المنشور

البيت الهزاز‮!!‬

لا أعرف لماذا كلما تابعت عن كثب أو عبر وسيط أو خلسة أو عن بعد جلسات المجلس النيابي التي تعقد في عاديتها واستثنائيتها أو على غير عادتها أو بواعز من أحد، ينتابني شعور بأن هذا المجلس ممثلاً في أعضائه ـ ممثلو الشعب والوطن ـ بحاجة ماسة إلى طبيب نفساني يباشر مهام علاجه النفسي لهؤلاء النواب قبل جلساتهم وأثنائها وبعدها كي يستقيم أمر الشعب والوطن، ولا شك أن هذا الطبيب سيحتاج إلى مساعدين له في العلاج، ذلك أن مهمة علاج هؤلاء النواب صعبة ومعقدة بالتأكيد، خاصة وأنهم لم يتخلوا عن أمزجتهم الخاصة عندما وصلوا إلى قبة البرلمان، ولعل أول العلل النفسيةـ موضع التشخيص وأهمها ـ  إصابتهم بداء (الشخصية المهزوزة)، فمنذ بدأت جلسات الفصل التشريعي الثاني والحال حتى لحظة كتابتي هذا الموضوع ولحظة قراءتكم له في زاويتي الرأي اليوم، لم يستقر ولم يرسُ على بر يشكر(شوكه)، ففي الوقت الذي تعاني فئة كبيرة من الشعب من التعطل وحمى الغلاء وتدني الأجور، يلهث النواب حول زيادة أجورهم وضمان تقاعدهم ويدور بينهم خلاف ـ تخيلواـ حول هذه القضية (مطالبين) الشعب الوقوف معهم في هذه (المحنة) بمقابل مستقبلي أو بمقابل (وهمي) أو من غير مقابل، ويظل هذا اللهاث جارياً حتى يحسم الشعب أمره، باعتبار الشعب في مثل هذه القضية (ممثلاً) للنواب في الشارع، ولأن القضايا والأفكار على الطريق كما يذهب الجاحظ، فإن قضية الاختلاف حول بيع الرجال لملابس النساء الداخلية جائز أم غير جائز مسألة واردة، أما قضية تسريح العاملات في مصانع الملابس أو تدني أجورهن فهي مسألة ليست من اختصاصهم حتى يحسم أمر الملابس الداخلية في المجلس، وبدلاً من الحوار والاختلاف حول المستوى الأكاديمي في جامعات البحرين وكيفية تطويره والارتقاء به، ينصرف نوابنا الأفاضل إلى مسألة فصل الجنسين في الجامعات وزيادة جرعة المواد الدينية والأخلاقية في المناهج، وحين يحتدم الجدل حول هذه المسألة فيما بينهم أو بينهم وبين معارضيهم تهمل القضية لبعض الوقت ويوكل أمر التصدي لها لبعض الجمعيات الإسلامية في البلد، وفيما يفتك غول الغلاء بالمجتمع، يقبل النواب بالأربعين مليون دينار كحل للتصدي لهذه المشكلة، وحين يحسمون أمر قبولهم يعودوا ثانية للاختلاف حول ما إذا كانت هذه الأربعين كافية وشافية أو العكس، وتظل قضية الأربعين مليون متفاعلة في الشارع ونوابنا في حالة حيرة واضطراب من أمرها حتى يقول (برلمان) الشارع قولته فيها ويعود الجدل العقيم ثانية بين النواب حول ما إذا كانت هذه المقولة من بنات (قراراتهم) أو من أولاد جمعياتهم التي تمثلهم خارج البرلمان، ولا عتب على الحكومة في هذا الشأن طالما النواب الأفاضل لم يجادلوها بشأن زيادة هذه الأربعين أم بعدم جدواها، علماً بأن لدى بعضهم مستشارين اقتصاديين، فهل لجأوا إليهم في هذا الشأن، أم ظنوا أنهم كسبوا رهان رضا الشعب عليهم بهذه الأربعين؟
أعجب من نواب يناقشون قضايا والشعب يناقش قضايا أخرى، يتشاجرون حول قضايا لا تستحق حتى أن تثار في المجلس أو الشارع بينما الشارع نفسه يعلن حسرته على انتخابه مثل هؤلاء النواب الذين بشجارهم يعلنوا من جهة أخرى صدهم عن قضاياه ومطاليبه الملحة.
أعجب من نواب لا يزالوا يعلنون مقاطعتهم لبعض المسئولين أو لمناقشة بعض القضايا حتى وهم في داخل البرلمان، وكما لو أنهم يدارون حرجاً سببه قبولهم (ردم) مقاطعة المشاركة البرلمانية، مع أن مثل هذه المقاطعة تتملك قابلية التراجع بعد (هنيهات) ووفقاً لحالات ربما تقتضيها الخشية من العزلة.
هل يعقل أن يناقش النواب أو يخضعوا الفكر والرأي للحجر في جلساتهم، كما حدث مع بعض الكتب التي تم الإفراج عن بعضها؟ هذا الفكر الذي استثمر البعض أهمية الإفراج عنه نكاية في طائفة أخرى لا حباً فيه، وهو البعض الذي يحجر في موقع آخر قضية تتصل بالفكر لأن نواب طائفة أخرى رفضت الحجر عليها.
وأنموذج هؤلاء النواب حين يخرج من بيت النيابة يلبس لبوسا آخر في الندوات التي يدعى للكلام فيها، فتراه في حالات مختلفة أو مضطربة وفي أحيان أخرى تتساءل: كيف تم انتخاب هذا النائب للبرلمان وهو الذي لم يستطع حتى الدفاع عن رأيه حين يناقش فيه؟
أليس مثل هؤلاء النواب الذين يتحمل الشعب وسيتحمل إلى أمد غير قريب عبء اضطرابهم النفسي وعبء قلقه اليومي بسببهم بحاجة إلى طبيب نفسي؟
أقنعوني يا عالم بقضية مؤرقة حلها نوابنا في البرلمان أو استمر في محاولة فك عقدها وطلاسمها؟ هل يعقل أن يتصدى لقضايا الشعب نواب (مهزوزي) الشخصية ؟ !
 
