المنشور

رياح عاتية‮..!‬

أين الحكمة والعقل مما نرى ونسمع ونتابع ونقرأ من هذا الذي‮ ‬يثيره ويطرحه نواب كثر ونتلقى اصداءه وإيقاعاته كل‮ ‬يوم تقريباً،‮ ‬وهو أمر‮ ‬يدفعنا إلى أحضان المفاجآت‮ ‬غير السارة،‮ ‬وربما‮ ‬يجعلنا دمى تحركها الرياح العاتية ولا أحد‮ ‬يعرف إلى أين؟ نعم‮.. ‬أقوال وأفعال ومواقف النواب المعنيين تصب وللأسف في‮ ‬ذلك الاتجاه وقانا الله شره،‮ ‬وشر المجاهل والمتاهات والأزمات والخلافات والتجاذبات والاحتقانات والمطبات والحساسيات والتقاطعات التي‮ ‬باتت تؤجج المشاعر وتفرز إرهاصات طائفية ومذهبية من نوع ما نعيش فيه الآن‮.‬ الصورة مثيرة لقدر كبير من القلق ومليئة بالدلالات والتساؤلات وعلامات التعجب،‮ ‬لأنه لم‮ ‬يبقَ‮ ‬شيء لم‮ ‬يطأفن ولم‮ ‬يتحول إلى شراك منصوبة،‮ ‬الظاهر فيها‮ ‬غير الباطن والبراءة فيها إن بدت فهي‮ ‬تخفي‮ ‬ما تخفي‮ ‬من نيات ومقاصد‮ ‬غير بريئة،‮ ‬واعتقد أننا أصبحنا جميعاً‮ ‬مطلعين على ذلك،‮ ‬ويكفي‮ ‬أن تنظروا إلى مجريات الأحداث خلال الأيام الماضية فقط،‮ ‬ناهيكم عن هذا الذي‮ ‬جرى قبلها،‮ ‬وتعالوا نتأمل هذه العينة‮:‬ الاستجوابات التي‮ ‬هي‮ ‬أداة برلمانية ودستورية مهمة‮ ‬يفترض أن تفعّل الدور الرقابي‮ ‬للبرلمان،‮ ‬هذه الاستجوابات صدمنا حينما بدأت تظهر في‮ ‬أتعس صورة ممكنة،‮ ‬بعد الانزلاق بها إلى الطأفنة من خلال مشاريع استجوابات ومشاريع أخرى مضادة على خلفية المقولة الطائفية الكريهة التي‮ ‬ذكرها أخونا سعيد الحمد‮ “‬تستجوبون واحدا منا،‮ ‬نستجوب واحدا منكم”…!! ‬وهي‮ ‬فعلاً‮ ‬فرز طائفي‮ ‬بامتياز،‮ ‬حرفت أداة برلمانية ودستورية‮ ‬يمكن أن تخدم الصالح الوطني‮ ‬العام‮.‬ أيضاً‮ ‬التوزيعات والقروض الإسكانية لم تسلم من تفسيرات وتأويلات الطأفنة،‮ ‬تماماً‮ ‬كما هو الحال بالنسبة لمشروع ترميم البيوت الآيلة،‮ ‬والبعثات التعليمية،‮ ‬والتعددية النقابية،‮ ‬وتوظيف العاطلين الجامعيين،‮ ‬حتى تشغيل الحراس في‮ ‬وزارة التربية حولت إلى قضية طائفية،‮ ‬بل وحتى قضايا حقوق الإنسان أصبحت ورقة مثيرة في‮ ‬يد النواب الذين تعودوا أن‮ ‬يثيروا الزوابع وأن‮ ‬يغدوا ويؤججوا النعرات الطائفية،‮ ‬بل ويشعلون‮ “‬حرائق” ‬بين الحين والآخر،‮ ‬وحتى الاحتفالات والمهرجانات واللقاءات مع الوزراء لم تخرج ولم تسلم من أزمة التقاطع الطائفي‮ ‬والمذهبي‮.‬ لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يفهم أننا نقصد نائباً‮ ‬بعينه من طائفة معينة أو تيار معين،‮ ‬أو تكتل معين،‮ ‬بل نواب كثر من المحسوبين على هذه الطائفة وتلك،‮ ‬وهذا التيار وذاك،‮ ‬وهذه الكتلة وتلك،‮ ‬نواب جنحوا بأدائهم جنوحاً‮ ‬جعلهم‮ ‬يعتقدون أنهم قادرون على جعل الوطن على مقاسهم،‮ ‬فقزموه،‮ ‬واختزلوه في‮ ‬أنفسهم،‮ ‬وفي‮ ‬رؤاهم،‮ ‬وفي‮ ‬توجهاتهم،‮ ‬وحساباتهم،‮ ‬التي‮ ‬تستحضر دوماً‮ ‬الحس الطائفي،‮ ‬وتكرس الانتماءات والولاءات الفرعية والمناطقية والقبلية والعشائرية بدلاً‮ ‬من تذويبها بمختلف أنواعها في‮ ‬ولاء أعمق للوطن،‮ ‬وتلك الولاءات هي‮ ‬نفسها التي‮ ‬حذر منها المشاركون في‮ ‬الندوة الخليجية‮ “ثقافة المواطنة” ‬التي‮ ‬اختتمت‮ ‬يوم الاثنين الماضي،‮ ‬حينما اعتبروها ولاءات تعوق المواطنة وتفسد مسيرة المجتمع وتقدمه‮.‬ وهكذا وجدنا أنفسنا أمام نوعية من النواب‮ ‬يبدوا أنهم مصرون على أن‮ ‬يطرحوا أنفسهم كممثلين عن فئة أو طائفة أو مذهب أو قبيلة أو منطقة،‮ ‬لذلك نجدهم‮ ‬يحتجون ويعترضون ويفتنون في‮ ‬كل صغيرة وكبيرة،‮ ‬كل شاردة وواردة،‮ ‬وأصبح الواحد منهم‮ ‬يريد إلصاق كل نقيصة بالآخر،‮ ‬ونزع كل فضيلة عنه،‮ ‬كل طرح من الطرف الآخر موضع جدل ومنازعة وسوء فهم والتباس،‮ ‬فقط لأنه من الطرف الآخر‮.‬ ‬وبات التضخم الذي‮ ‬نعانيه في‮ ‬أقوالهم المعلنة والتي‮ ‬تتردد‮ ‬يوماً‮ ‬بعد‮ ‬يوم على مسامعنا‮ – ‬كأن الكلام عندهم هو الفعل‮ – ‬تشيع في‮ ‬نفوسنا حالة من الترقب المقلق وسط مزاج عام ساخن،‮ ‬بل ومنفلت أحياناً‮ ‬من هذا الشحن الطائفي،‮ ‬والحالات المذهبية تتمترس في‮ ‬مواقع حصنتها وكأن ثمة من‮ ‬يحاول الانقضاض عليها،‮ ‬وكل منا‮ ‬يظن أنه مستهدف‮!!‬ إن أصحاب السعادة النواب الذين نعنيهم،‮ ‬كل واحد منهم رغم اختلاف الرايات والمسميات والأساليب،‮ ‬يدّعي‮ ‬بأنه الحارس الأمين المدافع عن الحرية والديمقراطية والعدالة،‮ ‬والرافض لكل ما‮ ‬يكرس فرقتنا ويبدد طاقة أبناء وطننا،‮ ‬مما‮ ‬يزيد ضعفنا ضعفاً،‮ ‬وهمومنا هموماً‮!‬،‮ ‬رغم أنهم‮ ‬يرفعون شعارات براقة،‮ ‬ولكننا ألفناهم‮ ‬يبادرون إلى مواقف متعارضة معها دون إدراك لخطورة الوضع والظرف الذي‮ ‬نعيشه وهي‮ ‬خلاصة لا تخلو من أسى،‮ ‬برغم أن للأمر تفسيراً‮ ‬آخر عند أصحاب النيات الحسنة‮..!‬ هل هذا معقول الذي‮ ‬يجري‮ ‬على‮ ‬يد نواب‮ ‬يفترض أنهم‮ ‬يمثلون الشعب‮.. ‬كل الشعب بجميع أطيافه وأركانه دون استثناء؟‮!‬ إن الواجب‮ ‬يفرض على النواب،‮ ‬كل النواب موقفاً‮ ‬وطنياً‮ ‬صادقاً‮ ‬أصبح واجب الوجوب،‮ ‬وهذا الواجب الوجوب‮ ‬يفرض علينا نحن الذين ننتسب إلى الوطن قبل النواب ألا نستسلم لواقعنا‮.. ‬القرار أولاً‮ ‬وأخيراً‮ ‬هو قرارنا،‮ ‬والمسؤولية تقع علينا،‮ ‬وهي‮ ‬أن نبحث عن القواسم المشتركة بيننا،‮ ‬وما أكثرها،‮ ‬فنكرسها ونوظفها من أجل مواجهة لا‮ ‬غالب فيها ولا مغلوب،‮ ‬ولا أوصياء على العمل الوطني،‮ ‬أوصياء‮ ‬يمنحوننا صكوك‮ ‬غفران أو شهادات حسن السيرة والسلوك،‮ ‬المسؤولية والأمانة‮ ‬يقتضيان فتح الأبواب على مصارعها لجميع أطياف المجتمع لكي‮ ‬تنهض بواجبها دون عرقلة أو تشويه أو استثارة‮ ‬غوغائية أو تأجيج للمشاعر أو زوابع ترابية‮ ‬يثيرها أصحاب المصلحة من أهل الهوى والغرض ممن جعلوا الطائفية سوقاً‮ ‬سوداء للتداول والتنافس في‮ ‬سبيل مصالح آنية ضيقة،‮ ‬وسيكون علينا دوماً‮ ‬أن نكون على‮ ‬يقين تام بأن المخزون من المشترك بين أبناء الوطن لا حصر له،‮ ‬واستدعاء هذا المشترك واستثماره بالشكل الصحيح هو المطلب الملح الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬ألا‮ ‬يتقدمه مطلب آخر،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن انه أمر في‮ ‬نطاق الإرادة‮.‬

