المنشور

مواضيع ذات مغزى‮..!‬


نوجه هذه المرة الانتباه إلى مواضيع عدة دفعة واحدة، لا نتمالك إلا أن نتوقف عندها ولو على شكل إطلالة موجزة لكونها ذات مغزى يستحق أن يوضع موضع التأمل، ومما لا شك فيه؛ فإن ثمة تفاصيل وراء كل موضوع تخفي تحتها ما تخفي من خبايا أو علامات استفهام وتعجب لا حصر لها، وعلى من يحسنون التقاط الإشارات أن يجتهدوا في بحث ما  قد يكون قاسماً مشتركاً يجمع فيما بين هذه المواضيع.

بوسعنا أن نبدأ الموضوع الأول تحت عنوان  “الضمير العام” في هذا الشأن نبدأ بسؤال:
 هل مات الضمير العام؟
نطرح هذا السؤال بعد أن بدأنا نتعود على هذا الكم اليومي من الحوادث والقضايا والجرائم في مجتمعنا التي تكاد تحتل صفحات يومية ثابتة في صحفنا المحلية، وهي في الحقيقة حوادث وقضايا وجرائم مثيرة للفزع الحقيقي لدى المواطنين على الأقل، فلست متأكداً إن كانت تفزع المسؤولين أيضاً وإلا لكانوا تحركوا بأي شكل من أشكال التحرك.
لقد أصبحت حوادث المرور والوفيات، وقضايا السرقات والمخدرات والاعتداءات والاغتصاب والتزوير والآداب العامة مادة يومية متكررة، وروتينا يوميا، وهذا في حد ذاته كارثة حقيقة لأن معنى ذلك أن الضمير العام في أحسن الأحوال قد دخل غرفة الإنعاش.
كان الضمير العام في الستينات والسبعينات، وحتى الثمانينات والتسعينات يستغرب ويدين ويرفض بشدة، ويتبنى مواقف شتى تعبر عن ثورة عارمة ضد أي من الحوادث والقضايا التي يشهدها مجتمعنا وكانت تعتبر جرائم مستحدثة ودخيلة عليه، أما الآن فقد أصبحت الحوادث والجرائم تصفعنا كل يوم تقريباً، وبصورة شديدة البشاعة في الوقت الذي تراجع رد فعلنا كمواطنين إلى لامبالاة، وأصبحنا في الغالب ننظر إلى ما يجري أمامنا كأنه لا يعنينا أو أمر روتيني، أو أننا في أحسن الأحوال نرى ما يجري مجرد أمر باعث على الاستياء، فيما انحصر رد فعل المسؤولين في حدود تكاد تكون محصورة في تعديل القوانين وتشديد العقوبات من دون التركيز على تجفيف منابع الجريمة، والبحث مع ذوي العلاقة والاختصاص من علماء الاجتماع وغيرهم عن أسبابها ودوافعها وتحديد أساليب الوقاية والمعالجة في سبيل التعامل معها بشكل مدروس.
اذا استمر الحال على ما هو عليه فإنه لن يكون غريباً أن نفاجأ كمجتمع بما هو أسوأ، وقد يتحول هذا الأسوأ إلى روتين يومي لا يثير انتباه أحد، ولا يستدعي تحرك أحد وهذه كارثة أكبر بمختلف المقاييس.