صحيفة الوطن
14 فبراير 2008

اقرأ المزيد

“هيومن رايتس ووتش” ونفاق السياسات الأمريكية


اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في وزارة خارجيتها إصدار تقرير سنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم، لكن هذا التقرير رغم حجمه الكبير وشموليته فإنه مفصل على مقاس مصالح الولايات المتحدة نفسها ومبني على رؤيتها السياسية الضيقة الأحادية في تقييمها لتلك الأوضاع. فكثيراً ما يشوب هذا التقييم التعسف في الأحكام المجافية للواقع والحياد الموضوعي، باستثناء بعضها الذي يتسم بقدر من النزاهة والموضوعية. وعادة ما تركز الولايات المتحدة انتقاداتها المشددة في هذا التقرير على الدول التي لا تروق لها سياساتها ومواقفها المتناقضة مع مصالحها، في حين يأتي ذكرها أو انتقادها للدول الحليفة لها أو تتساوق مع سياساتها ومصالحها عابراً وغير مشدد، هذا إن أتى ذكرها أصلاً. وفي مقابل هذا التقرير الرسمي يصدر من داخل الولايات المتحدة نفسها تقرير سنوي دوري حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم عن إحدى منظمات حقوق الإنسان العالمية التي تتمتع بقدر معقول من النزاهة والصدقية ألا وهي “هيومن رايتس ووتش”. وفي تقريرها هذا العام الذي صدر قبل أيام تفضح هذه المنظمة وتعري نفاق السياسات الأمريكية المرائية لدى تشدقها بالغيرة على حقوق الإنسان في عدد من دول العالم وحرصها على نشر الديمقراطية فيها. كما يدين التقرير سياسات الدول الأوروبية المتساوقة مع السياسات الأمريكية ذات ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين. وأكدت المنظمة في هذا الصدد: ان الولايات المتحدة والدول الأوروبية تقبل انتخابات غير حرة وغير عادلة في بعض الدول خدمة لأهدافها.. وهي بذلك تعطي غطاء لحكام غير ديمقراطيين لأن يدعوا انهم ديمقراطيون، في حين تصمت على مسرحيات تدعي انها أنظمة ديمقراطية. وهي لا تتورع في ذلك عن القبول بحكام مستبدين يقدمون أنفسهم على انهم ديمقراطيون. كما تضرب “هيومن رايتس” مثلا على ذلك بباكستان ونيجيريا وروسيا.. وبالطبع ثمة دول عربية عديدة ينسحب عليها هذا الأمر، فيما يتعلق بقبول واشنطن حكاما مستبدين عربا يقدمون أنفسهم على انهم ديمقراطيون، لكن لربما لم تشر إليهم الصحيفة العربية التي استقينا منها ملخص تقرير “هيومن رايتس ووتش” موضع حديثنا (الشرق الأوسط 1/2/2008م). كما يستطرد تقرير هذه المنظمة، في سياق تعريته وادانته لنفاق السياسات الأمريكية تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، قائلاً: “إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والديمقراطيات النافذة الأخرى، بسماحها للمستبدين بأن يقدموا أنفسهم على انهم ديمقراطيون من دون أن تطالبهم بتطبيق الحقوق السياسية والمدنية التي تعطي للديمقراطية معناها، تساهم في تعريض حقوق الإنسان عبر العالم للخطر”. ويضيف التقرير: إن “واشنطن والحكومات الأوروبية توافق باستمرار على نتائج الانتخابات الأكثر إثارة للشكوك، عندما يكون الفائز حليفاً استراتيجياً أو تجارياً”. وهي بذلك ــ واشنطن والحكومات الغربية ــ ورغم أنها أنظمة ديمقراطية راسخة ــ كما يقول التقرير ــ فإنها تسيء إلى الديمقراطية من خلال تركيزها على “الإرهاب” أكثر من تركيزها على القضايا الديمقراطية وقضايا حقوق الإنسان في العالم بتجرد وموضوعية. ولا ينسى التقرير بالطبع فضح مواقف الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي يصدع رؤوس العالم مرات كثيرة عما تحقق من التزام دول عديدة في العالم بتحقيق “الديمقراطية” في الوقت الذي ظل فيه هذا الرئيس يلوذ بالصمت عن أوضاع حقوق الإنسان في تلك الدول. لقد اعتاد جورج بوش وصف كل من يوجه انتقادات حادة لسياسات بلاده بأنه حاسد حاقد على الحضارة الأمريكية وديمقراطيتها، واعتادت الولايات المتحدة ومازالت التشكيك في مصدر هذه الاتهامات لها فإما وراءها جهات شيوعية (ابان الحرب الباردة) وإما وراءها منظمات وقوى أصولية وإرهابية، فماذا عسى جورج بوش والإدارة الأمريكية أن يقولا ويردا على تقرير “هيومن رايتس الأخير” هذه المرة وهي منظمة أمريكية مناصرة لحقوق الإنسان معروفة بنزاهتها وحياديتها؟ ولماذا واحد من أعرق البرلمانات في العالم ألا هو “الكونجرس الأمريكي” لا يلتفت ولا يقيم وزناً لتقارير مثل هذه المنظمات العالمية المستقلة المحايدة من أجل محاسبة حكومة بلاده والضغط عليها للالتزام بالمواقف والمعايير الحقيقية لمناصرة حقوق الانسان والديمقراطية في العالم وليس المعايير المزيفة الخاضعة لأهوائها السياسية؟!
 
صحيفة اخبار الخليج
13 فبراير 2008

اقرأ المزيد

وجهٌ‮ ‬جميل آخر فقدناه


حتى منتصف الستينات الماضية لم تكن إلا قلة في‮ ‬العالم العربي‮ ‬قد سمعت بأدب المقاومة الفلسطينية في‮ ‬الأراضي‮ ‬العربية المحتلة في‮ ‬العام ‮٨٤٩١.‬ كان محمود درويش وسميح القاسم وبقية رفاقهما شباباً‮ ‬بعد،‮ ‬وكان إبداعهم الشعري‮ ‬معروفاً‮ ‬ومسموعاً‮ ‬في‮ ‬فلسطين،‮ ‬وهم الطالعون من قلب الحركة الديمقراطية والتقدمية هناك،‮ ‬أداةَ‮ ‬تأكيدٍ‮ ‬للهوية الفلسطينية العربية بوجه مساعي‮ ‬المحتلين لسحق هذه الهوية،‮ ‬لكن لم تكن أصواتهم قد بلغت العالم العربي‮ ‬بعد. كان “رجاء النقّاش” أول من اصدر كتاباً‮ ‬عن محمود درويش مُعرفاً‮ ‬القارئ العربي‮ ‬به وبشعره وبتجربة أدب المقاومة في‮ ‬فلسطين،‮ ‬وتزامن مع ذلك أو تلاه ملف قيّم أعده الناقد اللبناني‮ ‬المعروف محمد دكروب في‮ ‬مجلة‮ “‬الطريق” ‬التقدمية عن تلك الظاهرة الأدبية المشعة،‮ ‬بعد أن التقى بمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسواهم من المبدعين الفلسطينيين في‮ ‬مهرجان الشبيبة والطلبة في‮ ‬صوفيا ‮٨٦٩١.  ‬فعل رجاء النقاش الأمر نفسه إزاء الروائي‮ ‬السوداني‮ “‬الطيب الصالح”،‮ ‬حيث قدمه للقراء من خلال كتابه النقدي‮ ‬عن أدبه،‮ ‬وخاصة عن روايته التي‮ ‬طبقت شهرتها،‮ ‬في‮ ‬ما بعد،‮ ‬الآفاق‮: “‬موسم الهجرة إلى الشمال”. ‬انه نموذج للناقد الذي‮ ‬يجعل من عمله ورشة لإضاءة العمل المنقود،‮ ‬وتحليل أبعاده،‮ ‬وإزالة الدثار عن ظلاله في‮ ‬تدرجاتها المختلفة‮. ‬و”رجاء النقاش” الناقد كان،‮ ‬إلى ذلك،‮ ‬شغّيل ثقافة محترفاً،‮ ‬فتاريخ الصحافة الثقافية العربية سيظل‮ ‬يَذكرهُ،‮ ‬من خلال دوره في‮ ‬إدارة تحرير عدد من الدوريات الثقافية العربية المرموقة،‮ ‬فأعطى هذه الدوريات الكثير من سعة الأفق ومن المحتوى الفكري‮  ‬التنويري‮ ‬اللذين طبعا شخصيته‮.‬ ‬أتى رجاء إلى الدوحة عاصمة قطر ليعمل مديراً‮ ‬لتحرير صحيفة‮ “‬الراية”‬،‮ ‬ولكنه سرعان ما أصدر من هناك مجلة‮ “‬الدوحة” ‬التي‮ ‬ترأس تحريرها منذ صدورها في‮ ‬عام‮١٨٩١ ‬حتى أغلقت بعد نحو خمسة أعوام،‮ ‬ليشكل‮ ‬غيابها خسارة للصحافة الثقافية،‮ ‬لأنها عُدّت،‮ ‬في‮ ‬زمنها،‮ ‬من أبرز الدوريات الثقافية العربية وأكثرها تميزاً،‮ ‬واستطاعت أن تستقطب نخبة من خيرة حملة الأقلام المبدعة في‮ ‬العالم العربي،‮ ‬بمن في‮ ‬ذلك من بلدان الخليج‮.  ‬لم تكن‮ “‬الدوحة” ‬المجلة الوحيدة التي‮ ‬أضفى وجود “رجاء النقاش” على رأسها تميزاً‮ ‬لها،‮ ‬فقد عمل قبل ذلك رئيس تحرير واحدة من أعرق المجلات العربية،‮ ‬هي‮ ‬مجلة‮ “‬الهلال”. ‬وفي‮ ‬عام ‮١٧٩١ ‬عُين رئيساً‮ ‬لتحرير‮ “‬مجلة الإذاعة والتلفزيون‮”‬،‮ ‬فاستطاع أن‮ ‬يحولها من مجلة منوعات ذات نزوع إعلامي‮ ‬صرف،‮ ‬إلى مجلة ثقافية حاضنة للإبداعات المصرية،‮ ‬ومستقطبة لأقلامٍ‮ ‬مرموقة،‮ ‬بينها الأديب الكبير نجيب محفوظ الذي‮ ‬نشر فيها روايته‮ “‬المرايا‮” ‬مسلسلة قبل أن تنشر في‮ ‬كتاب‮.‬‬برحيل “رجاء النقاش”‮ ‬يُغيّب الموت وجهاً‮ ‬آخر جميلا،‮ ‬ظل مثابراً‮ ‬على عمله ورسالته حتى آخر فترات حياته،‮ ‬هو الذي‮ ‬ساهم برؤيته المنفتحة على الحداثة والتجديد والأفق الإنساني‮ ‬الرحب في‮ ‬صنع مجد الثقافة العربية التقدمية والديمقراطية التي‮ ‬من تحت عباءتها خرجت وجوه ما زالت تشكل القلب النابض في‮ ‬حياتنا التي‮ ‬تزحف إليها من كل جانبٍ‮ ‬نذر الانغلاق والتزمت،‮ ‬بكل ما تنطوي‮ ‬عليه من بؤس وخراب‮.‬
 
