المنشور

حكايات من تاريخنا (61)

* الإسكندرية ونشأة السينما المصرية مهداة إلى الصديق الإسكندري حسني محمد حسن لئن كان واحدا من أهم المؤثرات الموضوعية التي لعبت دورا محوريا في تشكيل وتكوين شخصية المخرج المصري الراحل صلاح ابوسيف احد رواد المدرسة الواقعية الاشتراكية هو نشأته في حي «بولاق ابوالعلا« الشعبي الفقير ونقمته على الفقر باعتباره ليس قدرا مفروضا على الفقراء بقدر ما هو مفروض عليهم من قبل سطوة وجبروت اصحاب السلطة والجاه والأموال على اختلاف شرائحهم ومهنهم ومراكزهم، فان من اهم المؤثرات الموضوعية التي ساهمت في تكوين شخصية وثقافة المخرج المصري الكبير يوسف شاهين الذي رحل عن عالمنا قبل ايام هو مولده ونشأته في بيئة الاسكندرية المعروفة بطابعها الكوزموبوليتاني التعددي دينيا وثقافيا وقوميا وذلك لوجود جاليات اوروبية عديدة في هذه المدينة الثغر البحري والملقبة بـ «عروس البحر المتوسط«، هذه البيئة الكوزموبوليتانية الموضوعية كان لها أثر واضح في النزعة المتسامحة التي امتازت بها شخصية شاهين مصقولة بثقافته الانسانية السياسية التي اكتسبها. بهذا المعنى فإن مصر إذ يحق لها الافتخار بأنها احتضنت نشأة السينما العربية وبداياتها الأولى بعد وقت قصير جدا من نشأة السينما العالمية فان مدينة الاسكندرية ثاني المدن المصرية يحق لها الافتخار بأنها البوابة الحقيقية التي دخلت منها السينما العالمية الى مصر ومنها استطاعت ان تشكل هويتها الوطنية والقومية المميزة في أطلس السينما العالمية. وإذ اتفق المؤرخون السينمائيون ان أول عرض سينمائي في العالم جرى في باريس بمقهى «جران كافيه« في 28 ديسمبر من عام 1895 واعتبر هذا اليوم هو العيد القومي للسينما الفرنسية، كما هو في ذات الوقت عيد السينما العالمية، فان النقاد والمؤرخين المصريين اختلفوا حول ثلاثة تواريخ لبداية السينما المصرية وذلك على النحو التالي: – هل هو يوم 5 نوفمبر من عام 1896 والذي جرى فيه أول عرض سينمائي في مصر؟ وكما نرى فان هذا التاريخ جاء بعد أقل من عام من نشأة السينما العالمية. – أم هو يوم 10 مارس من عام 1897؟ وذلك حينما صوّر المصور السينمائي برومو ميدان الاسكندرية في أول صورة سينمائية نادرة. – أم هو يوم 20 يونيو من عام 1907؟ وهو نفس اليوم الذي شهد عرض فيلم تسجيلي لزيارة الخديو عباس حلمي الثاني لواحد من أشهر مساجد مصر «المرسي أبوالعباس«. مهما يكن فمن الثابت ان اليوم الأول الآنف الذكر المصادف تحديدا مساء يوم الخميس الخامس من نوفمبر من عام 1896 هو اليوم الذي شهد أول عرض سينمائي في مصر بمدينة الاسكندرية وذلك باحدى صالات بورصة طوسون باشا في نفس المبنى الذي يشغله الآن مركز الاسكندرية للإبداع في طريق الحرية، وإن كان بعض النقاد السينمائيين يرون ان تاريخ 28 نوفمبر من عام 1896 المصادف لمساء يوم السبت هو الذي شهد اول بدايات نشأة السينما المصرية وحيث جرى هذا العرض تحديدا في صالة حمام شنايدر بجانب دائرة البرنس حليم باشا بقلب القاهرة. وايا كان الامر من تواريخ الاحداث المهمة في نشأة وتطور السينما المصرية التي شهدتها لاحقا العاصمة القاهرة فانه يمكن القول ان الاسكندرية هي البوابة الأولى التي دخلت منها أول شعلة من السينما العالمية إلى مصر، وهي ذات المدينة التي أنشئت فيها أول صالة عرض سينمائي باسم «سينما توجراف لوميير«، وذلك عام 1897، وهي ذات المدينة أيضا التي شهدت تأسيس اول شركة انتاج سينمائي عام .1917 وهي، الاسكندرية، ذات المدينة التي صدرت منها أول مجلة سينمائية متخصصة، وأول مؤسسة مختصة بصناعة السينما، وهي المدينة التي ظهر منها العديد من السينمائيين من منتجين ومخرجين وممثلين اثروا السينما المصرية والعالمية. وما كان للإسكندرية ان تتبوأ هذا الدور الريادي في نشأة وتطور السينما المصرية لولا طابعها الكوزموبوليتاني حيث ان جميع من كان لهم شرف هذه الريادة التأسيسية لم يكونوا مصريين أمثال الفيزي اورفانيللي، وامبرتو دوريس، وتوجو مزراحي، ودافيد كورنيل، وجوليو دي لوكا، وبرونو سالفي وبريمافيرا. اما ابرز السينمائيين المصريين الذين برزوا من هذه المدينة بعد اولئك الرواد الاجانب فمنهم عبدالحليم نصر، ومحمود خليل راشد، ومحمد بيومي، الذي قدم أول فيلم مصري باسم «برسوم يبحث عن وظيفة« عام 1923، وكان له دور كبير في انشاء شركة مصر للتمثيل بالتعاون مع طلعت حرب، وكذلك انشاء اول معهد سينمائي بالمدينة ذاتها. وبالاضافة الى بيومي هنالك المخرج المعروف محمد كريم، ومحمد خليل راشد، وتوجو مزراحي، وابراهيم لوما، وعمر جميعي، وعبدالحليم نصر، وتوفيق صالح، وشادي عبدالسلام، وأسماء البكري، واكرم حجار، وعاطف شكري، ورايموند، وروبرت حكيم، وريكاردو فريدا، وابراهيم موسى، وشيرين الخادم. اما من الممثلين فأبرزهم جورج ابيض، وفوزي الجزايرلي، وعمر الشريف، وحسن فايق، وزينات صدقي، واستيفاني روستي، وفاطمة رشدي. واذا كان هؤلاء الممثلون جميعهم قد انحدروا من ثقافات وديانات مختلفة جمعتهم السمة التعددية لهذه المدينة المصرية الكوزموبوليتانية فإن من هذه المدينة تحديدا دخلت السينما المصرية منيرة المهدية اول ممثلة مصرية مسلمة ولدت في الاسكندرية. واخيرا ففي هذه المدينة ولد ونشأ وترعرع فيها عبقري السينما المصرية والعربية المخرج العالمي يوسف شاهين والذي رحل عن دنيانا قبل أيام، وهي المدينة ذاتها التي استطاع ان يكرمها ويروي من خلالها سيرته سينمائيا في روائعه الخالدة «حدوتة مصرية« و«اسكندرية ليه« و«اسكندرية كمان وكمان« و«اسكندرية / نيويورك«. * * * 
 
صحيفة اخبار الخليج
31 يوليو 2008

اقرأ المزيد

مصطلح (اللارأسمالية)

