المنشور

سلام يا”دفعة”


عندما يبدأ التعارف بين شخصين متقاربين في السن في مصر فغالباً ما يسأل أحدهما الآخر عن السنة التي تجند فيها في الجيش المصري، وإن تصادف أنهما تجندا في السنة نفسها فإنهما يكونان من « الدفعة » نفسها ويبدأ حديثهما عن ذكريات أيام التجنيد والسنوات الصعبة في الجيش.

في البحرين يحدث مثل ذلك تماماً، فعلى رغم عدم وجود تجنيد إجباري لدينا ولكن توجد «دفعات» فهناك دفعة «93» ودفعة «94» ودفعة «95 والتي هي دفعتي» وهناك طبعاً دفعة «92» المظلومة.

حتى الآن لم تنتظر أو تعاني أي من الدفعات السابقة مقدار ما عانته هذه الدفعة بالذات للحصول على الوحدات السكنية التي ظلت تحلم بها لمدة 16عاماً، إذ حتى الدفعة السابقة وهي دفعة العام 1991 لم تنتظر غير 14 عاماً فقط للحصول على وحداتها السكنية.

دفعت العام 92 وعدت بالحصول على وحداتها السكنية أكثر من مرة خلال الفترة السابقة، ولمن لا يذكر فإن وزير الأشغال والإسكان السابق فهمي الجودر قد وعد هذه الدفعة أمام البرلمان السابق بتلبية طلباتها في مشروع اللوزي قبل نهاية العام 2006 وحتى الآن لا يوجد ما يؤكد حصول جميع أفراد هذه الدفعة على مساكنها قبل نهاية العام المقبل 2009 مع اكتمال المشروعات الإسكانية التي يجرى تنفيذها في الوقت الراهن.

وإن كانت مشكلة دفعة 92 يمكن أن تحل خلال سنة أو سنتين فإن مصير باقي الدفعات يبقى في علم الغيب وخصوصاً بعد أن اختفى الحديث عن المدن الأربع التي تم الإعلان عنها سابقاً، ولم يبقَ من هذه المدن غير المدينة الشمالية التي تضاربت حولها الأقاويل في الفترة الأخيرة، فحسب تصريح النائب السيدعبدالله العالي فإن المدينة الشمالية من دون موازنة في الوقت الحاضر، كما أن وزارة الإسكان قد قامت بتقليص مساحة المدينة من 1500 هكتار إلى 740 هكتاراً فقط، كما تم تقليص عدد الوحدات السكنية من 20 ألف وحدة تستوعب 90 ألف نسمة إلى 15 ألف وحدة تستوعب 75 ألف نسمة.

وفي حين تؤكد وزارة الإسكان أن المرحلة الأولى من المدينة ستكون جاهزة في العام 2012 فإن ما تردد حول فسخ العقد بين وزارة الإسكان والشركة الفرنسية المنفذة للمشروع ينبئ بأن اكتمال المشروع لن يرى النور قبل العام 2022 على أقل تقدير، فإن كانت الوزارة قد تأخرت في بناء 200 وحدة سكنية لأكثر من عامين ونصف العام «حتى الآن» في منطقة الشاخورة، وإن كان مجموع ما أنشأته الوزارة منذ تأسيسها في العام 1975 وحتى العام 2002 بما في ذلك مدينتا عيسى وحمد لا يتجاوز 21 ألفاً و 700 وحدة سكنية فكيف ستتمكن من بناء 15 ألف وحدة في مدة لا تتجاوز الأربع سنوات؟

وسلام يا دفعة.
 
الوسط 20 يوليو 2008
 

اقرأ المزيد

حول حديث جلالة الملك

في‮ ‬الحديث الذي‮ ‬أدلى به جلالة الملك حمد بن عيسى لرؤساء تحرير الصحف المحلية تأكيد على عددٍ‮ ‬من الثوابت الوطنية،‮ ‬التي‮ ‬يحتاجها المجتمع في‮ ‬ظروفنا الراهنة،‮ ‬من أجل التغلب على المنغصات والمعوقات التي‮ ‬برزت في‮ ‬الآونة الأخيرة،‮ ‬والتي‮ ‬باتت تشكل كوابح في‮ ‬وجه التطور الصحي‮ ‬المُعافى للمجتمع،‮ ‬وهو‮ ‬ينشد الإصلاح والديمقراطية والتقدم والحياة الحرة الكريمة للناس‮.‬
 فقد أكد جلالته انه لا‮ ‬يمكن العودة إلى أساليب الماضي،‮ ‬التي‮ ‬تجاوزتها البحرين الجديدة التي‮ ‬تأمنت فيها مقادير من الحريات السياسية والعامة،‮ ‬بعد الإجماع الوطني‮ ‬الذي‮ ‬تحقق في‮ ‬التصويت على ميثاق العمل الوطني،‮ ‬والمناخ الذي‮ ‬شاع في‮ ‬البلاد بعد ذلك‮.‬

 طبيعي‮ ‬أن مشاكل عديدة في‮ ‬المجتمع تراكمت عبر عقود،‮ ‬وأخرى نشأت في‮ ‬الفترة الأخيرة تحتاج إلى جهود مخلصة في‮ ‬التغلب عليها،‮ ‬والى تفكير جديد لدى أجهزة الدولة ولدى مؤسسات المجتمع المدني‮ ‬والقوى السياسية والاجتماعية المختلفة على حدٍ‮ ‬سواء،‮ ‬لأنه لا‮ ‬يمكن التعاطي‮ ‬مع هذه التعقيدات بالذهنية السابقة التي‮ ‬تخطاها الزمن وتجاوزتها التطورات،‮ ‬لا على الصعيد المحلي‮ ‬وحده،‮ ‬وإنما في‮ ‬المحيطين الإقليمي‮ ‬والدولي‮ ‬أيضاً،‮ ‬ولأن الإصلاح‮ ‬يتطلب تفكيراً‮ ‬إصلاحيا ويتطلب مُصلحين جادين ومُؤمنين بأن هذا النهج هو وحده الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعبر بالبحرين إلى بر الأمان‮.

‬ وكان مهماً‮ ‬تأكيد جلالة الملك على اعتزازه وفخره بما‮ ‬يحدث في‮ ‬البحرين من حراكٍ‮ ‬سياسي‮ ‬واجتماعي،‮ ‬يعبر عن ما‮ ‬يختزنه تاريخ وتراث هذا البلد من تقاليد في‮ ‬العمل الوطني‮ ‬البناء والطامح إلى الإصلاح والتغيير نحو الأحسن،‮ ‬وتأكيد جلالته على احترام مظاهر الاحتجاج والتعبير السلمي‮ ‬الراقي‮ ‬التي‮ ‬كفلها الدستور والقانون،‮ ‬داعياً‮ ‬إلى التفريق بينها وبين أساليب التخريب والحرق والتدمير‮.‬

 وتلتقي‮ ‬هذه الدعوة مع ما كانت القوى السياسية التي‮ ‬تحتكم إلى المسؤولية والحرص على مصالح الوطن قد عبرت عنه في‮ ‬مناسبات مختلفة،‮ ‬من الابتعاد عن ثقافة وأساليب العنف التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تعود إلا بأوخم العواقب وأكثرها ضرراً‮ ‬بالعمل السياسي‮ ‬في‮ ‬البلد،‮ ‬وتسيء إلى مناخ الحريات العامة،‮ ‬وتقدم الذرائع للراغبين في‮ ‬التراجع عنها،‮ ‬وإعادة المجتمع إلى المربع الأمني‮ ‬الذي‮ ‬ضاق به الناس وذاقوا،‮ ‬وهم محشورين داخله،‮ ‬كاساته المرة،‮ ‬قبل أن‮ ‬يُخرج المشروع الإصلاحي‮ ‬البلد منه‮.‬

 اليوم نحن في‮ ‬أمس الحاجة إلى تكريس ثقافة احترام القانون،‮ ‬وتعزيز الطابع السلمي‮ ‬الديمقراطي‮ ‬للعمل السياسي‮ ‬وترشيده من أشكال الشطط والتطرف التي‮ ‬تبرهن تجربة شعبنا والشعوب الأخرى على أنها تشكل رافعة للتراجع والمراوحة،‮ ‬وعامل اعاقة للمضي‮ ‬نحو الأمام‮.‬

البحرين تقع في‮ ‬قلب منطقة متوترة،‮ ‬تعيش على صفيح ساخن بالمعنى الحرفي‮ ‬لا المجازي‮ ‬للكلمة،‮ ‬والمطلوب تحصين وضعها الداخلي‮ ‬وتعزيز الشراكة السياسية فيها بين الدولة والمجتمع،‮ ‬بما‮ ‬يحمي‮ ‬ما تحقق من منجزات،‮ ‬ويحمي‮ ‬البلد من العواقب‮ ‬غير المحمودة‮.‬
 
صحيفة الايام
21 يوليو 2008

اقرأ المزيد

سهى بشارة في يوم تحرير جديد تخبرنا عن »المعنى«: معنى المقاومة والأسر والأرض ومن يسكنونها



سهى بشارة في يوم تحرير جديد تخبرنا عن »المعنى«: معنى المقاومة والأسر والأرض ومن يسكنونها 

