك، فقد كان مناضلاً بارزاً ووفياً للطبقة العاملة والمستخدمين وللمبادئ الأممية.

وعلى الرغم من أن الرفيق عبدالله خليفة عاصر فترتي المد والجزر الثوري للحركة الوطنية البحرانية، إلا أنه ظل وفياً ومخلصاً لمبادئه ونهجه العلمي المستند على التحليل الماركسي اللينيني، وهذا ما نشهده في أعماله الأدبية وتحليلاته السياسية، وكما قيل عنه بأنه يتسم يثلاث سمات أساسية:

الأولى أنه يمتاز بإلمامه بالتاريخ والثقافة العربية والإسلامية، ويتميّز في كتاباته بالدقة العلمية والنهج اليساري في تحليله لمختلف الظواهر الاجتماعية؛
أما الثانية فهي الانتماء الوطني، وهي صفة جميلة يتحلى بها اليسار الوطني، فكان مخلصاً لوطنه وأهله وفكره المستند للتحليل العلمي والموضوعي؛
أما السمة الأخيرة التي يمتاز بها عبدالله خليفة فهي الشجاعة في الكتابة والتعبير عن الرأي، كما تجلى في رواياته الأخيرة عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب ومحمّد ثائراً غير طامع في المال والجاه … إلخ

وأخيراً لم يتوقف قلم عبدالله خليفة بوفلاسة، وهذا اللقب لا يعترف به في كتاباته بسبب أن هذا اللقب يأخذ شهرة القبيلة وهو لم يكن يحب أن يكون من القبائل، فكان مصاحباً لنشاطه الأدبي ليس فقط في أخبار الخليج، بل أيضاً كان عضواً بارزاً في أسرة الأدباء والكتاب البحرينية. وقد شهد لنشاطه الأدبي العديد من الكتاب من مختلف الصحف المحلية والعربية وخصوصاً صحيفتي «الوسط» و»أخبار الخليج» البحرينيتين.

رحلت يا عبدالله وتركت للأجيال القادمة إرثاً أدبياً ثرياً ونادراً في هذا الزمن الرديء والمرتد، حيث التراجع في مسار الحركة اليسارية في البحرين وفي الوطن العربي منذ التسعينيات من القرن الماضي، إذ أضحت الساحة السياسية مرتعاً للأنظمة العربية الرجعية المستبدة، ولأفكار الإسلام السياسي الظلامية الرامية إلى طمس معالم الحرية والديمقراطية والتقدم والسلام.
 
 
صحيفة الوسط البحرينية – 01 ديسمبر 2014م

اقرأ المزيد