لا بد لعلم الوعي العربي السياسي الجديد من الحفر تحت المصطلحات المجلوبة لفضاء الثقافة العربية، ومتابعة عملية الجلب ومصادرها وكيفية انغراسها في البنى الاجتماعية العربية وأسباب ذلك، وعملية بقاء أو انهيار المصطلح وأسباب ذلك أيضاً. وقد كانت مصطلحات (الرأسمالية) و(الاشتراكية) و(الإقطاع) هي السائدة في الأدبيات التقدمية فظهر مصطلح(اللارأسمالية) فجأة في غمرة صراعات سياسية عربية طاحنة بين الخمسينيات والسبعينيات، حيث زال بعدها هذا المصطلح وكأنه لم يكن! كتب عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي منير أحمد في مجلة قضايا السلم والاشتراكية في كانون أول 1964 ما يلي: «إن النضال من أجل الطريق اللارأسمالي يحتم علينا إعادة النظر في برامجنا في جميع ميادين النشاط الجماهيري. كان الحزب الشيوعي العراقي يعتقد في الماضي أن إقامة حكم شعبي تحت قيادة الطبقة العاملة هو شرط جوهري لتحقيق الاصلاحات الجذرية ولبناء الاشتراكية في العراق، إلا أننا غيرنا وجهات نظرنا حول هذه المسألة في ضوء الظروف الجديدة، حيث يشكل النضال من أجل الطريق اللارأسمالي الخط السياسي لحزبنا«. لابد هنا من قراءة مصطلحات أخرى في هذا الاستشهاد تتداخل مع مصطلح اللارأسمالية، مثل مصطلح (بناء الاشتراكية) الذي يجب أن يجري تحت (قيادة الطبقة العاملة)، لكن هذا الخط تغير حسب هذا الاستشهاد. وفي تلك السنوات كان حكم عبدالسلام وأخيه عبدالرحمن وكان حكم عبدالناصر في مصر، وقد دخلت الحركتان (الناصرية) و(الشيوعية) في شهر عسل أو بداية شهر العسل، وطـُرحت اقتراحات لعملية اصطفاف جديدة، تذوب فيها الأحزاب الشيوعية العربية وتندمج في الأحزاب الوطنية الحاكمة التي اتخذت اسم(الاتحاد الاشتراكي) وهو حزب أقامته السلطتان المصرية والعراقية في تلك السنوات ونجح إلى حد ما في مصر في تذويب الأحزاب المستقلة تحت هيمنة السلطة، في حين ان ذلك لم ينجح في العراق، لرفض الحزب الشيوعي عملية تذويبه، ولكن بعض الأصوات ارتفعت لتأييد هذه العملية، وفي هذا الخضم ظهر مصطلح اللارأسمالية كما بدا في الاستشهاد أعلاه. إنه مصطلح لا يمت بصلة إلى مفاهيم العلوم الاجتماعية المنبثقة عن المادية التاريخية، وهو مصطلح سياسي شعاري بامتياز، لكن ما هي أسباب ظهوره السياسية؟ لقد تم التخلي هنا عن الهدف القديم الذي ظل في هاجس الحركة الشيوعية العربية وهو(إقامة سلطة تحت هيمنة الطبقة العاملة) أي تحت قيادة الحزب الذي يجعل الطبقة العاملة واجهة له. ففي عملية المساومة مع النظامين الوطنيين العسكريين الشموليين في كل من مصر والعراق تم التخلي عن هيمنة(الطبقة العاملة) من دون أن تصوت هذه الطبقة على تغيير قيادتها أو تعبر عن رأيها، بل قررت (قيادتها) ذلك، للتقارب مع قيادة النظامين وسلك طريق مشترك، نصح به خروتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي الأب الراعي للحركة الشيوعية العالمية وقتذاك، إلى درجة أنه نصح الحزبين الشيوعيين في كل من العراق ومصر بالذوبان في الاتحاد الاشتراكي وهي نصيحة رفضها الشيوعيون العراقيون وقبل بها الشيوعيون المصريون. ومن جهة لم يتم التوصل إلى فهم البنية الاجتماعية في كل من مصر والعراق، وواصل الفهم السياسي التبسيطي سيطرته على المفاهيم العملية لعلم الاجتماع المادي التاريخي، فلم يُعرف ما هو النظام في كل من مصر والعراق، وبدا أنه (الطريق العربي للاشتراكية) أو هو الطريق اللارأسمالي الذي يرفض(الاشتراكية السوفيتية) والرأسمالية الغربية معاً، لكن مصطلحي (الإقطاع) و(الرأسمالية) لم يلصقا بهذه الأنظمة الشرقية الشمولية، نظراً لقدرتها على حجب المصطلحات العلمية وطرح تسميات سياسية مُخترعة من عندياتها، ثم تبديل هذه المصطلحات سواء بتصديرها إلى الخارج عبر مصطلح اللارأسمالية، أو عبر استيرادها العربي، ويحدد ذلك الطرفُ القوي المسيطرُ في العمليتين العالمية أو الوطنية، وفي حين يتمكن النموذج العراقي الشيوعي من المناورة السياسية عبر تقبل المصطلح الزائف نظرياً وخرقه عملياً بعدم حل الحزب والاستمرار في الاستقلال، إلا أن ذلك يشير إلى هشاشة الموقف وحربائيته وخطورته المستقبلية كذلك في عدم درس بنية الاقطاع العربي والمراهنة على رأسمالية الدولة الشمولية التي يقيمها النظام الإقطاعي العربي لتحفظ ذلك البناء، في حين ان الحزب الشيوعي المصري يبلعُ الطعمَ فكراً وتنظيماً. وهكذا فإن الاستيراد العربي هنا في هذ المصطلح الذي قامت به النخب في كل من الاتحاد السوفيتي ومصر والعراق يعكس تبدل العلاقات السياسية، وقدرتها على تغيير المصطلحات العلمية والتجارة بها ويحدث تحت مظلتها الكثير من المشكلات السياسية والتنامي للدكتاتوريات الشرقية.
 