أما الموضوع الثاني فهو تذكير لعل مناسبته ذلك التقرير الصادر مؤخراً عن منظمة الشفافية الدولية حول مؤشر مدركات الفساد لعام 2008.. تذكير من يميل إلى النسيان أو له مصلحة فيه، نذكر بذلك التصريح الذي أطلقه وزير النفط والغاز رئيس مجلس المناقصات الذي نكن له تقديرا خاصا، وهو التصريح الذي جاء على خلفية الإعلان عن تراجع البحرين في التقرير الذي أطلقته المنظمة المذكورة في 26 سبتمبر 2007 والذي أشار إلى تراجع البحرين من المرتبة 36 الى المرتبة 46 من بين 180 دولة وإقليمياً تناولها تقرير عام 2007 وهي نفس المرتبة التي تبوأتها البحرين في تقرير 2008.. !!
أهم ما في تصريح الوزير الذي جاء تزامناً مع انعقاد مؤتمر “برلمانيون عرب ضد الفساد” الذي عقد بالبحرين في ٤ نوفمبر2007 إعلانه عن “تشكيل لجنة حكومية لبحث ملابسات تراجع مستوى مملكة البحرين في مؤشر مدركات الفساد”.
صحيح أننا كنا ننتظر أن يخرج لنا مسؤول حكومي واحد ليوضح لنا أن هذا التقرير وجد صداه لدى من بيدهم الحل والربط، وأن السلطة التنفيذية مصممة على مراجعة أسباب تراجع البحرين في تقرير المنظمة الدولية، ولأن سعادة الوزير قد أخذ على عاتقه هذه المسؤولية، وبشرنا بتشكيل تلك اللجنة وبأن هناك كثيراً من سوء الفهم في طريقة طرح المعلومات وأن مجلس التنمية الاقتصادية سوف يتدارس أسباب هذا التراجع وسوف يتعاطى بكل شفافية مع هذه المسألة ويعلن نتائج ذلك، فإن الصحيح أيضاً أن ما قاله الوزير عبر عن التزام رسمي من شقين، التزام بالتحقيق في أسباب التراجع والتزام بشفافية الإعلان عن نتائج التحقيق.
وانتظرنا وما زلنا لغاية تاريخه في انتظار إعلان النتائج أو حتى عن ملامح النتائج التي خلصت إليها اللجنة الحكومية بافتراض أنها تشكلت لمعرفة أسباب تراجع البحرين في مؤشر مدركات الفساد لعام 2007. وها هو تقرير جديد عام 2008  قد صدر وأبقى البحرين في نفس المرتبة، ونفترض بأنه سيتعين على أي جهة رسمية مسؤولية أن تفسر لنا لماذا لم تتقدم البحرين خطوة إلى الأمام في تقرير مدركات الفساد.
وما دمنا في دائرة موضوع الفساد، ومدركات الفساد، فقد أردنا أن يكون الموضوع الثالث حول الفساد الذي توسع ولم يعد مستتراً كما كان في يوم من الأيام، بل أصبح لا يستحي وبات بيننا يلبس الغترة والعقال..
في هذا الصدد نقول إن الفساد ألوان..
والفاسدون أنواع..
فالرشوة لون، وإساءة استخدام السلطة لون، والاصطفافات الطائفية والقبلية والمحسوبية لون، والتمييز لون، وتغييب عنصر الكفاءة لون، والبيروقراطية وتعطيل مصالح الناس لون، وتغييب المنظومات الفعالة للرقابة الداخلية لون، وتشكيل لجان دائمة ولجان مؤقتة في كل وزارة وجهة حكومية لتكون باباً خلفياً لتنفيع بعض الناس أو لتضييع بعض الحقوق، أو تمييع بعض الملفات أو التهرب من مسؤولية ما لون من ألوان الفساد، وعدم الشفافية في اتخاذ القرارات لون، وإيجاد بعض البرامج والمشاريع التي لا تخدم هدف التنمية والانحراف عن معايير التوظيف والتعيينات، وإفساد النظام الانتخابي، والتدثر بعباءة الدين لممارسات تتنافى مع الدين، والتضييق على المعارضة، وتغييب الشفافية وتسطيح مبدأ سيادة القانون، ومخالفة الأعراف والقواعد المصرفية لصالح البعض، كل ذلك ألوان من ألوان الفساد.
والقصور في أداء بعض الجهات الحكومية تجاه استثمار مرافقها العامة وعدم الاستفادة من مواردها، بالإضافة إلى سوء استخدام الآلات في المستودعات الرسمية، ومنح مكافآت وحوافز مخالفة للقرارات والأنظمة المتبعة، والتوسع في إجراء الحفلات وشراء الزهور والبخور من دون مبرر، و”تفصيل” بعض السفرات تحت ذريعة مهام رسمية خارجية على أناس بعينهم وفي أوقات معينة، بالأخص في الصيف وزيادة أيام ومن ثم مخصصات السفر لهم، كل ذلك ألوان أخرى من ألوان الفساد.
أما الفاسدون فهم أنواع.. وأسوأ هذه الأنواع، بل وأشدها خطراً هم الذين يشعرون بأن على رأسهم “بطحة”.
هذه العينة من الفاسدين هم الذين تورطوا في قضايا شتى من قضايا الفساد واستغلال السلطة والنفوذ، ومشكلة هذه العينة من الفاسدين أن فضائحهم تلاحقهم مهما حاولوا طمسها ودفنها.. أو حاولوا أن يظهروا لنا بأنهم من أصحاب الأيادي البيضاء، أو أنهم من فئة المحسنين والداعمين لهذا العمل أو المشروع الوطني أو الاجتماعي أو الخيري أو ذلك.
المشكلة الأخطر في هذه العينة من المفسدين، هي عندما يتحولون إلى شخصيات احتوائية، حيث يدفعون ويشجعون ويزجون الآخرين ليقتحموا عالمهم وينخرطوا في منظومة فسادهم، خاصة أولئك الذين يشكلون شوكة في حلوقهم، أو يمثلون تهديداً لهم بصورة أو بأخرى، ويكون جّل هدف هذه الشخصيات الاحتوائية إضعاف مناعة المحيطين بهم تجاه ميكروب الفساد، من اجل خلق بيئة تتعايش مع الفساد وتتقبله وتبرره، أو على الأقل تعتبره شيئاً عادياً تحت مظلة الادعاء بأن  الفساد موجود في كل دول العالم أو غير ذلك من الذرائع.
وبذلك، ومن خلال هذه الشخصيات الاحتوائية من الفاسدين تتسع قاعدة الفساد ويستشري ويورِّث عادات وأعرافاً، ويؤسس مفاهيم وأساليب عمل مغالطة ومتناقضة، ويخلق ثقافة مجتمعية يتبلد فيها التعايش والقبول بالفساد الذي يتعاظم باستمرار في ظل مجتمع مدني قاصر بأن يلعب دوراً محورياً في محاربة الفساد. وفي ظل ديوان للرقابة المالية لا يستطيع أن يقدم الفاسدين إلى القضاء، وفي ظل مجلس نيابي عاجز عن تفعيل دوره الرقابي الحقيقي لاعتبارات وحسابات باتت معلومة، وفي ظل سلطة تنفيذية لا تضع محاربة الفساد ضمن أولوياتها.
نأتي للموضوع الرابع والأخير وهو يتعلق ببيوت الشباب.
نعم، والله أعلم أن فكرة بيوت الشباب التي بدأت مع بداية القرن العشرين على يد معلم ألماني هدفها تنمية المعارف لدى الشباب وتشجيعهم على الترحال والسفر لزيادة معلوماتهم، وباتت حركة بيوت الشباب إحدى الحركات الشبابية التي تساهم في إعداد الشباب من خلال إنشاء وتوفير بيوت وأماكن إقامة بأسعار مناسبة، وتشجيعهم على اختيار ما يلائمهم من أساليب شغل وقت الفراغ وتهيئة الشباب لبعض نماذج الأنشطة والهوايات خلال الإجازات، ونعلم أن الحياة في بيوت الشباب تتسم بطابع البساطة التامة، وغالباً ما تقام هذه البيوت بعيداً عن المناطق السكنية.
ولكن ما لا نعلمه ولا نفهمه أن يؤسس مبنى ضخم كبيت للشباب في قلب العاصمة وفي واحدة من أهم المناطق في البحرين وأعلاها في أسعار الأراضي والعقارات.
وما لا نعلمه ولا نفهمه أنه في الوقت الذي أقيم هذا المشروع في المنطقة المواجهة لمركز البحرين الدولي للمعارض، نجد أن المقر الرئيسي للمؤسسة العامة للشباب والرياضة التي تقع مسؤولية بيوت الشباب تحت مظلتها، لا يزال في مبنى متواضع تستأجره المؤسسة في منطقة أم الحصم منذ سنوات طويلة..!!
أليس هذا أمراً محيراً حقاً؟
بقي تنبيه على الهامش:
أي محاولة للربط بين الموضوعات المذكورة والبحث عن قاسم مشترك مسؤولية أصحابها حتى لو كان هذا الرابط مقبولاً ومنطقياً وموضوعياً..!
 