صحيفة الايام
13 فبراير 2008

اقرأ المزيد

عودة مشؤومة لتقليعة الميليشيات‮!‬

الميليشيا هي عبارة عن تنظيم شبه عسكري يتكون عادة من مواطنين متطوعين مدفوعين بأحد أسباب التمرد أو كلها معا مثل التهميش أو فيض العصبيات والولاءات. وهي تظهر عادة في أوقات اشتداد وتفجر الأزمات واندلاع الحروب الأهلية. ويمكن لها أن تتشكل في إطار الجيوش النظامية كما هو الحال في الصين وسويسرا، أو كرديف غير رسمي وغير معلن للقوات المسلحة الوطنية، كما هو الحال في السودان مثلاً. ويمكنها أن تتشكل كأذرع عسكرية تابعة لأحزاب أو حركات سياسية، أو كقوات للدفاع الذاتي يتم تشكيلها من جانب السلطات أو منطقة جغرافية أو سكانية معينة.
ولما كان ظهورها مرتبطاً باندلاع الأزمات والظروف والملابسات المحيطة بحالة ودرجة سخونة الاستقطاب السياسي (المصلحي أو الأيديولوجي سواء أكان على خلفيات دينية أو طبقية)، فقد كان من الطبيعي أن لا يرتبط صعودها في شكل ظاهرة، بحقبة تاريخية محددة، وإن كان ظهورها الطاغي في بعض المراحل التاريخية مثيراً ولافتاً بشكل موحي للغاية وذي دلالة خاصة.
بهذا المعنى فقد كانت ‘صناعة’ الميليشيات من ‘الصناعات’ القديمة في تاريخ النزاعات والصراعات البشرية منذ الأزل، حيث كانت المجموعات والزمر تتشكل في ظل غياب أو ضعف الجهة المعنية بضبط الأمن وفرض القانون، وتحول الحالة المعاشية السائدة في ذلكم الحيز الجغرافي المعني إلى ‘حارة كل من إيدو إلو’ على حد تعبير الفنان السوري دُريد لحام.
وبهذا المعنى فإن ظهور الميليشيات مقترن حكماً بالفوضى وببدء اندلاعها وانتشارها في الهشيم، وهذه الأخيرة بظهور أولى علائم اتساع الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون وتراكم الفقر في جانب والغنى الفاحش في جانب آخر. واليوم عندما يتلفت المرء يمنة ويسرى صوب النواحي العربية، فسيجد أن كثيراً من توصيفاتنا عاليه للحالة المنتجة لظاهرة ‘التمليش’ (أي تشكيل والانتظام في الميليشيات) متمظهرة في عديد الساحات العربية إما سفوراً أو تخفياً.
في العراق وحده هناك العشرات من هذه التشكيلات العسكرية.. جيش المهدي، وقوات بدر، وجند السماء، والجيش الإسلامي، وثورة العشرين، وقوات القاعدة، والبشمركة، ليست سوى عينة من تلك الميليشيات التي باتت تزدحم بها منذ ان دبت الفوضى في بلاد الرافدين ‘بفضل’ الغزو الأمريكي البشع لها عام 2003.  وفي الصومال هناك ميليشيا المحاكم الشرعية التي سرعان ما تحولت إلى جيش شبه نظامي اندفع ليجتاح البلاد ويسيطر عليها قبل ان تنجح حكومة بيداوا برئاسة عبدالله يوسف وبمساعدة القوات الاثيوبية في استعادة السيطرة على العاصمة مقديشو والمدن الصومالية الاخرى. وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة ظهرت ميليشيا القوة التنفيذية التي أنشأتها حماس بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية في يونيه 2006.  وفي مصر أرسل الإخوان المسلمون في العام الماضي رسائل إلى ‘من يهمهم الأمر’ عندما قاموا باستعراض قوة (ميليشياتي) غير مسلح في جامعة الأزهر. وفي لبنان هنالك أحاديث وروايات عن عودة الطوائف والأحزاب للتدريب على السلاح في معسكرات سرية داخل وخارج لبنان بما يؤذن بعودة الميليشيات إلى الساحة اللبنانية، والتي لعبت دوراً ‘رائداً’ في تدمير لبنان خلال الحرب الأهلية 1975 – 1990.
وكان لبنان قد صحا مؤخراً على صدمة مفاجأة بظهور ميليشيا فتح الإسلام في مخيم نهر البارد، والتي استغرقت عملية إنهائها أشهر وضحايا من الجيش اللبناني وكارثة إنسانية لسكان المخيم الذين هُجروا بفعل المعارك الطاحنة إلى مخيمات الجوار المكتظة أصلاً. وفي بلدان المغرب العربي هناك بطبيعة الحال ميليشيات القاعدة العابرة للجنسية والتي يمتد نشاطها إلى بلدان المغرب والجزائر وموريتانيا، مع محاولات لإنشاء مواطئ أقدام لها في تونس وليبيا وتشاد ومالي وبعض الدول الأفريقية ذات الإمكانيات الضعيفة.
وفي اليمن فاجأت ميليشيا حسين الحوثي الجميع بقوة وبحجم نفوذها وقوة تنظيمها وتسليحها، باعتبارها الإطار الأحدث للظاهرة ‘الميليشياتية’، بعد الظهور القوي للتشكيلات العسكرية السرية للقاعدة.  ومع أن البيئة الاجتماعية، والثقافية اليمنية التي تلقي بظلالها على العلاقات المجتمعية للسكان متجسدة في ولاء الفرد لقبيلته أكثر منه للدولة.. أيضا ومع أن السلاح منتشر بكثرة في اليمن، حيث يقدر وجود أكثر من 50 مليون قطعة سلاح لدى السكان، إلا ان ظهور التشكيلات العسكرية على النحو الذي ظهرت به ميليشيا الحوثيين، يعتبر ظاهرة وتطور جديدين في الحياة السياسية اليمنية.      إذن يمكن القول بأن ظاهرة صعود الميليشيات تسجل في الآونة الأخيرة انتعاشاً ورواجاً ملحوظين في غير بقعة من عالمنا العربي، من مشرقه إلى مغربه. وبما أن المزاج العربي الشعبي، هو عرضة – بحكم تقارب مكوناته الروحية – للتأثر بعضه ببعض، فمن غير المستبعد – والحال هذه – أن تلقى هذه الظاهرة البالغة الخطورة على الأمن القومي العربي، قبولاً وتماهياً ثم رواجاً في البقاع العربية التي لم تخترقها بعد. وهذه كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فظهور الميليشيات هو من علامات التردي المحتوم نحو الفوضى ومجهولها الذي أقله تدمير التعايش بين مكونات الشعب الواحد، وترتيباً، تهديد السلم الأهلي الذي لا يستقيم انتظام حياة ما بدونه.
السؤال الآن: ما الذي دفع فجأة بهذه الظاهرة للواجهة في عدد غير قليل من بلدان المنظومة العربية الاثنين والعشرين؟
هل هي فقط البيئة السالبة الطاردة للتجانس المفسح في المجال لتألق الجميع في رحابه.. المولَّدة للتنافر والتهميش والتنازع؟ أم أن المسألة غير مفصولة عن تدافع التحولات في البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية العالمية المحتقنة؟
كل المؤشرات تدل على أن العالم يشهد اليوم صعوداً غير مسبوق للهويات الجهوية الضيقة على حساب الهويات الجامعة، وانتعاشا واسعاً للعصبيات الشعوبية على حساب الكيانات الأرحب، كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لصعود النزعة الجهوية (الإقليمية) لسكان إقليم السند وإقليم البنجاب، على حساب الدولة المركزية في باكستان. وصعود أسهم الطوائف على حساب سهم الهوية الوطنية والقومية والكيان اللبناني الواحد (الدولة اللبنانية) في لبنان.
ولا يقتصر هذا الأمر على الإقليم العربي وإنما هو يشمل العالم كله تقريبا. فالانقسام السياسي في كينيا قائم على أساس قبلي (بين الرئيس وزعيم المعارضة). والاسكوتلنديون انحازوا للهوية الوطنية على حساب الهوية البريطانية فوق الوطنية.
بهذا نحسب ان ‘مداهمات’ العولمة، بأدواتها وموادها، لمجتمعات العالم المختلفة، لاسيما تلك التي يتسم ارتباطها بالاقتصاد العالمي وبالعلاقات الدولية عموما بعدم العمق والسعة، والتي وجدت نفسها فجأة مكشوفة على كافة أصعدتها، سيما الثقافية – قد استدعت ردات فعل موازية استُفِزت خلالها كل ‘ذخائر’ الهويات الفرعية وذلك برغم تعاطي المجتمع الكوني العالمي الآخذ في التبلور مع مخرجات موجة العولمة، من تكنولوجيا اتصالات وشبكة أقمار اصطناعية تغطي الكرة الأرضية، بالتظافر مع ثورة الاتصال عبر شبكة الانترنت والهواتف الجوالة.
بمعنى أن الاختراقات الثقافية العابرة للجنسية قد تمكنت من التوغل و ‘التمسكن’ إلى داخل أنسجة البلدان والشعوب وأنساق، قيمهـا وعاداتهـا وتقاليدهـا. إلا أنه يبدو أن مقاربة الصدمة (Shock approach) التي تمت بها، وفظاظة ووحشية توغلاتها، هما اللتان استدعتا مثل ذلكم الاستنفار ورد الفعل القوي الموازي لهما.
منتهى القول أن التخندق ‘الجماعاتي’ التلقائي بأشكاله ومستوياته المختلفة، بما فيها مستواه ‘الأرقى’ (الائتلاف والانخراط في المليشيات)، له أسبابه الخارجية (العولمة وتداعياتها الاجتماعية والثقافية) مثلما أن له أسبابه الداخلية المتمثلة في اتساع نطاق الإفقار والتهميش. 