صحيفة اخبار الخليج
31 يوليو 2008

اقرأ المزيد

يوسف شاهين

في‮ ‬مطالع السبعينات الماضية كانت سنوات قليلة فقط قد انقضت على هزيمة الخامس من حزيران‮ / ‬يونيو ‮٧٦٩١ ‬التي‮ ‬هزت النفوس والعقول،‮ ‬وكادت أن تصيب في‮ ‬مقتل أحلام الكثيرين‮.‬ يومها بدأت سلسلة من المراجعات النقدية،‮ ‬السياسية والفكرية،‮ ‬لتمحيص الأسباب التي‮ ‬قادت إلى الهزيمة‮.‬ كتب صادق جلال العظم‮ » ‬النقد الذاتي‮ ‬بعد الهزيمة‮«‬،‮ ‬ومن ثم»نقد الفكر الديني‮«‬،‮ ‬وسعت الحركات القومية لتخطي‮ ‬شرنقتها الشوفينية،‮ ‬والانفتاح على الفكر الديمقراطي‮ ‬التقدمي،‮  ‬لكنها سرعان ما وقفت في‮ ‬منتصف الطريق،‮ ‬وعادت اليوم تجاهد لطي‮ ‬صفحة المراجعة هذه من تاريخها،‮ ‬لا بل وتعتبرها نقيصة‮ ‬يتعين التبرؤ منها‮.‬ كنا وقتها تلاميذ في‮ ‬المدارس،‮ ‬ولكن أذهاننا ابتدأت تتفتح على ذلك الوعي‮ ‬النقدي‮ ‬الذي‮ ‬طبع المرحلة،‮ ‬وفي‮ ‬تلك الأثناء شاهدت الفيلم الشهير ليوسف شاهين‮:»‬العصفور‮«‬،‮ ‬وما زلت أذكر الأداء المدهش للفنانة محسنة توفيق فيه،‮ ‬وهي‮ ‬تنطلق‮ ‬غاضبة إلى الشارع،‮ ‬حين أعلن الزعيم جمال عبد الناصر تنحيه من منصبه،‮ ‬وما زلت أذكر أيضاً‮ ‬الصوت الرخيم للراحل الشيخ إمام وهو‮ ‬يؤدي‮ ‬أغنية‮:»‬مصر‮ ‬يمه‮ ‬يا بهية‮« ‬على خلفية بعض مشاهد الفيلم‮.‬ كان ذلك الفيلم شهادة على الهزيمة وإعلان رفض قاطعٍ‮ ‬لها،‮ ‬في‮ ‬سياق المراجعة النقدية التي‮ ‬أرادت أن تتخطى الهزيمة وتؤسس للمستقبل،‮ ‬ثقة في‮ ‬مقدرة الناس على أن‮ ‬يصنعوا ما‮ ‬يبدو مستحيلاً،‮ ‬وأن‮ ‬يبقوا من التاريخ منفتحاً‮ ‬على أفقٍ‮ ‬جديد‮.‬ في‮ ‬العام ‮٥٧٩١‬أصبحت طالباً‮ ‬في‮ ‬جامعة القاهرة،‮ ‬وكان أن حضرت أسبوعاً‮ ‬لأفلام‮ ‬يوسف شاهين،‮ ‬رافقته ندوات تطبيقية،‮ ‬فاكتشف عالم هذا المخرج،‮ ‬الذي‮ ‬توالت تجاربه في‮ ‬العقود التالية وازدادت نضجاً‮ ‬فنياً،‮ ‬وهو‮ ‬يتتبع متغيرات العالم وتحولاته بعينٍ‮ ‬فاحصة‮.‬ ‮ ‬من الإسكندرية التي‮ ‬عاد إليها جثمانه أخيراً‮ ‬ليرتاح في‮ ‬تربتها الطيبة انطلق‮ ‬يوسف شاهين إلى مصر كلها،‮ ‬ومنها إلى العالم‮. ‬وظلت الإسكندرية،‮ ‬هذه المدينة الرائعة،‮ ‬التي‮ ‬كانت ملتقى للثقافات والحضارات والجنسيات المختلفة حاضرة في‮ ‬روجه وقلبه،‮ ‬حياها بأكثر من فيلم،‮ ‬وهو‮ ‬يروي‮ ‬تاريخ مصر المعاصر من خلال سيرته الذاتية،‮ ‬كأنه‮ ‬يريد القول انه،‮ ‬بمقدار من المقادير،‮ ‬نتاج روح التسامح والتعايش التي‮ ‬طبعت هذه المدينة التي‮ ‬نشأ فيها‮.‬ تجربة‮ ‬يوسف شاهين تؤكد القاعدة التي‮ ‬لا‮ ‬يريد الكثير من المهووسين بالعالمية أن‮ ‬يصغوا إليها،‮ ‬وهي‮ ‬أن عالمية الفنان تتحقق بمدى انغراسه في‮ ‬تربة وطنه وقضايا شعبه‮.‬ كان‮ ‬يوسف شاهين مخرجاً‮ ‬عالمياً،‮ ‬للدرجة التي‮ ‬جعلت قصر الاليزيه الفرنسي‮ ‬ينعاه بعد رحيله،‮ ‬وقبل ذلك كان العالم كله قد اعترف به مخرجاً‮ ‬كبيراً‮ ‬داعياً‮ ‬لحوار الثقافات وتفاعلها،‮ ‬ونبذ الانغلاق والتزمت،‮ ‬ولكن من موقع الانتماء لمصر وللثقافة والتاريخ العربيين‮.‬ إن أفلامه التي‮ ‬تكاد تبلغ‮ ‬الأربعين فيلما أنجزها خلال ستة عقود من عمره الذي‮ ‬تجاوز الثمانين هي‮ ‬سيرة مصر المعاصرة،‮ ‬في‮ ‬تحولاتها وانعطافاتها،‮ ‬في‮ ‬هزيمتها وفي‮ ‬نصرها،‮ ‬في‮ ‬انكساراتها وفي‮ ‬وعودها‮.‬
 
صحيفة الايام
31 يوليو 2008

اقرأ المزيد

التأخير‮.. ‬بوصفه‮ ‬سمة حضارية في‮ ‬بلادنا


أستغرب من بعض المسؤولين الذين يتولون مهاماً حيوية وضرورية في البلد، أستغرب تصريحاتهم للصحافة وللوسائط الإعلامية الأخرى بأن القضايا التي يتصدون لحلها ليست بالسهلة، ولأن النسبة السكانية في مملكة البحرين عالية، فذلك بالضرورة يقتضي منهم وقتاً طويلاً لحلها، لذا هم يلجئون للحل التدريجي كطريقة معقولة ومرضية نسبياً، ومن هذه المهام مثلاً، إعانة الغلاء التي مضى على إقرارها شهور ولم تصرف للكل بعد، والذريعة هي النسبة السكانية، تخيلوا مملكة البحرين التي لا يزيد عدد سكانها عن المليون ولا تزيد نسبة الإعانة المقرة عن نصف المليون، يشتكي فيها المسؤولون من عدد السكان (الهائل) المحتاج لهذه الإعانة، ماذا لو كانت البحرين تبلغ نسبة السكان فيها نفس إحدى عواصم أوربا؟ فقط عواصم وليست البلد بأكملها، ماذا يا ترى سيفعلون؟ ومتى ستصرف هذه الإعانة؟ بالتأكيد سيحتاج المسؤولون لدينا إلى ربع قرن كي يحلوا مشكلة المحتاجين للإعانة أو المقرة لهم هذه الإعانة و(نطري يا حريجة سار لين يجي الماي من لحنينية).
قس على ذلك المتقدمين لطلبات إسكانية، والذين لا يستلم الواحد منهم مفاتيح الشقة قبل المنزل إلا بعد أن يقترب من أرذل العمر، تخيلوا بعضهم يظل خمسة وعشرين عاماً يلهث يومياً إلى الإسكان ليطمئن -فقط- على تاريخ تسليمه مفاتيح الشقة أو الوحدة السكانية، وليس استلامها، لماذا هذا التأخير؟ لماذا هذه (البهدلة)؟ ماذا يطلب المواطن أكثر من حق اعتيادي وهو الذي سيدفع أيضاً ضريبة هذا الحق؟ أتساءل: ماذا لو كان عدد سكان البحرين قد بلغ المليونين نسمة؟ متى سيكتمل المشروع الإسكاني؟ كم سنة يحتاجها المواطن كي يضمن له ولعائلته سكن؟..
حالة أخرى لا تقل مصيبة عن ما قبلها، وهي تعديل وتعبيد الشوارع وشق الطرق، لماذا هذا التأخير في إنجازها؟ سنوات وأحياناً تعقبها سنوات إذا حدث -لا سمح الله- اختلاف بين الجهة الحكومية المعنية والشركة التي رست عليها الصفقة، الشوارع (ملخبطة) والمواطن الذي أصيب بداء (أم الديفان) بسبب تغيير الطرق يومياً معرض لمخالفات المرور وبشكل يومي، وهو الذي لم يقصد على الإطلاق المخالفة إلا لسبب تداركه (أم الديفان) قبل أن يدركه المرور، ويحصي المرور الأموال العائدة منه قبل أن يدفعها، لماذا هذا التأخير؟ أين المشكلة؟ لماذا لا نلحظ مثل هذه الحالات في الدول الهائلة السكان؟
قس على ذلك، طلبات طاقة كهربائية إضافية للمنازل أو المكاتب، لماذا تتأخر إلى درجة مزعجة جداً؟ وهل يعقل أن يظل صاحب البيت متفرجاً على بيته الذي بناه حتى تأتيه الكهرباء من إدارتها أو وزارتها بعد أربعة أو خمسة أشهر؟ وتظل للأسف الشديد مشكلة زيادة طلبات الطاقة الإضافية للكهرباء هي البارزة على السطح وعلى ألسن المسؤولين: ‘اسمح لنا.. الطلبات كثيرة.. انتظر دورك’ يا جماعه إحنه مثل ما يقول المثل ‘كم أقرع’ وبعد ننتظر دورنا، أعتقد أن البحث في المشكلة بات مهماً وضرورياً حتى لا نجد أنفسنا يوماً (طبعانين) في مشكلة ما لها أول ولا آخر!!
نأتي بمشكلة أخرى قريبة من (الإعانة وأخواتها)، وهي مشكلة التأخير في التوظيف، فحتى يأتي دورك تحتاج لوقت طويل وأحياناً ينتابك اليأس من شدة الانتظار وكل مسؤول يطمئنك بكلمة لا شريك لها ‘ابشر.. أوراقك عندي، إن شاء الله ياي دورك جريب’ وأنت لا تملك إلا أن تنتظر البشارة حتى يتغير وزراء وتطير الطيور بأرزاقها لغيرك، وبعدها ما أسهل التبرير الذي لا يحمل في طياته أي عذر، وتظل (يابن آدم إنت المحتاج) حتى تنتابك الحسرة و(القراده)، فعلاً أمر غريب، لماذا نحن بالذات (ما نقدر ناخذها بالساهل)؟ ولماذا (تتكود) طلبات الوظيفة في بلد صغير مثل البحرين؟!
ولكن يا سيدي المواطن يا ابن أمي وأكثر من أخي، انتظر سيأتيك الرد عاجلاً في الصباح الباكر ‘تم صرف الإعانة للدفعة الخامسة’ وما أن تذهب لتبحث عن اسمك أو رقمك الشخصي حتى تجد نفسك في (دفعة) لم تعلن بعد، أية دفعة؟ الله أعلم!!.