 صحيفة الايام
29 فبراير 2008

اقرأ المزيد

أميركا غارسة الشرور ومصدرتها للعالم(2)


إن أحداث التاريخ، متى ما ثبت وقوعها بالدليل القاطع، تصبح خزائن معلومات احتياطية، وسجلات إدانة وإثبات يشهرها الباحثون والدارسون في وجه من يريدون التلاعب بأحداث التاريخ، بغية التستر على جرائم تمثل وصمة عار على جباه مقترفيها، وسبة لا يمحوها تكرار الليالي والأيام مهما طالت بها الأزمان وتقادمت عليها العهود، وتراكمت القرون. ولئن دلت مثل هذه الأحداث التاريخية على أمر، فإنما هي دليل على أمة، أو فرد من أمة، فقدت أو فقد فردها أقل القليل من الأخلاق، واستمرأ أن يعيش في ظل تناقض ظاهره الزيف، وباطنه الضحك على الذقون، والخداع وليس أفضل ممن يقع عليه الاختيار من مجموعة من بشر لا يحصيها عد، ولا يحيطها عقل ممن نكبت بها شعوب العالم، وخصوصاً شعوبنا العربية والإسلامية من رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج بوش الابن، الذي قاوم إرادة الشعب الأميركي في رفضه للحرب العراقية، لأنه وقتها فقد ذاته، واستسلم لشيطان اليمين المسيحي، يتلاعبون به كدمية على رقعة الشطرنج، إذ تتجلى اهتزاز شخصيته، وما تنطوي عليه نفسيته من ريب وشكوك في قرارة ذاته تجلت واضحة وضوحاً مطلقاً في قوله: «يجب علينا أن ننتصر في العراق، حتى لا تظهر أميركا كنمر من كارتون». ليس ثمة من شك في أن هذا التصريح يعكس ضحالة ثقافة جورج بوش، بحيث عجز عن استيعاب أحداث التاريخ إلى درجة أنه نسي أو تناسى أن أميركيته الإلهية وشعبه المختار قد تخلى الله عنهم، منذ أن سطر اليمين المسيحي جبال أكاذيبه وتزويراته الباهتة على الله، وخصوصاً عندما انفصمت إرادة الحكومة الأميركية عن إرادة الشعب الأميركي، إذ أنزل الله إرادته بانهزام أميركا على يد الشعب الفيتنامي في معركة قلعة «ديان بيان بو»، وحولها إلى نمر من كارتون، على أن هذا المصير هو مصير بوش في العراق، الذي يتخوف منه، بل وهو مصير كل حكومة في العالم، لا تريد أن تنصت لإرادة صوت شعبها، وتتهرب وتتستر وراء إعلام تخادع به نفسها، قبل أن تخادع الشعوب وتضللها بكومة من الوعود الكاذبة، لأن وعي الشعوب يحترق الكواليس ويرى وهي تتميز غيظاً وتصب لعناتها، على ما يجرى خلف الكواليس من نهب وتبذير للمال العام برفاهية أفراد لا يتعدى عددهم أصابع الرجل الواحدة دون وجه حق. «كان لمعتقدات الطهوريين ولأسلوب حياتهم تأثير قوي ومستمر في الفكر الأميركي الديني والدنيوي وفي مسيرة التاريخ الأميركي بصورة عامة… كما يتمثل تأثير هذه المعتقدات الطهورية المبكرة في موقف الأميركيين السياسي والثقافي من الآخرين وبصورة خاصة من المسلمين والعرب…». وبقدر ما يواصل الباحث والدارس جهوده، وما يتسع له نفسه الفكري، وعمق ثقافته للغوص إلى أعماق الأحداث في بعدها التاريخي، ذلك أن التاريخ هو بمثابة البحر الذي في أحشائه الدر كامن، وإنه لابد من غواص ليخرج صدفاته… وتأسيساً عليه، فإنه… «ما من شك في أن على الباحث أن يعود إلى بدايات المجتمع الطهوري للأمة الأميركية للتعرف على العوامل المكونة لصورة الأميركيين الذاتية وإدراكهم بشخصيتهم وما تمتاز به، وبالتالي للتعرف على صورة العرب والمسلمين ومنطقتهم الجغرافية في الفكر الأميركي». ولعله من المهم أن نقف قليلاً، ونتدبر بعضاً من المفاهيم والأفكار الساذجة التي يحملها المستوطنون الطهوريون الأوائل التي لا يقبلها أي مفهوم ديني ولا ترتكز على دلائل ثبوتية منها مثلاً:
«1 – الاعتقاد الذي حمله المهاجرون الأوائل بوجود خطة إلهية (من تدبير الإرادة الإلهية) شاملة للعالم، يلعب فيها الطهوريون دوراً مهماً. كما اعتقد هؤلاء المهاجرون أن أميركا كانت موجودة في عقل الله منذ بداية الخلق».
«2 – الاعتقاد أن البروتستانتيين الطهوريين الذين غادروا أوروبا (وخاصة إنجلترا) واستوطنوا العالم الجديد هم شعب الله اختارتهم العناية الإلهية للخلاص والهروب من فساد العالم القديم وآثامه ولإنشاء مملكة الله في الأرض وهم في ذاك يشبهون أنفسهم بقبائل إسرائيل في هروبها من مصر إلى أرض كنعان».
«-3اعتقاد المستوطنين الطهوريين أنهم على علاقة تعاهدية مع الله، وأنهم شركاء في مهمة حددها الله لهم في هذا العالم». (راجع كتاب «من أجل صهيون» ص 68)
ولما لهذه المفاهيم والأفكار من خطورة قصوى على الأمة العربية والإسلامية تكمن من بين سطورها فقد ارتأينا أن نفرد لها مجالاً في حلقة قادمة نناقش فيها هذه المفاهيم والأفكار تتسع لما يكمن بين سطورها لنضع المهتمين بقضايانا الاستراتيجية من كتاب وباحثين ودارسين أمام مسئولياتهم الوطنية القومية، حتى لا يستمر البعض منهم في الطيران والتغريد خارج السرب، والنطنطة على مختلف المربعات بشتى أطيافها مستعينين بالحبل الذي غالباً ما يكون مخصصاً للرياضة والرشاقة النسائية!؟.فيما الحقائق التاريخية الثابتة أن هؤلاء الطهورين والأصوليين من اليمين المسيحي، من الذين هاجروا إلى العالم الجديد، وكومة من الجهلاء والمشردين والمجرمين قد عاثوا في العالم الجديد من الفساد من انتهاك الحرمات ومن سفك الدماء والإبادات الجماعية، وما يقومون به اليوم في وقتنا المعاش من مجازر يومية ظاهرة للعيان، أو باطنة بفعل التآمر كما هو حادث في إفريقيا، وفي عدد كثير من بلدان العالم، وهنا نقتبس لإظهار دور أدعياء، الإصلاح، وتنوير بقية أمم العالم وهدايتها وإنقاذها من الجهالة والظلام… وهنا نتساءل: كيف يعالج الجهل من هو مدع وكاذب، ومفتر على الله الكذب وفاسق… فلنقف ملياً ونتدبر الحقائق التاريخية التي تفضح ادعاءات اليمين المسيحي بشقيه الطهوري والأصولي، وهنا نسجل نص الاقتباس ننقله من كتاب «روجيه جارودي» (ص 167). «فالسيطرة الهتلرية كانت إذاً شيئاً آخر غير «مذبحة» واسعة كان اليهود ضحاياها الرئيسيين… إن لم يكونوا الوحيدين، وهو ما تميل دعاية ما (؟؟..) إلى حملنا على تصديقه. لقد كانت كارثة أنسائية لم تكن، للأسف دون سابقة لأن هتلر طبق على البيض ما كان الاستعماريون الأوروبيون يطبقونه منذ خمسة قرون على البشر الملونين»، من هنود أميركا الذين أبيد منهم 60 مليوناً من أصل 80… إلى الإفريقيين الذين نفي وقتل ما يتراوح ما بين 100 و200 مليون على اعتبار أن النخاسين كانوا يحصلون على عبد واحد مقابل عشرة قتلى في معركة الأسر. هذا نموذج من الهداية، والإرشاد والتنوير الذي تقوم به أميركا للعالم، فليتعض الانتهازيون والمندفعون وراء أميركا من حكومات وأفراد… ولنا لقاء في حلقة آتية لمواصلة المزيد من الكشف عن وجه اليمين المسيحي الأميركي القبيح، أن هذا لا يعني تأييدي لأي شكل من أشكال التطرف الديني إسلامياً كان أو مسيحياً أو يهودياً صهيونياً… وسنلتقي.