سحر مندور – السفير الأربعاء 16 تموز 2008

ابنتها تالة (٤ أشهر) على يدها، وابنة أختها ندى تغزل من حولها، وهي تتحدث عن المقاومة وعن الشيوعية وعن علاقة المواطن بوطنه. سهى بشارة في زيارة إلى بيروت، هي المقيمة وزوجها في سويسرا لعدم توفّر وظيفة لأي منهما هنا.
المقاومة التي تربّى الشباب على اسمها ونقاء صورتها، تعود لتخبر، في عيد تحرير جديد، عن المعنى. معنى أن تطلق النار وتؤسر وتستشهد من أجل أرض من تراب، وحياة مَن يسكنونها. معنى أن يحرص الحريص على إعادتك إلى بيتك، حراً أو شهيداً، كحدث اليوم في لبنان.
لا تتوقف سهى عند حدود الماضي، بل تقرأ في التتمات: من »حزب الله« وخطاب سيّده إلى »الحزب الشيوعي« بمسؤولية أمينه العام الرفيق خالد حدادة، ومن إطلاق النار إلى العمل للضغط على البرلمانات الأوروبية، ومن فتاة هي رمز وصورة إلى سيدة تكمل الطريق بهدوء.
تخبر عن الكلمة الوحيدة التي تفوه بها أنطوان لحد بعد تلقيه الرصاصة الأولى قبل أن توافيه بالثانية، وتخبر عن ندمها على رومانسية أبقت في جعبتها خمس طلقات لم ترَ النار. تصف صورة رسمتها لنفسها في أعين جيش لحد كي »تخش« في صفوفه، فتتحول الى راقصة ترفع الكأس وتضحك، وفي يدها خنجر.
ترفض »المثاليات«، ولا تجدها إلا في اكتمال الشهادة، ثم تُرضع ابنتها وتلاعبها، بينما تثور ضد نظريات »حب الحياة« و»حب الموت«.
تقول إنها تعشق الحياة، ولأجلها قاومت. تبسّط المسألة، تخطفها من حواري الطوائف والمصالح، وتروي القصة بكلام مفهوم وواضح.
هي من جيل وفرت له »جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية« مساحة لبنانية للمقاومة. قبل إعلان الجبهة، كانت المقاومة تتم عن طريق الفصائل الفلسطينية، كأنما لبنان لم يجتح، »كأنو مش إنت اللي تهجّرت«.
كانت في الحادية والعشرين من عمرها عندما ذهبت إلى الجنوب وفرضت على »الجبهة« تكليفها بعملية. في صندوق السيارة التي أقلّتها بعد تنفيذ العملية من مركز التحقيق التابع لجيش لحد إلى مركز الاستجواب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، غنّت لنفسها أغنية اسمها »مشايتي«. وهي اليوم تنصت لأصدقائها المنقسمين بين معسكرين كي لا تخسر رفقتهم.
صورة الفتاة بالأحمر، يُعاد رسمها في يوم تحرير أسرى وشهداء متعددي الألوان والانتماءات. العلم الذي يلوح إلى جانب العلم اللبناني اليوم، أصفر اللون، ولقد تعددت ألوانه على مر الصراع، وستتعدد مع استمراره، طالما أن للأرض أبناء أحبوها كونها تحتضن حياتهم.
سهى بشارة، ضيفة عزيزة على »السفير«، في يوم تحرير جديد.

