المنشور

نقلق من أجل الوطن


يبدو الوطن مرهقاً بتساؤلات مقلقة مشروعة، بسبب شواذ وممارسات انطلقت ممتطية شعارات كبيرة، ما لبثت أن أدت بنا إلى صراع مع المنطق، ومع الضمير، ومع الواقع. وهذا ما كنا بغني عنه لو لم نسمح بأمور كثيرة منها ما قد يدخل في صميم الاستعصاء على الفهم، ومنها ما هو واضح لمن يتعمق في طياتها ويدخل في لب متاهاتها، وتبقي تبريرات من يقفون ورائها ويغذونها مخجلة باستمرار ، ولا أحد منهم مسئول .. !! أنه شيء مخيف ، أو يستوجب الخوف ، الخوف من عدم فهم أو استيعاب ما يجري في حاضرنا من ممارسات وأمراض تفتك بواقعنا ومجتمعنا ، والخوف من عدم وجود رؤية حقيقية واعية لمستقبلنا تنبني عليها المواجهة، ونبني عليها الآمال ، وأمام هذا الوضع نظل نعيش أجواء شديدة القلق:
•  نقلق حينما نعجز عن تجاوز آفة الطائفية بكافة وجوهها، وعندما نجد من يغذي هذه الآفة باستمرار في المجتمع وفي وعي الناس، لتكون الطائفية سوقاً سوداء للتداول والتنافس على المنافع والسلطة والمصالح الشخصية والولاءات الضيقة .    
• نقلق أمام اتساع قاعدة المتاجرين بالقيم والمبادىء يستثمرونها وفق مصالحهم، يعززون مواقع التسلط والتفرد على حساب المجتمع والمؤسسات .
• نقلق حيال حقيقة بعض من ينادون بالديمقراطية والحرية وحقوق الشعب، ولكن بمفهوم تراث الغنيمة، وعقلية العشيرة، ومصلحة الطائفة.
• نقلق حينما نتلكأ في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات ونصر على أن تكون حقوق الناس مجرد هبات ومكرمات .
• نقلق حينما يصبح مفهوم المصلحة العامة مفهوماً مطاطاً يركبه كثير من أصحاب السلطة والنفوذ والمصالح الخاصة ممن هم بعيدين عن التفاعل مع حيثيات ومرامي المصلحة العامة بل ومارسوا تجاوزاتهم باسم وشعار المصلحة العامة.
• نقلق حينما نجعل الكثير من الأعمال والمشاريع العامة مجرد ” بروباجندا ” مقابل تدني الاهتمام الفعلي بأمور أكثر قيمة للمواطن والوطن، وحينما تكون هناك مشاريع ورقية ، أو مشاريع أخرى مجمدة بسبب مصلحة فلان واعتراض علان، أو نرى مشاريع شراء الود أو الولاء السياسي، مما يسرب المال في غير قنواته أو يوجهه في مشاريع تنفيعية أو غير مجدية .
• نقلق من مستقبل لا يعرف التخطيط ، ولا يحسن استخدام الموارد الطبيعية ، ولا يجيد غير الاستمتاع العبثي بالثروة .
• نقلق من إمعان بعض أصحاب السلطة والنفوذ في ازدراء القانون وينصبون له المشانق في كل مكان، وجعل القوة فوق القانون، ولازالوا يستفزوننا حينما لا يجدون لغة يتحدثون بها غير شعار يرفعونه: دولة القانون.
• نقلق حينما يتربع أناس على مقاعد لا تناسبهم، وعندما نجد طوابير من الكفاءات الحقيقية تنعي حظها العاثر فقط لأنهم ليسوا من أهل الثقة.
• نقلق حينما يرتبط مصير الناس بانفعالات البعض ومزاجيتهم التي لا تتوقف عن التهاون ولا تقود إلى بر  الأمان الوطني والاجتماعي .
• نقلق عندما نجد بأنه ليس هناك من هو أكثر حديثاً عن الإصلاح من الذين خربوا ولوثوا وأفسدوا .
• نقلق حينما نجد أنفسنا بين فريقين أحدهما الغالب المهموم إلى حد الاكتئاب لا يمتلك شيئاً لا في الحاضر ولا المستقبل ، والآخر مبسوط إلى حد السفه يملك الحاضر والمستقبل .
• نقلق بوجود علاقات وممارسات تدمر كل القيم وتأخذ في طريقها القضايا الكبيرة، وتجعل شعارات الوطن شعارات مبتذلة أو مكاسب شخصية أو فئوية أو طائفية .
• نقلق من هؤلاء الذين يسعون حثيثاً إلى أن يزداد التخلف تعاظماً وأن يبتعد عنا التقدم نوعاً ومسافة .
• ونقلق من علاقات تحولت إلى أدوات استنزاف ونهب وفساد، وفتحت أبواباً كثيرة لاستثناءات وامتيازات مفرطة غير مشروعة لأناس بعينهم، وفتحت طرقاً مفروشة بالرشاوي من كل شكل ولون.
• نقلق من استمرار إعطاء الفرص تلو الفرص لفاشلين وعديمي كفاءة ومتسللين وأدعياء ليقتحموا كل مجالات حياتنا دون خجل أو حياء، وفرض وجوه بعينها تكاد تتكرر في كل مشهد.
• ونقلق من هذه الحالات الكثيرة من الشك والارتياب على جدية مسارات الإصلاح والتنمية لأنها جندت ضعاف النفوس من البشر الذين انخرطوا في موكب المصالح والمغانم والمطامع الشخصية.
• نقلق عندما لا نستطيع أن نستبعد بعض ممن هم محسوبين على القوى السياسية الأهلية، ومع مؤسسات أهلية دينية من الفساد. وعندما يصبح بعض دعاة الإصلاح فرسان الفساد.
• نقلق لأن مكافحة الفساد المستشري لم يصبح هو العنوان الأبرز في برنامج عمل الحكومة، ونقلق حيال إصرار البعض على إقناعنا بضرورة مكافحة الفساد كما لو أنه يبرئ ذمته . 
• وأخيراً وليس آخراً، نقلق من استهلاك قدرات أفراد المجتمع إبتداءً بالوقت ومروراً بالطموح وانتهاءً بالمستقبل . 

ذلك غيض من فيض مما يبعث على القلق، فاللائحة لو أردنا تطول وتطول ، أليس كل ذلك كافٍ ليثير فينا قدرٍ عميقاً من القلق الذي يتعاظم أمام شعورنا بأننا مثل سفينة تبحر بدون خطة مرسومة في عالم مليء بالتناقضات والتحديات، والله يستر.
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

الدولار كمصدر للخسائر

يسترعي الانتباه تقرير اقتصادي مهم جداً نشر مؤخراً، يتصل بالخسائر التي لحقت باقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي جراء ارتباط قيمة عملاتها بالدولار الأمريكي الذي انخفضت قيمته في العام الماضي بنحو 10 في المائة. حسب التقرير الذي نشرته وسائل الإعلام السعودية فإن هذه الخسائر بلغت نحو 60 مليار دولار خلال العام الماضي، بينها 37 مليار دولار بسبب انخفاض قيمة الصادرات الفعلية لدول المجلس و23 مليار دولار على هيئة ارتفاع قيمة وارداتها الفعلية. تحدث التقرير عن القلق الكبير الذي يساور الأوساط السياسية والاقتصادية والشعبية الخليجية لأن المصارف المركزية في دول الخليج باتت تمارس سياسات نقدية بحكم أمر الواقع الأمريكي المفروض عليها المتمثل في قيام مصرفها المركزي بتخفيض سعر فائدته بعكس احتياجات اقتصاداتها في الوقت الحاضر، ما يضع حاضر ومستقبل هذه الاقتصادات وبرامج التنمية فيها والواقع الحياتي لمواطنيها موضع تساؤلات مقلقة وخطيرة. ويحذر واضعو التقرير من أنه آن الأوان للتعامل مع السياسة النقدية بكل جدية، وعلى مستوى ما تنطوي عليه من مخاطر حقيقية وأنه يجب عدم تجاهلها تحت أي ذريعة من الذرائع. التضخم المزدوج في دول الخليج، حسب التقرير، يعود إلى عاملين أساسيين مرتبطين بالدولار هما سعر صرف الدولار وسعر الفائدة عليه، لأنه إذا تم خفض الفائدة على الدولار واتبعه خفض الفائدة المحلية مع ثبات سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار الذي يتهاوى سعر صرفه مقابل العملات الرئيسية الأخرى في هيكل واردات الخليج فستنتج من ذلك ظاهرة التضخم المزدوج. صغر اقتصادات دول الخليج ومحدودية شركائها التجاريين يجعلاها غير قادرة على السيطرة على الوضع الجديد للدولار، لذلك نجدها تواجه ضغوطاً تضخمية بسبب تراجع الدولار، إلا أنها قادرة على مواجهة هذه الضغوط بآليات مالية واقتصادية تتطلب شيئاً من الجسارة. يُذكّر التقرير بالموقف الصعب للغاية الذي تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في الوقت الحاضر، وبما سبق أن دعت إليه فعاليات اقتصادية مهمة في دول المنطقة، لا بل وبعض كبار المسئولين عن السياسات المالية. والاقتصادية فيها، من أن أمام دولنا خيارين لا ثالث لهما هما إما فك الارتباط بالدولار لمرة واحدة لتعديل أسعار الصرف أو الارتباط بسلة عملة تجارية الوزن.