صحيفة الوسط
29 فبراير 2008

اقرأ المزيد

الاختلاط صفة مدنية مفعمة بالسمة الحضارية

جاء إعلان نواب التحالف الوطني الديمقراطي (علي الراشد ومحمد الصقر وفيصل الشايع) تبني مقترح بإلغاء قانون منع الاختلاط في الجامعات والمعاهد في دولة الكويت، متسما بالموضوعية والعقلانية.. منسجما والرغبة الشعبية والمجتمعية.. متفاعلا ومطالب وطموحات الطلاب والطالبات على حد سواء.. بقدر ما اقترنت مبادرة النائب علي الراشد صاحب هذا الاقتراح، بالشجاعة الأدبية التي تستحق الدعم والمؤازرة والإشادة والثناء. وبحسب ما برزت تداعيات هذه المبادرة “الجريئة” الى دائرة الضوء وحيز الواقع والوجود، فقد قابلها بالاتجاه المعاكس تداعيات تلك المواقف الاستعدائية المتعجرفة والمتشددة، بحيث جاءت بحجم جبن أصحابها من تيار الإسلام السياسي، الذين تبنوا أساليب الترهيب والتخويف عند إقدامهم على تهديد النائب علي الراشد صاحب الاقتراح بإلغاء قانون منع الاختلاط، بالقتل وبالاغتيال، إذ كشف هذا (التهديد الإسلامي) عن جبن أصحابه ورعونتهم.. طالما تطبع هؤلاء المتعجرفون من الإسلام السياسي، العمل تحت جنح الظلام، وعبر حياكة الدسائس بين جدران مؤسساتهم وجمعياتهم، ضد كوادر تيارات الانتماءات التقدمية والديمقراطية في كل المناسبات وفي كل الأحوال. ولكن وعلى الرغم من قمع تيار الإسلام السياسي لكل ما يمت إلى عجلة التقدم والتطور بصلة، وما يتمخض عن تهديداته الدائمة والمستمرة بإنزال سيف التسلط على رقاب من اختلف مع أجندة خطابه الديني سواء أكانوا نوابا أم نساء أم مثقفين أم حزبيين في مختلف أقطار الوطن العربي، والكويت على وجه الخصوص، فإن ما حدث للنائب علي الراشد من ترهيب وتهديد، فإنه حادث كأنه لم يكن.. لكون النائب علي الراشد، قد صمم بمقترحه والمدعوم بإرادته أنه على الدرب سائر.. وانه بأفكاره المستنيرة قد عقد العزم هو ونواب التحالف الوطني الديمقراطي، على النهوض بالقوانين والتشريعات وتحديثها وتطويرها، وفي مقدمتها سعيهم في إلغاء القانون الذي يمنع الاختلاط في الجامعات.. وذلك إيمانا بمهماتهم النيابية والتشريعية، وانطلاقا من حقهم المشروع.. من حق النائب في تقديم أي مقترحات وإدخال أي تعديلات أو ملاحظات على القوانين والتشريعات. ويبقى القول صحيحا: ان اقتراح النائب علي الراشد بإلغاء قانون عدم الاختلاط، جاءت حقائقه منسجمة ومفاهيم الحياة وطبيعة المجتمع ومدنية الإنسان، وما يترتب على معالم الحياة العامة للمجتمع رجالا ونساء من دون استثناء.. فليس ثمة من قانون يمنع الاختلاط في الأسواق أو في الشوارع أو في المجمعات أو في العمل.. والأهم من ذلك كله ان النصوص والشرائع السماوية لم تحرم الاختلاط وخير شاهد على ذلك انها لم تمنع الاختلاط في موسم الحج وفي مواسم العمرة.. هذه الحقائق وهذه الوقائع وهذه الثوابت قد أكدت وتؤكد صحة عملية الاختلاط ما بين الجنسين بشكل عام.. فما بالنا إذًا بعملية الاختلاط بالمعاهد والجامعات؟ فإنها تظل مهمة.. بل أكثر أهمية اذا ما قورنت بالأماكن والمواقع الأخرى في أوساطها وبين أروقتها.. لأسباب محورية تطرق إليها النائب الكويتي علي الراشد بكل شجاعة وجلاء مشفوعة بالمبررات الموضوعية، اقترنت بالنتائج الميدانية، القائمة على دقة الحسابات العلمية والعقلانية التي ما يجهلها أو يتجاهلها عناصر ونواب تيار الإسلام السياسي وذلك بحسب ما جاء على لسان النائب علي الراشد بقوله “فشل قانون منع الاختلاط والفصل ما بين الجنسين في الجامعات بآثار سلبية انعكست على الطلاب والطالبات.. وإغلاق الكثير من المقررات أمم الطلاب بسبب قلة عددهم التي تمثل حجر عثرة بتأخير تخرجهم.. فضلا عن هدر الأموال الطائلة من أجل توفير مقار ومباني الجامعات والمعاهد الأخرى للطالبات بفعل الفصل ما بين الجنسين”. ونحن بدورنا نستطيع القول: ان منع الاختلاط في الجامعات والمعاهد قد يؤدي، بجانب (ما تطرق إليه النائب علي الراشد بهذا الصدد) الى الاضطرابات النفسية ما بين الطلاب المعزولين في جامعاتهم الذكورية، وما بين الطالبات المنكفئات في جامعاتهم الأنثوية.. بقدر ما يسبب لهم هذا الفصل المتاهات بخطواتهم المتعثرة، وزرع اليأس والإحباطات في نفوسهم وفي أغوارهم، بل يؤدي الى تمزيق شخصياتهم (عقليا وسيكولوجيا ووجدانيا) للطالب والطالبة على حد سواء، مما يؤدي الى تشويه مغازي ودلالات (التركيبة الإنسانية والمجتمعية والنفسية) التي تطرق اليها الفيلسوف اليوناني (أرسطو) بالقول: “الإنسان مدني بطبعه” ما معناه ان الإنسان لا يستطيع ان يعيش بمعزل عن الآخرين سواء أكان رجلا أم امرأة.. طالبا أم طالبة. وهكذا نستطيع القول: ان عملية الاختلاط في المعاهد والجامعات ما بين الجنسين قد تؤدي الى نتائج إيجابية ينشدها الطلاب والطالبات بقدر ما يسعى الى تحقيقها ذووهم وأولياء أمورهم، بل المجتمع بشكل عام، وما يتمخض عن تلك النتائج الإيجابية من العوامل الأساسية تعود أسبابها الى زرع الثقة في النفوس وترسيخها لدى الطلاب والطالبات وفي ارتقائهم وجدانيا وعاطفيا أولا.. وتمكينهم من تأدية رسالتهم التعليمية والثقافية والأدبية بنضج عقولهم ومداركهم ثانيا.. واستطاعتهم التكيف بمسئولياتهم المجتمعية والتأقلم بمهماتهم الإنسانية بتوطر أفكارهم ونهج حياتهم ثالثا.. وقدرتهم على تمثيل تاريخ شعبهم وحضارة بلدهم بمستوى الأبناء والبنات المتعلمين والمثقفين الذين ربطوا علومهم وتخصصاتهم بالثقافات التراكمية النوعية التي هي محور الحضارات الإنسانية رابعا.. هذه الأسباب الأربعة مجتمعة هي كفيلة بالرد على النواب الاسلاميين في مجلس الأمة الكويتي وعلى عناصر تيار الإسلام السياسي في الكويت، الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، ونزلوا الحد على رقاب النائب علي الراشد بتهديده بالقتل.. ولكن ستظل المواقف الوطنية والمبدئية لنواب التحالف الوطني الديمقراطي ماثلة في تاريخ مجلس الأمة الكويتي عبر الأعوام وتعاقب الأجيال.. بحسب ما تمثل أفكارهم المستنيرة قبسا يضيء بإشعاعاته درب الشعب الكويتي العاشق للحرية من دون أي وصايا وفتاوى إسلامية.
 