عودة الأسرى
ـ كيف تنظرين إلى عملية التبادل اليوم؟
[ عملية عظيمة. تصنع لحظات يجب أن تكون هامة جداً في تاريخ اللبنانيين. فرضت أهميتها منذ عملية الأسر، ولولا عملية الأسر لما كان تحرير الأسرى ممكناً. ومن الهام جداً أن تشمل تلك الصفقة أجساد شهداء سقطوا في السبعينيات، مثل دلال المغربي وغيرها، لأن الشعوب التي لا تقدّر شهداءها ولا تطالب بجثثهم، لا تقدّر أحياءها. ومن لا يكرّم أسراه وشهداءه، يكون عاجزاً عن أن يكرّم نفسه بوطنه.
ـ وسمير القنطار؟
[ كُتب على سمير أن يكون عنواناً شديد الأهمية، حمل الشعلة لثلاثين سنة وتحوّل إلى عنوان في الداخل الفلسطيني من زمان. وأتمنى أن يكون لما يلاقيه من تكريم واحترام في فلسطين صدىً مماثلاً في لبنان، وليس مختزلاً أو مجتزأ.
ـ أنت، مَن أخرجك من الأسر؟ المقاومة أو الدبلوماسية؟
[ المقاومة! السبب الأول في خروج أي معتقل هو استمرار المقاومة.
شيوعية
ـ ما زلت شيوعية.
[ أشعر بأن الشيوعية هي مبدأ فكري لا يتغيّر مع الزمن: إما أن تقول بالمساواة والعدالة الاجتماعية أو لا تقتنع بهذه المبادئ. أنا، يوماً بعد يوم، أصبح أكثر شيوعية… يمكن قبل ما كنت هالقد شيوعية!
ـ الشيوعيون إثنان في البلد، حالياً. أنت؟
[ هنا أصبحنا في مستوى آخر من الحديث. لا يوجد إثنان شيوعيان، إما أن تكون شيوعياً أو لا تكون شيوعياً. ولكي نكون صريحين، أنا أعتبر أن موقف الحزب الشيوعي مع مسؤولية الأمين العام حالياً خالد حدادة هو موقف متميز جداً ، تاريخي. أخذ الحزب الشيوعي ثلاثة مواقف تاريخية تكتب في تاريخه: فرج الله الحلو والحزب الشيوعي اللبناني، ثم إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، واليوم، عدم السير خلف الملايين. ليس سهلاً أن تنصرف للقراءة السياسية في ظل انجراف عاطفي وطائفي وشحن، وملايين!
ـ كيف دخلت إلى الحزب الشيوعي؟
[ بيتنا كان خالياً من السياسة بأمر من أمي، لكن هناك ميول شيوعية يمكن القول إنها في الدم. فأبي كان بالنسبة إلي مثالاً وكنت أقرأ الشيوعية من خلال أداء أبي. لم أقرأ ماركس ولينين وإنجلز لأعرف عن الشيوعية. بدأت في إطار »اتحاد الشباب الديموقراطي« عام ،١٩٧٩ وأنا من مواليد عام ،١٩٦٧ أي أني كنت في الثانية عشرة من عمري. وبقيت في الاتحاد ولم أنتقل إلى الحزب.
ـ لماذا؟
[ الحرب الأهلية. كنت أرفض تدخلنا فيها. على المستوى الداخلي، يجب أن تكون المعارك سياسية. إذا كان في مكان لازم ينحمل فيه سلاح، فهو في »الجبهة« ضد إسرائيل. »الجبهة« هي المكان الوحيد الذي يحميني من أن أصبح فلسطين ثانية.
»حزب الله«
ـ ومقاومة »حزب الله«؟
[ هو يتمتع بقاعدة شعبية طيبة جداً وتؤمن بالقضية والعطاء وجنوبها ووطنها والتحرير. ولا يفاجئني أن يتمتع بهذا الكم لأنه كان بدوره ملتزماً أمام هذه القاعدة.
ـ وداخلياً، هل يخرج عن المألوف اللبناني؟
[ هو الوحيد السياسي! حالياً، لو أردت أن أسمع خطاباً سياسياً، فلمن أستمع؟ لا يوجد سياسيون في البلد. أما السيد حسن فأسمع خطبه وأقرأ فيها سياسة على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي، رغم المآخذ الكثيرة.
ـ ما هي المآخذ؟
[ أولاً، لا يوجد حزب سياسي قادر على بناء سياسة داخلية واختزالها بالمقاومة. كأنك موجود من خلال العدو. سؤال: إذا راحت إسرائيل، منفكر ساعتها نشتغل بالاقتصاد، ونصوّت على قانون؟ يجب أن يعلن سياسة واضحة لإخراج البلد من الأزمة الاقتصادية، وذلك كي يتكامل. ثانياً، هناك شرخ بين القيادة والقاعدة. عندما يتحدثون عن استحالة الحرب الطائفية، هذا صحيح طبعاً على مستوى القيادة لأنها اتخذت هذا القرار على المستوى العقائدي وتقرأ الحرب الطائفية كخدمة للمصالح الأميركية. أما القاعدة فمنذ مقتل الإمام الحسين تمت تربيتها على أساس »مين قتلني«. أخي اسمه عمر وكلنا نعاني لأن اسمه عمر منذ ولادته. فكيف إذا دخلت في المعادلة أحزاب وشحن؟ ستعود التربية و»بتفلت الفالوتة«.
ـ أين يقع ما يسمّى بـ»اجتياح بيروت« في هذه المعادلة؟
[ أولاً، أرفض تسمية »اجتياح«، لا يجوز أن نستخدم التعابير ذاتها في المواقف المختلفة. يمكن للمرء أن يكون ضد أو مع أو بين البينين، لكن لا يجوز أن نشبّه هذا الصراع الداخلي بالاجتياح، وبيصير السيد حسن متل شارون، وبتصير خبيصة! أنا أجد أن ما حدث، إن كان مقصوداً أو غير مقصود، حال دون انفجار أمني على شكل فوضى. كان هناك شحن، مستواه يرتفع، ولبنان مليء بالمتحمسين، بيبطّل حدن يمون عليهم. ما فعله »حزب الله« كان معركة مدروسة من قبل طرف كمش الطرف الثاني بالنص، وما كان في مجال نروح ع فوضى، وأعطى مجال ولو لفترة زمنية. هذه هي أهميتها. غير ذلك، لا أعتبر أنها تحقق أي مكاسب على مستوى الحلم الذي نحلم به: دولة ديموقراطية تؤمّن العدالة الاجتماعية.
جورج حاوي
ـ هناك أسطورة تربطك باسم جورج حاوي…
[ لم أتعرّف بشكل شخصي على أبي أنيس. هناك تقليد يملي اللقاء بالأمين العام قبل تنفيذ عملية، لكني أجد هذا النوع من اللقاءات تضييعاً للوقت، لن يزيدني عزماً. أنا رأيته في جنازة الشهيدة لولا عبود، اكتفيت بالوقوف بعيداً وسماعه ورؤية الدموع في عينيه. هناك أشياء عميقة جداً، لكن يمكن نحن معودين إنو نبوس إيد البابا. أنا ما كنت هيك. بالنسبة إلي، هو الحاوي في كل مكان، قيادي ومفكر سياسي ومحلل، يستمع المرء إليه، حتى ولو لم يقنعه في بعض المواقف…
ـ أي مواقف مثلاً؟
[ قال: أنا جرّبت السياسة ولم أنجح، فلأجرّب في التجارة، قد أنجح. كأن هناك مكانين يمكن التنقّل بينهما، أنا لا أجد مكانين. فأنت عندما بنيت حزباً، رصدت له ميزانية، وكنا نمتلك مؤسسات وشركات، وهو يعرف ذلك طبعاً. نقطة ثانية أختلف معه عليها، كانت بعد استشهاد الحريري، عندما قال إنه من الطبيعي أن يكون خالد حدادة مع المعارضة. اعتبر الحزب بلا موقف، وأنا أجد موقف الحزب الشيوعي تاريخي، وضعته في مكانة موقف إطلاق الجبهة! فعندما لا يعرف الحزب إلى أين يأخذ جمهوره، لا يجب أن ينزل به إلى الشارع.
ـ كيف دخلت إلى »الجبهة«؟
[ منذ ،٨٢ وأنا أحاول الالتحاق بالجبهة. تحدّثت مع مسؤولنا علي، وكنت نشيطة في الاتحاد، مسؤولة الخلية في مدرسة فخر الدين، فرفض طلبي وقال لي إن الحزب بحاجة أيضاً إلى العمل التعبوي. لكني كنت أجد مطرحي في الجبهة. وصرت أشعر بعقدة ذنب تجاه كل شهيد. بقيت أحاول الانتساب من عام ١٩٨٢ حتى عام ،١٩٨٦ حتى أني حاولت عبر كل الأحزاب الأخرى ولم أنجح. إلى أن انطلقت انتفاضة الحجارة في فلسطين، والاحتلال لا يزال في أرضنا، فقررت أن أبادر إلى الذهاب إلى الجنوب وأنتظر تكليفاً بعملية. بلّغت الشخص الذي رفض إرسالي إلى الجبهة بأني »طالعة«، فربطني بشخص هناك. وتوقفت عن المشاركة بكافة التظاهرات، وقطعت علاقاتي بالاتحاد، تحضيراً للانتقال إلى العمل السري.
ـ وأهلك؟
[ أرسلت أحدهم ليوصل كذبة تفيد بأني »حاطة عيني على واحد بالجنوب«، حب وما حب… لاقى ذلك قبولاً عند أمي، وأبي لا يتدخل.
»حب الحياة«
ـ لماذا الخيار العسكري؟
[ الاحتلال كفيل بأن يخرّج أعداداً هائلة من المقاومين. ونحن، كمقاومة عسكرية، لا نزال أقل ضراوة من أهل الجنوب. فهم على تماس يومي مع الاحتلال، وأبسط يومياتهم مقاومة له: يخرجون إلى الدخان عند الرابعة فجراً، فطرقهم الاحتلال وجبرهم على الخروج عند الحادية عشرة ظهراً! كلما فتح عينيه، يقول: »لا للعدو«، »ما بدي إتعامل معك«!
ـ عزمك على مواجهة الموت في مقابل نظريات »حب الموت« و»حب الحياة«، ماذا تقولين؟
[ ما هذه النظريات؟! لا يوجد إنسان يخرج في عملية، حتى ولو كانت استشهادية، في الحزب الشيوعي أو في »حزب الله«، ويكون الموت هو هدفه. إن هدفه هو التحرير. لم يبحث عن عدو يزرعه أمامه كي يموت ويدخل الجنة. بمقاومة وبلا مقاومة، يريد أن يدخل إلى الجنة. لكن العدو أتى إلى أرضي. وعندما تبلغين مرحلة القناعة التامة بوجوب مقاومة الحياة التي يفرضها عليك الاحتلال، ترضين الاستعداد للموت من أجل هذه القضية، انتصاراً للحرية والفرح والعرس.
طلقتان و١٠ وصايا
ـ في الجنوب. بدأت مباشرة العمل على تحضير عملية اغتيال لحد؟
[ لا، لا… بدأت أولاً بالاستطلاع، أي جمع المعلومات: أين مراكز الإسرائيليين، كيف هي، خط أبيض على معبر، … وفي عام ،٨٨ حاولت أن أدرّس الرياضة في نادي مرجعيون كي أنخرط في صفوف الأمن. فجبت شريط جين فوندا، حفظته بالليل، وتاني يوم عملت امتحان عند زوجة لحد، وقبلوني مدربة رياضة نسائية بالنادي، وبنيت العلاقة.
ـ ما اسم زوجته؟
[ مينيرفا.
ـ كيف كانت المواجهة؟
[ عندما دخلت بيته، أصبحت أمام الأمر الواقع. انتهت مراحل التفكير والتخطيط بيني وبين نفسي. الآن، بات علي أن أطلق النار على رجل. فاصطدمت بالتربية على الوصايا العشر: لا تقتل… بتلاقيهم رجعوا طلعوا. إنو كيف بدي إقتله هو وعم ياكل، مثلاً؟! لأ، ما لازم يكون عم ياكل، ولا يشرب، ولا بارم ضهره…
ـ وود التعامل اليومي مع الزوجة؟
[ أنا ما عندي مشكلة. كنت أمتلك طاقة هائلة على الفصل بين الأمور. أجدها سيدة لذيذة في مواقف، ومتواضعة، وبالسياسة لا ترى شيئاً. لم يؤثر ذلك علي. فلحد رمز عمالة ويجب أن يواجه ضربة سياسية. يموت، لا يموت، لم تفرق معي.
ـ لم تتضايقي عندما عرفتي أنه لم يمت؟
[ لا، آخر همّي.
ـ ولا شعرت بالتقصير نتيجة قلة التدريب العسكري؟
[ لا، أنا أصبته في القلب. لكن، يجب ألا يكون المرء فيلسوفاً في ظل هذه الظروف. وأنا كنت مصرّة مثلاً على أن أطلق طلقتين: طلقة تحية لأطفال الحجارة، وطلقة رسالة للشعب اللبناني كي يوفّر جميع طلقاته من أجل توجيهها إلى العدو. لا أندم على هذه المثالية، لأنها جزء من المقاومة والمقاومة لها أخلاقياتها. لكن، الواحد ما لازم يزيدها. أنا بعتقد إني زدتها برومانسية المقاومة.
ـ أين الأثر السلبي لهذه الرومانسية في العملية؟
[ بقي معي ٥ طلقات! ما عملنا فيهن شي! (تضحك). وأنا في وسط أكبر ثكنة للإسرائيليين، طالعة إتفلسف على حالي؟ كما أني كنت في حالة سباق معهم!
»الرقّاصة«
ـ لماذا يلاحقونك؟
[ غير الشكوك الأمنية، كانت هناك محاولة لتنظيمي: أنا »مسيحية«، من عائلة معروفة بشيوعيتها، وأسكن في بيروت الغربية. والحزب وقتها كان الجزء الأساسي من المقاومة، وبالتالي الهدف الأساسي للإسرائيليين. لكن، كانت هناك خلافات بين جهازي الأمن: كيف يجند أمن حاصبيا مسيحية قبل أمن مرجعيون؟! فاستفدت منها. وأيضاً، كان علي أن أخلص من بيروت: »حركة أمل« تريد توقيفي، وابن عمي الشيوعي ردّوه عني…
ـ لماذا؟
[ لأني، في فترة الاستطلاع، رقصت مع ضابط إسرائيلي في حاصبيا، ورموا علي الدولارات (تضحك). طلعت رقّاصة أنا.
ـ كنت »مولّعتيها« بالجنوب!
[ (تضحك) كوّنت صورة عني بالمنطقة أني بحب الشرب والرقص. لم أخفِ أن في العائلة شهداء، وشيوعيون، لكن الحياة حلوة والرقص حلو، والشرب حلو. أجواء المنطقة فوق، إجمالاً، هيك. وأنا خشّيت فيهم من خلال واحد بيقربنا، كان المسؤول العسكري للحد في الضيعة. ومن خلاله، أطليت على الإسرائيليين وأمن حاصبيا.
ـ كم من الوقت بقيت في الجنوب قبل تنفيذ العملية؟
[ من الاستطلاع حتى النادي حتى بيته ثم السلاح والتدريب والتخطيط والتنفيذ، لم تأخذ أكثر من ستة أشهر: من حزيران لتشرين.
»يا بنت الكلب«
ـ كيف نفّذتها؟
[ دخلت إلى البيت، وكان فيه السيدة التي تخدم، الأولاد، أنطوان لحد، زوجته، وسيزار صقر وزوجته، إسبانية أو إيطالية. جلست إلى الكنبة، وهو جلس إلى جانبي بشكل زاوية، وأمامنا التلفزيون.
ـ أين المسدس؟
[ في الشنطة، وكنت قد وضعتها إلى شمالي، بيني وبينه. وأنا جالسة، فتحت الشنطة، وضعت المفاتيح لزوجته على الطاولة، وبدلاً من أن أخرج الشرائط المصورة، أخرجت المسدس، وأطلقت أول طلقة. انتظرت للحظة، لأني أعرف ما سيجري: كون الرصاص سام، فمن المفروض خلال ثانية أن يقف كرد فعل ثم يقع. عندما وقف، أطلقت الطلقة الثانية. أصابت الأولى قلبه، والثانية كتفه.
ـ هل فاجأك برد فعل غير متوقع؟
[ بعد أول رصاصة، قال: »يا بنت الكلب«. لحّق يقول هول الكلمتين، ثم أطلقت الرصاصة الثانية ووقع. فدبّ الولي، وجرّب سيزار صقر يثبتني. بالفرنسية، سألني: ليش قتلتيه؟ فطلعت قريحتي بالفرنسي: هو قتلنا قبل ما نحن نقتله. صاح: مين باعتك؟ ساعتها قلت له: سهى بشارة، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.
ـ لم يقتلوك.
[ جاء عسكري وعبطني، وراح يصيح: ما تقوصوا، وأخرجني إلى مركز الحرس، وهون قال الكريم خود. مين معك؟ ما حدا معي. أنا لست مفيدة، لأن علاقاتي لم تكن بالجنوب. والأسماء التي أعرفها في الخارج ألقاب. لم يستفيدوا مني بأي شيء.
ـ أنت أقرب إلى المقاومة المثالية إذاً!
[ لا، مش مثالية… ما في مثالية. المثالية بالشهادة. بس يمكن أنا أقل إنسان دخل المعتقل واستفادوا منه بالمعلومات. خاصة أنهم سألوا في العموميات: مثلاً، إذا حضّرت لخطف ضابط إسرائيلي كنت على علاقة به، فقلت لا، وانتهى.
ـ »كنت على علاقة به«؟
[ كنت مصاحبته… وكان من الوارد أن نستدرجه إلى الشرقية ونخطفه.
ـ مصاحبة واحد إسرائيلي؟
[ (تضحك) إيه إيه، عربي إسرائيلي، إسمه سعيد.
ـ نقلوكِ إلى مركز لحد للاستجواب، ثم ماذا؟
[ بعد الاستجواب، جاء الإسرائيليون. كربجوني بإيديّ وإجريّ، ونقلوني إلى التحقيق الإسرائيلي في صندوق السيارة.
أغنية »مشايتي«
ـ في مقابلة سابقة، قلت إنك غنيتي أغنية في صندوق السيارة. ما هي؟
[ آه… »مشايتي«. بالأمس تذكرتها مع مجموعة رفقة غير ملتزمين حزبياً. شاب صديقنا إسمه أياد الباشا ألّفها ولحّنها عندما أمرته شقيقته مرة بأن يرفع قدميه لكي تمسح الأرض وحملت مشايته. تقول: »إنت لأ هي لأ هي، شلّحتوني مشايتي مشايتي، إنت يا مشايتي يا حنونة، أخدوكِ مني آه يا عيوني، ومشيت حافية من هون للبيت، من دون مشاية، وشكّتني شوكة بإجري، أخ يا مشايتي يا حنونة«.
ـ لماذا تذكّرتها؟
[ تذكرتها وقتها لأنهم شلّحوني من قدمي، وشكّتني شوكة عندما أخرجوني.
ـ ما الفارق بين التحقيق الإسرائيلي وتحقيق جيش لحد؟
[ الإسرائيليون يعتمدون على الموضوع النفسي، الصراخ والتهديد. جماعة لحد ما عندن مشكلة، بيحرقوا، بيكهربوا، الخيام ما في حدود. عندن »كارت أبيض«.
»نساء« في الأسر
ـ ما هو أبشع ما شهدته في المعتقل؟
[ اللقاء مع والدتي في المعتقل، وكنا أنا وهي مكيّسين (كيس في الرأس) ومكربجين.. وأصوات المعتقلين تحت التعذيب، وحدن معك مريض عم يستفرغ دم… أو، لما معتقلة، متل زينب حلاوة، أخدولها إبنها من إيديها… أو وقت اعتقلوا سحر زعيتر، كانت بعدها مولّدة جديد، اخدوا ابنها تاني يوم، فاضطرت لسحب الحليب من صدرها ورميه، تسحب الحليب وبراسها الكيس. مشاهد كتير فظيعة. والأمهات المعتقلات، أم حبيب وابتسام وفاطمة وإم محمد، وغيرهن وغيرهن… اعتقال الأمهات مخيف!
ـ لماذا اعتقالهن؟
[ إما للضغط على الولد أو الزوج أو للتخويف.
ـ تراودك كوابيس من تلك المرحلة؟
[ لا.
ـ وكونك إمرأة في الأسر، أي خصوصية المرأة الجسدية…
[ في الأسر، انتبهت إلى أني إمراة وهم لا يريدون أن ينتبهوا لذلك. مثلاً، لا توجد فوط صحية. فطالبنا بتأمين هذه المواد الأساسية، وبقينا سنوات من دونها.
ـ كيف تصرفتن خلال هذه السنوات؟
[ كل يوم أربعاء، كانت عائلات المعتقلات المتواجدة داخل المناطق المحتلة تؤمن ما لا يكفي للجميع، لأن هؤلاء أقلية. ثم هناك المعتقلات اللواتي يملكن المال، وكنّ أقلية أيضاً، وكان من الأجدى أن نشتري بالمال أدوية. فطلبنا منهن أن يبتعن لنا المناشف بدلاً من الفوط المكلفة جداً. فاستبدلناها بالمناشف التي يمكن غسلها وبالملابس الداخلية والحرامات والبلوز، نمزّق المتوفر ونستخدمه.
ـ بقيت معك عادة من المعتقل؟
[ إيه… أحياناً أتكلم مع نفسي. عندما أواجه وضعاً ما أو فكرة ما، أمشي، أمشي، في مسافة ضيقة جداً، أحدث بها نفسي، بصوت منخفض، إلى أن تخرج مني وأحكيها. هيدي جبتها معي من المعتقل، لم أكن كذلك قبله.
ـ كوابيس؟
[ لا.
حاضر الخيام وحاضر سهى
ـ طالبت بالحفاظ على »الخيام« شاهداً على أحداثه. ثم هدّه الإسرائيليون في عدوان تموز ؟
[ على مدى ٢٢ احتلالاً، كان للخيام في كل عرس قرص. هنا قصف الطيران، ومن هنا تهجّرت العائلات، واعتقل أبناؤها وهدّمت بيوتها… إلى أن جاء الإسرائيلي نفسه ودمّره: ما يعني أن المعتقل استمر في كتابة تاريخ معاناة هذا الشعب. من المفروض ألا يمسّ. وللأسف، لقد سبق أن تم تشويه الذاكرة في معتقل أنصار.
ـ هل راودتك عواطف أو أفكار معينة عندما قُصف؟
[ شعر عدد من المعتقلين أن بيتاً من بيوتهم قد هدّم. أما أنا فلم أفكّر إلا بأن الطريقة التي تم فيها تدمير المعتقل تعيد تخزين الذاكرة.
ـ كيف خرجت من الأسر إنساناً سويّاً؟
[ إذا عاش الواحد منا تجربة الاعتقال بصفتها شكلاً من أشكال المقاومة، وعاش بعدها مرحلة ما بعد الاعتقال كشكل من أشكال المقاومة أيضاً، بتكون المسألة محلولة.
ـ هل خضعت لعلاج نفسي بعد تحريرك؟
[ كلا.
ـ حياتك اليوم؟
[ متزوجة من شاب سويسري اسمه إيفان روشا، وأم لفتاتين، تالة الصغيرة ٤ أشهر، وجاد ٥ سنوات. عايشة بجنيف، ونشيطة على مستوى القضية الفلسطينية في جمعية تضع الجمعيات، اسمها »لجنة الطوارئ من أجل فلسطين«. نعمل على مستوى برلماني، على وقف التبادل العسكري مع إسرائيل مثلاً، وعلى الحملات المدنية في داخل فلسطين.
ـ ألم تفكري بالعيش في لبنان؟
[ بلى!
ـ ماذا جرى؟
[ لن نأتي أنا وزوجي لنجلس على الرصيف. لو تمكّنا من تأمين وظيفة لواحد منا هنا، كنا بقينا. لكن لم يتوفر ذلك من جهة، ومن جهة أخرى ترشّح هو عن »حزب الخضر« لمنصب رئيس بلدية في سويسرا وتم انتخابه.
ـ برأيك، كيف يمكن للبناني أن يعمل من هنا لأجل فلسطين؟
[ هونيك، ليسوا بحاجة إلينا بالشكل المباشر. الدعم الأهم بالنسبة إليهم هو أن نحصّن أنفسنا داخلياً أولاً. ثانياً، قضية الحقوق المدنية للفلسطينيين في المخيمات. لم يناضل أحد فعلياً لهذه القضية! مش مقبول فلسطيني ما يقدر يشتغل، وإذا عمّر حجر نهدّه نحن! هذا من دون الدخول في موضوع الجنسية، علماً أنني أؤمن بحق الإنسان بحمل جنسية الأرض التي يولد فيها، نقطة على السطر، فلسطيني أو غير فلسطيني.
ـ هل تنشب الخلافات مع أصدقائك القدامى اليوم على قاعدة الانقسام الحاد؟
[ ليس على مستواي الشخصي لأني مستمعة جيدة ودبلوماسية. كل من الطرفين يثق بأنه المظلوم، وكل من الطرفين موجود ويجب أخذ قراءته لنفسه بعين الاعتبار، والبحث عن أسبابها، بدلاً من إلغاء وجوده وناسه. يجب على واحدنا أن يرى بعينيه الإثنتين.