صحيفة الوطن
12 فبراير 2008

اقرأ المزيد

إضراب العمال الهنود

اضراب العمال الهنود العاملين في‮ ‬مشروع درة البحرين،‮ ‬شأنه شأن إضرابات أخرى سابقة للعمال الهنود،‮ ‬والآسيويين عامة،‮ ‬في‮ ‬البحرين وفي‮ ‬سواها من بلدان الخليج‮ ‬يقتضي‮ ‬وقفة،‮ ‬لا بل عدة وقفات جادة‮.‬ يعنينا هنا في‮ ‬المقام الأول الدفاع عن الحقوق الإنسانية المشروعة للعمالة الأجنبية في‮ ‬بلادنا وفي‮ ‬بلدان الخليج التي‮ ‬تتعرض لمعاملة مهينة من قبل الشركات وأرباب العمل الذين‮ ‬يجلبونها لتنفيذ المشاريع الطموحة،‮ ‬خاصة مع فورة التوسع العمراني‮ ‬والاستثمار في‮ ‬العقار التي‮ ‬تجتاح المنطقة،‮ ‬بما فيها البحرين،‮ ‬وهي‮ ‬فورة تعزز النمط الاستهلاكي‮ ‬في‮ ‬إيقاع الحياة الراهنة،‮ ‬جريا وراء السهولة في‮ ‬الاستثمار الذي‮ ‬تتضاعف عائداته في‮ ‬سرعة قياسية‮.‬ مثل هذا النمط من النشاط الاقتصادي‮ ‬يستدعي‮ ‬هذه الكثافة في‮ ‬جلب العمالة الأجنبية،‮ ‬الآسيوية منها خاصة،‮ ‬لتشغيلها في‮ ‬نوبات عمل متتالية تكاد تغطي،‮ ‬لا بل إنها بالفعل تغطي،‮ ‬ساعات اليوم الأربع والعشرين،‮ ‬وفي‮ ‬ظروف عمل قاسية تفتقد الحدود الدنيا من المعايير المرعية في‮ ‬العمل،‮ ‬ناهيك عن الرواتب الزهيدة التي‮ ‬تمنح لهم‮.‬ وتدني‮ ‬رواتب هؤلاء العمال،‮ ‬هو ما حدا بالسفير الهندي‮ ‬في‮ ‬مملكة البحرين إلى الاصرارعلى أن لا‮ ‬يقل رواتب العمال الهنود الذين‮ ‬يستقدمون للعمل في‮ ‬البحرين عن ‮٠٠١ ‬دينار،‮ ‬بدءا من مارس القادم‮.‬ وهناك من سعى،‮ ‬مُغرضاً،‮ ‬لاعتبار تصريح السفير الهندي‮ ‬بمثابة تحريض‮ ‬غير مباشر للعمال الهنود في‮ ‬البحرين على إعلان إضرابهم،‮ ‬وهو أمر نفاه السفير،‮ ‬لكن هذا‮ ‬يحثنا على التساؤل‮: ‬أليست مسؤولية سفير دولة مهمة وكبيرة مثل الهند هي‮ ‬الدفاع عن مصالح أبنائها في‮ ‬الغربة،‮ ‬خاصة وان عدد هؤلاء كبير،‮ ‬ويشكل عمادا رئيسيا من أعمدة النشاط الاقتصادي‮ ‬الجاري‮ ‬حولنا؟‮!‬ إضراب العمال الهنود هو ممارسة مشروعة لحقٍ‮ ‬تضمنه الأعراف والتشريعات الدولية المرعية،‮ ‬لمواجهة ما‮ ‬يتعرضون له من استغلال وتدنٍ‮ ‬في‮ ‬الأجور،‮ ‬خاصة مع الارتفاع الجنوني‮ ‬في‮ ‬الأسعار،‮ ‬وواجب الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين،‮ ‬ومجمل الحركة النقابية في‮ ‬البلاد أن تعبر عن التضامن مع العمال الهنود ومؤازرتهم‮.‬ أما الجهات التي‮ ‬استقدمت هؤلاء العمال لانجاز المشاريع التي‮ ‬تنفذها فإنها مطالبة بالاستجابة للمطالب المشروعة لهؤلاء العمال في‮ ‬تحسين أوضاعهم وظروف عملهم،‮ ‬ولم‮ ‬يعد بوسع هذه الجهات التصرف بلا مبالاة تجاه هذه المطالب،‮ ‬فمراعاة حقوق العمال الأجانب اليوم باتت مسألة تحت رقابة المنظمات الدولية المعنية بالعمال،‮ ‬فضلا عن أن سفارات وممثليات الدول التي‮ ‬ينتسب إليها هؤلاء العمال،‮ ‬لم تعد في‮ ‬وارد الصمت عما‮ ‬يتعرض له أبناء بلدانها من سوء معاملة وتعسف وانتهاك للحقوق‮.‬ غني‮ ‬عن القول،‮ ‬إن هذا الإضراب وسواه من الإضرابات المشابهة السابقة التي‮ ‬يمكن أن تنظم في‮ ‬المستقبل،‮ ‬تطرح على بساط البحث مسألة العلاقة مع العمالة الأجنبية من حيث آليات استقدامها وتشغيلها،‮ ‬وحدود الاعتماد عليها في‮ ‬انجاز مشاريع التنمية في‮ ‬بلدان تعاني‮ ‬من البطالة حينا،‮ ‬ومن الترهل الوظيفي‮ ‬حينا آخر،‮ ‬كما هو الحال في‮ ‬بعض البلدان الخليجية‮.‬ السؤال الكبير هو‮: ‬إلى متى ستظل بلدان الخليج،‮ ‬والبحرين ليست استثناء من ذلك،‮ ‬معتمدة على هذا العدد الكثيف من العمال الأجانب،‮ ‬في‮ ‬وقت ما زلنا عاجزين فيه عن الوفاء بحقوق مواطنينا؟
 