صحيفة اخبار الخليج
29 فبراير 2008

اقرأ المزيد

ما قبل الدولة

لو قارنا الحال اليوم بما كان عليه الأمر قبل عقدين من الزمن لكدنا نقول‮: ‬إن مفهوم المجتمع المدني‮ ‬مفهوم جديد على الثقافة السياسية العربية، ‬وإن النظرة إلى هذا المفهوم قبل ذاك كانت هامشية وربما انطوت على شيء من الازدراء وحتى الاستخفاف أيضاً‮. ‬لكن الحال انقلبت الآن وأصبح الكل‮ ‬يشتهي‮ ‬وصلاً‮ ‬مع هذا المفهوم، ‬وصار الحديث‮ ‬يدور عنه بمناسبة أو من دون مناسبة‮. غير أن هذا التداول الواسع للمصطلح أو المفهوم لا‮ ‬يعني‮ ‬أنه‮ ‬يؤخذ في‮ ‬سياقه التاريخي، ‬وأظن أنه‮ ‬يستخدم في‮ ‬حالات كثيرة في‮ ‬وصف مظاهر من النشاط أو التجمعات التي‮ ‬يصعب إدراجها في‮ ‬إطار مفهوم المجتمع المدني،‮ ‬فبات كل ما هو‮ ‬غير الدولة أو المؤسسات الحكومية‮ ‬يصنف من دون كبير عناء على أنه مجتمع مدني‮من دون النظر في‮ ‬طبيعة الوظائف التي‮ ‬تؤديها تلك التجمعات أو الرسالة التي‮ ‬تنطوي‮ ‬عليها بعض الأنشطة التي‮ ‬تدرج في‮ ‬سياق نشاط مؤسسات المجتمع المدني‮.‬ ابتدأ مفهوم المجتمع المدني‮ ‬في‮ ‬الشيوع أكثر في‮ ‬المغرب العربي‮ ‬بسبب ما أثاره مشروع الانتقال إلى التعددية الحزبية من نقاش‮.‬مع بداية التسعينات أصبح المجتمع المدني‮ ‬موضوع تفكير معمماً‮ ‬على الصعيد العربي‮. ‬فصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية مجلد ضخم ‬بعنوان‮ “‬المجتمع المدني‮ ‬في‮ ‬الوطن العربي‮ ‬ودوره في‮ ‬تحقيق الديمقراطية‮” ‬عبارة عن توثيق لندوة أقامها المركز حول هذا الموضوع‮. ‬وعن مركز البحوث العربية في‮ ‬القاهرة صدر في‮ ‬الفترة نفسها كتاب بوقائع ندوة وقضايا المجتمع المدني‮ ‬في‮ ‬ضوء أطروحات‮ ‬غرامشي‮.‬ يعيب الكثير من الأطروحات التي‮ ‬تتناول مفهوم المجتمع المدني‮ ‬سعيها لإقامة التضاد بينه وبين الدولة‮. ‬وبالتالي‮ ‬فإنه في‮ ‬الأغلب الأعم‮ ‬يقدمها بصفتها خصما لا شريكاً‮. هذا الطرح محمل بالخطورة،‮ ‬ليس لأن دولتنا العربية بريئة من حالة الخصومة التي‮ ‬كثيراً‮ ‬ما تختارها لنفسها في‮ ‬مواجهة المجتمع المدني،‮ ‬ناظرة إليه على الدوام نظرة الريبة والشك،‮ ‬وإنما لأن هذه المقابلة بين‮ “‬ما هو دولة‮ (‬وبين‮) ‬ما هو‮ ‬غير دولة”‬،‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقود إلى مزالق في‮ ‬وضعنا اليوم الذي‮ ‬باتت فيه الدولة ككيان حديث مستهدفة من الطوائف والعشائر والقبائل،‮ ‬التي‮ ‬نظرنا إليها دائماً‮ ‬على أنها سابقة للدولة ومعيقة لبنائها‮.‬
 
صحيفة الايام
28 فبراير 2008

اقرأ المزيد

حكايات من تاريخنا (54).. “الأهالي” و”التقدمي”