الأيام 4 يوليو 2008
 

اقرأ المزيد

مواجهة إلكترونية‮ ‬غير طائفية‮ !!‬


 
لاشك في أن المواقع والمنتديات الإلكترونية التي تعلي من شأن الطائفية في مجتمعنا وتتخذها سبيلاً ومنهجاً في الحياة والسلوك، كثيرة ومتشعبة وعنكبوتية مخاتلة يصعب ضبطها في كثير من الأحوال، خصوصاً أن مجال الشبكة العنكبوتية واسع وهائل وهيولي مراوغ، وما يتم غلقه الآن يفتح في الآن نفسه باسم آخر وفي موقع آخر وهكذا، كما إن وسيلة مواجهة مثل هذه الشبكة بالإغلاق غير مجدية، وغالباً ما تفسر على أنها وسيلة الضعيف والعاجز والمتسلط أحياناً.
وممن يأتي هذا التفسير أو يسوقه؟ للأسف الشديد، تأتي من الضعيف نفسه أحياناً والذي يستخدم هذه المواقع ليثبت أنه الأقوى والأحق وإن كان ما يدافع عنه يسهم في إضعافه وإضعاف كيانه المجتمعي ويودي به في نهاية المطاف إلى حتف يكون ضحاياه عقلاء وأبرياء ووطن ومستقبل.
أعتقد بأن هناك طرقاً ومخارج كثيرة لمواجهة هذه المواقع والمنتديات المستفحلة في العالم كله غير طرق ووسائل الغلق، وأحدها وأهمها إنشاء مواقع ومنتديات إلكترونية تطرح رؤى تنويرية ومتعقلة تواجه ‘زحام’ الأفكار والأقلام الطائفية بالحوار وبالشفافية التي تدعو الآخر لقبولها كمرتكز للأخذ والعطاء. مثل هذه المواقع تفضي إلى مساحات أخرى متعددة قد يحرج فيها أهل ومروجو المواقع الطائفية والظلامية، وتعطي فسحة أخرى للمتابع لها أن يعيد النظر فيها ويثوب إلى رشده.
لا يمكن تحصين الناشئة والشباب ضد أفكار و’طلعات’ هذه المواقع وآثارها الخطيرة على الفرد والمجتمع من دون خلق بيئة صحية معلنة وواضحة وميسرة يسهم هؤلاء الناشئة والشباب في تطويرها واستمراريتها عبر ثقافتهم الإلكترونية والتقنية المعضدة بجهود تعي أهمية هذه المواقع ودورها الإيجابي في بناء فكر معتدل متى استثمرت بشكل فكري واجتماعي خلاق يعلي من شأن الوطن والانتماء له باعتباره وطناً للجميع لا للطوائف.
ومن الطرق والوسائل التي تحصن ناشئتنا وشبابنا من خطر الطائفية، بث برامج إعلامية وتثقيفية وتوعوية تبين خطر الطائفية وفكرها الإرهابي التدميري الموظف والمسخر بشكل مروع عبر المواقع والمنتديات الإلكترونية، وتكون هذه البرامج غير وقتية أو طارئة تستثمر في حالة طفح هذا الخطر الطائفي ثم تتوقف وتنتهي فاعليتها، ينبغي أن تكون متواصلة كي تكون فاعلة ومؤثرة، كما ينبغي أن تصدر عن فكر معتدل ومقبول من قبل الطوائف والأطياف كي يكون الحوار سهلاً وميسراً بين أهل الاختلاف من الطوائف، إذ لا يمكن أن تخف حدة خطر الطائفية (الإلكترونية) دون تدشين صرح هذا الحوار البرامجي المتبادل، خصوصاً أن بعض من غرر بهم تبنوا خط العنف واستهووه ومارسوه على أرض الواقع، لذا ينبغي تفهم هذه الطبيعة النفسية التي تضع الصبر والتأني جانباً من أجل إعلاء قيمة العنف والأفكار الطائفية في نفوسهم.
كثير من الشباب انخرط في تنظيمات إرهابية وانحاز بجنون لآفة الطائفة عندما سدت بعض أبواب التنفيس في وجهه وازداد التسفيه بحماسهم والازدراء لعواطفهم ومشاعرهم، وارتفعت نبرة الاستعلاء عليهم وعلى طرق المجادلة والمناظرة اللتين تسهمان في بناء قناعات صحيحة تقود إلى تبني وعي مستنير، لذا ينبغي الابتعاد عن الغلو في الطرح حتى لا يقابل بغلو مضاد منافذه المواقعية كثيرة والمسؤولون عنها ينتظرون على أحر من الجمر أتباع مثل هذا السلوك ‘الغلوائي’. 
بجانب تدشين وفتح مواقع إلكترونية مستنيرة مضادة لهذا التوجه الطائفي، ينبغي اقتحام مواقع هذا التوجه الخاصة ومواجهة المشرفين عليه والمحررين لصفحاته بخطاب عقلاني هادئ يحلل ويفكك وغير انفعالي وبعيد عن الصراخ وكيل التهم والقذف، وبالتالي نكون قد تمكنا عملياً من خلق أكثر من موقع للحوار ومواجهة الآخر في ما يتبناه من أفكار (وإنا وإياكم على هدى أو في ضلال مبين).
كما إن مواجهة هذه المواقع الطائفية ومن يؤازرها لا تأتي ‘بأشبهية’ فكرية إلكترونية واحدة، فتلك بلا شك مصيبة، ومثلما يقولون ‘كثرتها وقلة بركتها’، ينبغي أن تأتي عبر مواقع متعددة ومتنوعة، عامة ومتخصصة، لتثبت في نهاية المطاف غنى الفكر المعتدل والمستنير وتتيح فرصة واسعة للحوار مع الآخر وإن كان مختلفاً معك أشد الاختلاف، هذا التنوع والتعدد هو ما تفتقده المواقع والمنتديات الطائفية التي يهمها في نهاية الأمر إعلاء شأن الطائفة والتقليل من شأن العقل والوعي في مقابل ترجيح كفة الصوت الواحد والفكر الواحد.
إذن علينا أن نبحث عن سبل أخرى للتعامل مع هذه المواقع والمنتديات الإلكترونية أكثر جدوى وأكثر قدرة على التأثير وعلى تدشين لغة الحوار بدلاً من القطيعة التي لا يمكن أن يستوعبها الشباب ـ فئة الشباب بالذات ـ على أنها مخرج وخلاص من إشكالات مخاطر الطائفية، بقدر ما يفهمها على أنها تحد لطاقته و’تفلتاته’ وحجباً لمغريات نوازعه الذاتية، فالبحث في بحر الحوار قد يسهل مهمة الوصول إلى الشواطئ الآمنة، وما أحوجنا لذلك.
 