صحيفة الأيام
19 فبراير 2008

اقرأ المزيد

يحدث في البحرين .. وأد البنات


دعوني أطلعكم على الخبر التالي في صحيفة الأيام البحرينية، علمت “الأيام” ان وزارة الصحة اصدرت تعميما يمنع بموجبه كشف جنس الجنين للأمهات الحوامل في جميع المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، خلفية التعميم تأتي بعد اكتشاف بعض الاطباء المختصين بالحوامل ان معرفة جنس الجنين يدفع بعض الأمهات الحوامل الى إجهاض الإناث، وذكرت ان بعض الاطباء اكتشفوا حالات اجهاض لدى مجموعة نساء ينتمين لجنسيات عربية بسبب حملهن للإناث، انتهى الإقتباس. توقفت مطولاً على هذا الخبر في محاولة للوصول إلى سبيل استيعابه، ولكن خيوطه المتشابكة منعتني من الوصول إلى تلك الغاية. فلنقف على تفاصيل الخبر، قرار وزاري يصدر كرد فعل لحالات الإجهاض التي حدثت “تحديداً” من النساء “ذوات الجنسيات العربية” الحوامل بالإناث، يقودنا هذا التحليل إلى أن عادة وأد البنات الجاهلية والتي لم تشهدها أرض دلمون مسبقاً، تشهدها اليوم في عصر الانفتاح والتقنية بعد اندثار الجاهلية بعدة قرون. لا نعرف إلى الآن هل نسميها ظاهرة أم مشكلة أم حالة نادرة، ولكنها جديرة بالأخذ بها والوقوف على أسبابها، قد يكون الأمر اليوم على أن نساء “ذوات أصول عربية” بضغط من أزواجهن يجهضن، والأم البحرينية الأصيلة لن تصل إلى هذه المرحلة لثقافتها وإحاطتها والتزامها الديني والأخلاقي بسوء هذه العادة الجاهلية. ولكن ماذا بعد جيل من اليوم؟ ما الذي يمنع أن تستشري هذه العادة، وسط هذا السيل الجارف من “المجنسين الجدد”، ومن المعقول جداً أن يسن قانون يسمح بوأد البنات وبإجهاض الأم إن كانت تحمل في أحشاءها “أنثى”، هذا طبعاً في جو كامل من الديمقراطية، حيث سيذيل القانون بشرط اختياري. تلك هي نظرتي الخاصة، قد يختلف معي الكثيرون ولكن من الذي يضمن الغد وما ستؤول له “بحريننا المليونية”. سأكون أول من يقرع الجرس ويحذر من إنتشار هذه العادة الغربية على مجتمعنا، فالغد بات واضحاً جداً، فهو أسود كالليل بل أشد سواداً، شعب يصحوا فجأة ذات يوم ليجد نفسه فاق حاجز المليون، سمع بفوائض النفط ويراها في أحلامه، نواب الشعب ” لا تعليق”، طائفية بغيضة تقسم الناس تقسيماً أعوج، و آخرها حالات إجهاض الإناث من الأجنة. شعب البحرين “المنكود”، تأتيك النوائب من كل ناحية وغداً تشهد أكبرها إطلاقا، وعطفاً على ذلك نقول، إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