منذ أوائل القرن العشرين الآفل كانت الصحافة الحزبية العربية تلعب دوراً مهماً في التوعية السياسية الجماهيرية وشحذ همم الجماهير وتعبئتها وتنظيم صفوفها للنضال من أجل التحرر الوطني، ومن أجل الحرية والديمقراطية والتغيير الاجتماعي نحو الأفضل. وتصدرت هذه المهمة بوجه خاص الأحزاب والحركات اليسارية والقومية، والتي كان جلها وعلى امتداد عقود طويلة تعمل تحت الأرض حتى بعد استقلال أكثر بلدانها من ربقة الاستعمار الغربي، وظل العديد منها يعمل بهذه الصفة الى يومنا اللهم استثناءات عربية محدودة من ضمنها الأحزاب والحركات البحرينية التي تحولت الى جمعيات سياسية في إطار مشروع جلالة الملك الإصلاحي. وفي تقديري أنه الى حد الآن لم يقيض لهذا الدور التاريخي الفائق الأهمية الذي لعبته الصحافة الحزبية السرية في نهوض حركة التحرر الوطني والاجتماعي العربية ان يُدوّن وينصف تاريخياً، بما في ذلك دورها التوعوي والتحريضي في مقاومة الاستعمار والظلم والاستغلال الاجتماعي والفساد ومن أجل التصدي للمخططات الطائفية والجهل والتخلف. وربما الاستثناء من ذلك قلة من مؤرخي وباحثي تلك الأحزاب اليسارية التي أخذت على عاتقها الاضطلاع بهذه المهمة كالمؤلفات التي عكف على تدوينها رفعت السعيد والتي تناولت تاريخ صحافة الحركات اليسارية المصرية، ومؤلفات متفرقة عكف على كتابتها مؤلفون آخرون في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان تناولت تاريخ صحافة الحركات اليسارية في كل منها إما اختصاصا وإما في سياق تناول تاريخ تلك الحركات. ولعل مما ساعد هذه الثلة من الباحثين على تدوين ذلك الدور الذي لعبته الصحافة الحزبية اليسارية في بلدانهم عراقة تلك الأحزاب وما تملكه من مخزون أرشيفي ضخم متناثر مكن مؤرخيها وباحثيها من المحافظة على الكثير منه وعدم وقوعه في أيدي رجال الشرطة عند عمليات المداهمات التي تطاول نشطاءها السياسيين. وفي هذا العام يحتفل حزبان يساريان عربيان بمرور فترة زمنية على صدور صحيفة كل منهما العلنية في ظل المشروعية التي يتمتعان بها: الأول هو حزب التجمع التقدمي الوحدوي بمصر حيث يحتفل بمرور 30 عاماً على إصدار جريدته العلنية العريقة “الأهالي”. والحزب الثاني هو “جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي” وهي امتداد لتيار حزب “جبهة التحرير الوطني البحرانية” حيث تحتفل هذه الجمعية بمرور خمس سنوات على إصدار نشرتها “التقدمي”. ومع ان الجريدة الأولى المصرية “الأهالي” ظلت منذ صدورها قبل 30 سنة أسبوعية، وعجزت عن ان تتحول كما كانت تطمح الى صحيفة حزبية يومية إلا أنه من الواضح أنها كانت ذات امكانيات أكبر من “التقدمي” وتستقطب كفاءات ورموزا سياسية كبيرة. هذا رغم ما تعرضت له من صعوبات ومعوقات جمة سياسيا وماليا. يكفي انها تعرضت للمصادرة في سني صدورها الأولى بأواخر السبعينيات خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات عدة مرات، لكن ورغم هذه الطاقات والإمكانيات الهائلة التي تملكها “الأهالي” في استقطاب كفاءات صحفية وأقلام مفكرين ورموز سياسية كبيرة، ولاسيما لما هو معروف عن تركيبة الحزب الذي ينضوي في عضويته أعضاء يمثلون تيارات سياسية وطنية تقدمية مختلفة، بل ليبرالية، فإن هذه الصحيفة، كما يبدو، عجزت عن تحقيق الحد الأدنى من الانتشار والتوزيع في صفوف أوسع عامة المثقفين وعوام الناس البسطاء من مختلف الفئات في الأحياء الشعبية من القاهرة والجامعات ومراكز ومؤسسات الشبيبة وفي سائر مدن وقرى المحافظات، وهو ما انعكس بدوره على قوة ونفوذ الحزب في هذه الأماكن والمؤسسات. على عكس ربما الانتشار الذي عرفت به النشرات والصحافة السرية اليسارية ولاسيما في الأربعينيات إبان الاحتلال الإنجليزي رغم ما كانت تواجهه حينذاك من مخاطر جسيمة في ظروف العمل السري. وهذه بلا شك مفارقة مقارنة بمحدودية انتشار صحافة هذا الحزب اليساري المصري في ظروف العمل العلني الراهنة. ولعل هذه المفارقة ذاتها تنسحب على “التقدمي” البحرينية الشهرية العلنية التي تصدرها جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي، فليس سرا محدودية توزيع وانتشار هذه النشرة العلنية، مقارنة بما كان يعرف تاريخيا عن توزيع وانتشار صحافة ومنشورات الحزب الواسع النطاق، في مدن وقرى البحرين على امتداد نحو نصف قرن منذ تأسيس “جبهة التحرير” في 1955 خلال ظروف العمل السري. وإذا كان يمكن فهم هذا الانحسار الذي تواجهه الصحافة اليسارية العربية كانعكاس طبيعي للأزمة والظروف التي باتت تعيش في ظلها لعوامل عديدة موضوعية وذاتية أحسبها معروفة وليس هنا مكان تناولها، فإن المستغرب ان يستمر معظمها بالتمسك بمواريث ونزعات فرض الرأي الحزبي وعدم الانفتاح على الرأي الآخر ليس من خارج الحزب فحسب بل حتى على الرأي الآخر من داخل الحزب أو من داخل التيار العريض الذي ينتمي إليه الحزب ذاته، هذا على الرغم من رفع أغلب هذه الأحزاب شعارات التعددية والحوار وحق النقد والنقد الذاتي وإفساح المجال للرأي الآخر مهما كان مخالفاً لرأي الحزب أو صحيفته، وفي هذا الصدد لعلي أعرف وقائع محددة للدلالة على ذلك في الممارسة السياسية لكلتا الصحيفتين اليساريتين “الأهالي” من جهة و”التقدمي” بوجه خاص من جهة أخرى وذلك بحكم انتظام إرسال الأخيرة لي من قبل جمعية “المنبر التقدمي” مشكورة. وكان بودي بالطبع ان اجتهد لأبدي رأيي التقويمي في صحافة ونشرات الجمعيات السياسية البحرينية الأخرى لولا أن “التقدمي” و”الإصلاح” هما الوحيدتان اللتان تصلان إليّ من بين كل صحافة ونشرات الجمعيات السياسية الأخرى. مهما يكن فإن صحافة الأحزاب اليسارية العربية في ظل ظروف العمل العلني المشروع اذا ما أرادت استعادة شيء من قوتها المفقودة فإنه يتحتم عليها بذل جهود مستميتة أكبر لتوزيع صحافتها ونشراتها في صفوف أوسع القواعد الجماهيرية الشعبية لا في صفوف أعضائها وأصدقائها النخبويين فقط، وهذا لن يتأتى إلا بإيلاء اهتمام أكبر بتطوير هذه الصحافة ذاتها وإيجاد عناصر من ضباط الاتصال الشبابية الفاعلة والمتفرغة القادرة على خلق شبكات واسعة من التوزيع في مختلف الأحياء والبيئات والمناطق والمؤسسات التي يعبر فكر الحزب وبرنامجه عن مصالح أبنائها وفئاتها.