الوطن    4 يوليو 2008
 
 

اقرأ المزيد

المناضل أحمد الذوادي في ذكرى رحيله


يوم الثامن من شهر يوليو هو يوم مضيء في ذاكرة الوطن.. ماثل في ضمير الشعب.. حي في وجدان طالبي الحرية.. هو يوم رحيل خيرة أبناء الوطن.. أبناء البحرين الحضارة الشامخة.. وأحد مؤسسي وقياديي جبهة التحرير الوطني البحرانية المناضل والمعلم والرفيق أحمد الذوادي.. ولعل ما يتميز به هذا اليوم الثامن من يوليو، هو تجديد مغازيه وحقائقه ومفاهيمه في عقول وقلوب مناضلي جبهة التحرير الوطني، بقدر الاحتفاء بهذه الذكرى السنوية الثانية لرحيل مناضل ظل صامدا صلدا وواقفا على قدميه بشموخ، خلال نضالاته الرائعة وتضحياته الرائدة طوال عقود خلت تجاوزت نصف قرن من الزمان  ..
رحل شريفاً معززاً ومكرماً بكل الكبرياء المجلل بالمجد والإكبار، والمحاط بعظيم الوفاء والمحبة والولاء.. غادرنا الرمز الوطني احمد الذوادي الذي اجتمعت فيه معايير وصفات المناضل الحقيقي الذي قلما يجود الزمان به في هذا الزمن الصعب.. بعد ان نسج أروع الملاحم النضالية والبطولية، منذ مشاركته رفاق الدرب الأوائل بوضع دعائم وركائز العمل الوطني التنظيمي والمبدئي، بتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية في 15 فبراير عام 1955م، مرورا بمختلف المحطات النضالية وكفاح المشاوير الوطنية الطويلة والمريرة.
  فهو المناضل الصامد الذي كابد قسوة الإبعاد والمنافي منذ عقد الخمسينيات من القرن المنصرم، منتصرا على ويلاتها، متجاوزاً وحشتها وأوجاعها، هازما غربتها واغترابها، في البعد عن الوطن في غياهب الفيافي وأتون المنافي، والتي تألق فيها مناضلا وكاتبا ومفكرا ومحللا.. بل كان سفيرا للشعب، وممثلا للمعارضة، ومجسداً للفكر الأممي التقدمي، والحضارة الإنسانية التي اتسمت بوطنه..
 بقدر ما انتصر المناضل الرمز الوطني احمد الذوادي على عذابات المعتقلات وبشاعتها بإرادته، داخل الوطن، ، حاملاً هو ورفاق الدرب قبس النضال ومشعل الحرية خلال أعوام القهر وسنوات المكابدة، وعبر الساعات السيئة واللحظات الأسوأ، منذ مرحلة الاستعمار ومناهضته بمواجهة الأبطال، بكفاح ونضالات جبهة التحرير الوطني، بجانب هيئة الاتحاد الوطني في عقد الخمسينيات..  
ومثلما لعبت جبهة التحرير الوطني البحرانية دورا وطنيا محوريا بمشاركتها بجانب التنظيمات السياسية في قيادة انتفاضة مارس المجيدة عام 1965م.. فإنها تألقت بالصفوف الأمامية للحركة النقابية والعمالية في عقد السبعينيات.. وتبوأت مكان الصدارة بمشاركتها في أول انتخابات نيابية باسم تكتل الشعب في 3 ديسمبر عام 1973م.
ولعل بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل المناضل (أبوقيس) فإن هذه الذكرى ستظل تمثل شعلة من مشاعل الحرية يسترشد الرفاق من ضوئها الحكمة والتسامح والواقعية السياسية والثوابت المبدئية والصمود والنفس الطويل والنضال المتواصل.
 صفات وطنية تميز بها الراحل الحاضر (أبوقيس) ناضل بحقائقها وضحى بتداعياتها في مختلف المراحل التاريخية، مرحلة الاستعمار ومرحلة قانون الطوارئ ومرحلة قانون أمن الدولة ومرحلة الإصلاحات العامة، التي جاءت تتويجا لتلك التضحيات الوطنية والمبدئية الرائعة..
ومثلما تحقق شيء من طموحات وأهداف جبهة التحرير الوطني والمعارضة السياسية والشعب البحريني، وهي الديمقراطية والإصلاحات العامة في مملكة البحرين.. فإن المناضل الراحل الحاضر احمد الذوادي كان دؤوب النضال دائم التضحيات من أجل توسيع رقعة الحريات السياسية والاجتماعية والمدنية والدستورية، ومن أجل الحفاظ على اللحمة والوحدة الوطنية ما بين الشعب، وفي سبيل صون العمل الوطني، بترسيخ انتماءاته الحزبية، وتعزيز أفكاره المنهجية، وتوطيد مبادئه الأممية، وتكريس وحدته الوطنية وتحالفاته الإستراتيجية بتماسك لحمته التنظيمية و الأيديولوجية، ما بين الفصيل ذاته لمناضلي (جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي وجمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد”). وبحسب ما آمن المناضل احمد الذوادي بـ (جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي) كإحدى مؤسسات المجتمع المدني، يناضل من أجل الديمقراطية والتعددية والإصلاحات السياسية والعدالة الاجتماعية، ضمن القواسم المشتركة مع مختلف مؤسسات المجتمع المدني، وضمن الواقعية السياسية. وعبر البرنامج السياسي المتكامل.. فان المناضل الراحل الحاضر قد اتخذ (جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي) كذراع لجبهة التحرير الوطني البحرانية، وما يتمخض عن التنظيم من الالتزام الفكري والأيديولوجي، برؤية واضحة الجلاء والنضج تميز ما بين (المبدئي والسياسي) وما بين (الواقعية السياسية والانتماءات المبدئية) وما بين (المفهوم الاستراتيجي والمفهوم التكتيكي).
 ولعل ما نفخر به قولا في نهاية المطاف ان المناضل الراحل الحاضر احمد الذوادي، هو أحد رواد البحرين ومناضلي البحرين، ورافعي سمعة وطنه.. قدم لشعبه وجماهيره عصارة عطاءاته، وخلاصة إبداعاته، وجذوة تضحياته، واستحق عليها التكريم ومظاهر التبجيل.. فليس بكثير على هذا المناضل العملاق (أبوقيس) إطلاق اسمه على أحد شوارع البحرين، أو إحدى مدارس البحرين أو جامعاتها ومعاهدها أو أحد معالمها، لكون هذا التكريم سيكون تكريماً للدولة والشعب قبل تكريم صاحب الشأن بهذا التكريم.. لكون المناضل الراحل الحاضر احمد الذوادي قد وجد المكانة الكبيرة في قلوب أبناء الشعب البحريني، وضمائر الأجيال المتعاقبة، منذ نصف قرن من الزمان، ولا يزال وسيبقى.. طالما تضحياته ونضالاته تنطق بالحقائق والوقائع بحسب ما ستظل ماثلة في وجدان المناضلين، وبقدر ما يبقى اسمه محفورا في سجل الخالدين، منقوشا في صخرة الزمن.
 