مـتــــلازمــــة كـوسـوفــــو

في مارس/ آذار 1999 عندما بدأت الولايات المتحدة تمطر العاصمة اليوغسلافية بوابل حممها أعطى رئيس الوزراء الروسي حينها يفجيني بريماكوف أوامره لطاقم طائرته التي كانت متجهة إلى واشنطن بالاستدارة 180 درجة والعودة إلى موسكو. تطلب الأمر سنوات طويلة قبل أن يتم علاج آثار تلك الأزمة في العلاقات الأميركية الروسية. فيما بعد عرفت هذه الحركة في عالم استعراضات الطيران بـ ‘استدارة بريماكوف’. يخشى المراقبون أن كوسوفو قد تعيق هذه المرة أيضا إقلاع الطائرة الخاصة التي ستنقل الرئيس الروسي بوتين إلى بوخارست لحضور قمة روسيا – الناتو.
كتب هذا المقال السبت، 16 فبراير/ شباط. ويوم أمس الأحد كان الموعد المضروب كي يعلن برلمان كوسوفو عن نوايا إعلان الاستقلال تمهيدا لإعلانه الفعلي في مارس/ آذار المقابل. التحضير لهذا الحدث يجري بوتيرة متسارعة. فرقة الأوركسترا السمفونية الكوسوفية تتدرب حثيثا على عزف مقطوعة ‘قصيدة الفرح’ لبتهوفن. فحتى الآن ليس للدولة المزمع إعلانها سلام وطني. أما اليوم، الاثنين، فسيعقد لقاء وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي وسيكون الهدف الأساسي، بالرغم من أنه غير المعلن، هو السير حذو الولايات المتحدة والاعتراف باستقلال كوسوفو. أي أن آلة لي الأذرع التي تستخدمها أميركا في كل مرة عندما تصل الأمور حد ‘القضايا المبدئية’ تشتغل الآن بكامل قوتها. وربما تحذو معظم بلدان العالم حذو واشنطن، بروكسل وبريشتينا. وإذا حدث كل ذلك فسيكون العالم قد دخل أزمة دولية جديدة ستقض مضاجعه بسبب كوسوفو.
في الانتخابات البرلمانية الأخيرة فاز بأغلبية كبيرة ممثلو جيش تحرير كوسوفو الذي سبق وصنفته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت كمنظمة إرهابية. وقد حدث ذلك قبيل العاشر من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حيث توجب على الوسطاء الدوليين (روسيا، أميركا والاتحاد الأوروبي) إعلام الأمين العام للأمم المتحدة عن نتائج المفاوضات، لكن الوضع القانوني لكوسوفو دخل مأزقا بسبب تعارض موقفي بلغراد وبريشتينا بشأن مصير كوسوفو، وعلى الطرف الآخر تعارضت مواقف روسيا (التي حاصرت في مجلس الأمن قرارا بهذا الشأن) ومواقف أميركا وعدد من الدول الأوروبية.
ترى ما الذي حدا بالولايات المتحدة لأن تحمل هم الألبان الكوسوفيين المسلمين، كما حملت هم مسلمي يوغسلافيا السابقة عموما في الوقت الذي تعلن الحرب على الإسلام على نطاق كوني إلى درجة ترتقي إلى مستوى السياسة الرسمية؟ في واقع الأمر ما يقلق الولايات المتحدة الأميركية هو ترسخ أوروبا الموحدة. ولذلك فإن استهداف تدمير يوغسلافيا كواحدة من أكبر بلدان القارة الأوروبية وتفتيتها إلى كيانات أصغر يسهل توجيهها، ثم اقتطاع أقليات أثنية ودينية من بعض هذه الكيانات سيسمح للولايات المتحدة بأن تزرع تحت أساس أوروبا الموحدة حزمة من الشحنات الناسفة الموجهة عن بعد.
وبفضل ذلك تستطيع أميركا في أي وقت إحداث مزيد من الضغوط على ‘حلفائها’ الأوروبيين، وإذا اقتضى الأمر تفجير الوضع في القارة العجوز. فبلجيكا التي تعتبر عاصمة الاتحاد الأوروبي مهددة بانقسام متوقع، كما تتعاظم أخطار مثل هذه الانقسامات في بريطانيا وأسبانيا. وكل تلك أمور تعمل لصالح الولايات المتحدة. لقد استطاعت تركيع هذه الدول وجرها للقبول باستراتيجيتها لتقسيم البلقان. وبتنظيمها للحرب في البلقان نجحت واشنطن في إجبار ‘أصدقائها’ السبعة الكبار على تمويل نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.  كما أن البلقان استخدم كحقل تجارب لاختبار التكنولوجيات العسكرية والسياسية الأميركية الجديدة وتكنولوجيات ‘الأزمات القابلة للسيطرة’.
لكن السيطرة الفعلية التي تنشدها الولايات المتحدة هي في التحكم بموارد العالم وثرواته المادية للتحكم بكل مقاليد أموره الأخرى. وكانت الحرب على يوغسلافيا المقدمة الجدية والتمرين الكبير لفرض عالم القطب الواحد بشكل نهائي وتام. وفي هذا الجانب كان الصراع على كوسوفو يجري بهدف وضع اليد على منطقة ‘تريبتش’ الغنية بشكل استثنائي بالثروات الباطنية، حيث يستخرج الرصاص والزنك والفضة والكاديوم وغيرها من الخامات الإستراتيجية التي تصدر إلى فرنسا واليونان والسويد والتشيك وروسيا وبلجيكا والولايات المتحدة. عدا ذلك تمتلك كوسوفو احتياطات تقدر بأكثر من 17 مليار طن في مناجم الفحم. إنها الخطوة الأولى قبل السيطرة النهائية على نفط الخليج التي كانت سببا وراء الحرب المدمرة على العراق كمقدمة للأعمال العدوانية ضد باقي بلدان المنطقة.
وللذين يشكون ولو للحظة أن أميركا لن تجبر حكومة وشعب كوسوفو على سداد هذا ‘الدين’ أضعافا أن يتذكروا أن صدام حسين كان حليفا مقربا من الولايات المتحدة أيام حربه على إيران. لكنه جاء يوم واستوفت أميركا كل ما تريد من الحكومة ومن الشعب العراقي.
رغم كل البريق الذي قد يشكله إعلان كوسوفو لبعض الدول الإسلامية، إلا أنه في نهاية المطاف يهدد بزعزعة الاستقرار في مختلف أنحاء العالم. إنه لن يؤدي فقط إلى انتشار العنف في البلقان مجددا، ولكن عندما يبدو إعلان هذا الاستقلال برعاية الأمم المتحدة فسوف يغري كل انفصاليي العالم. في أوروبا وحدها سيسعى الباسكيون والفلامنديون والإيرلنديون والبوسنيون الصرب لتحقيق ذات الأهداف. وسيصب هذا الحدث الزيت على نيران دارفور وكولومبيا وسريلانكا في آسيا. وسيضرب بآثاره قبل كل شيء منطقة الاتحاد السوفييتي السابق في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وناغورنو كاراباخ وعلى ضفاف نهر الدنيبر. وفي الشرق الأوسط حيث التعددية الأثنية والدينية والمذهبية في مختلف بلدانه.
لكن الولايات المتحدة ذاتها بدأت تجني على الأراضي الأميركية ثمار سياساتها الكونية. فمتلازمة كوسوفو ضربت بعدواها الهنود الأميركيين. في 19 ديسمبر/ كانون الأول أعلن ممثلو قيادات قبائل ‘الداكوتا’ و’اللاكوتا’ و’الناكوتا’ فض الاتفاق الموقع بينها وسلطات الولايات المتحدة قبل أكثر من 150 عاما. وتسعى قبيلة الداكوتا لفتح ممثلياتها الدبلوماسية في عدد من البلدان المجاورة. ‘لم نعد الآن من مواطني الولايات المتحدة الأميركية (…)، وكل أولئك الذين يقطنون منطقة الولايات الخمس التي تشملها بلادنا يمكن أن ينضموا إلينا’، قالها راسل مينس، الداعية لحقوق الهنود الحمر الذين بدءوا حركتهم الانفصالية منذ العام 1974. وتحت تأثير حدث كوسوفو يعد الرافضون للجنسية الأميركية بتسليم جوازات سفرهم ورخص السوق التي يحملونها دافعين بعملية الانفصال نحو مستوى جديد.
 
صحيفة الوقت
18 فبراير 2008

اقرأ المزيد

إستبدال العمال‮ ‬ الهنود ليس حلاً

إذا صح ما نشرته “الأيام” أمس من أن جمعية المقاولين البحرينية بدأت الترتيب في استبدال العمالة الهندية بخيارات أخرى متاحة، بينها العمالة الباكستانية والبنغالية والنيبالية والفيتنامية، فإننا نكون بصدد تفكير آخر غير سديد، لا يحل المشكلة وإنما يفاقمها. مثل هذا التفكير يهرب من جوهر المشكلة المتصل بالأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها العمال الأجانب الذين يستخدمون في انجاز المشاريع العمرانية الطموحة، وهي مشكلة لن يحلها استبدال جنسية بأخرى، ذلك أن المعاناة الإنسانية واحدة، وما قام به العمال الهنود من إضراب احتجاجا على سوء أوضاعهم، ومطالبة بتحسينها يمكن أن يقوم به عمال آخرون بصرف النظر عن جنسياتهم. حتى الآن ما زال البعض يتصرف كما لو أن العالم لم يتغير، فطريقة معاملة العمال الأجانب والمهاجرين باتت اليوم في دائرة الضوء، وتحت رقابة المنظمات الدولية المعنية، التي لم تعد في وارد الصمت عما تتعرض له العمالة الآسيوية في بلدان الخليج من سوء معاملة في الأجور وفي ظروف العمل. السفير الهندي في البحرين صرح أمس أن تصريحاته أُسيء فهمها، وانه لم يكن يقصد تحريض عمال بلاده على إعلان إضرابهم، لأن التذمر في صفوفهم سابق لتصريحاته، وفي كل الأحوال لا يجوز التحامل على سفير دولة معنية برعاية حقوق أبنائها في البلد الذي يمثل دولته فيها، وإنما يجب البحث عن أساس المشكلة. المشكلة ليست في تصريحات السفير، وإنما في معاناة العمال الهنود وغير الهنود، وهو الأمر الذي يجب التوقف أمامه وتسويته عبر سلسلة من التشريعات والتدابير التي تتواءم مع المستجدات في سوق العمل، ومع القواعد الدولية المرعية في مسألة حقوق العمال الأجانب. لم يعد جائزا الاستخفاف بهذا الأمر، في بلد مثل بلدنا يعتمد كل هذا الاعتماد على العمالة الأجنبية، وتشير الأرقام الأخيرة إلى أن الخلل في تركيبتنا السكانية بلغ مدى غير مسبوق، فقد فقدنا الميزة التي كانت البحرين تتباهى بها سابقا، عندما نقارن حالنا بأحوال أشقائنا في دول الخليج الأخرى، من أن نسبة البحرينيين من إجمالي سكان البلد هي الأعلى، على خلاف ما هو موجود في البلدان الخليجية الأخرى. ولأول مرة في تاريخنا يبلغ عدد الأجانب في البحرين أكثر من البحرينيين، وإن تُرك الأمر على ما هو عليه فعلينا توقع الأسوأ، لا في مجال العلاقة مع العمالة الأجنبية وحدها، وإنما في مجمل تداعيات صورة التركيبة السكانية في البلاد اقتصادياً واجتماعياً، وحتى من وجهة نظر ثقافية صرفة. إن العالم يتغير من حولنا وبسرعة قياسية، فهذا العالم سائر نحو المزيد من التداخل والترابط، وما كان يُنظر إليه، حتى وقتٍ قريب، على انه شأن داخلي لهذا البلد أو ذاك لم يعد كذلك. كل القضايا اليوم عُرضة للتدويل، وقضية بحجم العمالة الأجنبية واحدة من هذه القضايا التي يجري تدويلها، فلنتهيأ للتعاطي معها على أنها كذلك، بدل اللجوء إلى حلول الترقيع باستبدال العامل الهندي بالباكستاني أو سواه. فالقضية في جوهرها واحدة ومن العبث الهروب منها بمثل هذه “المعالجات” القاصرة.
 