اقرأ المزيد

كي لا يسألونك

أَشرق من فضائك الأرحب وأسقط علينا قليلا من فرحك وقوت حريتك علنا نجدد معا املا اضعفه سماسرة الطوائف وقطعانها. سمير أيها العائد مثخنا بالجراح، المنتشي بانتصار نهجك، اصعد الى سدرة المنتهى واحترف من جديد قطع الحدود واختراق الامواج، واطرح خريطة وطنك قبل ان تفاجئك خرائط مزارعهم التي مزقتها مجاذيف زورقك قبل ثلاثين عاما. قدرك يا سمير ككل الانبياء ان تأتي في الاوقات العصيبة. فكن مثلهم استجابة موضوعية لزمن يولد.. كن وطنا متواضعا يجمعنا ويلم شمل من حطم اصنام الجاهليين الجدد وخرج عاريا نحو الشمس ليتطهر مثلك ويتوضأ بماء البحر ويولد من جديد.
لا تنس يا سمير ان تمر بطريق عودتك على شاطئ نهاريا لتأتي بالبوصلة التي خبأتها بجرح رفاقك هناك وبخارطة الحلم الذي سنصنعه معا..
سنكون في انتظارك، يا سمير، بعد ان تحتفي بك القصور المتحاربة. عد الينا، هنا سيكون الفرح الطويل والاصدق، عش لحظته الاولى بكل براءتها واجمح كمهر يعشقه المدى.. فأنت معفي من اللوم الى حين ستعرف معه كيف تسير باسما ثابتا بين الآف العيون الناقدة.
سمير، احذر متاهة الاغراء والمناصب المسمومة التي قد تعيدك في سكرة الحرية الى قيد اشد قسوة واكثر الما، سيناسب بعض من يفرح بحرية جسدك ان يدخل روحك الحرة اليه.
كن شكورا يا سمير من دون ان تحمل منة احد عليك، فأنت الشريك في غرس المقاومة وقطف ثمار حريتها. وفخر لمن استطاع القيام بواجبه اليك.
كن اصيلا يا رفيقي وأثلج قلوب من احبوك وعرفوا مثلك طريق الخلاص. وانتزع احترام من لن يحبك، ولم يعنه حلمك والقضايا التي حملت.
حطم جدارا ستصنعه رهبة وصول الآخرين اليك او متاريس سيفتعلها المهووسون بالامن عليك. فلا تغتر. ستغمرك عيون المحبين. وتخفق لك قلوبهم حتى ولو من بعيد. فابق بين الناس.
أسير محرر