أخبار الخليج 4 يوليو 2008

اقرأ المزيد

التنمية العرجاء

ربما يكون المشروع الإصلاحي أكبر هدية قدمت للمفسدين في البحرين، فمع تنازلات محدودة تتعلق بفتح المجال لبعض “المجعجعين” قليلي الحيلة للتعبير عن بعض ما يؤرق معيشتهم تحت شعار “الانفتاح وحرية التعبير”، يمكن   أن يطرح مشروع الانفتاح الشامل، الذي قيل عنه في مصر من قبل إبان مرحلة التحول التي أسسها السادات، قيل عنه انفتاح يا سداح مداح. 
ما هو مفهوم الانفتاح الاقتصادي في مجتمعاتنا ؟ ببساطة هو أن يطبق النظام الرأسمالي الغربي بشروط قبلية، أي أن يكون السوق مفتوحاً للسماسرة والمضاربين وقراصنة الخليج دون رقابة، ودون معايير نزيهة للمنافسة الاقتصادية في ذات الوقت، ثلة من قراصنة البر تسيطر على المال العام ومراكز صنع القرار في الدولة وتستثمر البحرين وتديرها لا لصالح المواطن وإنما لصالح جيوبها، وهو ما يؤدي بطبيعة الأمر إلى ردم البحر وتخصيص الأملاك العامة، لا عبر مناقصات عامة وإنما بجرة قلم في عتمة الليل، فيصبح المرفأ الوطني مرفأ مالياً خاص، وتصبح سواحل الجفير والحد وسترة والزلاق أملاكاً خاصة لدائرة صغيرة في ما يسمى بالدولة.              
أما سعر برميل النفط الذي وصل سعره إلى معدل غير مسبوق والذي سبق أن أدى نصف سعره الحالي في السبعينيات إلى رفع معدل رواتب البحرينيين إلى الضعف، لم ينبنا منه سوى ارتفاع كارثي في أسعار العقارات لا بل والسلع الأساسية ابتداءً من مطعم الكرامة في “جدعلي” وصولاً لسعر (الفوت) في صدد. 
والحل المحنك والاستثنائي دائماً مصدره حكومتنا الرشيدة التي ابتكرت علاوة “بدل المذلة” التي لم تصرف لكل الذين يحيطون بي على الأقل منذ الإعلان عنها – أي منذ سبعة أشهر -. 
الانفتاح المزعوم لا بد له من أجهزة مزعومة تدعي دفع البلد إلى مسيرة التنمية تماشياً مع المشروع الإصلاحي الذي يستثمر طاقات المواطنين بناءاً على الكفاءة لا الانتماء، وهو ما يعني استحداث وزارات لا طائل منها سوى تعطيل مصالح المواطنين، فأي تنمية عرجاء هذه التي تعجز عن إصدار معاملة تافهة لما يزيد عن الشهر، و تعطل صرف “سخافة الغلاء” حتى قايضها الناس بقيمة كرامتهم الغالية التي لا تشترى بوعودكم الكاذبة.! 
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