الوطن 28 يوليو 2008

اقرأ المزيد

ثورة أم انقلاب؟


يعبر الجدل البيزنطي الطويل حول الحدث الكبير في 23 يوليو عام 1952م بأنه انقلاب أو ثورة عن عدم حل الاختلافات الفكرية العميقة بين قوى التحرر العربية، التي تباينت رؤاها في مثل هذا الحدث، ورغم اتفاقها على أهميته التاريخية التحولية فإنها تتباين في رصده وتقييمه. ولا تزال القوى القومية ذات النزعة الشمولية تعتبرُ الحدثَ ثورةً ناصعةً منذ أن تدفقت من (العُلا)، وكتبَ سطورَها شبانٌ (آمنوا بربهم وبفجر أمتهم) وغيرها من العبارات الرومانتيكية التي كانت سائدة بقوة في تلك العقود الجميلة من التاريخ العربي.
ولكن (الانقلاب) العسكري الذي حدث في ذلك اليوم كان قطعاً مع التراكم الديمقراطي الذي كان يتدفق خلال عقود عديدة في مصر، وقد صنع الانقلاب طيفٌ سياسي عريض من الضباط المستقلين عن أي تنظيم وهم الذين أسسوا الحركة ووضعوها في أيديهم، وانضمت إليها القوى الدينية والماركسية من دون أن تدرك بحصافة من يقود هذا التنظيم وأهدافه وطبيعة عمله ووعيه، نظراً إلى طابع الوعي السياسي العفوي حينذاك وعدم القراءة البعيدة للتطور. ونظراً إلى الطابع الخاص لهذه الحلقة التي سُميت (الضباط الأحرار) فان النقاشات الديمقراطية لم تجر وسطها، ولم تتمثل القوى السياسية تمثلاً يعبر عن أحجامها في المجتمع، ولم تتضح آلية عمل هذه المنظمة السرية التي تعمل بمثل هذا الخفاء، وهذا كان كله يجري عبر آلية تنظيم عسكرية لها طريقتها الخاصة في الضبط والربط وعدم الإيمان العميق بالحوار ويصعد الفرد فيها بالطاعة فلا تنضج نظرة ثورية حقيقية داخلها. وكان ما يجري داخل حلقة (الضباط الأحرار) يماثل ما يجري في التنظيمات السياسية الدينية والماركسية فكلها تقوم على دكتاتوريات جماعة واستيراد وعي وطاعة عمياء، رغم أن التنظيمات بها مساحة أكبر من الفهم للمجتمع وتشكلت بها ثقافات أكثر عراقة من ذلك التنظيم السري. وهكذا فقد وضعت تلك التنظيماتُ السلطةَ في يد العسكريين الوطنيين، التي بدأت كحلقة كبرى ثم تركزت القرارات في يد مجموعة ضيقة ثم في يد فردين هما الرئيس جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر. لقد وظفت التياراتُ السياسية جمهورَها وحشدته من أجل الضباط الأحرار والانقلاب العسكري، لكن قيادة الانقلاب راحت تتفرد بالسلطة على نحو متسارع، حتى احتكرت الحكم طوال العقود التالية. كانت العفوية السياسية والمعاناة الطويلة من النظام الملكي التابع وورثة هائلة من الفقر والاستغلال والمؤامرات الجنونية للنظام تدفع ربما أحكم العقلاء ليجري مثل تلك المغامرة العسكرية المذهلة والجبارة، وقد حدثت المغامرة ونجحت ومن دون تكلفة كبيرة من التضحيات، ولكن مهمة التغيير صعبة ومحفوفة بالمخاطر خاصة مع ذلك الانفراد بالسلطة وعدم تكوين جبهة وطنية ديمقراطية تحكم البلد. ولم يكن للضباط الأحرار دراية بمشكلات الواقع ولا بكيفية إصلاحه، واعتمدوا على سلسلة طويلة من التجارب المريرة، بدءًا من إصلاح زراعي محدود، حتى القيام بتأميم المصانع وترك التجارة السوداء والبيروقراطية تنهشان في القطاع العام. وما بدأ بشكل انفرادي وبتسارع كبير نحو القمة انتهى بانكسار سريع كذلك، وبدا أن كل المنجزات قد ضاعت، بسبب تلك الشمولية الرعناء، وجاءت الهزائم العسكرية لتقوض الأحلام الكبيرة في ستة أيام. لقد اخطأت التنظيمات السياسية في تصعيد مثل تلك الحلقة، ثم تتالت الضربات عليها، ثم قدمت مشروعات إما ذيلية متقزمة أمام النظام وإما انتحارية تلجأ إلى اسوأ الأعداء، فضاعَ الشعبُ بين طرق متعاكسة سياسية حادة، وبقيت مثل هذه الطرق حتى الآن تاركة للعسكريين امتصاص الوطن كبقرة حلوب جفتْ كلُ «أثدائها«. لم تقم التنظيمات بإعادة النظر في أدوارها تلك، ولم تر الحركة العسكرية الوطنية إلا بمناظيرها المحدودة، فقد تغير الانقلاب إلى عملية ثورية كبيرة قوضت الكثير من الظروف السيئة التي رزح تحتها الناس، ونقلت عملية التغيرات إلى الوطن العربي، وكانت الجماعة الثورية الحاكمة بحاجة إلى قوى سياسية مساندة ومنتقدة كذلك، وكان من الضروري الإيمان ببطلها جمال عبدالناصر الذي كان ضميره نقيا ولم يدخلهُ الفسادُ من كل الأبواب التي حاولها، ولا ينفي هذا ضرورة الاختلاف مع رؤاه السياسية ولكن التي كان من الممكن نقدها بشكل رفيق بناء. ويبقى أن يلتفت الناصريون والقوميون إلى هذه الظاهرة كمركب معقد وليس كظاهرة احادية، فالوطن العربي بحاجة إلى تراث الثورة الناصرية العظيمة ولكن عبر تمثل جوانبها الإيجابية ولفظ سلبياتها الشمولية وعاطفيتها الحادة، لأننا نريد تغيير الحاضر ولا نريد الدعاء بين الأطلال.