 
صحيفة السفير
16 يوليو 2008
اقرأ المزيد

الصفقة

جاءت صفقة ‘الرضوان’، كما أطلق عليها ‘حزب الله’ اقتداء باسم كباره العسكريين المغتال في دمشق، ‘عماد مغنية’ تتويجاً لمرحلة نهائية من المفاوضات العسيرة والصعبة بين غريمين لا يلتقيان بالمطلق وهما: حزب الله وإسرائيل، ضمن محاولة إغلاق ملف الأسرى اللبنانيين، بل إغلاق ملف الحرب اللبنانية الإسرائيلية برمتها، في حال قبول إسرائيل إرجاع ‘مزارع شبعا’ و’تلال كفر شوبا’ للسيادة اللبنانية.
عاد الأسرى اللبنانيون الخمسة وعلى رأسهم اليساريّ الدرزيّ عميد المعتقلين ‘سمير القنطار’، إضافة إلى رفات نحو 190 شهيداً. كل هذا مقابل رفات جنديين إسرائيليين (ماتوا في فترة الأسر) تسبب أسرهما من قِبَل حزب الله قبيل حرب يوليو/ تموز 2006 التي كلفت لبنان في حدود خمسة مليارات دولار ونصف المليار و1200 قتيل و4400 مصاب اغلبهم بعاهات مستديمة بجانب أن متوسط النمو الاقتصادي قد هبط من 6% المتوقعة (في حال المعافاة) إلى 5 من دون الصفر في المئة (5%)!. لكنها أيضاً كلفت إسرائيل في حدود 9 مليارات دولار وخسائر بشرية أيضاً، الأمر الذي اعتبر في لبنان وفي اغلب الدول العربية والإسلامية انتصاراً ما فوقه انتصار ودرساً في البطولة والفداء أعطتها المقاومة اللبنانية لدولة إسرائيل المتغطرسة.
لا يهم كثيراً الدخول في جدل لا طائل منه حول ما إذا كانت الصفقة هذه بمثابة انتصارٍ للمقاومة اللبنانية ولحزب الله تحديداً وهزيمة لإسرائيل، على أهمية هذا الحدث الكبير، الذي يجسّد الإرادة الوطنية ضد أي اعتداء خارجي وبروز عنصر المقاومة غير النظامية، في صورة مقاومة شعبية أصابت الآلة العسكرية الإسرائيلية بالوهن المعنوي الواضح، على اقل تقدير، في الوقت الذي عجزت فيه الجيوش النظامية العربية جمعاء من إلحاق أية هزيمة تذكر ضد القوات الإسرائيلية منذ تأسيس هذا الكيان العبريّ قبل 60 عاماً. إن ما يهم هنا، بعيدا عن العواطف الجيّاشة ولغة المقدس السائدتين والمرافقتين لكرنفالات الانتصار (من دون أن نقلل من زهونا به)، هو محاولة البحث عن المخفي، الذي قد يكون أعظم، أي الأسباب الحقيقية التي أجبرت إسرائيل المقتدرة للموافقة على صفقة فيها الكثير من الإذلال لها. بمعنى. هل استرجاع رفات جنديين إسرائيليين يستحق كل هذا الوهج والدعاية المجانية لخصم إسرائيل الأساس على الأرض اللبنانية ألا وهو، حزب الله؟
لا يمكن بالطبع النظر لهذا الحدث بمعزل عن الظروف المحلية والإقليمية المحيطة به، حيث الشواهد كثيرة، لعل أهمها المباحثات الجارية بين حماس وإسرائيل للوصول إلى صفقة ما لتبادل الأسرى، والاهم من ذلك المباحثات السرية عن طريق الوسيط التركي بين سوريا وإسرائيل. ولا غرابة أن نسمع غدا عن اتصالات سرية بين إيران وكل من إسرائيل وأميركا. وهو أمر غير مستبعد؛ لأن إيران في عهدي الشاه الملكي ونظام الملالي/الديني الحالي لهما سابقة الاتصالات مع إسرائيل، في أمور عدة، أهمها، شراء الأسلحة.
هل نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الأهداف الغربية والأميركية والإسرائيلية، رغم تبايناتها المصلحية النسبية فيما بينهم، بجانب الليونة الإسرائيلية الواضحة واندفاعه السريع لإتمام صفقة تبدو فيها واضحة استفادة حزب الله منها، تثير أسئلة مريبة حول الهدف الأساس مما قد تمّ؟
باعتقادنا المتواضع أن الصفقة تمت للأسباب المختصرة الآتية:
أولا: إعادة نوعٍ من الصّدقية للنظام الإسرائيلي تجاه الرأي العام الداخلي، وإيجاد توازن وضبط لصراع الأجنحة السياسية والعسكرية الجارية حالياً في المجتمع الإسرائيلي؛ بسبب افتقار النخب السياسية إلى رؤية موحدة واحدة جراء المنافسة الشديدة والخلافات الشخصية بين تلك النخب، في وقت بدا واضحاً انقسام المجتمع الإسرائيلي على نفسه في أمور شتى ومعاناته من صعوبة الشروع في اخذ زمام المبادرة السياسية.
ثانياً: تستدعي الضرورة الماسّة الانتهاء من الملف اللبناني والخلاف اللبناني الإسرائيلي، الأمر الذي يتطلب تحييد حزب الله حتى لا يقوم بدور ذراع إيراني في خاصرة إسرائيل وخصوصاً في حال نشوب صراع عسكري مع إيران فيما يتعلق بالعامل الإقليمي. أما على الصعيد اللبناني، فإن إغلاق ملف الأسرى والأراضي اللبنانية المحتلة بإرجاعها للسيادة اللبنانية سوف ينتفي سبب استمرار حيازة حزب الله لسلاحه. وهذا بالضبط الثمن المقبل لهذه الصّفقة.
ثالثاً: الحاجة السياسية والمعنوية القصوى لحزب الله لإتمام هذه الصفقة وذلك لصقل صورته ورأب الصدع الكبير الذي أصابه جراء غزوته – غير المدروسة – لبيروت والجبل في يومي السابع والثامن من مايو/ أيار الماضي من جهة، ومضاعفة الضغط على الحزب التقدمي الاشتراكي ممثلا بزعيمه ‘وليد جنبلاط’ بمواجهته بالدرزي ‘سمير القنطار’ من جهة أخرى.
رابعاً: استكمالاً للمخطط تجري الآن محاولات تحييد سوريا، ضمن تحييد كل القوى القريبة والمتشابكة مع إسرائيل، حيث نرى بوضوح الاتصالات الإسرائيلية السورية والدور الفرنسي. بجانب الاتصالات والمباحثات مع حماس التي قد تؤدي إلى صفقة أخرى لتبادل الأسرى.. وهي عوامل ضرورية لتذليل صعوبات التعامل مع الملف الإيراني ونظامه الذي أصبح له هيمنة إقليمية وطموح نووي قد يصل إلى امتلاكه للسلاح الفتاك.
بأخذنا النقاط أعلاه في الحسبان، واستحالة معرفتنا التفصيلية لطبيعة السيناريوهات وبدائلها، الموجودة على طاولة اللاعبين الكبار، المتعاملين مع المعضلة الإيرانية في هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة. يبدو أن هناك ثلاثة احتمالات: الاول، هل يصل الغرب وأميركا بالذات ومن ورائهما إسرائيل إلى حل توافقي وصفقة كبرى مع إيران تعطيها شيئا من نفوذ إقليمي وحوافز تشجيعية اقتصادية وهيكلية كبرى، لكن بشرط أن تنضبط هيمنتها في المنطقة؟
الثاني، في حال عدم الوصول إلى اتفاقٍ مرضٍ للطرفين. هل يستمرون في سياسة حصار إيران في كل المجالات والاتجاهات بجانب تشجيع وتحويل المعارضة الإيرانية واحتوائها لتشكيل ضغط شعبي بُغية الإطاحة بالنظام الإيراني؟ الثالث، إذا ما استنفذت السُّبل كلها في محاولة ثنْي إيران عن الاستمرار في برنامجها النووي.. هل سيقومون بضرب إيران وما تفاصيل تلك الخطة؟ وهل سنرى خريفا أو شتاء ساخناً بدل الصيف الساخن المزعوم أو أن الشتاء سيكون زمهريراً ولا يحدث شيء البتة؟ لعله من الأمور المنطقية أن الأميركان والغربيين عموما لا يسكتون ولا يسمحون بوصول إيران لوضع يكون بحوزتها السلاح النووي، ولا يختلف كثيراً من سيكون سيد البيت الأبيض في الانتخابات الأميركية المقبلة. شيءٌ ما غير متوقع، سلماً أو حرباً، سيحدث آجلا أم عاجلا فيما يتعلق بالمعضلة الإيرانية التي تشكل همّاً وهاجساَ للغرب والأميركان خصوصاً.. والأيام كفيلة بما ندعيه.
 