صحيفة أخبار الخليج 
28 فبراير 2008

اقرأ المزيد

ولنا حضارتنا.. معابد باربار الأثرية نموذجاً

في العام 1983 أصدرت وزارة الإعلام كتاب «معابد باربار الأثرية» في طبعة إنجليزية، بمناسبة إعادة اكتشاف معابد باربار التي تمتاز بفنها المعماري المتفرد وبالتشكيل المتقن لكتل الحجر، التي بنيت منها أبنية البئر المقدسة والمباني الأخرى المتصلة بالمعبد، هذا الكتاب، كتبه باحثون أجانب عن البحرين من البعثة الدنماركية «مورتنسن، وأندرسون وبرين دو» وآخرون، وتمت ترجمته إلى العربية بلغة جميلة الكاتبة زينب أحمد، حيث يحتوي على مقدمة وخاتمة، وعلى نشأة المعابد ومجيء «إنكي» – إله المياه العذبة، ثم يتطرق إلى حضارة دلمون، المكتشفة من خلال آثار باربار، كما يتحدث عن موقع المعبد وعن مجيء جلجامش إلى أرض دلمون. إنه غني بالمعلومات عن بداية الاكتشافات الأثرية عندنا منذ الخمسينات من القرن الماضي، التي كانت مختفية عن أعين الباحثين والمنقبين وعن أعيننا أيضاً، ولكن بفضل أعضاء البعثة الدنماركية، تم اكتشاف عالم قديم كان على أرضنا، من بينها معابد باربار، وغيرها من الآثار المعمارية الممعنة في القدم، المتبقية من العالم القديم. ارتبط ذلك المعبد روحياً بحضارة سومر القديمة، وملحمة جلجامش الشعرية. وجلجامش هو ملك «الأوروك» (العراق) وحاكم سومر الذي عاش في النصف الأول من الألفية الثالثة، نحو 2650 ق.م.، إذ تلاقحت حضارة بلاد الرافدين بحضارتنا القديمة المعروفة آنذاك بأرض دلمون، والتي كانت بالنسبة للسومريين أرض الخلود، حيث بدأ جلجامش رحلته إليها بعد موت صديقه «إنكيدو». ويحكي الكتاب، أنه «قبل خمسة آلاف عام تقريباً، قدم رجال إلى مكان مهجور عند الساحل الشمالي لجزيرة البحرين، قريباً من قرية باربار الحالية، وقرروا أن تلك البقعة مقدسة. باشروا بناء معبد لآلهتهم، وما إن مضت بضعة قرون حتى كان معبدان آخران قد تم بناؤهما في المكان ذاته وعلى الأرض ذاتها، حيث أقيم المعبد الأول. ومع مرور الوقت، أخذ الموقع في الاتساع، ففي بواكير الألف الثانية قبل الميلاد، وقف المعبد الثالث مهيباً وجليلاً، متعالياً فوق أشجار النخيل المحيطة به ومجموعة المباني التي تناثرت حول أسواره الجيرية المنحنية على نحو جميل». («معابد باربار الأثرية» – ص.9 الفضول، أو عناصر التشويق، وحدهما، أو ربما الرغبة في زيادة المعلومات عن حضارة دلمون والديانات الدلمونية آنذاك، قد تُحرض على قراءة كتاب «معابد باربار الأثرية»، والشيء ذاته يثير الاهتمام لقراءة «المغامرة العقلية الأولى» لفراس السيّاح وآخرين للدراسات في الأسطورة، ولنتأمل هذا الوصف لمعبد باربار: «إن قلب موقع المعبد الذي يقع في باربار، عبارة عن بئر مقدسة، وهي مغتسل للطهارة، مبني من قوالب جيرية رائعة فوق ينبوع ماء طبيعي. وهذه البئر – مثلها كمثل الضريح الرئيسي ‘قدس الأقداس’ في وسط مجمع المعابد – كانت موضعاً مقدساً لكونها تمثل بالفعل المدخل الذي يمكن من خلاله الوصول إلى الآلهة نفسها». (ص 10). هذا الكتاب اختزل تاريخاً مازالت آثاره بصمة لأقدام على الماء، لا تمحى. من هنا مروا، ومن هنا بدؤوا، وعلى هذه الأرض المقدسة من المحتمل جداً أن يكون «إنكي» إله المياه العذبة في جوف الأرض، وهو ربا الـ «أبسو» – الهاوية – وهو الإله الذي يتم الاحتفاء بذكراه في معابد باربار. فقد كان إلهاً كريماً، كثير الهبات للإنسان، خلافاً لزملائه من الآلهة الآخرين في هيكل الآلهة السومرية. «أنكي» هو من قام «زيوسودرا» بتحذيره من الطوفان. لقد كان أب الآلهة الحامية للبحرين القديمة، المعروفة آنذاك بدلمون. كان «إنكي» إله المياه العذبة في جوف الأرض، والذي يديرها كما ينبغي، والذي سمح للإنسان بأن يحرث الأرض ويتمتع بخيراتها الوفيرة. كان بيت «إنكي» يقع في الـ «أبسو»، وهي قعر المياه الساكنة في جوف الأرض، والتي سمتها الثقافات التي أتت بعد ذلك «بالهاوية»، إذ سكن «إنكي» في قصر مبني من الفضة واللازورد». ص 21. ألم يقولوا إن أساطير التكوين تنتمي إلى أساطير الميلاد المائي، والحالة السابقة لبدء الكون في أساطيرنا التكوينية، وفق السيَّاح، «هي حالة من العماء المائي، ساكن، لا متمايز، لا متشكل. في زمن سرمدي متماثل، لا ينتابه تغيير ولا تبديل كأنه عدم». (مغامرة العقل الأولى ص23). ويبقى السؤال: لماذا دلمون أرض مقدسة؟! يجيب الباحثون على ذلك بأنها هي الأرض التي احتفت بها معابد باربار بالدرجة الأولى. إذ احتفل السومريون، منذ أقدم العصور، بقداسة دلمون، في قصائدهم، وفي شعائر احتفالاتهم الدينية، منادين بها موطناً أصلياً للآلهة، وبأنها «البقعة الطاهرة» التي ظهر فيها لأول مرة ابتداع الزراعة والري، والكثير من الحرف البشرية الباقية. وكانت معروفة بأنها «أرض العبور» و«الأرض التي تشرق منها الشمس» و«أرض الحياة». ألم يقولوا: «في أرض دلمون الوادعة لا ينعق الغراب.. ولا يتكهن طير الشؤم بالفواجع..»؟.. إلى آخر القول: «ففي أسوار دلمون، ليس من سبب يستدعي نواح الكاهن..!».

 
صحيفة الوقت
28 فبراير 2008

اقرأ المزيد

“الزواج الكاثوليكي” بين الدولار الأمريكي والدينار البحريني..!

                                                                                 


قضية ساخنة





المراقبون وأوساط المال
والأعمال يتساءلون عن السر وراء ذلكم “الزواج الكاثوليكي” الذي عقده
“المأذون” بين الدولار الأمريكي والدينار البحريني، والذي لم يقدم محافظ
المصرف المركزي ووزير المالية، رغم غزارة تصريحاتهما بهذا الشأن، أي تبرير مقنع
لاستمرار هذا “الزواج السعيد” رغم الانهيار التام للعملة الأمريكية ورغم
ما جرته على الدينار البحريني وعلى العملات الخليجية التي لازالت مرتبطة به
(باستثناء الدينار الكويتي) من أزمة تضخم أخذة في التصاعد يوما بعد يوم.










هل يمكن الجواب في ضحالة
التبريرات وسطحيتها؟





















اقرأ المزيد

عن سهيل إدريس و”الآداب‮”

رحيل مؤسسها ورئيس تحريرها الأديب والروائي‮ ‬اللبناني‮ ‬سهيل إدريس‮ ‬يُحيلنا إلى تذكر مجلة‮ “‬الآداب‮” – ‬هذه الدورية العريقة،‮ ‬لأن الحديث عن سهيل إدريس لا‮ ‬يستقيم من دون الحديث عن‮ “‬الآداب‮” ‬المجلة،‮ ‬وعن‮ “‬الآداب‮” – ‬دار النشر‮.‬ ورغم أن سهيل إدريس في‮ ‬الأصل روائي‮ ‬وكاتب،‮ ‬قبل أن‮ ‬يكون ناشرا ورئيسا لتحرير‮ “‬الآداب‮”‬،‮ ‬لكن‮ ‬يمكن القول إن‮ “‬الآداب‮” ‬المجلة هي‮ ‬مُنجزه الرئيسي،‮ ‬بالنظر إلى الدور الذي‮ ‬لعبته في‮ ‬الحياة الثقافية والإبداعية والفكرية العربية‮.‬ كان النشر في‮ “‬الآداب‮” ‬حلم كل المبدعين العرب،‮ ‬من شعراء وقصاصين وروائيين ونُقاد،‮ ‬ولو سألت الكثير منهم عن المنبر الثقافي‮ ‬الذي‮ ‬أطلقهم عربياً،‮ ‬خارج حدود أقطارهم،‮ ‬لقالوا من دون تردد‮: ‬إنها مجلة‮ “‬الآداب‮”. ‬بل إن‮ “‬الموضات‮” ‬والمدارس الفلسفية والأدبية على أنواعها التي‮ ‬كانت تهب تيارات ريحها على عالمنا العربي،‮ ‬عن طريق الترجمة والمثاقفة،‮ ‬وجدت في‮ “‬الآداب”‬،‮ ‬مجلةً‮ ‬وداراً‮ ‬للنشر جسراً‮ ‬لها‮.‬ لن‮ ‬يمكن كتابة تاريخ الحداثة الأدبية والفكرية العربية من دون الوقوف ملياً‮ ‬أمام الدور‮ “‬التثويري‮” ‬الذي‮ ‬لعبته هذه المجلة،‮ ‬وهي‮ ‬تكسر الكثير من‮ “‬التابوهات” التي‮ ‬كان مجرد الاقتراب منها،‮ ‬لا لمسها،‮ ‬كفيلاً‮ ‬بأن‮ ‬يصعق من‮ ‬يقوم بتلك المغامرة‮.‬ سهيل إدريس،‮ ‬عبر‮ “الآداب” ‬تحديداً،‮ ‬أحد الذين جازفوا بهذه المهمة،‮ ‬ويمكن القول،‮ ‬بيقين،‮ ‬أنهم كسبوا الرهان،‮ ‬هو الذي‮ ‬خالطته أهواء شتى،‮ ‬وهو‮ ‬ينشر ما‮ ‬ينشر من كتب،‮ ‬ولكن بروح الرجل الحر من الأثقال والكوابح التي‮ ‬تعيق الانطلاق إلى الأمام،‮ ‬وتشد إلى الوراء‮.  ‬منذ سنوات صار إدريس،‮ ‬وابنه سماح،‮ ‬يشكوان من عجز مالي‮ ‬يهدد‮ “‬الآداب” ‬بالتوقف عن الصدور،‮ ‬ودعا إلى حملة إنقاذ مالي‮ ‬لها،‮ ‬لكي‮ ‬لا‮ ‬تموت‮ ‬واحدةٌ‮ ‬من أعرق دورياتنا الثقافية‮. ‬ما زلت أذكر أني‮ ‬كتبت في‮ ‬حينها مقالا قلت فيه أن مشكلة‮ “‬الآداب‮” ‬ليست مشكلة مالية‮.‬ إنها تنتسب إلى زمن آخر انقضى ولن‮ ‬يعود،‮ ‬وتعود إلى بيئة ثقافية حاضنة شكلتها بيروت الخمسينات والستينات،‮ ‬وهذه البيئة الأخرى ولت ولن تعود‮. ‬لقد فقدنا ذلك الزمن،‮ ‬وفقدنا بيروت التي‮ ‬أنتجت مجلات مثل‮ “‬الآداب‮” ‬و”الطريق‮” ‬وقبلهما‮ “‬الثقافة الوطنية‮”،‮ ‬وهو فقدان لا‮ ‬يعوض أبداً،‮ ‬لأن الظروف لم تعد هي‮ ‬الظروف‮. ‬لعل الراحل سهيل إدريس أمّن مِن المال ما‮ ‬يكفي‮ ‬لاستمرار صدور‮ “‬الآداب‮”،‮ ‬لكن أين هي‮ “‬الآداب‮” ‬اليوم في‮ ‬خريطة الحراك الثقافي‮ ‬والأدبي‮ ‬العربية؟ ‮ ‬ليس الرجال وحدهم من‮ ‬يموتون‮. ‬الدوريات هي‮ ‬الأخرى عرضة للمصير ذاته‮. ‬وكما في‮ ‬حال الرجال‮ ‬يبقى طيب الأعمال،‮ ‬فإن الدوريات التي‮ ‬صنعت،‮ ‬في‮ ‬زمنها،‮ ‬مجداً،‮ ‬تظل حاضرة بوصفها تاريخاً‮ ‬مشرفاً‮.‬ا‮ ‬
 