صحيفة الايام
12 فبراير 2008

اقرأ المزيد

الائتلاف الممكن في‮ ‬الحكومة الكينية‮!‬

راهنت المعارضة الكينية على ثلاث أوراق الورقة الأولى انتخاب الرئاسة الذي خسرته والورقة الثانية ضغط الشارع أما الورقة الثالثة وهي ورقة البرلمان، حيث حصد اودينجا ٩٩ مقعدا في البرلمان مقابل ٣٤ مقعدا لكيباكي.
 ووفق اللوائح والقوانين فان الرئيس لا يمكنه تشكيل حكومة إن لم يكن لديه الثلثان ولن يكون أمام الرئيس إلا خيار حكومة ائتلافية ولن يتمكن بتخطي المعارضة نيابيا خاصة وان رئيس المجلس صار من نصيب المعارضة التي لا تزال تصر على عدم شرعيته بتهمة تزوير الانتخابات لهذا ستكون كينيا منقسمة في الشارع، ومنقسمة في البرلمان وأمامها معضلة دستورية وسياسية لا بد من حسمها وإلا سيظل النزاع العنيف يهيمن على الشارع فيما الساسة داخل قبة البرلمان يتناقشون على الحل والحصص.
لقد انتقلت كينيا فجأة لحظة ما بعد الانتهاء من فرز الأصوات وإعلان نتيجة فوز كيباكي على منافسه اودينجا لحالة التوتر الانتخابي المعتادة في كل حملة انتقالية إلى مناخ من الصدام العنيف الذي استشرى خلال ساعات في مناطق مختلفة، ثم سرعان ما توج بحمامات دم وبحالة من الفوضى المتناهية والعنف المتصاعد، وكأن البلاد تخلو من عقل للحكمة، وسياسيون قادرون على لجم أنصارهم ورجال امن فقدوا دورهم الأمني فتحولوا إلى قوة تمارس الإكراه المتعمد في دولة بدت الطفيلية البيروقراطية تنخر جسدها وأجهزتها منذ زمن الرئيس الراحل “دانيال آراب موي” الذي رشح كيباكي خليفة له، وبذلك نستطيع أن نفهم بكل وضوح السنوات الطويلة التي عرفها كيباكي وهو بين أروقة الدولة فترة كونه نائبا في البرلمان ثم كوزير في وزراتها المختلفة فنائبا للرئيس إلى أن صار رئيسا لكينيا؛ فتضخمت لديه شهوة السلطة فكان عليه أن يعيد ترشيح نفسه خلال الدورة الانتخابية الثانية ديسمبر2007.
وإذا ما عرفنا أن كيباكي دخل الانتخابات برغبة قوية للبقاء في السلطة فان اودينجا المعارض لا يقل عنه طموحا وتطلعا للوصول إلى السلطة كحلم قديم ودائم سعى للوصول إليه في جولات سياسية وانتخابية سابقة وهو لا يقل شهوة للسلطة من منافسه كيباكي.
ما نود الحديث عنه مسائل عدة ابعد من صناديق الاقتراع خاصة وان مظهر الصراع القبلي بهذا الحجم يعبر عن انفلات قائم على التحضير المسبق للكبريت وبرميل الزيت، وكل ما فعله الخارجون على القانون هو أنهم وجدوا الانفعال والغضب الاجتماعي تربة خصبة لإشعال تلك الموجات البشرية ودفعها في اتجاه الصدام الاجتماعي والعرقي والطائفي بحيث تجاوز صناديق الاقتراع، وكأنما المهزومون حملوا معهم لوائح وأسماء من صوتوا ضدهم ومن صوتوا معهم!! ونتيجة هذا الهلع المفاجئ لدى الناس العاديين القاطنين بين أحياء شعبية بائسة موحدة ومشتركة فهربوا في اتجاهات مظلمة من الأمكنة، ولكنهم سقطوا بين قبضات خصومهم؛ فكان مصير الأبرياء الهاربين من صراع هائج الموت المجاني.
ترى لماذا لم يفهم الخاسرون في صناديق الاقتراع ان من قتلوهم لا يملكون مفاتيح التغيير ولا يملكون دور التزوير ولا حتى هم بانتظار علب الذهب من سيادة الرئيس الفائز! فلماذا اندفع هؤلاء إلى أجساد الناس ضربا وقتلا؟ ولماذا وجد الأمن نفسه يضرب باتجاهات عشوائية تارة، وباتجاهات قبلية وعرقية تارة أخرى وفق احتجاجات ورأي وكالات الأنباء ورأي المعارضة؟ فهل كان للأمن وأجهزته “المعتقة” دورهم في تكريس حالة الانقسام وتأبيد وجودهم في السلطة التي منحتهم امتيازات كثيرة؟ ولماذا عجز الرئيس عن تحييد الفوضى والسيطرة على مكامن المشكلة؟. لقد كان مأزق كيباكي هو الفساد المستشري في أجهزته على الرغم من نجاح برامجه الاقتصادية وخططه التنموية بما فيها برنامجه في مجانية وإلزامية التعليم محاولا اودينجا اختراق نقطة ضعف كيباكي وهو الفساد المالي والإداري والأخلاقي في أجهزته إذ سيطرت قبيلة كيباكي/كيكيو “٤٢٪ من نسبة السكان” على مرافق حيوية كالجيش والأمن والمواقع العليا في أجهزة الدولة، إلى جانب حصدها من الامتيازات والاستثمارات وعلاقتها بالشركات العالمية، بينما يرى اودينجا ان قبيلته ليو “٣١٪ من نسبة السكان” تحاصرهم الإجراءات البيروقراطية والفساد الإداري والحزبي للحكومة المسيطرة.
فإذا ما تصارعت القبيلتان اللتان تشكلان ٧٣٪ من السكان فما هو دور ٣٦٪ من هذا الشعب في لعبة التوازن والصراع؟ خاصة وان الجانب الديني هنا لا يلعب دورا رئيسيا في النزاع وان كان المسيحيون ينتمون إلى كنائس وملل مختلفة فإنهم يبقون في النهاية يشكلون ٠٧٪ من إجمالي السكان بينما ٠٣٪ موزعة على ديانات أخرى كالمسلمين والهندوس والبوذيين والبهائيين والسيخ وديانات تقليدية. فأين صبت بقية القبائل والأعراق أصواتها أثناء الانتخابات؟ وما هو الجامع بين المتنافسين داخل كتلة تشكل الثلثين من قبائل المجتمع وقواه التقليدية ومواقعه الاجتماعية وتأثيراتها الاقتصادية في عملية التنمية؟
ربما اللوحة الاجتماعية معقدة في فهم توزيع الأصوات على ثمانية محافظات أساسية وأحياء توزعت فيها القبائل بشكل متداخل لهذا أراقت “قامات” القتل ومناجل الموت دماء جيران الأمس لمجرد كونهم صوتوا لشخص آخر.
في تجربة امتحان “ديمقراطية” كينيا الهشة سقط جانبان الجانب الإداري للحملة والرقابة الانتخابية من جراء التزوير، وسقط عنصر آخر هو انتقال العملية السلمية إلى العنف وتفشي خطاب العنف على أساس الهوية. فهل كانت هناك رائحة النفط والغاز المحرك الخفي للصراع بين قوتين ترى أنها تحلم بتملكه في مناطق عرضة للتقسيم الجغرافي والإداري كما هو في دول عدة؟ خاصة وان المعلومات الأخيرة تشير عن وجود النفط والغاز في كينيا وهي بانتظار الاستثمارات الكبرى في حقل يشكل حلم الفاسدين والمتطلعين بشهوة للمال والسلطة.
ولكن إذا وجدت رغبة صادقة للمتنازعين بحفظ دماء الشعب الكيني؛ فان تقاسم السلطة عن طريق الائتلاف حل عادل إذ ليس بإمكان وساطة كوفي أنان إخراج الأرنب السحري من قبعته؛ ففي جيب اودينجا وكيباكي مفتاح الحل شريطة التنازل المتكافئ من الطرفين. وإلا سيعود الشارع يسفك دما غزيرا من اجل الاستفراد بالسلطة مهما دفع الناس الأبرياء الضريبة من حياتهم في لعبة سياسية قابلة للمصالحة والتوافق.
 