أخبار الخليج 30 يوليو 2008

اقرأ المزيد

دروس صفقة تبادل الأسرى “2-2”


حينما يتحقق إنجاز وطني كبير مشرف بحجم تحرير عميد الأسرى اللبنانيين المناضل سمير القنطار الذي رزح في سجون العدو الإسرائيلي 29 عاما عقابا له على دوره البطولي في عملية ” نهاريا ” والتي لم يشف العدو الصهيوني غليله بعد من كل هذه الفترة الطويلة التي أمضاها متوعدا بملاحقته داخل وطنه لبنان، وحينما يتحقق انجاز وطني مشرف كبير بحجم تحرير أربعة مناضلين لبنانيين آخرين من مقاتلي حزب الله أسرهم العدو الإسرائيلي خلال عدوانه في يوليو/ تموز 2006م على لبنان، وحينما يتم تحقيق إنجاز وطني مشرف كبير بحجم إعادة رفات وجثامين 199 شهيدا لبنانيا وفلسطينيا وعربيا من ضمنهم الشهيدة البطلة دلال المغربي، هؤلاء الشهداء الذين بدوا لفترة من الزمن قد طواهم النسيان في ظلمات الليل العربي المدلهم الطويل..
 نقول حينما يتحقق انجاز وطني كبير بحجم كل ذلك فلا مجال للمكابرة أو الحسابات الفئوية والحزبية الضيقة أمام هذا الانتصار والمكسب الوطني الكبير المشرف
أيا تكن الحركة أو الجهة العربية التي يجرى على يدها تحقيق هذا الانتصار. ذلك أن مثل هذا الانتصار الكبير إنما يمثل في المقام الأول الإرادة الوطنية الجمعية ورد اعتبار للكرامة اللبنانية والعربية التي طال استباحتها على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني. والمناضلون الذين افتدوا بأرواحهم في تلك العمليات البطولية إنما افتدوها من أجل الوطن وحريته بصرف النظر عن الراية الحزبية التي ناضلوا تحتها. ولو لم يكن الأمر كذلك لما سعى حزب الله الى جعل اسم سمير القنطار في مقدمة أسماء الأسرى الذين طالب بتبادلهم في الصفقة بالإضافة الى أسماء شهداء من مختلف الجنسيات العربية لاستعادة رفات جثثهم.
 ولعل عظمة الشعب اللبناني تتجلى في قدرته على التسامي على جراحه عند المنعطفات الصعبة والشدائد، هكذا ظهر في التفافه حول المقاومة ووقوفه صفا واحدا في وجه العدوان الإسرائيلي في يوليو/ تموز 2006، وهكذا ظهر لدى تحقق الإنجاز الوطني الكبير المشرف المتمثل في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، وهكذا جاء الاحتفاء بهذا النصر شعبيا ورسميا. فالقيادة السياسية والحكومة لم تزنا ما تحقق بالموازين الضيقة بل اعتبرتاه انجازا وطنيا كبيرا شاركت فيه على أعلى المستويات، وهكذا أقيمت منصة شرف على أرض المطار وهي المنصة التي لا تقام عادة إلا لقادة ورؤساء الدول الى جانب فرش سجادة حمراء.وكان في مقدمة مستقبلي الأسرى المحررين رئيس الجمهورية ميشيل سليمان ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة ورئيس البرلمان نبيه بري. هذا الى جانب رؤساء الحكومة السابقين وجميع وزراء الحكومة الجديدة والسفراء العرب والأجانب.
 لم يحدث قط في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أن شاركت حكومة عربية شعبها في الاحتفال بمكسب وطني كبير تحقق على يد إحدى قواه السياسية سوى الحكومة اللبنانية. يكفي الشعب اللبناني فخراً بما حققه من إنجاز وطني كبير ان يرى ما انتاب قيادة العدو من مشاعر هستيريا غاضبة تعبر عن جزعه وحنقه من إرغامه صاغرا ذليلا على ما قدمه من تنازلات في الصفقة، وبلغ الأمر برئيس الوزراء أولمرت الى استخدام لغة الشتم بقوله: ” ويل لدولة تحتفل في هذه اللحظات بالإفراج عن حيوان بشري سحق جمجمة طفلة عمرها 4 سنوات”، فيما قال الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز: ” ” نشاهد في لبنان احتفالا رسميا لاستقبال القنطار المجرم الذي حطم بعقب البندقية اينات ذات الأعوام الأربعة ” على حد زعمه. وقال دافيد دوركمان حاخام مدينة كريات موتسكين: ” انه اليوم الأكثر سوادا. لا أتمنى ذلك لألد أعدائي.. انها نهاية مأساوية “.
ولعل من المؤسف حقا، ان نصرا لبنانيا وعربيا وطنيا كبيرا كالذي تحقق على يد المقاومة الوطنية اللبنانية والذي احتفل به كل لبنان رسميا وشعبيا ولم يخضع للحسابات الفئوية أو الحزبية الضيقة لدى كل اللبنانيين على اختلاف فئاتهم ومشاربهم الفكرية والحزبية، أن يخضع لدى قوى ودول عربية لتلك الحسابات الضيقة. أما كان جديراً بكل الدول العربية على الأقل تهنئة لبنان ولو رسميا بهذا المكسب الوطني الذي شاركت في الاحتفال به القيادة السياسية والحكومة في لبنان على أعلى المستويات؟
أخبار الخليج 28 يوليو 2008