صحيفة الايام
27 فبراير 2008

اقرأ المزيد

لماذا يظل ملف ضحايا التعذيب مفتوحاً ؟

ليست هناك عقبات مادية تمنع الدولة من تسوية ملف ضحايا التعذيب في حقبة قانون امن الدولة، فلدى الدولة ما يكفي من الأموال التي يمكن من خلالها تقديم تعويضات لهؤلاء الضحايا وعائلات الشهداء منهم. ورغم أن الأموال، مهما كبرت، لن تعيد لمن قدموا التضحيات ما خسروه من صحة أجسادهم ومن الآم نفسية ومعنوية ستظل تلازمهم، ومن آثار على أبنائهم وذويهم، لكن يمكن لها أن تسعفهم في مواجهة أعباء الحياة في ما تبقى لهم من أعمار. تقديرنا إن السبب في كون الدولة لا تريد تسوية هذا الملف وصولا إلى إغلاقه، هو أنها لا تريد أن تعترف بأن أجهزتها الأمنية أوقعت من الأضرار الجسدية والمعنوية  الشيء الكثير بالمئات من المعتقلين، وإنها أقدمت على انتهاكات لحقوق الإنسان، مخالفة بذلك ما هو مرعي من قوانين وأعراف دولية، لا بل وما يناقض الأحكام الدستورية والقانونية في البحرين ذاتها. الإقرار بذلك يؤسس لثقافة سياسية جديدة في البلد، هي ثقافة حقوق الإنسان، ومنع الإضرار به بدنيا ومعنويا، والالتزام بالمعايير الدولية في هذا المجال، فضلاً عن أن هذا الاعتراف سينطوي حكما على إقرار من قبل الدولة إنها لم تصغ علاقتها، ليس فقط مع معارضيها وإنما مع المجتمع عامة بروح العدالة والإنصاف، وهو إقرار سيشكل دفعة جدية لعلاقة جديدة سوية قائمة على مبدأ الشراكة والتفاهم، تفتح لوطننا آفاقا أرحب. في مطالع المشروع الإصلاحي ألقى جلالة الملك كلمة مهمة في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، شكلت في روحها وتوجهاتها ومعانيها، ما كان يمكن أن يؤسس لخطوات جذرية في اتجاه إغلاق ملف ضحايا التعذيب بصورة تامة، وكان المؤمل لو أن الأجهزة التنفيذية المعنية سارت في هذا الاتجاه عبر مبادرة جريئة كتلك التي شهدنا مثيلا لها في المغرب. مثل هذه المبادرة ستظل مطلوبة، لا بل وملحة، ليس انطلاقا من رغبة في الثأر والتشفي أو الانتقام، وإنما من منطلق التأكيد على العظة التاريخية، ومن أجل احتواء البيئة التي يمكن أن تؤسس مجدداً لممارسات القمع وانتهاك حقوق الإنسان، التي دفع شعبنا ثمنا باهظا بسببها، وسببت جراحا وآلاما بحاجة إلى مداواة. إن ترك هذا الملف مفتوحا، يعني بوضوح أن العودة إلى هذه الممارسات ستظل خيارا مفتوحا، وهناك مؤشرات مقلقة في هذا الصدد رصدها المحامون والهيئات الحقوقية المعنية في طريقة التعاطي مع الموقوفين في أحداث ديسمبر الماضي.
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