صحيفة الأيام
18 فبراير 2008

اقرأ المزيد

أوقفوا التجنيس في البحرين


بدأت من جديد تدق الطبول وبأصوات  عالية، هل يسمع المسئولون الذين يمنحون الجنسية في البحرين لمن هب ودب دون مراعاة لظروف وواقع البحرين وما نعانيه من مشاكل جمة، تلك التحذيرات قادمة من صحفيين وكتاب رأي، ومنظمات مجتمع مدني ، فالذي يحدث في البحرين  غير طبيعي، فالزيادة في عدد سكان البحرين التي أعلن عنها وزير شئون مجلس الوزراء أحمد بن عطية الله آل خليفة تدخل القلق في النفوس، حيث بلغ عدد سكان البحرين في شهر سبتمبر 2007، (1.046.814) نسمة، عدد البحرينيين منهم  (529.446) والأجانب (517.368)، وهذا يعد مؤشراً خطيراً وسوف يفاقم الأوضاع السيئة في البحرين ، ولن تفيد منحة 40 مليون دينار، والتي لازال الجدل حولها مستمراً !! تعطى لمن؟ ومن يستحقها؟ ومن سوف يسرقها قبل صرفها؟ حذر الجميع  من سياسية التجنيس السياسي والعشوائي ومخاطره على حاضر ومستقبل البحرين والأجيال القادمة…منذ خمس سنوات وأكثر قلنا وكتبنا بأن وقف التجنيس مهمة وطنية عاجلة أهم من التعديلات الدستورية وغيرها من المطالب المشروعة لشعبنا وقواه السياسية المعارضة ، يمكن أن نحصل على دستور أفضل من دستور 1973، بالتأكيد من خلال النضال الوطني ذي النفس الطويل ، ربما تحصل الأجيال القادمة على ذلك ، وتحقق أحلام وتطلعات أبائها وأجدادها ، ولكن التجنيس أن أستمر لا تستطيع أي قوى انتزاع الجنسية من الذين حصلوا عليها. السؤال: لماذا نطالب بوقف التجنيس في البحرين؟ فالذي يجري في بلادنا هدفه واضح ، وهو تغيير التركيبة الديمغرافية للسكان في البحرين ، وإذا أراد القراء معرفة المزيد يمكنهم الرجوع إلى التقرير الذي تطلق عليه الصحافة المحلية تسمية ” التقرير المثير ” بعيداً عن ذلك التقرير، هناك شواهد وحقائق على الأرض تؤكد حقيقة ذلك المشروع الخطير الذي يستمرون في تطبيقه في البحرين :  عليكم التأمل بالزيادة السكانية التي أعلن عنها الشيخ أحمد بن عطية الله آل خليفة ، والذي ينسب له في التقرير بأنه المسئول الأول عن تلك الفكرة ، وهو الرجل الذي يعرف وبالأرقام حقيقة المجنسين في البحرين ، ولم يستطيع أعضاء مجلس النواب الحصول على أية إجابة شافية منه، كان آخرها السؤال الذي وجهه إليه رئيس أكبر كتلة نيابية في المجلس النائب الشيخ علي سلمان الأمين العام لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية. ففي بلادنا لازالت هناك ملفات عالقة لم تحل حتى هذه اللحظة ، ولازالت السلطة غير جادة في البحث عن حلول لتلك الملفات والمشاكل، تلك الملفات، ملف ضحايا التعذيب من الشهداء والمعتقلين وغيرهم من الذين تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي إبان حقبة قانون أمن الدولة السيئ الذكر، ولازال البعض يعاني ، من يجبر الضرر عنهم؟ وينصفهم ، بإعلان المصالحة الحقيقية مثلما جرى في المغرب وتشيلي وجنوب أفريقيا، وقضايا الإسكان والطلبات القديمة للمواطنين وبالآلاف والبطالة والصحة والتعليم وغيرها من مطالب وقضايا الناس اليومية ، يضاف إليها أعباء الغلاء في الأسعار والعقارات في ارتفاع مستمر، لا سكن يحلم به الموظف العادي في بلد نفطي ، توجد ٱسر فقيرة بالمئات وربما الآلاف ، وإذا أردتم أن تعرفوا ، أسالوا وزارة التنمية الاجتماعية كم من المعونات والمساعدات تقدم سنوياً للمحتاجين من المواطنين بالإضافة إلى الصناديق الخيرية المنتشرة في البحرين. لسنا من دعاة العداء للشعوب وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها ، وشعبنا تعايش طوال تاريخه الممتد من حضارة دلمون حتى البحرين ، مع شعوب وحضارات عديدة تداخل معها بالرغم من أنها دولة صغيرة المساحة وتعايشت بسلام وأمان. الذي يجري اليوم غير ذلك، وهو خطير للغاية، وعلى الوطنيين والنواب الذين تهمهم وحدة هذا الشعب،بان يتصدوا لهذا المشروع المفتت للنسيج الاجتماعي ، فالمجنسون الجدد في أغلبهم ليسوا أصحاب كفاءات أو مؤهلات علمية والعديد منهم أميين وأشباه أميين ، يستفيد منهم النظام السياسي، في وزارتي الداخلية وقوة الدفاع . حتى مواد قانون عام 1963، لا تطبق على الآلاف من هؤلاء المجنسين فالعربي يجب أن يكون مقيماً في البلاد ومضى على إقامته في البلاد خمسة عشر عاماً “متتالية” والأجنبي 25 سنة متتالية ، ويجيد اللغة العربية ، ففي هذا الموضوع حدث ولا حرج ، أصبح شعب البحرين أضحوكة في البلدان الخليجية بسبب هؤلاء الذين لا يجيدون اللغة العربية تحدثاً وليس قراءة . دافعنا عن حق أشقائنا الفلسطينيين الذين مضى عليهم عقود من السنين في بلدنا، هؤلاء يستحقون الجنسية ، ليس لأنهم فلسطينيين مشردين، ولكن، لأنهم ساهموا في تعليم وتدريس المئات والآلاف من أبناء البحرين، هؤلاء يستحقون التقدير والاحترام على الجهود التي بذلوها من أجل تطوير التعليم في البحرين منذ نهاية الخمسينات، اليوم أبنائهم أطباء ومهندسين ومدرسين وفنيين وغيرهم، بكلمات أصحاب كفاءات ومؤهلات. سياسة جلب مواطنين من بلدان عربية وإعطائهم الجنسية وتوفير لهم العمل والسكن والتعليم ستخلق مشاكل لا تحصى على المجتمع وستضيف أعباء أخرى على الدولة،  في ظل سوء الخدمات المقدمة للمواطنين.  بالإضافة إلى إعطاء بعض الفئات والقبائل السعودية الجنسية وتصبح جنسيتهم مزدوجة، هل تعطي دول مجلس التعاون الخليجي الجنسية لمواطني البحرين، على أن يحتفظ” بالجنسية البحرينية” أي جنسية مزدوجة” ؟ نتساءل أم يحصل هذا فقط في مملكة البحرين التي تقدم هذه الخدمة الجليلة لمواطني الخليج وهي تعرف جيداً بأنها لا تستطيع بأن تلبي احتياجات المواطن البسيطة والمتواضعة، فكيف الحال مع مواطنين جدد. والمثير للدهشة ما كتبه أحد الكتاب ” الشباب في عموده في جريدة محلية ” يومية ” في يوم الأحد الموافق 10/2/2008م، (يجب على الدولة أن لا تنزعج من بعض آراء وأصوات تقف ضد منح الجنسية لمستحقيها وبحسب القانون ، فنحن في زمن الديمقراطية وحرية الرأي للناس). ويضيف في فقرة أخرى ، المسكوت عنه في صراخ الجنسية والتجنيس هو خوف ” البعض ” من أن منح الجنسية قد يهدد هويتهم الفئوية ويخرب مخططهم في الزيادة الوهمية ، ويحطم أسطورة الأكثرية والغالبية السكانية كما يزعمون. ويختتم عموده بالقول ” أن منح الجنسية لمستحقيها وفق القانون ” حق دستوري يجب أن لا يتوقف ولا يتعطل ، تماماً كما تعطلت أمور أخرى وأصبح القانون فيها مرفوعاً من الخدمة مؤقتاً ، والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا البلد. دعوة صريحة لمزيد من الاحتقان في المجتمع، وربما لأهداف ذاتية أو طائفية أو فئوية أو سياسية ، وبالنسبة لهذا الكاتب ليس المهم وحدة هذا الشعب واستقراره الاجتماعي والاقتصادي والأمني، وليس من المهم معالجة القضايا الماثلة أمام الحكومة ومجلس النواب فمثل هذه الدعوات تعني ببساطة صب الزيت على النار، من يعرف أعداد المجنسين الحقيقية في البحرين ، أي الكاتب عليك أن تفكر بمستقبل أبنائك وأبناء هذا الوطن ، ربما يسعدك ما يجري اليوم، في تغيير التركيبة السكانية لشعب البحرين ، ولكن هل تضمن ما سوف يجري في المستقبل ، في ظل هذه الأوضاع المعيشية والتراكم الذي سوف يحدث عليها. 
أوقفوا التجنيس من أجل مستقبل أطفالكم ووطنكم
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