صحيفة الوقت
20 يوليو 2008

اقرأ المزيد

كراهية الأجانب في‮ ‬جنوب أفريقيا

استيقظت جنوب أفريقيا قبل مدة على سلسلة من العنف وأعمال النهب في‮ ‬ضاحية الالكسندرا شمالي‮ ‬العاصمة جوهانسبرج ثم امتدت إلى وسط المدينة،‮ ‬بعدها زحف لهيب العنف المندفع نحو منطقة‮ ‬غوتنبنبج،‮ ‬وقد بدأ زعيق وهتافات الغاضبين من جنوب أفريقيا والمحملين بالسواطير وكل ما وقعت عليه أيديهم من الأسلحة الممكنة للعنف بما فيها أقدام الزرافات المقطوعة التي‮ ‬تحولت إلى آلات حادة،‮ ‬ذلك المشهد العنيف المندفع خلق هلعا حقيقيا في‮ ‬المدينة التي‮ ‬بدت وجها جاذبا للاستثمارات الأجنبية،‮ ‬فمن عنق تلك الأبنية الزجاجية المرتفعة في‮ ‬المدينة باتت الأسهم والاستثمارات لرجال الأعمال أكثر من مريحة،‮ ‬ولكن الشغب المستمر في‮ ‬السنوات الأخيرة جعل من الاستقرار والأمن حالة مشكوكاً‮ ‬في‮ ‬أمرها،‮ ‬فخلف تلك الأبنية الثرية والأنشطة الأجنبية للاقتصاد العالمي‮ ‬تعيش بعشرات الكيلومترات القريبة منها أكواخ الصفيح والبؤس وبؤر التوتر التي‮ ‬يفرزها الوضع الاجتماعي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬السيء لسكان ومواطني‮ ‬جنوب أفريقيا،‮ ‬إذ عجز حزب المؤتمر منذ صعوده سدة السلطة من اجتثاث جذور الأزمات المستفحلة في‮ ‬البلاد كالبطالة والجريمة وأزمة السكن المتزايدة،‮ ‬فما على طابور الساخطين والمتذمرين إلا تفريغ‮ ‬همهم ومعاناتهم وظروفهم الصعبة في‮ ‬الظواهر الأقرب إليهم وفي‮ ‬كبش فداء من السهل الوصول إليه،‮ ‬في‮ ‬ظل شعور قومي‮ ‬ووطني‮ ‬محتقن ووعي‮ ‬اجتماعي‮ ‬بات محدودا وشوفينيا معاديا للأجانب،‮ ‬تضخمت ظاهرته في‮ ‬السنوات اللاحقة من سقوط نظام التفرقة العنصرية في‮ ‬جنوب أفريقيا‮.‬
‮ ‬إذ كثيرا ما رحب زعماء البلاد بالأجانب فيها،‮ ‬فكان من الطبيعي‮ ‬أن تندفع كل عناصر التراكم المحتملة للازمة،‮ ‬فليس الاستثمارات الأجنبية وحدها هي‮ ‬التي‮ ‬بحثت عن مناجم الذهب والألماس في‮ ‬تلك البلد الغنية،‮ ‬وإنما اندفع فقراء أفريقيا والبلدان المجاورة لها،‮ ‬إذ تطلع الملايين في‮ ‬القارة نحو بلد بدا لهم ثريا وجديدا بفرص العمل وحلما لبناء حياة جديدة فيها‮. ‬
دون شك أن مجتمع جنوب أفريقيا ورث قيم العنف،‮ ‬التي‮ ‬تركها فعل الممارسات العنصرية والاضطهاد فكانت ردود الفعل من القبائل والقوى السياسية عنيفة ومماثلة‮. ‬ومع سقوط النظام العنصري‮ ‬عام ‮٤٩٩١ ‬كان على الرجل العجوز ووجه جنوب أفريقيا الناصع نيلسون مانديلا والخارج لتوه من سجنه الطويل،‮ ‬أن‮ ‬يقدم لشعبه حلما واسعا وكبيرا بالحرية والعيش الكريم،‮ ‬ولكن مسيرة التغيير كانت طويلة وأدوات الثعبان الملتوية أصعب مما كان بإمكان الرجل العجوز من اجتثاثها،‮ ‬في‮ ‬ظروف عالمية جديدة‮. ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كان فيه النظام الاشتراكي‮ ‬ينهار برمته،‮ ‬كان في‮ ‬الجانب الآخر‮ ‬ينهار آخر نظام كولونيالي‮ ‬استيطاني‮ ‬عنصري‮ ‬في‮ ‬العالم،‮ ‬فبدت المعادلة لدى نيلسون مانديلا صعبة وكيفية مسالك الطرق الممكنة والاختيار في‮ ‬عالم بقطب واحد،‮ ‬وفي‮ ‬بلد تهيمن عليه أصابع الأخطبوط العالمي‮ ‬لشركات الذهب والألماس والمعادن ومصانع السلاح المتقدمة في‮ ‬جنوب أفريقيا‮. ‬
لم تكن عملية الموازنة الاجتماعية والاقتصادية سهلة لحزب المؤتمر الوطني،‮ ‬فمن جهة تتزايد حدة البطالة والتكاثر السكاني‮ ‬والجريمة،‮ ‬ومن جهة أخرى‮ ‬يتعمق التناقض الاجتماعي‮ ‬بين الثراء المستفحل والبؤس العميق،‮ ‬بين مدن مزدهرة‮ ‬غربية الطابع وأكواخ من الصفيح توقظنا على مشهد مدن العالم الثالث،‮ ‬حيث‮ ‬يختبئ هناك خزان الاندفاع والانفجاريات الاجتماعية‮. ‬وإذا ما تلاقت عوالم الجريمة بالبطالة والفقر وغياب الوعي‮ ‬من جهة فإن النهب والعنف رديفان لكل مسلسل العنف الاجتماعي،‮ ‬وقد‮ ‬يثير تساؤلات المراقبين وطوابير السياح في‮ ‬جوهانسبيرج وكيب تاون،‮ ‬ولكنه لن‮ ‬يثير استغراب من‮ ‬يرون أن ذلك نتائج طبيعية أن تحدث خلال كل عقد أو عقدين‮.‬
وفي‮ ‬أوضاع متأزمة من هذا النمط فإن خصوم حزب المؤتمر كالأحزاب القومية المحلية بات لديهم أسلحتهم التي‮ ‬يشحذونها في‮ ‬وجه الحزب الحاكم بتحويل‮ ‬غضب سكان جنوب أفريقيا في‮ ‬مهاجمة المهاجرين،‮ ‬فمن السهل تأجيج مواطنين عاطلين عن العمل ويعانون مشاكل اجتماعية قاسية بما فيها تناقص فرص العمل والسكن بسبب تلك الموجات المتواصلة من المهاجرين،‮ ‬والتي‮ ‬لا تتوقف عن جنوب أفريقيا،‮ ‬لكونها أكثر ثراء وازدهارا وسوقا مفتوحة وفرصا للعمل،‮ ‬ولكن موجة المهاجرين الأخيرة من العنف والقتل التي‮ ‬عرفها مواطنو زيمبابوي،‮ ‬الدولة المجاورة،‮ ‬إذ دفعت بالسكان فيها إلى الهروب نحو جنوب أفريقيا طلبا للحماية والاستقرار،‮ ‬ويقدر عددهم ما بين مليونين وثلاثة ملايين لاجئ،‮ ‬بالإضافة لتزايد حجم القادمين من الصومال وموزمبيق ونيجيريا ومالاوي‮ ‬وباكستان،‮ ‬كل هؤلاء بالضرورة خلقوا خللا في‮ ‬سوق العمل والسكن ونمط الحياة بما فيها ازدياد حجم الجرائم،‮ ‬غير أن ذلك لا‮ ‬يعفي‮ ‬الطرفين من الواقع المؤلم،‮ ‬الأول‮ ‬غياب دولة القانون وتصرف السكان الأصليين بروح العداء للأجانب،‮ ‬ومن الجهة الأخرى أن‮ ‬يتحول الأجانب إلى حالة من حالات التنافس في‮ ‬سوق العمل ما‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى هبوط في‮ ‬الأجور وتزايد في‮ ‬أسعار السكن وفرص العثور عليها‮. ‬
وإذا ما كانت حكومة جنوب أفريقيا هي‮ ‬الطرف المنظم للوضع المتوتر والمتأزم،‮ ‬فإن ذلك لا‮ ‬يلغي‮ ‬دور محاسبة الطرفين المعنيين بالأزمة وبأن معالجتها تتم عن طريق المؤسسات الشرعية وسيادة القانون‮. ‬ولكن‮ ‬يبدو أن الكيل طفح بسكان جنوب أفريقيا،‮ ‬فلم‮ ‬يجد الفقراء والعاطلون فيها فرقا بين التمييز بين حالة النهب والسلب والاحتجاج السياسي‮ ‬وبين أولئك المجرمين ذوي‮ ‬السوابق الذين‮ ‬يجدون في‮ ‬مناخ الاحتجاجات فرصة لمهاجمة محلات الأجانب وسرقتها ونهبها،‮ ‬بعد أن عملوا من اجل تلك الممتلكات سنوات طويلة،‮ ‬وصاروا ملاكا صغارا لبعض الحوانيت والبقالات والمخازن الصغيرة والتي‮ ‬تعيش في‮ ‬الضواحي‮ ‬الأقرب لمناطق الصفيح‮. ‬
كان بالفعل ذلك العنف مشوها لسمعة جنوب أفريقيا كما أشار كبار المسؤولين،‮ ‬فما كان منهم إلا الاعتذار،‮ ‬لبلد‮ ‬ينتظر كأس العالم عام ‮٠١٠٢ ‬ويسعى لتحسين وضعه السياحي‮ ‬عالميا‮. ‬ولكن الأهم،‮ ‬هو إن حزن نيلسون مانديلا كان عميقا بصدد ذلك الاعتداء على المهاجرين حين ناشد أن لا تنجر البلاد إلى‮ »‬التفرقة المدمرة‮«‬،‮ ‬وكأنما صوت‮ ‬غاندي‮ ‬القديم‮ ‬ينهض من تراب جنوب أفريقيا إذ لا‮ ‬يمكن محاربة العنصرية بالعنصرية‮!  ‬

صحيفة الايام
20 يوليو 2008

اقرأ المزيد

وجهة نظر تتجاهل الحقائق


في مقابلة اجرتها معه صحيفة البيان الاماراتية في الشهر الحالي قال رئيس جمعية الاصالة الاسلامية: ان الاتجاه السائد على البرلمان البحريني هو الطابع الاسلامي فالشارع البحريني ادرك عدم جدوى حضور اليساريين والعلمانيين في البرلمان وما النتائج في الانتخابات الكويتية الا مؤشر على ذلك، الشعب تململ من التنظير السياسي الذي لا يفيده في شيء، الناس تريد من يمثلها في المجالس التشريعية ان يكون من نفس خطها العقدي الاجتماعي، واتوقع ان يكون البرلمان القادم اسلامياً..
في البدء لك ما تشاء يا سعادة النائب الاول لرئيس مجلس النواب ان تقول رأيك وتعتقد ما تعتقد فهذا حقك علينا أن نحترمه طالما أننا نؤمن بحرية الرأي الآخر بخلاف الإسلام السياسي الذي ينصب العداء لهذه الحرية والتعددية التي هي أهم مبادئ الديمقراطية وفي سبيل هذه الحرية كم من المفكرين والكتّاب والمبدعين على امتداد الوطن العربي والإسلامي تعرضوا بسبب آرائهم ومعتقداتهم وأفكارهم إلى التكفير والاغتيال السياسي، ناهيك عن قضايا الحسبة والاتهام بالردة!!
سعادة النائب المحترم لا يمكن الفصل بين هيمنة الإسلام السياسي على البرلمان البحريني وبين ما حدث خلال الثلاثين سنة الماضية بمعنى الجميع يعلم إن تلك العقود كانت محكومة بقانون امن الدولة ومحكمته السيئة، وما أن أُلغيت هذه المحكمة في عهد الإصلاحات حتى تنفست القوى الديمقراطية والتقدمية الصعداء.
وفي تلك الحقبة المظلمة الجميع يعلم أيضا إن حضور اليساريين والعلمانيين والشيوعيين كان حضوراً وطنياً يرفض الخضوع والتواطؤ، إذ كانت نضالات هذه القوى وفي سنوات الجمر نضالات بلغت ذروتها بمنأى عن الصراع الطائفي الذي لا يزال الإسلام السياسي يراهن عليه، أي بلغت ذروتها من اجل الاستقلال الوطني والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في حين يعرف القاصي والداني أن الجماعات الاسلاموية لا شأن لها لا من قريب ولا من بعيد بهجوم ومعاناة القوى الديمقراطية والتقدمية التي كانت ولا تزال تضحياتها واضحة للعيان.
نقول هذا الحديث ليس احتكاراً للوطنية أو إقصاء لأحد أو ادعاءً لا صحة له، وإنما نقوله لاعتباره أهم الحلقات في تاريخ البحرين السياسي وهذه حقيقة علينا أن لا نتجاهلها.
ولا شك وفي الوقت الذي استبعدت هذه القوى قسراً كان الإسلام السياسي يصول ويجول بحرية تامة وبالتالي كان من الطبيعي أن يتوغل في صفوف الناس البسطاء والمحتاجين وان هذا التوغل الذي استغل حاجة هؤلاء من خلال الإعانات والتبرعات التي تقدمها الصناديق الخيرية كان الغرض منه توسيع النفوذ السياسي والحزبي!!
وأما فيما يتعلق بالقول: إن الشارع البحريني أدرك عدم جدوى حضور اليساريين والعلمانيين في البرلمان فهذا ابعد ما يكون عن الواقع لان تجربة هذا الشعب مع “كتلة الشعب” في برلمان “1973” تجربة لم تعمق الطائفية كما هو حاصل اليوم بل كانت تمثل تلاحم الشعب البحريني من اجل حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأمر الآخر يبدو أن سعادة النائب قد غيبه إلى أقصى درجة هو الأداء النيابي الذي امتازت به كتلة الديمقراطيين في برلمان “٢٠٠٢” وخاصة عندما مارست هذه الكتلة دورها النيابي بأمانة وإخلاص والشواهد على ذلك التصدي للفساد والتحقيق في ملف التأمينات الاجتماعية وهيئة صندوق التقاعد، ناهيك عن موقفها الواضح وقتذاك حول إقرار الميزانية التي كانت محط خلاف بين النواب، في حين بعض الكتل وهي معروفة جيداً! دخلت في مساومات من وراء الكواليس وقبلت اللعب وبقدرة قادر أقرت الميزانية!!
أما بشأن توقعاتك في أن يكون البرلمان القادم أيضا إسلاميا نشاطرك الرأي على الأقل في هذه المرحلة لسبب واحد يبدو في غاية الأهمية وهو أن التيار الديمقراطي التقدمي المتشرذم   لا تزال بوصلته مفقودة إلى درجة البعض منه   لا يدري إلى الآن أين يضع رجله فتارة تجدها بين قوى الظلام التي لا تتردد في تكفيره، وتارة أخرى بين قوى اليسار والديمقراطية، اي لم تحسم بعد خيار وحدته الديمقراطية!!
وإذا كانت هذه التوقعات استنتاجاً لما حدث في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام “2006” فالكل يعلم وباختصار كيف لعب الحال السياسي دوراً لا يستهان به في قلب ميزان القوى، وفضلاً عن هذا كيف لعبت المراكز العامة في تغيير النتائج الانتخابية!!
على العموم مرة أخرى ومع احترامنا لوجهة النظر هذه فإن الأهمية ليس في الوصول إلى البرلمان وإنما الأهمية تكمن في مدى فعالية ممثلي الشعب في هذه المؤسسة المنتخبة التي يتطلع المواطن إلى انجازاتها حتى تحفظ له حقوقه المختلفة، وتضمن له العدالة والمساواة والعيش الكريم، وهذا ما يفتقده في ظل تركيبة المجلس الطائفية.