المكر والمغامرة.. وجهان لعملة واحدة

سَئِـم المواطن في مملكة البحرين هذا المسلسل الدوري من الاحتقان العبثيّ، الذي ينفلت من عقاله في كل مرة، يتأجج خصوصاً في المناسبات الرسمية وفي مناطق محددة من البلد، ليأخذ شكلاً غريباً من العصيان الفوضويّ ‘insurrection’ في محاولة يائسة ومحبطة لـ ‘كسر العظم’ من خلال تجييش متخندق لشارع طائفة واحدة فحسب من الطائفتين الكريمتين اللتين – دائماً وأبداً – تشكلان النسيج الموحد للمجتمع البحريني. يتمترس هذا التجييش خلف شعارات وهميّة غير واقعية عصيّة المنال، بعيدة كل البعد عن الاعتصام والاحتجاج السلمي القانوني المُجدي، المرغوب فيه من قبل الرأي العام كشكل من أشكال الضغط المجتمعي المدني الجامع، العابر للطوائف الأكثر مردودا بما لا يقاس ‘civil pressure’ بُغية إجبار الحُكم -أي حكم- للاذعان للقانون والشروع في تطبيق الاستحقاقات الاجتماعية. بدلا من ذلك يبدأ الحرق والتخريب والاعتداء على الممتلكات العامة وما يتبع ذلك من رد فعل مفرط وعشوائي مبالغ فيه غير متوازن من قبل قوات الأمن، حيث تجري على مرأى الناس عملية تحطيم أبواب بيوت المواطنين العُزّل عنوة واعتداء -غير مبرر قانونيا- على حرمات البيوت والممتلكات الخاصة. وكأن المواطن البريء يحاسب بجريرة المواطن المذنب. بالطبع تحدث خسائر مادية ومعنوية جسيمة وقد تسقط ضحايا بريئة (آخرها المواطن علي جاسم رحمه الله). الغريب في الأمر أنه في كل مرة بعد أن تتلاشى فورة الغضب تلك، يقوم كل طرف بلوم الطرف الآخر بالتسبب والبدء في الحوادث (فكرة البادي أظلم!)  وكأننا في لعبة جهنمية لا يمكن معرفتها بدقة. هل هي من فعل أناس عقلاء ذوي دهاء ومكر غير اعتيادي، أم هي فقط أعمال صبيانية ومراهقة سياسية من قبل تيار ديني/ طائفي مغامر؟. هل هو مخطط جهنمي دقيق، الهدف منه لجم من تسول له نفسه أن يطالب بحقه في العمل والسكن والعيش الكريم..إلخ؟ أم محاولة مستميتة من قبل كابحي مسيرة الإصلاح وتسيد حكم القانون ودولة المؤسسات لخلط الأوراق والحط من هيبة الدولة، والعودة إلى المربع الأول؟ الأنكى أن نفس السيناريو يجري كل مرة ويتكرر كمأساة/ ملهاة، يختلط الجد بالهزل وكأننا أمام منظر ‘سيريالي’ مُفعم بالغرابة، حيث يتحول هؤلاء جميعا بقدرة قادر إلى عقلاء، حكماء وواعظين. كل فريق يدعي البراءة والحرص الشديد على الأمن والأمان وراحة المواطن والسلم الأهلي.. إلخ، في محاولة لتهدئة الشارع، حيث يجري امتصاص فورة الغضب تلك (على جرعات). ولا يدري المواطن العادي مَن تسبب فيها بالضبط؟. ثم يأتي دور ‘المرجعيات’ لتخرج من صمتها في محاولة لإعادة الهيبة والوقار وفرض الطاعة لـ ‘أولي الألباب’، بدل الدفاع عن دولة المؤسسات والقانون وتطبيق بنود قوانينها على الجميع دون استثناء. ويلعب الإعلام الرسمي والشعبي دورا مفارقا ومتناقضا (ايجابيا وسلبيا)، حيث يدلي الكتاب بدلوهم في التحليل والتمحيص، وهو دور ايجابي بلا شك، مع أن الكُثر من الأقلام قد ساهم، من حيث يدري أو لا يدري في زيادة التيه لدى المواطن. القليل منهم كان منصفا من حيث الدقة والحياد الموضوعي والبعض منهم اختار المهمة الأسهل: الانحياز لأحد طرفي المعادلة خصوصا الطرف الأقوى. بالطبع لا يدّعي كاتب هذا المقال أنه قد أصاب حيث أخطأ الآخرون، بل يمارس حقه في إبداء رأي من الآراء في بلدٍ قنّنت وضُمِنت فيه حرية الرأي والتعبير والمُعتقد، وهو انجاز في حد ذاته لم يألفه المواطن البحريني من قبل.
في هذا السياق بودي أن أشير إلى ملاحظات محددة، عسى أن يجدها المعنيون بالأمر مفيدة: أولاً: الحُكم هو اللاعب الأقوى وبحوزته مفاتيح حل الإشكال الديموغرافي  (هاجسه الأساس) وعليه حلحلة الملفات المُلحّة وإيجاد حلول للوضع المعيشي والمنغصات الاجتماعية والثقافية وتفادي ظاهرة ‘الديمقراطية المبهرجة’ (Flashy democracy). ثانياً: تستدعي الضرورة القصوى أو العاجلة، سن قانون تاريخي وشجاع باسم ‘قانون الأرض’ في مملكة البحرين (الجزر والسواحل والفشوت) وإعادة ملكيتها للدولة. ثالثاً: تبديل معادلة الدولة/ الدين إلى شعار ‘الدين لله والوطن للجميع’ وعدم زج الدين بالسياسة وذلك من خلال سن قانون عصري لتشكيل أحزاب سياسية على أساس غير ديني/طائفي/مذهبي. رابعاً: تستدعي الضرورة تشكيل ‘هيئة تخطيط عليا’ مستقلة عن مجلس الوزراء، تأخذ على عاتقها التخطيط الاستراتيجي للبني التحتية الشاملة لمملكة البحرين. خامساً: تقنين الحد الأدنى التصاعدي للأجور، بما فيه قانون التأمين ضد البطالة، يلائم معدل التضخم السنوي المتصاعد باضطراد، الأمر الذي سيحافظ على القوة الشرائية لدى المواطن ولو في حدها الأدنى مما سيشكل مكسبا اقتصاديا / اجتماعيا. سادساً: سرعة انجاز وتنفيذ عملية دمج صندوقي التقاعد والتأمينات الاجتماعية وتقنين استثماراتهما، بكثير من الحيطة والحذر والشفافية والوضوح وذلك لأن هذا المال العام هو ثمرة تعب المواطن وشقائه طيلة حياته فله الحق والضمان في شيخوخته وعجزه. سابعاً: تفعيل شعار ‘تمكين المرأة السياسي’ فعلا وليس قولا أو بهرجة وذلك باستخدام آلية ‘كوتا’ مرحلية لتمثيلها النيابي والعمل الجاد على إنصافها التام وضمان ‘حقوق الأمومة والطفولة’ من خلال إصدار قانون متقدم للأحوال الشخصية. ثامناً: تستدعي الضرورة قيام تيار سياسي ديمقراطي عريض ( أصعب الأهداف واجداها)، يعيد التوازن السياسي في المجتمع مقابل الجمعيات السياسية )الطائفية/المذهبية) المعارضة والموالية المحافظتين، يتفق على برنامج الحد الأدنى وبلا شروط مسبّقة ويتكون من 7 جمعيات سياسية عصرية هي: التقدمي، وعد، التجمع القومي،التجمع الوطني، الوسط العربي، المنتدى والميثاق. تاسعاً: يجب أن يكون على رأس بنود البرنامج المقترح أعلاه، برمجة واستمرارية الضغط  الشعبي / المدني/ القانوني/ الممنهج على الحُكومة وتعبئة الرأي العام خلف شعارات وملفات ممكنة التحقيق، من اجل تلبية المطالب الواقعية والعادلة وتنفيذ الاستحقاقات الاجتماعية والحقوقية المنطلقة جميعها من بنود الميثاق الوطني والدستور. عاشراً : يجب الابتعاد في الوقت الحاضر عن الملفات الأصعب منالا والحساسة للحكم والمؤججة للشحن الطائفي/ المذهبي والانقسام الشعبي، انطلاقا من ميزان القوى وحسابات الربح والخسارة في العمل السياسي. الحادي عشر: يجب اختيار المكان والزمان المناسبين للاحتجاجات المدنية الجامعة/السلمية/القانونية (public civil protest) بُغية جذب المواطن العادي وإشراكه في الحراك السياسي المتاح وعدم الانزلاق إلى وضع العصيان المدني (insurgence) والمشاركة مع طيف متنوع (قوس قزحيّ) يتكون أساسا من الجمعيات السياسية المذكورة أعلاه بجانب منظمات المجتمع المدني الأخرى من نقابات وجمعيات أهلية ونسائية وحِرَفية والشخصيات التقدمية المستقلة إضافة إلى العناصر المستقلة من المتنورين الدينيين المعتدلين. الثاني عشر: يجب على التيار الديمقراطي/ الحداثيّ النأي بنفسه عن فعاليات التيارات المغامرة والعدمية، التي لم تتعلم أية لغة بعد، غير العناد والعاطفة المفرطة وسياسة الأبيض أو الأسود وعدم تفهمها من أن الوصول إلى أكل العنب لا يتحتم بالضرورة قتل الناطور. الثالث عشر: يجب أن تدرك النُخب السياسية (للمرة الألف) أن الركون إلى الضغط الشعبي القادم من طرف واحد والاعتماد على رافعة الطائفية، بُغية نيل الحقوق لا يجدي ولا يسمن من جوع، بل يزيد الطين بلّة في ‘طأفنة’ الوجدان والوعي السياسي للناس ويهدر الطاقة الكامنة للمواطنين ويشتت وحدة النسيج الوطني ويؤخر الاستحقاقات الديمقراطية ويطيل من أمد عوائق تفعيل دولة المؤسسات والقانون. الرابع عشر: يجب الاستفادة من أية إمكانية لبناء الثقة المتبادلة والضرورية بين الحكم والقوى السياسية بالتوافق على سلسلة من الإجراءات من بينها -على سبيل المثال- الاتفاق على ‘يوم الشهيد’ في وقت آخر، مناسب لجميع الأطراف، لا تتضارب مع الأعياد الرسمية. هذا ‘شيء من الرؤية’ التي يفترض أن تكون حاضرة في أذهان الحريصين على إخراج بلدنا ومجتمعنا من الجحيم الطائفي/المذهبي والفوضى الـ ‘شبه الخلاقة – mini innovated chaos” التي تنخر في نسيجنا الاجتماعي والذي يتطلب أول ما يتطلب من أصحاب القرار والنخب السياسية، الإحساس بالمسؤولية الوطنية والترفع عن الصغائر والابتعاد عن الجشع والأنانية والمجد الشخصي، في سبيل مستقبل الأجيال القادمة.

صحيفة الوقت
26 فبراير 2008

اقرأ المزيد