ارتفاع الأسعار عالمياً وفرص التغلب عليه‮)‬2‮-‬2‮(‬

استعرضنا في‮ ‬المقال السابق موجة التضخم النقدي‮ ‬التي‮ ‬تجتاح العالم منذ حوالي‮ ‬أربع سنوات،‮ ‬متجسدة في‮ ‬ارتفاع كُلَف الإنتاج لمعظم السلع والخدمات الخاضعة للتداول في‮ ‬المجالين المحلي‮ ‬والعالمي،‮ ‬وكيف أن هذا التضخم قد ارتفع إلى مستويات مقلقة في‮ ‬دول مجلس التعاون متجسداً‮ ‬في‮ ‬ارتفاعات حادة لأسعار سلة واسعة من السلع والخدمات وانعكس بالتالي‮ ‬سلباً‮ ‬على القدرات الشرائية والمستويات المعيشية لشرائح واسعة من مواطني‮ ‬دول التعاون،‮ ‬وهو ما اضطر الحكومات الخليجية لاستخدام أدوات السياسة المالية للتخفيف من وطأة هذا المنغص التنموي‮ ‬وذلك برفع رواتب العاملين في‮ ‬الإدارة الحكومية‮.‬
وقد أوضحنا كيف تضافرت عوامل خارجية‮ (‬ارتفاع كلف إنتاج السلع والخدمات عالمياً‮ ‬نتيجة لارتفاع أسعار المدخلات الإنتاجية لاسيما النفط والمعادن والمواد الخام الأخرى وتميز الدورة الاقتصادية الحالية بصعود حجم الطلب الكلي‮ ‬فيها وطول فترتها الانتعاشية‮)‬،‮ ‬وانخفاض أسعار صرف عملات دول التعاون مقابل العملات العالمية نتيجة لانخفاض سعر صرف الدولار المرتبطة به،‮ ‬وعوامل داخلية‮ (‬حالة الرواج الاقتصادي‮ ‬التي‮ ‬تشهدها الاقتصادات الخليجية والطفرة العقارية والاستثمارية الخاصة والعامة‮).‬ ولأنه لا‮ ‬يبدو في‮ ‬الأفق ما‮ ‬يشير إلى انقشاع موجة التضخم في‮ ‬الأمد القريب ولا ما‮ ‬يشير إلى وضع خطط خليجية مضادة لموجة ارتفاع الأسعار،‮ ‬فلا‮ ‬يبقى أمام جمهور المستهلكين من خيار سوى اللجوء إلى ذات الأسلوب الذي‮ ‬تتبعه الدول عادة عندما‮ ‬ينال منها اللاتوازن الاقتصادي‮ ‬الناجم عن تعاظم جانب المصروفات في‮ ‬موازناتها مقابل عدم تحسن أو تراجع جانب الإيرادات،‮ ‬فتلجأ إلى خفض نفقاتها الجارية والرأسمالية‮ (‬الاستثمارية‮).‬ إذ في‮ ‬وسع الأفراد والأسر أن‮ ‬يبذلوا جهداً‮ ‬بسيطاً‮ ‬في‮ ‬إعادة هيكلة وجدولة أولوياتهم الإنفاقية،‮ ‬فيعمدون إلى ترشيد إنفاقهم وفقاً‮ ‬لمعيار الأولوية والأهمية‮.‬
فيستغنون في‮ ‬هذه الحالة عن عدد مختار،‮ ‬على أساس معيار الأولوية،‮ ‬من السلع والخدمات التي‮ ‬لا‮ ‬يؤثر الاستغناء عنها في‮ ‬نمط حياتهم ولا مستوى معيشتهم بوجه عام‮.‬ ويمكن الاستعانة في‮ ‬ذلك أيضاً‮ ‬بالبديل السلعي،‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأنه متوفر في‮ ‬ظل اتساع المنافسة الدولية في‮ ‬مجال الإنتاج السلعي‮ ‬والتي‮ ‬انعكست في‮ ‬إنتاج شرائح عريضة من ذات الصنف السلعي‮ ‬بمواصفات متغيرة وبأسعار مختلفة وتنافسية‮.‬ ولو توقف المستهلك عن مسايرة استدراجات المنتجين والموزعين السلعيين،‮ ‬وأعمل عقله ورشَّد سلوكه الاستهلاكي‮ ‬لتحول ارتفاع أسعار السلع من مصدر ثراء إلى وبال على أولئك‮ ‘‬التجار‮’ (‬المنتجين والموزعين‮).‬
ولعلنا نتذكر هنا حملة مقاطعة منتجات الألبان ومشتقاتها التي‮ ‬دعا إليها الآلاف من المواطنين السعوديين منتصف شهر‮ ‬يناير الماضي‮ ‬نتيجة لقيام شركات الألبان برفع أسعار الألبان بداية العام الجديد،‮ ‬حيث تجاوب المواطنون السعوديون مع تلك الدعوات التي‮ ‬وصلتهم من خلال أكثر من وسيلة اتصال بدءاً‮ ‬من رسائل الجوال ومروراً‮ ‬بمواقع الإنترنت وانتهاءً‮ ‬بمنابر المساجد‮. ‬وقد‮ ‬غطى شعار الحملة الشعبية لمقاطعة منتجات الألبان‮ ‘‬خلوها تخيس‮’ ‬معظم واجهات المنتديات والمدونات السعودية،‮ ‬ناهيك عن تداوله عبر الهواتف النقالة وذلك على مدى سبعة أيام هي‮ ‬فترة صلاحية العبوة الواحدة من اللبن أو الحليب‮. ‬كما انطوت الحملة على مواقف من خلال تصميم شعارات تعبر عن الاحتجاج على موجة الغلاء بشكل عام‮. ‬وقد تدخلت وزارة التجارة السعودية بعد النجاح الذي‮ ‬حققته الحملة وفاوضت بعض الشركات وأقنعتها بالتراجع عن رفع أسعارها‮.‬ وهكذا فإن على المستهلكين أن‮ ‬يعوا بأن نصف الحل‮ ‬يقع بأيديهم،‮ ‬وأن ارتفاع الأسعار لن‮ ‬يتوقف مادامت الأسباب المفضية له قائمة،‮ ‬خصوصاً‮ ‬مع توقع لجوء المؤسسات والشركات إلى توجيه ميزانياتها خلال الفترة الحرجة لشراء وتوفير مستلزماتها واحتياجاتها من المواد الخام،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن عدم واقعية ومحدودية فاعلية حُقن رفع الرواتب والأجور في‮ ‬معالجة الأزمة‮.‬
وتفيدنا في‮ ‬هذا المقام النظرية الاقتصادية التي‮ ‬تقول بأن سعر السلعة‮ ‬يتأثر بمتغيرات عديدة منها ما‮ ‬يمكن قياسه بوحدات كمية أو نقدية وتسمى بالمتغيرات الكمية مثل الكمية المطلوبة من السلعة،‮ ‬وسعرها،‮ ‬ومستوى دخل المستهلك،‮ ‬وأسعار السلع الأخرى،‮ ‬وعدد السكان‮. ‬أما المتغيرات الأخرى فتسمى بالمتغيرات النوعية أو الكيفية،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬يصعب قياسها بوحدات كمية،‮ ‬مثل ذوق أو تفضيلات المستهلك،‮ ‬العوامل الموسمية، ‬طريقة توزيع الدخل القومي‮ ‬بين أفراد المجتمع،‮ ‬وأخيراً‮ ‬وليس آخراً‮ ‬وعي‮ ‬المستهلك وحصافته واللذين سيشكلان في‮ ‬المستقبل‮ ‬‭-‬‮ ‬من وجهة نظرنا المتواضعة‮ ‬‭-‬‮ ‬حجر الزاوية في‮ ‬الأبحاث والدراسات الرأسمالية ومدارس وطرائق التسويق والتوزيع والتسعير السلعي‮.‬ فمع‮ ‬غزارة التدفق المعلوماتي‮ ‬عبر العالم وسهولة وصول المعلومة إلى مستهلكيها فإن الرهان على ارتفاع درجة وعي‮ ‬وحصافة المستهلك سيكون رهاناً‮ ‬مسوغاً‮.‬
 