 الأيام 19 يوليو 2008

اقرأ المزيد

الإدارة الأمريكية في‮ ‬الأمتار الأخيرة سباق لحسم ملفات بحماس متقطع


تبدو إدارة الرئيس بوش هذه الأيام في عجلة من أمرها لحسم بعض القضايا والملفات الدولية العالقة قبل انتهاء ولايتها نظرياً في نوفمبر المقبل وعملياً في يناير .2009
فهي تسابق الزمن من أجل تجميع حصيلة جيدة من النقاط التي تروم ‘إهداءها’ إلى حزبها الجمهوري الحاكم كي يتمكن الأخير من استخدامها كأوراق مرجحة في الانتخابات الرئاسية المقبلة علها تسعف المرشح الجمهوري جون ماكين في الفوز بها، والجمهوريين عموماً في الاحتفاظ بمنصب الرئاسة لأربع سنوات أخرى.
فوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لا تكاد تنهي زيارة للمنطقة حتى تعود إليها لدفع مفاوضات التسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من أجل إقامة الدولة الفلسطينية التي وعد الرئيس بوش بتحقيقها قبل نهاية العام الجاري.
وفي القضية المتعلقة بوضع اتفاق إنهاء البرنامج النووي لكوريا الشمالية الذي توصلت إليه واشنطن مع كل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والصين وروسيا واليابان، فإن الإدارة الأمريكية تسرع الخطى للانتهاء من تدابير تطبيق كل بنود الاتفاق بما في ذلك التطبيقات المتعلقة بواشنطن ومنها تقديم المساعدة الاقتصادية (الغذائية والهيدروكربونية) والفنية المتعلقة بتشغيل مفاعلاتها بالماء الخفيف عوضاً عن الماء الثقيل، وإزالة اسم كوريا الشمالية من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وفي القضية المتعلقة بما تسميه واشنطن ‘الحرب على الإرهاب’، أصدر الرئيس بوش تعليماته للوحدات الخاصة بالعمليات السرية خارج الحدود، الإسراع في اعتقال أو تصفية زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن قبل انتهاء ولايته.
إلا أن الملف الأبرز الذي تركز عليه إدارة الرئيس بوش بصورة أكبر وتعمل بشتى السبل السياسية والدبلوماسية والعسكرية من أجل تسريع عملية توضيبه والانتهاء منه في الموعد المضروب (قبل انتهاء الولاية)، هو ملف الوجود العسكري الأمريكي في العراق، إذ تنهمك مؤسسات النظام الأمريكي بمستوياتها المختلفة، السياسية (البيت الأبيض ووزارة الخارجية) والعسكرية (البنتاغون) والتشريعية (الكونغرس بمجلسيه) في وضع اللمسات الأخيرة على مخطط تقنين التواجد العسكري الأمريكي طويل الأمد في العراق.
وباستعراض سريع لمعطيات القضايا سالفة الذكر، محل تركيز اهتمام الإدارة الأمريكية في الزمن المتبقي لها، يستطيع المتابع أن يقرر بكل اطمئنان ضمان الفشل في القضية الأولى. وذلك برسم التحرك المنفرد وغير المدعوم للوزيرة رايس، ناهيك عن أن وزيرة الخارجية نفسها لا تبدو جادة في مساعيها إلى تذليل العقبات الإسرائيلية المانعة لقيام الدولة الفلسطينية الموعودة. فمقدمات قيام الدولة التي تعمل الوزيرة رايس عليها، ولا تتجاوز فتح بضعة معابر هنا وهنـاك لتسهيل حركة تنقل الفلسطينيين داخل معسكر اعتقالهم الكبير الذي يراد له أن يتحول ‘بفضـل’ البراغماتية السياسية الأمريكية إلى دولة أو شبه دولة، هذه المقدمات/التسهيلات المضحكة لا تبعث على الاعتقاد بأن ثمة جدية لدى الجانب الأمريكي (وليس لدى رايس وحدها) في تحقيق ‘وعد’ الرئيس بوش.
وفي ملف زعيم تنظيم القاعدة، فإن تقارير صحفية أمريكية وبريطانية كشفت عن خلافات داخل الأجهزة الأمنية الأمريكية بشأن طريقة التعامل مع الفارين من قيادات القاعدة إلى مناطق الحدود الباكستانية القبلية، بما يدلل على عدم تعجل الطبقة السياسية الحاكمة حالياً في الإطباق على قيادة التنظيم كي لا تتسبب، بيديها، في إبطال حجة ما سمته الحرب الممتدة على الإرهاب لثلاثين عاماً، مفترضة في ذلك، بطبيعة الحال، احتفاظها بمنصب الرئاسة في انتخابات نوفمبر المقبل من خلال فوز مرشحها جون ماكين.
وفي الملف النووي الكوري الشمالي فإن وتيرة التقدم على صعيد هذا الملف لا تقررها بالمطلق الرغبة والمشيئة الأمريكية وإنما الطرفان الأساسيان معاً، وكوريا غير متعجلة في التخلص فوراً ونهائياً من برنامجها النووي ذي الطبيعة العسكرية، وإنما هي تتقدم على ما هو ظاهر بمقدار ما ستحصله من تنازلات من الجانب الأمريكي وفقاً للاتفاق السداسي المبرم (الولايات  المتحدة، اليابان، كوريا الجنوبية، كوريا الشمالية، الصين، روسيا).
أما ملف طبيعة ومصير الوجود العسكري الأمريكي في العراق، فلعله الملف الأكثر استحواذاً للجهد والاهتمام في المؤسسة الأمريكية الحاكمة، وهذا أمر مفهوم، فالإدارة الحالية تريد حسم الموضوع بطريقتها وبما يوافق تصوراتها الإيديولوجية الكونية ويوافق مصالح القوى الاجتماعية التي تعبر عن مصالحها، لاسيما رموزها المتمثلة في لوبيات النفط ومصادر الطاقة الأخرى، وأعمال المقاولات والإنشاء والتعمير. فهي في الأخير منهم (من نسيجهم) وإليهم، بما يشمل ذلك ويتصدره الرئيس نفسه وعائلته، ونائب الرئيس ووزيرة الخارجية.
ووفقاً للمتوافر من معلومات فإن إدارة الرئيس بوش عبأت طاقات سياسية ومالية وعسكرية ووظفتها ‘بفعالية شديدة’ في ‘معركة’ الفوز بعقد التواجد العسكري طويل الأمد في العراق. ويقال إن هناك أموالاً جاهزة للتمرير والدفع لأعضاء البرلمان العراقي (المستعدين للقبض) لتمرير الاتفاق والموافقة عليه حال عرضه من قبل الحكومة العراقية على البرلمان العراقي للمصادقة عليه.
هذا هو، على أية حال، المتوقع من الدول العظمى في ما يتصل بطريقة تعاطيها مع الشؤون الدولية التي تشكل -من وجهة نظرها- امتداداً لفضاء مصالحها الحيوية، إذ يتصف فعلها في هذا المجال ‘الحيوي’ بالدينامية والتخطيط اللذين قلما يتركان فسحة للمصادفة. فما بالك بالدولة العظمى الأولى في العالم التي تمتلك خزيناً وفيراً من الإمكانات والاستعدادات للتعامل مع تطورات الأحداث الجارية على الساحة العالمية وجدولة وإعادة جدولة أولوياتها وفقاً لمقتضيات الساعة والظروف المحيطة.
الغريب أن اثنتين من القضايا الأمريكية سالفة الذكر والمعطاة صفة الاستعجال من جانب الإدارة الأمريكية، تتعلقان بنا مباشرة كعرب وتمس في الصميم مصالحنا العليا والقطرية الأدنى، بما تنطوي عليه وما سترتبه من إفرازات ظرفية وواقعية جديدة. ومع ذلك لا نكاد نلحظ أية حركة موازية من الجانب العربي، فاعلة وحاضرة في ما يتم تحضيره وتهيئته، قبل إخراجه، من ‘ترتيبات’ جيوسياسية رئيسة. فلم نسمع مثلاً أن أعضاء المنظومة العربية الرسمية طالبوا الحكومة العراقية بالتشاور والتنسيق مع الجانب العربي في ما يتعلق بمحادثاتها السرية مع المحتل الأمريكي لإبرام اتفاق تقنين الوجود العسكري الأمريكي في العراق بما يفاقم الضغوطات السياسية التي تمارسها واشنطن على النظام الرسمي العربي، وذلك مقابل طلبات وإلحاحات الحكومة العراقية على أعضاء الأسرة العربية لإعادة فتح سفاراتها في بغداد.
ولم نر تحركاً عربياً جدياً لإنهاء القطعية الفلسطينية الفلسطينية تحصيناً وتدعيماً للموقف الفلسطيني في المفاوضات، السرية أيضاً، الجارية بين وفد السلطة في الضفة وحكومة أولمرت برعاية وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس
 