اقرأ المزيد

هيبة القضاء وتعميم ديوان الخدمة


من أهم شروط البناء الديمقراطي في أي مجتمع انجاز الفصل بين السلطات الثلاث، ومنع تداخل الصلاحيات بينها، وضمان استقلالية أن تؤدي كل واحدة من هذه السلطات مهامها بعيداً عن تأثير وضغوط سلطة أخرى. ومؤخراً أكد جلالة الملك على ضرورة احترام قرارات القضاء، وهو أمر ينسجم مع الحرص على أن تكون السلطة القضائية في البحرين مستقلة عن كافة تأثيرات السلطة التنفيذية، وكذلك عن الأهواء والضغوط الأخرى التي يمكن أن تؤثر على قراراتها. وفي كل الأحوال نحن مطالبون بالتأكيد على هيبة القضاء وعلى استقلاليته، مع ما يترتب على ذلك من تأمين لشروط وضمانات هذه الاستقلالية في كافة مراحل نظر القضايا المعروضة عليه، بما في ذلك في مراحل التحقيق الأولى التي تلي القبض على المتهمين، وضمان حضور محامين عنهم منذ البداية. ومن ذلك أيضاً الإصغاء لمطالبات الدفاع في التيقن من أن أقوال المتهمين أثناء التحقيق أو أمام المحكمة لم تفرض تحت تأثير أي صورة من صور الإكراه والتعذيب.  وكلما حرصت الهيئة القضائية في بلادنا على التيقن من استيفاء مثل هذه الشروط، وهي تؤدي عملها، كلما عززت مناخ الثقة في أدائها، وكرست صدقيتها في أعين الماثلين أمامها من متهمين، وفي أعين المحامين وكذلك الهيئات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بقضايا حقوق الإنسان، وأشاعت اطمئناناً إلى سلامة قراراتها، بما يحقق دعوة جلالة الملك في أن تكون كلمة القضاء مهابة ومصانة في المجتمع. ومن موقع الحرص على مهابة القضاء في بلادنا، وثقتنا في أنه يمكن أن يكون ضامناً للحريات ولحقوق الإنسان، بودنا التوقف أمام التعميم  رقم ٤ لعام ٨٠٠٢ »بشأن الإجراءات التي سيتم اتخاذها ضد العاملين في الجهات الحكومية في حالة قيامهم بأعمال من شأنها أن تزعزع الأمن والاستقرار« الذي أصدره ديوان الخدمة المدنية للوزراء ولرؤساء الهيئات الحكومية في العشرين من يوليو / تموز الجاري، داعياً إياهم لاتخاذ إجراءات صارمة ضد من يثبت اشتراكهم في أعمال تخريب أو تجمعات غير مرخصة. ولسنا في وارد الدفاع، بأي صورة من الصور، عن أي شكل من أعمال  التخريب أو الإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة، ولا عن التجمعات غير المرخصة، لكننا بالمقابل، لا نرى أن مهمة معاقبة من يشترك في مثل هذه الأعمال هي من مهام جهاز تنفيذي كديوان الخدمة المدنية أو سواه، وإنما هي تحديدا مهمة السلطة القضائية المعنية بتقرير شكل وحجم العقوبة عن أية مخالفة للقانون. إن الخشية مشروعة، من واقع تجارب سابقة، بأن يجري التعسف في استخدام محتوى هذا التعميم للتضييق على حرية التعبير وأشكال الاحتجاج السلمي الراقي التي أكد على احترامها جلالة الملك في توجيهاته الأخيرة، خاصة وان تعميم ديوان الخدمة المدنية ينص صراحة على أن الديوان سيقوم بتعديل تعليمات الخدمة المدنية رقم ٢١ لعام ٧٠٠٢ بشأن جدول المخالفات والجزاءات بما يتماشى مع تعميمه الأخير، وهو أمر يثير مخاوف شديدة من توسيع نطاق هذه الإجراءات والتعسف في استخدامها. إن أي عقوبة يجب أن يُنص عليها صراحة في القانون، وأن يكون القضاء هو المعني بتقرير إيقاعها على من يثبت له انه خالفها، ففي ذلك تعزيز لمبدأ فصل السلطات وتوكيد لهيبة القضاء ومكانته التي ننشدها.

 
الأيام 30 يوليو 2008

اقرأ المزيد

مأزق السياسات المذهبية

من المؤكد أن ثمة مأزقاً يواجه الحكومات والمعارضات القائمة على المذهبية السياسية، فإذا طرحت المعارضة المذهبية أي حلول للمشكلات الاقتصادية والسياسية فإن الحكومة تقوم بنقضها، بغض النظر عما إذا كان النقض صحيحاً أو خاطئاً، فهي لا تريد تقوية الطرف المذهبي السياسي المختلف عنها والمعارض لها، لتفويت الفرصة على نموه وانتشاره وتهديده للبناء السياسي. فمهما تكن جماهيريته أو أن خطاباته عقلانية أو غير عقلانية فإن وجوده كمذهبية سياسية في حد ذاته هو مبعث قلق شديد، وبالتالي يزدادُ القلقُ من الانتصارات والانتشار فتوضع العراقيل لمنع ذلك.
 وبالعكس تغدو “العقلانية” مبعث قلق أشد لأنها تنمو فوق ذات الجسم السياسي المذهبي لكنها تحصل على أنصار أكثر وتزداد رقعتها الاجتماعية فتكون مدعاة للصد والمناورات السياسية المختلفة التي تعمل على سحب البساط من تحت قدميها.
في حين إن الطرف المذهبي السياسي المتطرف يفقد أنصاره وتضيق رقعته فلا يغدو هو مبعث الخطر رغم جسامة أعماله. إن الطرف المذهبي السياسي المعارض يرى وجوده المذهبي وجودا مبررا بديهيا غير قابل للمناقشة، في حين إنه وجود اجتماعي عفوي اختلط بعمل سياسي محدود وغير عميق وليس بعيد النظر، فصار العمل السياسي المذهبي المنظم أسير مفرداته ومنشئه الاستيرادي، فهو لم يخرج من نضال الشعب الموحد وارتبط في حركته السياسية بدور العبادة والمؤسسات المذهبية الخاصة بطبيعة حال المذهب، وجلبه مثقفون وشيوخ دين وزرعوه كعمل سياسي في حضن المذهب وعباداته، فلم ينشأ كتنظيم وطني، بل مناطقي وكياني خاص، وانتقلت العملية مما قبل الانتخابات إلى الانتخابات، بالطرائق الأدائية الاجتماعية نفسها، فظهرت الكتلُ المذهبيةُ السياسية المختلفة،، فتعمق الانقسام على صعيدي الناس والأجهزة السياسية، التي كان من المفترض أن تقوم بالحلول للمشكلات المتراكمة طوال نصف قرن لا أن تعطلها وتزيدها إرباكاً. وهذا يشكل مأزقاً خاصة للمعارضة التي كانت هي الدينامو لعملية التغيير السياسي، طوال العقود المختلفة، فقامت النشأة ومستويات الفهم السياسي والثقافة بحبس الجسم السياسي في أدواته، فهو كلما أراد أن يحل المشكلات عمقها ووسعها. ولهذا فإن الحلول المطروحة في عمل هذه المعارضة المذهبية السياسية تتشكلُ على السطح، كحمل الأعلام الوطنية أو ترديد كلمات الوطنية والشعب الواحد، وهذا قد يكون مهما على مستوى النيات، لكن النيات لا تصل إلى مستوى التشكيلات السياسية، فالفروع السياسية والتحركات السياسية والمطلبية تدور دائماً في المنطقة المذهبية الجغرافية وتعجز عن القيام بعمل وطني. كذلك فإن التداخل الكثيف بين العبادات والسياسة لا يحول السياسة إلى نشاط عقلاني، دنيوي قابل للأخذ والرد، والتبديل والتعديل. وهذا المأزق لا يضعف المعارضة فحسب بل يضعف الدولة كذلك، فالانقسامات المستمرة والصراعات اللامجدية والحلول الشكلية والتجنيس وتوسيع حضور العمالة الأجنبية، كلها لا تضعف المعارضة المذهبية فقط بل الدولة كذلك على المستوى البعيد. وبهذا فإن بدايات خطوات صغيرة في الاتجاه العلماني الوطني تغدو ضرورة، مثل تخفيف ارتباط السياسة بالمذهب، وفتح الأبواب في التنظيمات المذهبية لأبناء البلد، وبدء تغيير الخطابات السياسية ذات الركائز الدينية والاتجاه بها نحو القيم السياسية العالمية كالعقلانية والتنوير والديمقراطية والحداثة، وبطبيعة الحال هذا لا يتناقض مع الإرث الإسلامي، بل يتطلبه حيث تتم رؤية الإسلام كحضارة واحدة وليست أعراقاً ومذاهب. ولابد للدولة أن تتخلى عن سياسة نقض التنظيمات المذهبية بالإجراءات والتكتيكات، بل عبر تشكيل جسم بحريني وطني تتشكل علمانيته وقانونيته في شتى مجالات الحكم والمجتمع، فيجد الناس عبر العمل والسكن وحماية البيئة عالماً مشتركاً ينسون فيه تمايزاتهم المذهبية وتحويلها إلى صراعات غير مجدية.