صحيفة الوطن
17 فبراير 2008

اقرأ المزيد

لا للتابوهات‮ ..‬

في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يتجاوز العالم المتقدم مسألة الحديث عن التابو بمعوقاته المختلفة وتبعاته الكوارثية على الذات والإبداع‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يخضع فيه هذا العالم هذه التابوهات لمبضع النقد والتشريح رغبة في‮ ‬التجاوز والتحرر وإعلاء قيمة الذات الإنسانية والإبداعية،‮ ‬لم تزل الذات ولم‮ ‬يزل الإبداع في‮ ‬مجتمعاتنا العربية وخاصة الواقعة تحت الهيمنة العقائدية الإرهابية والمتطرفة،‮ ‬في‮ ‬حكم المصادر والمحظور والمحذور،‮ ‬وكما لو أن هذه الهيمنة تتقصد إقصاء الإبداع من الذات باعتباره أبو التابوهات وباعتباره بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في‮ ‬النار،‮ ‬بالرغم من أن الإبداع هو ما‮ ‬يأتي‮ ‬من كل شيء بديع أو كل بديع‮ ‬يتمخض عن الإبداع‮ ‬،‮ ‬والبديع إسم من أسماء الجلالة عز وجل‮ ‬،‮ ‬فمن‮ ‬يعترض على هذا الاسم الذي‮ ‬تتجلى فيه كل معاني‮ ‬ودلالات الجمال وفرادته ؟‮ ‬
لا‮ ‬يمكن في‮ ‬رأيي‮ ‬الحديث عن الإبداع بمعزل عن التحرر من كوابيس التابوات،‮ ‬وكل إبداع هو حالة من حالات التحرر من التابوهات،‮ ‬وإذا أخضع الإبداع لهذه التابوهات بسلطاتها المتعددة والمركبة فإننا بذلك حسمنا أمر وأد الإبداع‮ ‬،‮ ‬فأية رقابة تنطلق من هذه التابوهات وتحتمي‮ ‬بها،‮ ‬تعني‮ ‬بالدرجة الأساس سيطرة وسطوة على الإبداع ونموه،‮ ‬وما أصعب هاتين الكارثتين على ذات وروح المبدع وأنفاسه الإنسانية التي‮ ‬يتشكل من هوائها عبق إبداعه،‮ ‬إذ أن أية محاولة لخنق هذه الأنفاس هي‮ ‬مساهمة ضمنية مقيتة في‮ ‬قتل المبدع روحاً‮ ‬وجسداً‮ ‬حتى قبل أن‮ ‬يبلغ‮ ‬الحلم،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬مجتمعاتنا العربية وخاصة المكبلة بالروادع والنواهي‮ ‬التي‮ ‬تتلذذ بتصفية آخر بقايا خلية من خلايا الإبداع والمخيلة لدى المبدع،‮ ‬وهي‮ ‬روادع ونواهٍ‮ ‬لا‮ ‬يمكن بأي‮ ‬حال أن تقبل وتتقبل الحوار مع الآخر،‮ ‬وإذا حاورت فإنها تحاور ببغض ومقت‮ ‬،‮ ‬وهكذا حوار لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يؤسس لمحبة تدشن جسوراً‮ ‬للتفاهم بينهم وبين المبدعين،‮ ‬هؤلاء الذين صارت قراءتهم للمنتج الفكري‮ ‬والإبداعي‮ ‬أقرب من حاسة أنف الكلب للأثر المراد في‮ ‬حينه،‮ ‬فما أن تقودهم حاسة الشم إلى كلمة لها في‮ ‬نواهيهم‮ ‬غاية وإن كانت تخدم نواهيهم،‮ ‬إلا و تم إطلاق الحكم على كل ما في‮ ‬المنتج بالرذيلة وإهانة المقدس،‮ ‬وبذلك‮ ‬يستحق الإعدام جملة وتفصيلاً‮ ‬حتى‮ ‬يعلن المبدع توبته عن الإنتاج في‮ ‬مجال الفكر والإبداع،‮ ‬لذا لم‮ ‬يزل بعض أهل التابو‮ ‬يطالبون بإعدام حكايا ألف ليلة وليلة والتربص لشهرزاد للنيل منها حية أو متخيلة أو وهما أو خدعة خاصة وأن سيف الجلاد لا‮ ‬يزال‮ ‬يتشفى من الأفواه التي‮ ‬تهجت بعض الحكايا حتى وإن كانت تخفف عليه بعض وحدته وغلظته وجلافته‮ .‬
هل‮ ‬يعقل ونحن في‮ ‬زمن‮ ‬يحتفي‮ ‬بالحريات ويعلي‮ ‬شأن الإنسان من خلالها أن نطلق العنان لمثل هؤلاء التابوهيين للجم صوت الإنسان وعقله وفكره ؟ هل‮ ‬يعقل أن نتيح المجال لمثل هؤلاء أن‮ ‬ينزعوا الإبداع من ذوات مفكرينا ومخيلتهم وعقولهم ويودعونها سجونهم القهرية‮  ‬هل صار الإبداع إلى هذا الحد مخيفا ومرعبا حتى‮ ‬يسعى التابوهيون إلى محاصرته وإقصائه من الوجود تماماً‮ ‬؟ كيف‮ ‬يمكننا الحديث بل اللهج بالحرية والديمقراطية وهناك من‮ ‬يتدخل حتى في‮ ‬خصوصيتنا ويلجم أحلامنا ويمنعنا حتى من كلمة مجردة‮ ( ‬أنا حر‮ ) ‬أو‮ (‬أشعر بحريتي‮ )  ‬أو‮ ( ‬أعتز بذاتي‮ ) ‬؟ هل‮ ‬يعقل أن‮ ‬يترك شأن المبدعين والمفكرين لمن لا‮ ‬يقرأ الإبداع والفكر إلا بقصد النيل منهما جهلاً‮ ‬و‮ (‬غشامة)؟‮ ‬
ولعل أشد ما‮ ‬يواجهه المبدع والمفكرالتنويريان هو التواطؤ الرسمي‮ ‬مع هؤلاء من أجل تغييب الصوت التنويري‮ ‬الحر،‮ ‬وحث المبدع والمفكر بشكل أو بآخر ـ في‮ ‬حالة التعاطف معه ـ اللجوء إلى الرمز الأسطوري‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يشي‮ ‬بأي‮ ‬حال من الأحوال بأن له أية علاقة بالمحظور أو المقدس،‮ ‬وهو حث لعمري‮ ‬ييسر سبل إرهاب الفكر والإبداع لدى هؤلاء ويجير لغة المبدع نحو نفق واحد لا‮ ‬ينبغي‮ ‬تجاوزه،‮ ‬وهذا ما لا‮ ‬يمكن للمبدع قبوله وما‮ ‬يهيئه للاصطدام معه حتى‮ ‬يضمن بعض حريته،‮ ‬وإن كان هناك خيار آخر فلا مناص من هجرته إلى بلد‮ ‬يحترم ويحتفي‮ ‬بحريته وذاته وإبداعه،‮ ‬وما أكثر المبدعين الذين نجو بجلدهم من سطوة التابوهيين في‮ ‬مجتمعاتنا العربية بهجرتهم من بلدانهم،‮ ‬ولعل تلك واحدة من رغبات و‮( ‬تطلعات‮ ) ‬كثيرة‮ ‬ينشدها التابويون في‮ ‬نفي‮ ‬المبدعين وأصحاب العقول من بلدانهم،‮ ‬ومحاولة من بعض المبدعين والمفكرين لحماية رؤاهم وإبداعهم،‮ ‬سعوا حثيثاً‮ ‬ونادوا بضرورة إحياء ثقافة التمرد المسول أو تعزيز وجودها وفاعليتها إن وجدت‮ ‬،‮ ‬ذلك أنه لا‮ ‬يمكن بأية حال الصمت عن موت أو فتك‮ ‬يداهم ذات المبدع كلما عنّ‮ ‬له ذلك وكما لو أنه كل السلطات والمجتمع والدين والوصاية وما أكل السبع‮ ..‬
لذا‮ ‬ينبغي‮ ‬رفض التابوهات ومن‮ ‬يتمثلها،‮ ‬ذلك أنها تعلن في‮ ‬حقيقة الأمر تخلف المجتمع،‮ ‬فكلما زادت التابوهات وزاد الاقتناع والإيمان بها،‮ ‬كلما أكدت من جهة أخرى تخلف المجتمع على شتى الصعد،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعيش هذا المبدع والمثقف والمفكر وسط أجواء مزدوجة،‮ ‬ظاهرها الديمقراطية والحريات وباطنها وجوفها التابوهات وما خلفت من أنياب ومخالب سامة،‮ ‬لذا لا مناص من ثقافة التمرد كزاد أساسي‮ ‬وضروري‮ ‬لمواجهة تلك الطامة‮ !!
 