صحيفة الايام
12 فبراير 2008

اقرأ المزيد

“عودة” التعذيب

مساء الأحد الموافق العاشر من فبراير 2008 نظم المنبر التقدمي ندوة، ضمن ملتقاه الأسبوعي، تحدث فيها  المحاميان حسن إسماعيل وحميد الملا عضوا هيئة الدفاع عن المتهمين في الأحداث المؤسفة التي شهدتها البلاد في ديسمبر الماضي، والتي توفي، في نتيجتها، أحد الشباب هو علي جاسم، كما شنت قوات الأمن حملة اعتقالات وتوقيفات واسعة، فضلاً عن مداهمة عدد من البيوت، لا بل ومقر إحدى الجمعيات السياسية، هي جمعية العمل الإسلامي. في معرض حديثهما أشار المحاميان المتحدثان إلى وقائع دامغة عن عودة أجهزة الأمن إلى ممارسة التعذيب الممنهج، الذي يراد به انتزاع أو إملاء اعترافات على المتهمين، قبل إحالتهم للنيابة العامة ليدلوا بهذه الأقوال تمهيدا لتقديمهم للمحاكمة. كما جرت الإشارة أيضا إلى أن النيابة العامة التي يفترض فيها أن تكون جهة قضائية مستقلة وذات مصداقية، أظهرت تواطئها مع أجهزة الشرطة في الضغط على المتهمين وإساءة معاملتهم، هذا فضلا عن الاهانات التي تعرض لها ذوو المعتقلين أمام مبنى النيابة. ولأن الندوة كانت تحت عنوان:” أوجه الإخلال بالضمانات القانونية للمتهمين في أحداث ديسمبر”، فان المحامين المتحدثين في الندوة، إسماعيل والملا، عرضا لتجاوزات أخرى ارتكبت في حق المتهمين، بينها  تغييب محاميهم عن مراحل التحقيق وتسجيل إفاداتهم أمام النيابة، ومنع عائلاتهم وذويهم من الالتقاء بهم، وهو الأمر الذي جرى تفسيره على انه بهدف منعهم من رؤية آثار التعذيب على أجساد أبنائهم، لكي لا يتحولوا فيما بعد إلى شهود في المحكمة على هذا التعذيب. وبالفعل فان زيارات الأهالي، واللقاء مع المحامين لم يسمح بها إلا بعد أن زالت آثار التعذيب عن المتهمين، كما أن الشهادات الطبية التي ستمنح للمتهمين بعد الاستجابة لمطالب محاميهم بعرضهم على الطبيب، لن تشخص آثار التعذيب، لأنها تكون قد اختفت. هذه الممارسات القمعية تعيدنا مجددا إلى الأجواء الأمنية البغيضة التي عاشتها البحرين نحو ثلاثة عقود في حقبة أمن الدولة، وهي في المقام الأول تعيدنا إلى المعاملة الحاطة بكرامة الإنسان وبسلامته الجسدية والذهنية ، وهي المعاملة المحظورة بموجب القانون، والتي تترتب عليها حقوق المساءلة القضائية ضد مرتكبيها، كما إنها تشكل انعطافة سلبية في اتجاه إعادة هذه الممارسة، وجعلها قاعدة متبعة في التعاطي مع الموقوفين ليس هذه المرة فحسب، وإنما في المستقبل أيضاً. لقد أحرزت البحرين سجلاً مقبولاً، في صورة عامة، في التعاطي مع ملف حقوق الإنسان منذ إقرار ميثاق العمل الوطني، وأشادت تقارير دولية مختلفة بما أنجز في هذا السياق، لكن للأسف الشديد فان ما جرى في الأسابيع الماضية، شكّل، بكل المقاييس، تراجعا عن هذا المنجز، مما يشكل إساءة لسمعة البحرين ورصيدها لدى الهيئات الدولية المعنية.
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