‮.. ‬والموهوبون أيضاً‮ ‬متفوقون‮!!‬

اعتدنا بعد نهاية كل عام دراسي‮ ‬أن تتركز الأضواء بشكل كثيف وفاقع على الطلبة المتفوقين دراسياً،‮ ‬وتحتفي‮ ‬كل المدارس الثانوية بمختلف أقسامها وتخصصاتها وكل المؤسسات التربوية والتعليمية وغير التربوية والتعليمية وكل الوسائط الإعلامية،‮ ‬بجهودهم وتميزهم وتطلعاتهم،‮ ‬وتزين من أجلهم قاعات الفنادق الفخمة والفارهة بكل الوسائل المخملية لاستقبالهم واستقبال من‮ ‬يرعاهم ويحتفي‮ ‬بهم،‮ ‬وتنشط بهذه المناسبة سوق الورد الطبيعي‮ ‬والصناعي‮ ‬والهدايا والزينة،‮ ‬وتتقاسم بعض الجهات،‮ ‬وبمنافسة محمومة،‮ ‬توزيع المنح والبعثات عليهم،‮ ‬ويحدث‮ -‬في‮ ‬هذه المناسبة‮- ‬أن ‬يعاكس‮ ‘‬الحظ‮’ ‬بعض الطلبة المتميزين والمتفوقين في‮ ‬مجالات الرياضة والفن،‮ ‬الذين أبرزوا مدارسهم ووطنهم في‮ ‬مناسبات كثيرة وحازوا جوائز وشهادات تقديرية شهد بأهميتها من كان في‮ ‬الحقل التربوي‮ ‬والتعليمي‮ ‬والثقافي‮ ‬والرياضي‮ ‬ومن كان في‮ ‬خارجه،‮ ‬من كان داخل الوطن وخارجه‮. ‬وفي‮ ‬كثير من الحالات‮ ‘‬سرق‮’ ‬هذا التميز والتفوق كثيراً‮ ‬من وقت دراساتهم المنهجية المقررة،‮ ‬لا بسببهم طبعاً،‮ ‬بل بسبب من طمع في‮ ‬تفوق وتميز واجهته الخاصة والعامة‮.‬
هؤلاء الطلبة الموهوبون في‮ ‬هذه المجالات،‮ ‬ألا‮ ‬يستحقون التكريم باعتبارهم من المتميزين والمتفوقين؟ هل من الضرورة أن‮ ‬يبلغوا‮ ‘‬مراد‮’ ‬الـ‮’‬97٪‮’ ‬فما فوق حتى‮ ‬يكرموا ويحصلوا على بعثة دراسية؟‮!‬
أعرف بعض الأهالي‮ ‬مارسوا سطوة قاتلة على أبنائهم من أجل وأد مواهبهم وتوجيههم عنوة إلى الدراسة المنهجية المقررة عليهم،‮ ‬بسبب عدم وضع الجهات المعنية‮ ‘‬الموهبة‮’ ‬في‮ ‬الاعتبار حين التخرج من المرحلة الثانوية‮. ‬كما أعرف بالمقابل مدى حسرة وأسى بعض الأهالي‮ ‬لعدم حصول أبنائهم على بعثة في‮ ‬المجال الذي‮ ‬أفنوا طاقتهم وحلمهم فيه ولأجله وربما منذ الطفولة،‮ ‬علما أنهم متفوقون،‮ ‬ولكنهم خيروا بين هذا التخصص وتلك الموهبة،‮ ‬فاختاروا ما عشقوا‮. ‬وأدرك أيضاً‮ ‬أسباب حيرة وقلق هؤلاء الطلبة الموهوبين الذين ربما طالهم الندم إلى حد الاكتئاب بسبب عدم حصولهم على بعثة أو منحة أو حتى مساعدة مالية في‮ ‬المجالات التي‮ ‬أحبوها إلى حد الولع والعشق،‮ ‬ففيهم المتفوق في‮ ‬الموسيقى ولنا أسوة في‮ ‬فتياتنا الموهوبات في‮ ‬مجال الموسيقى أمثال نور القاسم وصابرين فقيهي‮ ‬وأحلام عباس اللواتي‮ ‬تناولت موضوعهن في‮ ‬ملحق الكنش الأحد الماضي،‮ ‬وغيرهن من المواهب الموسيقية والغنائية،‮ ‬وفيهم المتفوق والمتعشق للسينما،‮ ‬يكتب فيها،‮ ‬يخرج ويشاهد ويتابع كل جديد‮ ‬ينتج في‮ ‬الدول المتقدمة في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬وفيهم المتفوق في‮ ‬ألعاب القوى،‮ ‬والمجالات كثيرة وما المطلوب سوى العودة إلى أرشيف الجهات المعنية للتأكد مما ذهبت إليه‮.‬
الغريب في‮ ‬الأمر أن بعض المؤسسات والجهات خصصت جوائز للموهوبين وشكلت لجاناً‮ ‬لمتابعة اهتماماتهم بوصفهم طاقات استثنائية،‮ ‬ولكن حين‮ ‘‬دقت الساعة‮’ ‬صار هؤلاء الموهوبون خارج دائرة الاهتمام‮. ‬وصارت النسبة والمجموع هما الأولى والأهم،‮ ‬علماً‮ ‬أن الدراسة الجامعية تقتضي‮ ‬الاختصاص لا الإلمام العام الذي‮ ‬يحصل عليه الطالب في‮ ‬دراسته الثانوية‮. ‬والأكثر مرارة هو صمت جمعيات ومراكز الموهوبين عما‮ ‬يعانيه هؤلاء بعد التخرج من محاولات منهم ومن أولياء أمورهم لإقناع المسؤولين بمنح أو بعثات لدراسة المجالات التي‮ ‬أحبوها،‮ ‬أو طلبهم الشرعي‮ ‬في‮ ‬مساعدتهم على الأقل مالياً‮ ‬لموازنة المصروفات المالية التي‮ ‬ينفقونها على أبنائهم من أجل تحقيق رغبتهم،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يدعونا للتشكك في‮ ‬مصداقية واهتمام هذه الجمعيات والمراكز بالموهوبين،‮ ‬هل ساعدتهم؟ هل وجهت بعض المؤسسات الخاصة للإنفاق عليهم مثلاً‮ ‬أثناء دراستهم والهلهلات كثيرة كثيرة‮ ‬يا ولدي‮!!‬
في‮ ‬أوروبا،‮ ‬الجامعات تتنافس من أجل استقبال هؤلاء الموهوبين،‮ ‬لأنهم بتميزهم‮ ‬يعلون سمعة الجامعة ويوسعون قاعدة المنضمين إليها،‮ ‬بل إن بعض الجامعات والمعاهد الأوروبية تسارع إلى احتضان المواهب قبل إكمال دراستها الثانوية،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬مجال الموسيقى‮. ‬ولنا أسوة في‮ ‬مواهب بحرينية متميزة لم تنل حظها للدراسة مبكراً‮ ‬في‮ ‬أحد هذه المعاهد أو إحدى هذه الأكاديميات،‮ ‬والسبب لا‮ ‬يحتاج إلى تفاصيل كثيرة،‮ ‬فهو معروف خصوصاً‮ ‬لمن وضع الفن على هامش الاهتمامات الأخرى‮. ‬ولعلنا بهذا اللا اهتمام وعدم الاكتراث،‮ ‬نكون قد ساهمنا في‮ ‬وأد كثير من المواهب،‮ ‬بل لعلنا ساهمنا في‮ ‬دفعهم إلى كره ما‮ ‬يعشقونه‮. ‬وإذا كانت بحريننا‮ ‬يوماً‮ ‬مليئة بمثل هذه المواهب،‮ ‬فسنراها في‮ ‬المستقبل القريب قاحلة ناضبة جرداء،‮ ‬ولعل هذا منى ومراد وديدن المعادين للمواهب وخصوصاً‮ ‬الفنية والرياضية وبالذات مجالات كالجمباز والسباحة والباليه‮..‬
متى‮ ‬يأتي‮ ‬اليوم الذي‮ ‬تعتني‮ ‬فيه الجهات المعنية والجهات المساندة لها بهؤلاء الموهوبين وتعتبرهم من المتفوقين فيستحقون منها كل الاهتمام والتكريم؟
 