صحيفة الوطن
17 فبراير 2008

اقرأ المزيد

كيف نقرأ زلزال البورصة الأمريكية؟

لم يكن الزلزال الأخير الذي ضرب الأسواق المالية الأمريكية، ومعها تباعا الأسواق المالية العالمية، هو أول زلزال يصيب هذه الأسواق ولن يكون بالطبع الأخير، فقد مرت هذه الأسواق منذ فجر تاريخها الحديث بسلسلة دورية متعاقبة من الزلازل تعكس بشكل أو بآخر الأزمات الاقتصادية الدورية التي تمر بها الرأسمالية العالمية. وفي هذا الزلزال المالي الأخير، وكما حدث عند كل زلزال من الزلازل التي ضربت الأسواق المالية عاد منظرو وسياسيو الرأسمالية مجددا للتقليل من تداعيات الزلزال والتبشير الخجول بامكانيات التغلب عليه وإعادة الثقة الى الأسواق مجددا واستعادة دورة الحياة فيها. هذا ما حدث على سبيل المثال خلال أزمة الكساد المالي والاقتصادي الكبير في الولايات المتحدة في أواخر العشرينيات ومطلع الثلاثينيات وهو ما حدث أيضا خلال انهيار بورصة نيويورك في خريف 1987 والتي خسرت حينذاك في يوم واحد 500 مليار دولار وحيث جاءت تلك الخسارة لتعري حقيقة مناخ الرخاء الزائف حينذاك حتى ان عجز الميزانية العامة بلغ 210 مليارات دولار في عام 1987 ووصل عجز الميزان التجاري الى 15 مليار دولار في ذات السنة. أما في هذا الزلزال الأمريكي الأخير الذي جرى على خلفية تداعيات أزمة الرهون العقارية في سبتمبر الماضي فقد جاء هبوط الأسواق الأمريكية على النقيض تماما من خطط الرئيس جورج بوش الجديدة نحو خفض ضريبي مؤقت قيمته 140 مليار دولار وحوافز للشركات وإجراءات أخرى للحيلولة دون انكماش الاقتصاد الأمريكي فكان الزلزال أسرع من صدى صوت الرئيس بوش. بيد أن خطورة الزلزال المالي الذي ضرب واحدا من ميكانيزمات دورة الحياة الاقتصادية ليست محصورة فقط في الولايات المتحدة، صاحبة أكبر وأقوى اقتصاد في العالم، بل سرعان ما امتد الى اقتصاديات أوروبا الغربية واليابان وبلدان النمور الآسيوية، دع عنك الأسواق المالية في دول الخليج الأكثر هشاشة في اقتصادياتها رغم رخائها المالي الظاهري. فالزلزال ضرب أكثر من 300 مليار دولار من القيمة السوقية للأسهم الأوروبية، وبورصة سيئول تراجعت الى 23،6 في المائة، وسيدني 1،7 في المائة وبومباي 7،9 في المائة وهونج كونج 5 في المائة، والأسهم اليابانية هبط المؤشر نيكي الى 4%. وقس على ذلك تراجع بورصات أوروبا والخليج. نحن إذن إزاء ترجمة حقيقية صادقة لمقولة “إذا عطس الاقتصاد الأمريكي أصيبت اقتصاديات العالم الذيلية له بالإنفلونزا”. وكما في أمريكا وأوروبا حيث انبرى منظرو الرأسمالية للتخفيف من هول الزلزال بأن ما حدث لا يعني بالضرورة دخول أمريكا في كساد كبير كرر الأسطوانة ذاتها خبراء الاقتصاد الطفيلي في دول الخليج. (انظر على سبيل المثال ما يقوله الخبيران الدكتور أنس الحجي، والدكتور ناظم القدسي حول هذا الموضوع في الشرق الأوسط، عدد 25/1/2008). ولكن هل يمكن إرجاع تفسير الزلزال الأمريكي الى مجرد مشكلة طارئة في الرهونات العقارية أفضت بدورها الى زلزال الأسواق المالية متبوعا بزلازل الأسواق المالية الأوروبية والآسيوية واليابانية والخليجية؟! لعل من نافلة القول ان تحليلات منظري الرأسمالية المالية الأمريكية تكاد تتكرر في كل مرة لتفسير ما حدث، وفي هذه المرة انبرى بعض الخبراء الرأسماليين الاقتصاديين الأمريكيين “الموضوعيين” لمحاولة تقديم وجبة جديدة من التفسير ذات نكهة لتكون أكثر قبولا. فعلى سبيل المثال لم يتوان استاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا والحائز جائزة نوبل للاقتصاد جوزيف ستيجليتز عن ارجاع العلة الى طبيعة الاقتصاد الأمريكي برمته وليس فقط الاكتفاء بالعلة الظاهرية الطارئة المتمثلة بأزمة الرهون العقارية. وسمى هذا العالم الاقتصادي الأشياء بأسمائها فالمسألة، كما قال، ليس الخلاف حول تفسير ما حصل بأنه سيؤدي الى ركود دائم ام مؤقت، بل حول ما تنبئ به باتجاه الاقتصاد الأمريكي نحو التباطؤ والتسبب في ارتفاع معدلات البطالة. ولذا فإن الدولة، كما يضيف ستيجليتز، بحاجة الى محفز يدفع النشاط الاقتصادي وبحاجة الى أكبر قدر من العائدات مقابل الانفاق، والأهم من ذلك فإنه يقرع جرس الانذار حول ارتفاع البطالة والذي لا يمكن حسب رأيه التخفيف من تداعياته إلا بتعزيز نظام التأمين ضد البطالة لأن المبالغ الحالية التي يتلقاها العاطلون ستتبخر سريعا بسبب مضاعفات الأزمة وارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية. كما يطالب ستيجليتز بزيادة الدعم الفيدرالي لميزانيات التعليم باعتباره الرافعة لتعزيز الاقتصاد على المدى القصير ودفع النمو بمعدلات أكبر على المستوى البعيد. أما الكاتب الأمريكي الليبرالي في الـ “واشنطن بوست” روبرت سامويلسون فلا يتردد عن القول حرفيا: “إن أخطر أعداء الرأسمالية هم الرأسماليون، فلا يمكن من تابع قروض الإسكان بلا ضمانات إلا أن يلاحظ المقارنات الغبية بين حجم الفشل والمكافآت الضخمة للذين ترأسوها”.وانتقد سامويلسون المكافآت السخية التي تمنح لرؤساء مجالس إدارات المؤسسات المالية، رغم ما تمر به من أزمات مالية عاصفة بحجة سنوات الخدمة الطويلة الناجحة، وضرب أمثلة بحالات عدد من رؤساء مجالس إدارات تلك المؤسسات الذين منحوا مكافآت سخية من دون وجه حق ومن دون مشاركة العاملين فيها. ومن دون التقليل من قيمة تحليلات عقلاء الرأسمالية الجديدة في تفسير زلزال الأسواق المالية الأمريكية الأخير فلعلنا نجد في اطروحات المفكر الاقتصادي المصري الراحل فؤاد مرسي تفسيرا أكثر عمقا وشمولا لتحليل أسباب هذه الزلازل الدورية كصفة ملازمة دائمة للأزمة العامة للرأسمالية. ففي مؤلفه القيم الضخم الذي كتبه قبيل وفاته في مطلع التسعينيات “الرأسمالية تجدد نفسها” يشير مرسي الى ان أزمات البورصات العالمية ليست سوى تعبير عن أزمة في قلب الرأسمالية المالية التي لاتزال متربعة على قمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي منذ أكثر من عقدين، وان الولايات المتحدة بأكملها تحولت الى المضاربة. وانجرت حتى الطبقة الوسطى من الاستثمار العقاري الى الاستثمار في الأسهم. وأصبح العالم يعيش في ظل هيمنة الرأسمالية المالية على الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وأضحى حتى الرأسمالي الصناعي خاضعا للمصرف المالي، واندمج الرأسمال المصرفي بالرأسمال الصناعي ليشكلا “رأس المال المالي”، وأخذت الرأسمالية المالية تكتسب طابعا ريعيا طفيليا تربح على توظيف رأس المال وريع الأوراق المالية، بدلا من الربح من المشروعات الانتاجية. وإذا كان كل ذلك يحدث كما حلل مرسي في أقوى وأكبر اقتصاد رأسمالي عريق عالمي متمثلا بالاقتصاد الأمريكي فلك ان تتخيل حجم تداعيات الأزمة الأخيرة في اقتصادات الريع النفطية الطفيلية الهشة!