بين دموع فاطمة و شجار المحرق

كنت من بين الصحفيين المكلفين بتغطية الندوة التي نظمتها الحملة الوطنية “جنسيتي حق لي و لأبنائي”و التي كانت تحت عنوان (المرأة البحرينية و إشكالية الجنسية لأبنائها) وفي إشارة سريعة لهذه الحملة، هي حملة وطنية مكونه من منضمات المجتمع المدني المختلفة والتي تطالب بأن يكون لأبناء الأم البحرينية المتزوجة من أجنبي حق اكتساب الجنسية البحرينية حق أصيل وليس حصولهم عليها بالتجنيس أو في انتظار مكرمة ملكية تغير حالهم من حال إلى حال. عدد الحالات اليوم حسب آخر أرقام الحملة تشير إلى أنه هناك أقل من 3000 أبن من أم بحرينية و أب أجنبي يطالبون بالجنسية البحرينية و هم المولودين فيها، لا أحد يستطيع أن ينكر حق هؤلاء في الجنسية البحرينية لأنهم و ببساطة لم يعرفوا بلداً سوى البحرين و لم يتنفسوا هواءً آخر. من بين الحالات التي استعرضتها الندوة، طالبة في المرحلة الأخيرة من الثانوية العامة أسمها فاطمة معدلها التراكمي بتقدير امتياز (يفوق 95%) مشكلتها إنها لا تستطيع إكمال دراستها الجامعية لأنها ليست لديها الجنسية البحرينية، فلا تستطيع الالتحاق ببعثه ولي العهد ولا تستطيع التسجيل في جامعة البحرين لأنها تشترط رسوم مضاعفه على غير البحرينيين، والغريب إن أباها صحيح بأنه لم يولد في البحرين ولكنه في البحرين منذ ما يقارب 50 سنة، فلو طبقت عليه كل الشروط لحصل على الجنسية بالتجنيس لأنه أكمل كل المدد القانونية. ولكن الحاصل في البحرين إن ” العصا السحرية” تجلب آلاف مؤلفة من “الرعاع” وما هب و دب و مشى على الأرض دون ذنب أتت به إلينا و زرعتهم هنا و هناك بدأتهم في الرفاع و الحد و مدينة حمد و هم الآن في بطن المحرق، و لعلكم تذكرون حادثة المحرق التي هجم فيها مجموعة من “المجنسين الجدد” على أحد المواطنين في المحرق و أشبعوه ضرباً حتى ” زاع حليب أمه”. شخوص همها الاستعراض وفق قانون الغاب و وفق مبدأ “أضرب و أهرب” وقد فاق عددنا بفضلهم حاجز المليون ” يجب أن نسجل ضمن موسوعة غينس”، عصانا السحرية تلك جنست “الأولي و التالي” وأهملت من يستحقون الجنسية استحقاقاً صريحاً، هم يعانون الويلات في كل لحظة، يكفي إنهم ولدوا في البحرين و لكنهم لا يستطيعون أن يعتبروا أنفسهم من مواطنيها، لأنهم لا يستطيعون إثبات نسبهم إليها. آخر الكلام، عش رجبا ترى عجبا. 
  
 خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

بين آفاق وآفات المستقبل

بأيام قبيل منتدى التنمية التاسع والعشرين الذي عقد في المنامة الخميس والجمعة الماضيين، استلمت بالبريد مجموعة كتب طلبتها عن طريق الإنترنت. من بينها كتاب ‘النفط، كذب، أسرار ومؤامرات[1]’ الذي صدر في باريس قبل أكثر من عام للكاتب الفرنسي إيريك لوران.



في مقدمة كتابه أورد المؤلف مقولة الكاتبة المسرحية كلير بوت لوس: ‘الفرق بين المتفائل والمتشائم هو أن بحوزة المتشائم معلومات أكثر’. سأبتعد بكم قليلا قبل أن نعود إلى الموضوع. كلير كانت يوما موضوع تهكم الفنان العظيم شارلي شابلن. رآها وهي تهاجم صديقه جورج مور: ‘أنت لغز محير.. من أين لك كل هذا المال؟’ أجاب مور بكل أريحية بأنه يتاجر بالفحم، وفي وقت الفراغ يلعب البولو مع صديقه هيتش كوك، وأن شارلي شابلن صديقه أيضا. ترى هل كانت كلير تبحث بسؤالها عن أسرار هذا الشخص أم أسرار الفحم كمادة طاقة تغني صاحبها وتحرك العالم؟ ولم يندهش شارلي شابلن عندما عرف فيما بعد أن كلير أصبحت عضوا في الكونغرس، ثم سفيرة لبلادها، وأنها هي التي أسبغت على السياسة الأميركية التحديد الفلسفي لـما أسماه بـ’الهراء المعولم[2]’.



أما آخر فقرة في كتاب ‘النفط، كذب، أسرار ومؤامرات’ فقد كانت أشد تشاؤمية. وقد اقتبسها الكاتب من مقالة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر العارف بعالم النفط كتبها في ‘ذي فايننشال تايمز’ في يونيو/ حزيران 2005: ‘أن الطلب والمنافسة من أجل الحصول على الطاقة يمكن أن يصبحا مصدر حياة أو موت بالنسبة لبلدان كثيرة (..) وعندما ينتشر السلاح النووي بين ثلاثين أو أربعين بلدا يعمل كل منها بحساباته الخاصة بخبرات قليلة ونظم قيم مختلفة فسيظل العالم مهددا بكارثة لا يمكن تجنبها[3]’.



مقولة كلير بوت لوس أرخت بسدولها على منتدى التنمية الخليجي أيضا. فنظرا لأن مقدمي الأوراق هم من مثقفي الخليج والعارفين بحقيقة أوضاعه، كان التشاؤم يمر خطا أحمر عبر كل الأوراق التي قدمت للمنتدى ومعظم الحوارات التي أعقبتها. وإذا كانت القراءة الصحيحة مطلوبة بإلحاح فإن الأكثر إلحاحا الآن هو إبراز التحديات وتبيان طرق مواجهتها وتجاوزها. وإذا كان هذا المحفل النخبوي الهام قد ولد حتى قبل قيام مجلس التعاون واستطاع التكيف مع الأنظمة الخليجية واتقاء غضبها في أحلك الظروف التي مرت بها منطقتنا، فإن التكيف المطلوب الآن هو مع تحديات العصر، التي لم تترك خيارا ثالثا بين أن نستطيع أن نبقى كل قوى العالم الكبرى على بعد متساو عنا، ونستطيع أن نضمن لكل طرف مصالحه المتوافقة مع مصالحنا والمعظمة لمنافعنا، وبين أن نبقى عشبا قد تطحنه صراعات تلك الفيلة، وهذا ما ينذر به الوضع القائم. ولن يتغير هذا الوضع قبل أن نغير ما بأنفسنا بإطلاق الدعوة نحو التغيير الحقيقي في الداخل. ومن نافل القول أن السلاح الرئيسي لجماعة المنتدى على هذه الجبهة هو العلم.



إن من أخطر الأمور على العلم تناوله للشيء من خارجه وليس في وحدته وتناقضه الداخليين أساسا. وهذا ما شاب أولى الأوراق التي يفترض أن تكون الأكثر شمولية[4]. لقد جاء تناول الأوضاع الداخلية للمنطقة في هيئة مقابلة ثنائية مجلس التعاون – إيران، حيث توحي معظم جداول المقارنات وشروحها بأن إيران هي الخطر الذي يكاد يحرك جميع الأخطار الأخرى. وقد يسهل مثل هذا التناول كتابة ورقة ما من حيث الوقت والجهد، لكن آثارها قد لا تكون هينة، خصوصا باعتبارها ورقة منطلقات. لكن المناقشات، لحسن الحظ، ركزت على ما لم تقله الورقة. ركزت على القضايا الداخلية في بلداننا وما تعانيه من أسباب التخلف على مستويات أنماط التنمية إنتاجا وتوزيعا من حيث البنى والعدالة الاجتماعية، وكذلك النظم السياسية والحقوقية بما فيها الحريات السياسية والعامة، وقضايا التعليم ومحفزات الإبداع والسياسات السكانية وقضايا السيادة الوطنية ومسائل التكامل والوحدة الخليجية والبعد العربي للخليج.