صحيفة الوطن
2 يوليو 2008

اقرأ المزيد

الجامعات التركية والحجاب

الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية التركية في شهر يونيو الماضي والذي يقضي بإلغاء تعديلين دستوريين يكفلان حق جميع المواطنين الأتراك في التعليم العالي وهما التعديلان اللذان تما في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم لهو حكم يعيد الأزمة السياسية والاجتماعية الداخلية للمربع الأول لا بل يسهم في المزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من حلها.
المحكمة بررت الغاء التعديلين لكونهما يرميان الى عودة الحجاب الى حرم الجامعة مما يمس بقدسية النظام العلماني للدولة ويشكل خطراً عليه. ومن المنتظر ان تقوم هذه المحكمة ذاتها بناء على هذا الحكم بالنظر في مدى شرعية وجود حزب العدالة الحاكم فيما تشير تحليلات أخرى الى أن المحكمة ستكتفي بالغاء التعديلين الدستوريين لمنع عدوى تزايد المحجبات في الجامعات التركية باعتبار الحجاب رمزاً للإسلام السياسي.
وأيا كان الأمر فإن قرار فرض الحظر على المحجبات من دخول الجامعات ومصادرة واحد من أهم حقوقهن المدنية لهو قرار يتسم بالشمولية وضيق الأفق السياسي، لا من حيث تعسفه بمصادرة هذا الحق والحرية الدينية لأبناء الشعب التركي فحسب، بل يسهم عملياً، من حيث لا تدري هذه القوى السياسية القومية والليبرالية التي كانت وراء دفع المحكمة لإصدار هذا الحكم، في تعزيز تيار الإسلام السياسي فضلا عن زيادة ونشر الحجاب في المجتمع التركي نفسه.
ذلك بأن ارتداء الحجاب ليس فقط هو حق إنساني مكفول يدخل في باب الحرية الشخصية فضلاً عن الحرية الدينية بل ان وجود المتحجبات في الجامعات العلمية التركية وبكل تقاليدها وأعرافها ومناخاتها العلمانية لهو أفضل مليون مرة من تواجدهن في معازل ومعاقل الإسلام السياسي، حيث لا يطلعن بالمرة على الرأي والرأي الآخر ولا يحتككن مطلقا بالطالبات السافرات ويتعرفن عن قرب على آرائهن وجهاً لوجه فضلاً عن تعرفهن على التيارات السياسية المتعددة المختلفة التي تموج بها ساحات الجامعات التركية كافة.
ذلك بأنه مثل هذه الأجواء الجامعية العلمية العلمانية الصحية يجري الجدل وصراع الأفكار بين الطلبة وبعضهم بعضا وبينهم جميعا وبين أساتذتهم وهذا الجدل لا يدور، كما نعلم في الجامعات أو المؤسسات التعليمية الإسلامية المغلقة التي تسود فيها ثقافة دينية وسياسية متشددتان ذواتا لون واحد وبمناهج دينية وعلمية واحدة وتحت وصاية تيار سياسي محدد. الأمر الآخر فيما يتعلق بقرار المحكمة الدستورية والقوى العلمانية المتطرفة التي تقف خلفه انه من التبسيط المخل بالأشياء ومنطق الأمور اختزال العلمانية في مجرد قطعة قماش توضع على الرأس في حين أصبح القاصي والداني اليوم يعرف ان ثمة دوافع وعوامل متعددة تدفع المرأة أو الفتاة المسلمة الى ارتداء الحجاب ليس هنا موضع تناولها ومن ثم كم من عدد هائل من المتحجبات في كل البلاد الإسلامية يضعن الحجاب على رأس ذي عقلية “علمانية”.
ثم ماذا لو استحسنت طالبة أوروبية غير مسلمة تدرس في إحدى الجامعات التركية ارتداء الحجاب تحت نوازع ذاتية في حب التغيير كما يفعل أحياناً بعض الرجال الأوروبيين بارتداء الدشداشة العربية أو الغترة الفلسطينية فهل تعد في هذه الحالة “أصولية” متطرفة تنتهك مبادئ العلمانية التركية؟ والحال ان العلمانية التركية مازالت علمانية استبدادية متخلفة تتمسك بأصنام ومظاهر قشور العلمانية في حين ان النظام السياسي التركي مازال بعيدا كل البعد عن مبادئ العلمانية السياسية الحقة وقيمها الليبرالية وعلى الأخص فيما يتعلق بالفصل بين السلطات الثلاث وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التدخل في الحياة المدنية السياسية وضمان الحقوق الدستورية الديمقراطية بما فيها حق التنظيم السياسي والنقابي الكامل دونما شروط أو قيود على هذا لكل القوى السياسية من دون استثناء وكفالة الحريات العامة كافة.
ولا غرابة والحال كذلك ان تكون تركيا أكثر تطرفاً بعلمانيتها القشورية في الموقف من حق ارتداء الحجاب من الدول الغربية والأوروبية العريقة في علمانيتها الحقة بقيمها الليبرالية والديمقراطية في العدالة والمساواة والحرية الفردية.