 
الوطن 19 يوليو 2008

اقرأ المزيد

رواية عن‮ ‬ ترميم الذات المنكسرة


امرأة تعاني من ضجر حياة رتيبة، ومن إخفاقات عائلية وضغوط نفسية متعددة، تدفعها الأقدار نحو علاقة عاطفية مشبوبة، كأنها وجدت في  من تُحب الرجل الذي احتوى خيباتها، وأخذ بيدها نحو عوالم ندية كانت تتوق إليها، حين اندفعت نحو حلم لذيذ رمّم ذاتها المنكسرة. لكنها، حتى في عز ساعات التألق، تظل مشدودة إلى ماضيها المعذب، والى الضغوط التي ينتجها واقعٌ مفرطٌ في صرامته، لا يعرف التسامح مع امرأة لبت نداء قلبها فسارت به ومعه إلى النهاية.  امرأة شابة، جميلة وذكية، كما يوحي لنا السرد بذلك، تقف على تخوم أزمنة وأمكنة مختلفة، تستعيد وقائع من طفولتها وصباها وخيباتها العاطفية السابقة.  هذا ما تحكيه هدى عواجي في عملها “إغواء امرأة”، والصادر منذ فترة عن دار فراديس،  وهي تفعل ذاك بلغة تنطوي على شحنة من الغضب والتمرد والاحتجاج على واقع يُسفه العلاقات الإنسانية ويقتل الحرية، ويشيع مناخاً من الخزعبلات والأوهام التي تسكن الأذهان، فتتحول إلى قوة مادية مدمرة، مُعيقة للتقدم.
 لا تتردد الراوية وهي تحكي حكايتها في توجيه سهام نقدها اللاذع لكل ذلك، كلما وجدت فرصة متاحة، فتتوقف عن الاستطراد في السرد، لتسقط وعيها على الحكاية، التي تدور جل أحداثها خارج وطن البطلة.
 اختيار أمكنة الحكاية تنطوي هي الأخرى على دلالة لا تخطئها البصيرة، كأن الوطن يضيق بفعل الحرية فتغدو لندن وبرايتون وميامي وربما مدن أخرى ساحات الحدث الذي يتمحور حول امرأة وجدت في الحب الذي يُتوج بطفلة تلدها البطلة، وحول عاشق متمرد هو الآخر على القبيلة التي أعلنت براءتها منه، لأنه شق عصا الطاعة، فوجد نفسه هائماً في ديار الله الواسعة حاملاً قضيته على كتفه يجول بها مدن شتى.
طوال صفحات الرواية  التي تكاد تبلغ المائة، نظل مأخوذين بالفضول إزاء شخصية هذا العاشق الثائر، ولكن الثري الذي يغدق بسخاء على محبوبته، التي يوحي لنا السرد بأنها هي الأخرى  متحدرة من عائلة ثرية، ولكن من بيئة اجتماعية مختلفة عن تلك التي أتى منها الحبيب. وفي السطور الأخيرة تصدم الكاتبة قارءها بسرٍ آخر، غير متوقع، عن الرجل الغامض الذي وقعت البطلة في حبه، كأنها تحرضنا على انتظار مسار آخر للأحداث، لكن الانتهاء المفاجئ للرواية يقطعه، بطريقة تحملنا على الظن أن جزءاً ثانياً من الرواية آت قريباً، أو أن الكاتبة اختارت أن تتوقف عند هذه النقطة بالذات تاركة القارىء يؤول الأمور وفق ما يرى.
تنتمي رواية هدى عواجي لذاك الطراز من الروايات التي تصدر في الآونة الأخيرة لكاتبات من الخليج والجزيرة العربية، وهي، في الغالب الأعم، روايات  لا تُولي العناية الكافية لشروط المعمار الروائي، بقدر عنايتها بإعلان رفض واقعٍ بائس يُشدد الخناق على المرأة ويقمع ذاتها الإنسانية، ويحاصرها خلف أسوار من التخلف.
 لهذا العمل، كنظيره من الأعمال الروائية النسوية الخليجية الجديدة،  نَفَسَهُ الاحتجاجي الذي يشي بقبضات نســاء غاضبـــات متمــردات تواصل الدق على أبواب الزنازين التي حبست النساء فيها، تعبيراً عن الرغبة في كسرها لينطلقن نحو فضاءات الحرية التي طالما تُقْن إليها.


الأيام 19 يوليو 2008

اقرأ المزيد

الكهرباء تنقطع‮ ‬عن بلد المستقبل‮!!‬


لا يمكن الحديث عن نهضة وتطور وتقدم وازدهار وما ماثل هذه الكلمات من علامات وملامح ومعان تشي بالرقي والتفوق العصري والكوني، ما لم يتم الاهتمام أولاً وقبل كل شيء بالبنى التحتية للمجتمع وتكثيف الجهود والطاقات من أجلها، وانطلاقاً من أولوية هذه البنى لدى الأجهزة الرسمية والخاصة بمختلف اختصاصاتها وتوجهاتها وعلومها في الدول المتقدمة تمكنت هي ومجتمعاتها من النهوض والتواصل الحضاري مع كل المنجزات العصرية والكونية.
 فحين يجري الحديث مثلاً عن مشروع تكنولوجي عالمي، تجد هذه الدول قد درست إلى مدى بعيد حجم الإمكانات التي لديها لإقامة واستيعاب هذا المشروع وكم المستفيدين منه، وما إذا كان هذا المشروع سيستنزف طاقة معينة من الطاقات التي يحتاجها المجتمع ويعيش عليها أم لا، فمن خلال هذه الدراسة والتخطيط يتم تحديد مدى إمكانية إقامة هذا المشروع أم لا. وبالتالي يندر أن نسمع مثلاً عن مشروع تنموي أقيم في مثل هذه الدول وأثبت فشله أو عدم جدوى صلاحيته. ويندر أن نسمع مثلاً عن بلد يقيم مثل هذه المشروعات الهائلة، تكرر فيه انطفاء الكهرباء في اليوم الواحد أو في العام، وإذا حدث فإنه يحدث لظرف اضطراري وربما يحدث كل عشرين عاماً مرة واحدة ولمدة دقائق، وربما يتعرض المسؤولون عن هذا الخلل إلى مساءلات وتحقيقات واستجوابات من الجهاز الحكومي ومن مؤسسات المجتمع المدني تضطرهم لأن يقدموا استقالتهم فوراً بعد الاعتذار للمواطنين والمقيمين والمجتمع الدولي ربما بأكمله.
فما حدث يعتبر إدانة ليست في صالح مجتمع ينتمي للحضارة والعصر الكوني، ومن سيأتي بعد الذي سبقه لتولي مهامه ومسؤولياته سيتردد ألف مرة قبل أن يعلن قبوله أو صلاحيته، ويفكر مليون مرة في كيفية تجاوز هذا الخطأ أو الحدث وفي عدم حدوثه لعقود قادمة، ومن هذا المنطلق نجد أن هذه الأمم جديرة بأن تُحترم وأن يحتذى بها، لأن التفكير في إقامة البنى التحتية والاهتمام بها يستغرق جهداً غير عادي من البحث والدراسة والتخطيط، لذا لا نقرأ أو نشاهد مثلاً ازدحاماً في شوارع أوروبا أو سنغافورة أو اليابان، أو شكوى من أزمة ماء أو كهرباء، لماذا؟ لأن هناك من يفكر والمستقبل نصب عينيه.
ما أثار هذا الموضوع في ذهني هو المنافسة العمرانية الملحوظة والكثيفة لإقامة الأبراج والمنشآت الصناعية والتجارية في المملكة، وهي منافسة لا شك نحتاجها ما دامت ستستوعب طاقات الوطن وتخفف نسبياً حدة البطالة، وتسعى إلى أن تشكل في المستقبل وطناً ينتمي للعصر والحضارة، ولكن أتساءل: كيف ستستوعب المملكة هذه المنشآت الهائلة وهي التي تعاني الأمرّين من مشكلة الكهرباء؟ هل حسم أمر انقطاعها الصيفي الذي لا يزال كثيرون يعانونه في مناطق متفرقة من المملكة، حتى نشرع في إقامة مثل هذه المنشآت؟ هل يتوازى هذا الطموح العصري مع حجم التغذية الكهربية ‘المعتلة’ بألف مشكلة ومصيبة؟ ألا تعتقدون بأن هذه المنشآت الحيوية ستسرق أضعاف أضعاف ما يحتاجه المواطن منها؟ إذ غالباً ما يكون المواطن ضحية هذه المنشآت، ذلك أنها الماكنة الاقتصادية للبلد، علماً أن ‘شغيلة’ هذه الماكنة هم من يتضرر من ‘دلالها’ الكهربي خارج موقعها، ثم أيهما أولى؟ هذه المنشآت أم تسخير كل الجهود والطاقات من أجل إصلاح أهم مرفق حيوي في البنية التحتية وهو الكهرباء؟
عباد الله بدأت شكواهم تزداد هذه الأيام من انقطاع التيار الكهربي عنهم بين فترة وأخرى، ولا يزال الصيف في أوله، فماذا أعددنا لتفادي مشكلات الإثنين الأسود؟ كيف ستستوعب هذه الكهرباء في الراهن القريب والمستقبل القريب ما يحدث في البلد من انفجار عمراني؟ كيف ستستقر أمور المياه التي بدأت تنقطع عن بعض المناطق؟ كيف ستكفي هذه المياه بلد المستقبل؟ كيف ستحل مشكلة التلوث البيئي التي ستنجم عن هذا الانفجار العمراني والسكاني؟
في بريطانيا تمكن علماء أخيراً من حل مشكلة الروائح النافذة من المجاري بعمل أنابيب عمودية تشتغل ضمن آلات مضادة للروائح، أما نحن ولله الحمد فالروائح التي تنفث من مصنع الأنقاض في توبلي ومن مصباتها في خليج توبلي فحدث ولا حرج، بل إن كثيراً ممن تملك منزلاً أو بنى بيتاً أو استأجر فكر في مغادرة المنزل سريعاً، ذلك أنه لا يمكن أن يحتمل مثل هذه الروائح الفتاكة، ماذا عملنا من أجل التصدي لهذه المشكلة التي ستزداد في الأيام القريبة، خصوصاً أن شارع الخدمات أصبح ‘تجارياً’؟ أين التفكير في البنية التحتية؟ لماذا تفكيرنا دائماً وقتي وطارئ؟ لماذا يسهل الترخيص لقيام الأبراج والمنشآت، بينما يصعب عندما يتعلق الأمر بالبنى التحتية التي تغذي هذه المنشآت الحيوية؟ أليس انقطاع التيار الكهربي عن دائرة كهربية تدير شأن منطقة معينة، طرفة في حد ذاته؟!
بخلل الاهتمام بالبنى التحتية تختل البنى الفوقية وتهتز ويصبح رسوخها رجراجاً عصرياً وحضارياً، وما لم نقف على إشكالاتها، فإنه لا يمكن الحديث عن بلد المستقبل.
 
الوطن 18 يوليو 2008

اقرأ المزيد