صحيفة اخبار الخليج

17 فبراير 2008

اقرأ المزيد

الجمهور

لا نعرف ما السبب في‮ ‬أننا حين نتحدث عن مؤيدي‮ ‬الكرة نقول‮: ‬جمهور الكرة،‮ ‬وحين نتحدث عن رواد المسرح نقول‮: ‬جمهور المسرح،‮ ‬وكذلك الحال بالنسبة لجمهور الأغنية والسينما والشعر،‮ ‬ولكننا ما إن نقترب من السياسة حتى نتحدث عن الجماهير،‮ ‬أي‮ ‬نجمع الجمع،‮ ‬رغم أن عدد المهتمين بالسياسة في‮ ‬عالمنا العربي،‮ ‬لا بل في‮ ‬العالم كله،‮ ‬لا‮ ‬يقارن من حيث ضآلته بجمهور كرة القدم أو الأغنية مثلا‮.‬ لكن اكتفاءنا بالقول‮: ‬جمهور السياسة لوصف من‮ ‬يهتمون بالشأن السياسي‮ ‬أو سيتابعونه‮ ‬يجعل القول قاصرا،‮ ‬كأننا نرى ضرورة الحديث عن عدد من‮ “‬الجمهورات‮”‬،‮ ‬إن صح القول،‮ ‬لا عن جمهورٍ‮ ‬واحدٍ‮ ‬فقط‮.‬ ‮ ‬البعض‮ ‬يعزو هذه المفارقة إلى تعددا الآراء وسط من‮ ‬يهتم بالسياسة،‮ ‬وان التيارات السياسية العربية هي‮ ‬وراء هذه المبالغة للإيحاء بان لكل تيار سياسي‮ ‬جمهوره الخاص به،‮ ‬ولكن هذا القول لا‮ ‬يصمد للحجة،‮ ‬لأن أيا من هذه التيارات لم‮ ‬يكن‮ ‬يتحدث عن‮ “‬جمهور‮” ‬حين‮ ‬يعني‮ ‬مريديه ومناصريه هو فقط،‮ ‬وإنما عن الجماهير كلها توخيا للتعظيم والتفخيم والمبالغة‮. ‬مفهوم الجماهير ابتذل كثيرا في‮ ‬بلادنا العربية،‮ ‬خاصة في‮ ‬البلدان المحكومة من قبل أفراد أو أحزاب شمولية كان همها إظهار تأييد هذه الـ‮ “‬جماهير‮” ‬لها‮. ‬فكانت الأجهزة تحرص في‮ ‬المناسبات على حشد الشاحنات والحافلات،‮ ‬بل والقطارات،‮ ‬بأكبر عددٍ‮ ‬ممكن من الناس،‮ ‬بمن فيهم تلاميذ المدارس،‮ ‬بعد إخراجهم من أعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم،‮ ‬وتأخذهم،‮ ‬أحيانا حتى دون أن‮ ‬يدروا ما الموضوع،‮ ‬إلى الساحات العامة لتُحملهم اليافطات التي‮ ‬أُعدت مسبقا‮. ‬لكن الجمهور ليس كتلة صماء،‮ ‬انه مجموعة هائلة من الأفراد،‮ ‬قد‮ ‬يوحدها شعور جمعي،‮ ‬عفوي،‮ ‬تلقائي،‮ ‬دونما توجيه في‮ ‬لحظة مصيرية،‮ ‬والجمهور إلى ذلك ليس حالة مستقرة،‮ ‬أو كتلة جامدة‮ ‬،‮ ‬فهو قابل للحراك والانتقال من موقع لآخر تبعا للمزاج العام والمؤثرات المحيطة به،‮ ‬ويمكن لهذا الجمهور أن‮ ‬ينقلب في‮ ‬وجهته رأسا على عقب كما تدل نتائج الانتخابات في‮ ‬البلدان الديمقراطية‮. ‬هناك من‮ ‬يتحدث عن موت مفهوم الجمهور،‮ ‬وفي‮ ‬بعض الأدبيات الأمريكية حديث عن النقلة من الخطابة بوصفها لازمةً‮ ‬من لوازم الحشد الجماهيري،‮ ‬إلى الأحاديث العامة،‮ ‬أو ما‮ ‬يطلق عليه احدهم سياسة الجلوس حول نيران المدفأة،‮ ‬حيث بإمكان المرء أن‮ ‬يبقى في‮ ‬منزله‮ ‬يتابع عبر التلفزيون ما‮ ‬يدور دونما الحاجة للذهاب إلى الساحة العامة أو حتى إلى ملعب كرة القدم لمشاهدة المباراة‮.‬ لهذا القول ما‮ ‬يبرره بالقطع،‮ ‬مع تقدم وسائط الاتصال ووجود مجتمعات أتقنت التنفيس عن الاحتقانات الاجتماعية عبر آلية معقدة من وسائل الاتصال ونمط الاستهلاك وأشكال الاستيعاب الجماهيري‮ ‬والفكري،‮ ‬كما هو الحال في‮ ‬الولايات المتحدة نفسها‮.‬ لكن من‮ ‬يعول على هذه النظرية في‮ ‬بلداننا النامية،‮ ‬وينام على حرير قرين العين مطمئنا فانه واهم.

صحيفة الايام
17 فبراير 2008

اقرأ المزيد