أما في تناول الخليج في علاقاته مع العالم الخارجي فتعود إيران في الورقة لتشكل ‘حجر الزاوية’ من جديد، وبمعنى أن إيران تهدد العالم، وأن علينا الوقوف مع العالم ضدها! وبالضد من ذلك ركز عدد من المداخلات على ما فوتته دول الخليج من فرص لاستيعاب إيران منذ قيام الثورة الإسلامية ومجاراة الغرب بما وسع الشق بيننا وبينها. فإيران، بعكس أعدائها في الخارج هي أهم مكون جغرافي في المنطقة، ومهما تغير حال العالم فستبقى كذلك، وأن من الحكمة التصرف على أننا وإيران نعتبر المسؤول الأساسي عن إدارة هذه المنطقة لصالح أهلها والعالم. وأن الأمن الإقليمي للمنطقة يقتضي التعاون معها على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية والبيئية والعسكرية والأمنية لدرء الأخطار الخارجية التي تهدد المنطقة برمتها حين ينشب الصراع على تقاسم ثرواتها. مع إيران والعراق قبل غيرهما تستطيع بلدان مجلس التعاون الخليجي العمل على تحويل هذه المنطقة من منطقة مهددة بالحرب والدمار إلى منطقة سلم وتعاون يخدمان استقرار وازدهار العالم.



كل ذلك لا يلغي أهمية الجهد الكبير المبذول في إعداد الورقة والكم الوافر من المعلومات المفيدة التي ستعين الباحثين بالاستفادة منها مستقبلا. على أن أهم ما أتاحته الورقة هو فرص توجيه الاهتمام لما ‘صمتته’ من قضايا. وقد انعكس ذلك في ما لخصه رئيس الجلسة الختامية الموجه اللبق الأستاذ جاسم السعدون من اقتراحات المتداخلين بأن يهتم المنتدى مستقبلا بثلاث قضايا: مبادرة المنتدى لفتح حوار مع إيران، التركيز على قضايا الحريات العامة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، مخاطبة القوى السياسية في المنطقة.



بهذا يبدو وكأن المنتدى آخذ في التكيف لا ليأمر ‘بالمستطاع’، بل ليتغير من داخله فيدعو إلى التغيير بما يوجبه ضمير رجل العلم عليه أمام الحاكم والمحكوم على السواء. آفات المستقبل بأحجامها الكبيرة تستطيع أن تحجب آفاقه أو تزيلها تماما. وإذا لم تقل الكلمة الحق في الوقت المناسب فلن تنفع بعد فوات الأوان.



قدمت في المؤتمر أوراق ثلاث قيمة أخرى، منها ورقتان اقتصاديتان. لكن احترامها يقتضي القفز عليها الآن على أمل العودة لها لاحقا. فهنا أيضا لا ملامة على العالم (بكسر اللام) حين يتشاءم، حسبما أفادت كلير وأفاد كيسنجر.


[1],]3 [ Eric Laurent, LA FACE CACHEE DU PETROLE, ISBN 978-5-09132-095-8, p. 6



[2] راجع الرابط: http://www.mirobretshikh.narod.ru/ot/charlie_chaplin.htm



[4] عبد العزيز بن عثمان بن صقر، ‘الوضع الاستراتيجي في الخليج، دراسة استشرافية ,’2025 ورقة مقدمة إلى منتدى التنمية، المنامة 7 – 8 فبراير .2008

صحيفة الوقت 
11 فبراير 2008

اقرأ المزيد

أسئلة عن الشباب

ذات مرة قرأت لصحافية عربية شابة تسخر من الندوات التي تقام في العالم العربي تحت عناوين كبرى، ولكنها تتحاشى أن تمس عصب الأشياء والمشاغل الرئيسية التي تقلق المجتمع العربي. وترى هذه الصحافية، مُحقة، أن الشبيبة العربية، من حيث هي معاناة وتطلعات، الغائب الأكبر عن هذه الندوات، فيما هي في الجوهر المحور الحقيقي للأزمة التي نعيشها وللحلول المتوخاة إذا كنا نريد أن نتحدث عن رؤية مستقبلية. وقد اقترحت الكاتبة عددا من المحاور لما أسمته: “نقاط التفجير” في الموضوعات التي يجب أن تناقش. ومن هذه المحاور مثلا: “الشباب والهجرة، الشباب والبطالة، الشباب والفقر، الشباب والأسرة، الشباب والهوية، والشباب والزواج والحب، الشباب والخيارات الثقافية، الشباب والانتماء الوطني”.  لو أردنا “بحرنة” هذه المحاور التي اقترحتها هذه الصحافية، أي أن ننظر إليها من زاوية أوضاع الشباب في بلدنا، لوجدنا أنها كلها، أو في أقل تقدير معظمها، تصلح لأن تكون عناوين لندوات وحلقات بحث ودراسات تمس المفاصل الرئيسية لقضايا الشباب الخليجي.  تلك المحاور كما لاحظنا تغطي أوجها اجتماعية – معيشية كتأثير البطالة والفقر مثلا على الشباب وعلى أمزجتهم وتكوينهم النفسي وطبيعة انخراطهم في الحياة أو المجتمع. كما تغطي أوجها ثقافية – سياسية مركبة كموضوع الهوية والخيارات الثقافية ومسألة الانتماء الوطني. وهذا العنوان الأخير، أي الانتماء الوطني، لا يمكن التعاطي معه تعاطيا رومانسيا أو عاطفيا. فلكي نعمق لدى الشبيبة روح الانتماء للوطن يجب أن تبذل جهود كبرى تجعل هذه الشبيبة تشعر وتدرك أن الوطن معني بأمرها، وانه يقدم لها من الاهتمام ما هي في حاجة إليه، على شكل خدمات في التعليم والتدريب والتأهيل وتوفير فرص العمل والسكن للأسر الشابة التي تلج الحياة وسط ظروف معيشية معقدة. الراصد لبواعث اليأس والإحباط لدى الشباب، لا بد أن يلاحظ غياب أو ضعف الخطط المدعومة من الحكومات في بلداننا الخليجية، التي تفهم الخيارات الثقافية للشباب، التي يمكن أن نعزز من خلالها روح التسامح والتفتح الثقافي والفكري والبعد عن التعصب والتطرف بتجلياته المختلفة، وننمي روح الإبداع والابتكار بتشجيع المواهب الأدبية والفنية والفكرية. في هذا السياق أذكر أني قرأت منذ فترة تقريرا صحافيا عن الشباب الجزائريين الذين استفادوا من قانون الوئام المدني والعفو الرئاسي الذي صدر عن أعضاء الجماعات “الإسلامية” المسلحة.  كان تقريرا لافتا لأنه يتحدث عن الصعوبات التي يواجهها هؤلاء الشباب في صعوبة الاندماج من جديد في المجتمع في ظل انعدام فرص العمل والمتاعب المعيشية الجدية في البلاد. هذا التقرير يلفت النظر ليس لأنه يكشف عن معاناة هؤلاء الشبان، وإنما في درجة أولى يوضح الظروف الاجتماعية الخانقة للشباب الحائر الباحث عن مستقبل وعن أجوبة على أسئلة كبرى تشغل باله وتقلق وجوده وتطلعه إلى حل ما يواجهه من مشاكل. هذا التقرير مهم أيضا لأنه يسلط الضوء على معاناة الشباب إجمالا، لا في الجزائر وحدها وإنما في غيرها من البلدان حيث تحتاج الشبيبة إلى توفير فرص التعليم العالي والتدريب والعمل واكتساب معارف ومهارات جديدة.
 
صحيفة الأيام
11 فبراير 2008

اقرأ المزيد