 أخبار الخليج 28 يوليو 2008
 

اقرأ المزيد

فنزويلا والأشرعة مفردة على الآخر


الثلاثاء الماضي وصل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز إلى موسكو في زيارة هي السادسة من نوعها. لكن هذه الزيارة تختلف هذه المرة في أبعادها الاستراتيجية.
أعلن شافيز أنه يحمل إلى الرئيس الروسي الجديد دمتري ميدفيديف تحية من صديقه ومعلمه القائد الكوبي فيديل كاسترو، مشيرا إلى البعد القاري لهذه الزيارة في أميركا اللاتينية. مدفيديف أضاف لها بعدا آخر حين أكد على أن ‘العلاقات بين روسيا وفنزويلا لا تحمل طابع الثبات فقط، بل والدينامية أيضا’. والأرقام تعزز ذلك بالفعل. التبادل التجاري بين البلدين ينمو بتسارع حثيث. فخلال العام واحد فقط قفز حجمه من 517 مليون دولار العام ,2006 متضاعفا إلى ما يزيد على المليار دولار العام .2007
شركات روسية عملاقة مثل ‘غازبروم’، ‘لوك أويل’ و’روسيسكي ألومينيي’ قد ترسخت في السوق الفنزويلية منذ زمن بعيد. وشركات أخرى سجلت حضورها بقوة أثناء الزيارة الأخيرة. وبعد انتهاء المباحثات ذهبت صحيفة ‘ازفيستيا’ حد القول بأنه ‘يبدو وكأنه لا توجد هناك علاقات أكثر توطدا من تلك التي بين كراكاس وموسكو’.
الاتفاقيات التي وقعت أثناء الزيارة ستسمح لروسيا بمساهمة أكبر في قطاع النفط والغاز ليس في فنزويلا فقط، بل وكل أميركا اللاتينية كما قال شافيز. بحضور الرئيسين وقع المدير التنفيذي لشركة – جيرمان خان ووزير الطاقة والنفط الفنزويلي، رئيس شركة (بتروليوس دي فنزويلا-PDVSA) النفطية الحكومية روفائيل راميريس كاررينو اتفاقية حول التنفيب المشترك في مجمع ‘أياكوتشا -‘2 في مقاطعة أورينوكو الغنية بالنفط. رئيس شركة ‘لوك أويل’ فاجيف أليكبيروف والسيد كاررينو وقعا مذكرة تفاهم واتفاقية حول التنقيب المشترك في مجمع ‘خونين -‘3 في شريط ‘أورينكو’ النفطي. ووقع نائب رئيس إدارة ‘غازبروم’ ألكسندر ميدفيديف وكاررينو اتفاقية حول الإصدار المشترك للشهادات والتقييم الكمي لاحتياطات مجمع ‘أياكوتشا – ‘3 في شريط أورينوكو النفطي. غير أن التعاون في حقول نفطية بعينها لم يستنفد إمكانيات التعاون. فقد جرى الحديث أيضا عن إنشاء ‘أوبك غازي’ – اتحاد البلدان المنتجة والذي يمكن أن يسمح لها بالتنسيق من أجل وضع شروط اللعبة في سوق الغاز العالمية.
وبالرغم من أنه لم يتم اتخاذ قرار بهذا الصدد بعد، إلا أن ميدفيديف إلى جانب شافيز أكد على أن من الخطأ اعتبار هذ الملف مقفلا. وطرح فكرة ‘أوبك الغازية’ من جديد وعلى مستوى قارة جديدة سيعطي لها دفعة عملية أقوى وبعدا عالميا أكثر سعة. كانت هذه الفكرة قد استفزت واشنطن مرارا في السابق حين طرحت بين موسكو وكل من الجزائر وإيران وقطر في السنوات الماضية. غير أن ذلك ليس الأمر الوحيد الذي قض مضاجع المسؤولين في واشنطن بنتيجة هذه الزيارة.
كان التعاون التقني العسكري هو الموضوع الرئيسي في لقاء شافيز مع رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بالرغم من أن بوتين عبر عن طموح أكبر في تنويع العلاقات الروسية الفنزويلية حيث توجد آفاق رحبة للتعاون في مجالات المواصلات والفضاء والتكنولوجيات العلمية.
وكما أوضح روسلان بوخوف، مدير معهد تحليل الاستراتيجيات كانت فنزويلا قد تقدمت بطلبات لأنواع من الأسلحة التي لم يجر اختبارها بعد والتي لا يمكن لروسيا أن تبدأ في تصديرها قبل عامين أو ثلاثة من الآن. الحديث يجري عن طائرات مقاتلة من طراز ‘سوخوي -’35 وحوامات ‘مي – ’28 وغواصات من صنف ‘أمور’. أما موسكو فتعرض بيع الأسلحة التي يتم إنتاجها الآن. وحسب هذا الخبير فإن الخطط البعيدة المدى مع فنزويلا في مجال التعاون التقني العسكري تنطوي على نوع من المخاطرة. أما صحيفة ‘غازييتا’ فذهبت في تفسير ذلك إلى أبعد، أي بتخوف روسيا من احتمال أن يقوم شافيز بتحويل بعض هذه الأسلحة إلى بلدان متورطة في مشاكل إقليمية في المنطقة مثل كولومبيا.
غير أن جوانب أخرى من التعاون العسكري بين البلدين كانت من أشد ما يزيد أوجاع دماغ الأميركيين. لقد اقترح شافيز على أصدقائه الروس نشر قواعد عسكرية في هذا البلد من القارة الأميركية اللاتينية. وجوابا على سؤال صحافي قال شافيز بالحرف الواحد ‘إن لدى روسيا إمكانيات كافية لضمان وجودها العسكري في مناطق مختلفة من العالم. وإذا ما رغبت القوات المسلحة الروسية بمثل هذا الحضور في فنزويلا فستجـــد ترحيبــا حارا’.
ومهما كان وقع موافقة شافيز على وجود عسكري روسي في فنزويلا كبيرا على الأميركيين، فإنه أيضا يفوق كل توقعاتهم وحدود قلقهم. فقد دعاهم أيضا إلى بناء نظام للدفاعات المضادة للطيران. ويرى بعض الخبراء أن ذلك يعني أن الرئيس الفنزويلي من حيث الجوهر اقترح على الروس شكلا من أشكال الرد المناظر على نشر عناصر نظام الدفاعات المضادة للصواريخ الأميركية في أوربا الشرقية. وفي الأسبوع الماضي فقط أبدى الأميركيون انزعاجهم تجاه الأخبار حول إمكانية استخدام مطار في كوبا من أجل إعادة تزويد الطائرات الإستراتيجية القاذفة الروسية بالوقود. وكان مصدر دبلوماسي عسكري في موسكو قد أكد لوكالة ‘إنترفاكس – أ ف ن’ الإمكانية النظرية لسيناريو كهذا: ‘في حال اتخاذ مثل هذا القرار السياسي فستتمكن الطائرات الحاملة للصواريخ طراز ‘تو – ‘160 و’تو-95 إم إس’ من استكمال تزودها بالوقود في أحد المطارات الكوبية. وقال أن الخبراء الروس قد أعدوا مقترحا بهذا الصدد.
وبالرغم من أن شافيز اعتبر رقم 30 مليار دولار مبالغا فيه كقيمة للصفقات المبرمة في مجال التعاون التقني العسكري بين البلدين على مدى الأربع سنوات القادمة، إلا أن مؤسسة ‘فينماركت’ أشارت إلى أن ما تم أو يجري الآن إنجازه على أساس الصفقات السابقة يبلغ حوالي 4 مليارات دولار. وعلى حد تعبير شافيز ‘إننا نسير وأشرعتنا مفردة على الآخر’.
في بعد ثالث، هو الآخر بالغ الحساسية بالنسبة لواشنطن التي تقع الآن في قلب الأزمة المالية النقدية العالمية، كرر شافيز في موسكو الحديث عن انبعاث روسيا المتسارع إلى درجة أن عبر عن ثقته بأن الروبل الروسي سوف يصبح عملة عالمية قريبا. وقد دعا شافيز بوتين لزيارة كراكاس، ربما مسمعا واشنطن قوله: ‘سنرفع الأعلام ونقرع الطبول ونصدح بالأغاني عندما سيأتي أصدقاؤنا الذين تجمعنا وإياهم نظرة مشتركة للعالم’.
حقا لقد بدأ هذا العالم في التغير.. ابتداء من ‘الفناء الخلفي’ للولايات المتحدة نفسها.
 
 
الوقت 28 يوليو 2008
 

اقرأ المزيد

دروس صفقة تبادل الأسرى (1 ــ 2)


على الرغم من مرور نحو إسبوعين على عملية تبادل الأسرى بين المقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله وإسرائيل فان أصداء وتداعيات هذا الحدث الكبير مازالت تتوالى وتتفاعل في إسرائيل وفي لبنان وعلى مختلف الأصعدة عربيا وإقليميا ودوليا.
 فإذ تبرهن الصفقة المذلة بامتياز لإسرائيل، باعتراف أعتى قادتها وأنصارها، على حدود القوة والغطرسة اللتين ظلت إسرائيل تمارسهما بلا منازع على الساحة الإقليمية منذ عدوان يونيو 1967، فإنها تبرهن بالمقابل على حجم ما يملكه العرب من أوراق قوة وضغط وأسلحة متنوعة عديدة لطالما فرطوا ومازالوا يفرطون فيها، والتي من بينها كما نعلم إهمال القيمة المعنوية الهائلة التي يحيطها العدو ليس بحياة جنوده ومدنييه فحسب، بل بجثثهم إذا ما تعرضوا للموت، وهي قيمة لم يسبق لدولة في تاريخنا المعاصر، بل لربما على امتداد التاريخ العالمي كله بمختلف عصوره أن استبدت بها على نحو مهووس كالتي استبدت بالدولة الصهيونية.
 وإذا كانت إسرائيل قدمت كل هذه التنازلات الموجعة والمذلة بقبولها تحرير وتسليم مجموعة من أعتى أعدائها العرب الأبطال، ألا هم عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار وأربعة من مناضلي حزب الله الذين تم أسرهم في حرب يوليو/ تموز عام 2006، بالإضافة الى رفات جثث 199 مناضلا فلسطينيا وعربيا وكل ذلك في مقابل تسليمها جثتي جنديين إسرائيليين فقط وبضعة أشلاء لقتلى إسرائيليين، فماذا كانت يا ترى ستقدم من تنازلات على امتداد الصراع العربي ــ الإسرائيلي منذ احتلالها فلسطين العربية بالقوة عام 1948؟ وهنا يتبين لنا جدا كم جرى التفريط في حسن استغلال هذه الورقة خلال كل الحروب والمعارك التي خاضها العرب رسميا وشعبيا مع إسرائيل، بدءا من حرب 1948، ومرورا بحرب 1956، ثم حرب 1967، وليس انتهاء بحرب اكتوبر 1973، دع عنك كما قلنا معارك وحروب المقاومة الشعبية غير الرسمية.
صحيح ان عملية تبادل الأسرى الأخيرة بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل لم تكن هي أول عملية في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي منذ عام 1948، إذ تمت عمليات عديدة من هذا القبيل سواء فيما بين إسرائيل ودول المواجهة أم فيما بينها وبين حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، إلا أنه كان بالإمكان استغلال وتوظيف هذه الورقة ــ السلاح على نحو أفضل وأكثر فاعلية لو جرى حسن استغلاله.
 ومن نافلة القول ان ورقة التطبيع السياسي والاقتصادي، فضلا عن ورقة الأسرى هما من الأوراق التي يمكن توظيفها على طاولة المفاوضات تحديدا، هذا لو كان ثمة حسن استغلال لهذه الأوراق، كما ذكرنا، معطوفة بموقف جماعي فلسطيني موحد ومسنود بموقف جماعي عربي رسمي وليس مفاوضات منفردة يجرى فيها غالبا التسليم بضغوط العدو وتقديم التنازلات المجانية له، وذلك في ظل استفراده بكل طرف عربي على حدة مدعوما بقوة بموقف الولايات المتحدة المساند له وممارسة ضغوطها على هذه الأطراف العربية للتسليم بمطالب حليفها العدو الإسرائيلي. كما تتجلى أهمية الصفقة الأخيرة ودلالاتها في أنها تأتي في أوج لحظات هوان العرب وتشتتهم على نحو لم يكونوا عليه وان بدرجات متفاوتة خلال أوقات وظروف مجمل الصفقات السابقة.
 وبالإضافة الى ما تقدم ذكره من دلالات لصفقة تبادل الأسرى الأخيرة فإنه يمكننا أيضا أن نضيف الى ذلك الدلالات المهمة التالية:
 أولا: إن إتمام الصفقة يبين بجلاء ضعف إسرائيل أمام من تصفهم بالحركات «الإرهابية« وعدم تورعها عن الانصياع للمفاوضات ولو غير المباشرة مع هذه الحركات حينما تملك هذه الأخيرة أوراق ضغط في ساحات القتال مع العدو.
 ثانيا: لئن كانت واحدة من أكثر المقولات شيوعاً في اللغة السياسية فيما يتعلق بالأزمات السياسية الداخلية التي عصفت بلبنان منذ تفجر الحرب الأهلية عام 1975 هي أن ” قوة لبنان في ضعفه” فلعل هذه المقولة أفضل ما تتجلى وتتجسد بامتياز في الصفقة الأخيرة. فهذا البلد “الضعيف” الذي طالما صالت إسرائيل وجالت فيه واعتبرته مرتعا لاستعراض قوتها الوحشية المزيفة استطاع ان يذل إسرائيل غداة ذكرى عدوانها عليه في أواسط يوليو من عام 2006، وأن يجبرها بمقاومته الباسلة على التسليم بمطالبه المشروعة. واستطاع هذا البلد ورغم ما يمر به من أزمة سياسية عاصفة طاحنة ان يوحد صفوفه من أدنى المستويات الشعبية الى أعلى المستويات الرسمية للاحتفال بهذا الإنجاز الوطني بأفضل ما يليق وذلك كما جرى رسميا في المطار عند استقبال الأسرى المحررين من قبل رؤساء الجمهورية والنواب والحكومة المشكلة الجديدة.
 ثالثا: ان هذه الصفقة الأخيرة هي من الصفقات النادرة التي يرد فيها الاعتبار لقدسية جثامين الشهداء العرب في بلدان عربية اعتادت ألا تقيم أدنى وزن واهتمام لدماء الأحياء وحيواتهم فما بالنا بجثث الأموات؟
رابعا: على المستوى الذاتي الحزبي فإن لجوء قيادة حزب الله الى التشدد في شروط الصفقة لتشمل عميد الأسرى القومي سمير القنطار ورفات عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين والعرب من مختلف الانتماءات السياسية ونجاحه في هذه الشروط ومن ثم اكتسابه شيئا جديدا من الشعبية العربية هو في أمس الحاجة إليها في ضوء الظروف السياسية الراهنة التي يمر بها الحزب على خلفية مواقفه في الصراع السياسي الداخلي انما هو درس بليغ لكل الأحزاب الدينية والفئوية العربية لا حزب الله فقط، حول أهمية الخروج من الشرنقة الطائفية والمذهبية قدر الإمكان. فكلما تمكنت هذه الأحزاب العربية من الخروج من هذه الشرنقة وإضفاء البعد الوطني والقومي على هويتها وشعاراتها وبرامجها تمكنت من ان توسع من شعبيتها الوطنية والقومية بآفاق أكثر رحابة.



أخبار الخليج 28 يوليو 2008 

اقرأ المزيد