صحيفة اخبار الخليج
2 يوليو 2008

اقرأ المزيد

عن مجالسنا المنتخبة‮.. “‬وين” ‬الغلط؟


عندما ينادي كاتب مخضرم مثل عبداللطيف الدعيج بإلغاء مجلس الأمة الكويتي، فلا بد أن في الأمر خطأ. فهذا الكاتب الليبرالي (حتى النخاع كما يصفه أصحابه) كتب عقودا طوال مدافعا عن المشاركة السياسية. وحق البرلمان في فرض سلطته. وتقييد سلطة الحكومة. وتقنين مزايا الأسرة الحاكمة.
فلم ينادي، وقد صار في خريف العمر، بإلغاء البرلمان؟ يعتقد الدعيج، المقيم في الولايات المتحدة منذ زمن طويل، أن مجلس الأمة الكويتي انتهك أغلب مواد الدستور الذي انتخب وفقا لمواده.
في مقالة حديثة، يشرح موقفه:
 يوضح أن “الديمقراطية” بشكلها ومضامينها العصرية ليست “حكم الاغلبية”، فهذه كانت في العصور الغابرة، عصور السادة والعبيد، حاليا الديمقراطية هي حفظ حقوق الجميع، القرارات بالأغلبية لكن أحدا لا يتفرد في الحكم، سواء كان حزبا أو طائفة أو أغلبية جماهيرية أو نيابية، فالذي يحكم عمليا هو الدستور أو الأمة مجتمعة وليس طائفة منها أو تحالفا لبعض طوائف.
 ثانيا، الدستور ليس صيغة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل هو عقد بين المواطنين جميعا لتنظيم وتحديد العلاقات والحقوق والواجبات بينهم. إن الكل ملزم بهذا الدستور الذي تم التعاقد عليه، ولا تملك طائفة أو فئة ولو حازت الأغلبية أن تعدل فيه أو تتخلى عن التزاماتها وما تعهدت به.
 ثالثا، النظام الديمقراطي يسعى لصون وحماية حقوق الأفراد وليس فرض هيمنة الجماعة أو إملاء سلوك عام على أعضاء الجماعة المتعاقدة. فهذه ديمقراطية الأنظمة الشمولية.. الحزب الواحد والفكر الواحد والصبغة الواحدة.
 رابعا، ليس في إمكان أحد القفز على مبادئ النظام الديمقراطي او التنكر لها. خصوصا مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، حتى لو كان  “الشعب” أو الأمة ذاتها. ليس هناك استفتاء عام وليس هناك خضوع لرأي الجماهير أو الشارع. إن الأمة ذاتها، وليس من تنتخبهم، مقيدة بقيود دستورية ومبادئ ديمقراطية.
كلام خطير جدا. ويتطلب قراءة هادئة. فهو يناقض مجمل أدبيات “الديمقراطية” في العالم العربي. ويعارض أسس “الأسرة الواحدة” والإجماع أو اتفاق الأغلبية، وسائر التعبيرات التي قامت على أساسها المجالس المنتخبة في المنطقة، لا سيما في دول الخليج (الكويت والبحرين في شكل خاص).
لكن عند قراءة ثانية، يتضح أن الدعيج لم يخترع مبادئه الأربعة تلك. بل هي أساس المشاركة الشعبية التي ينادي بها الجميع. كما إنها تفترض العدالة للجميع، حاكما ومحكوما. وتؤمن استقرار الدساتير، وتشجع على تفرغ البرلمانات لعملها الأصلي: تشريع القوانين التي تسهل عمل الدولة وتضمن تطور المجتمعات وتحديث الحياة السياسية والاقتصادية.
 لكن مأخذ الدعيج وكثيرين على البرلمان الكويتي (خاصة الحالي المنتخب حديثا) أنه سعى على الدوام إلى تقليص الحريات الفردية، وشرع قوانين تخالف أبسط مبادئ حقوق الانسان. وتدخُّل أعضائه في الحياة الخاصة. وآخر تلك البدع إنشاء لجنة طريفة اسمها “لجنة الظواهر السلبية”.
 ولكن هل هذه الممارسات المضادة لروح ونصوص الدستور ومبادئ الديمقراطية العامة خاصة بمجلس الأمة الكويتي؟ بالتأكيد لا.
نظرة سريعة على ما ” أنجزه ” مجلس النواب البحريني تؤكد على الأقل بعضا مما يشتكي منه الدعيج وكتاب بحرينيون كثر.
 ففي حين انشغل البرلمان الكويتي بإعادة هيكلة الفرد ومعتقداته، انشغل نظيره البحريني بالنسيج الطائفي محاولا إعادة هيكلة التعامل بين الطوائف. فيستجوب أعضاء سنة وزيرا شيعيا، وأعضاء شيعة وزيرا سنيا. ويصبح مذهب موظف في المجلس قضية رأي عام. وينشغل أعضاء آخرون بقراءة خطب الجمعة علها توحي لهم بما يثيرونه من “قضية مهمة” تحت القبة.
المؤسستان “المنتخبتان” في الكويت والبحرين تقومان بأدوار كثيرة. لكنهما للأسف بعيدتان كل البعد عما يجب أن يكون عليه البرلمان. وظيفة البرلمان إعادة هيكلة القوانين وتحديثها لتوسيع الحريات، لفتح قنوات جديدة للتعبير، وقنوات جديدة للاستثمار الاقتصادي، لتسهيل عمل المحاكم وليس للتدخل في عملها، لحماية مقدرات البلد ومصادره الطبيعية، لمراقبة عمل السلطة التنفيذية وليس لمراقبة ما يفعله المواطن في غرفة نومه، لإغلاق مصادر الهدر في المال العام وليس لإغلاق نوافذ الحريات وحساب أنفاس المواطن المسكين ومحاسبته على مشاهدة أغنية لهيفاء وهبي.
برلمانات أخرى غير بعيدة عنا تستحق الإلغاء أيضا. في لبنان، اجتمع البرلمان منذ انتخابه في مايو 2005 مرتين فقط. مرة في يوليو ذلك العام للعفو عن قاتل مدان بجريمة تـفجير طائرة رئيس وزراء أسبق (رشيد كرامي) هو سمير جعجع، والمرة الثانية في أواخر مايو 2008 لانتخاب الرئيس ميشال سليمان. وما بين هذين اليومين بقي البرلمان مغلقا. نوابه يعملون لدى الفضائيات العربية التي وفرت لهم مجالا للحديث في كل شيء ما عدا الوظيفة التي انتخبوا من أجلها: التشريع.
في مصر، صوت البرلمان قبل فترة بأغلبية كاسحة (ومتحمسة على حد وصف بعض الصحف) بالموافقة على تمديد العمل بقانون الطوارئ الساري منذ أكثر من سبعة وعشرين عاما. لم يؤثر في حماس هؤلاء النواب التقارير التي تردهم يوميا عن موت المعتقلين تحت التعذيب في مراكز الشرطة، والاستغلال المشين للقانون من قبل بعض الأجهزة لتغيير مسار الانتخابات العامة والمحلية. وغير ذلك من تجاوزات طالت مثقفين وكتاب وأساتذة جامعة وصحافيين.
بعض أمثلة على “البرلمانات” العربية لا بد تثير شعورا بالقرف عند الدعيج وغيره. لا عجب إذن أن يدعو إلى إلغاء مجلس الأمة. ربما هذا ظاهر الدعوة. لكنها أعمق من ذلك. هي دعوة لنا جميعا للتفكر في مسار مجتمعاتنا. ربما نحن في حاجة إلى مؤتمر (على وزن مؤتمرات السياحة والسفر والاستثمار العقاري والمحافظ الاستثمارية) لمناقشة الخطأ في التجربة الديمقراطية في الخليج. لمعرفة ” وين الغلط ” ومحاولة تصحيحه. قد لا يؤثر ذلك المؤتمر في صناع القرار، ومسار المجالس المنتخبة برضاهم.  لكنها ستكون تحذيرا “خفيف اللهجة” بالطبع ضد تمادي النواب في الانقلاب على الديمقراطية باسم الديمقراطية (مشوهة).

الأيام 1 يوليو 2008

اقرأ المزيد

العرب وعقوبة الإعدام

قبل أيام قليلة احتفل المجتمع الدولي باليوم العالمي لمناهضة التعذيب. ومع ان الاذهان تذهب في الغالب الى ان المقصود به تعذيب النشطاء السياسيين ومعتقلي الرأي في السجون الا انه يمكن القول ان التعذيب لا تقتصر ممارسته على النشطاء السياسيين فحسب بل تمتد الى سجناء الجنايات والجنح والجرائم المختلفة في معظم سجون الدول الشمولية وحتى بعض الدول الديمقراطية. كما ان التوقيف في حد ذاته وأوضاع السجون والوجبات المقدمة والرعاية الصحية فيها كلها إذا ما كانت دون الحد الادنى الانساني المطلوب هي شكل من اشكال التعذيب بما في ذلك حرمان السجين من حقوقه الاخرى كحق التعليم والقراءة داخل السجن وحق الزيارات الدورية القريبة غير المتباعدة لذويه.
ولكن ماذا عن الاعدام؟ أليس هو ذروة التعذيب المفضي الى الموت؟ حقيقة لا أعرف عما إذا جهود المجتمع الدولي لمناهضة هذا النوع اللاانساني البشع للعقاب تشمل ضمن فعاليات اليوم العالمي لمناهضة التعذيب أم هناك يوم عالمي مخصص لمناهضة عقوبة الاعدام والتي ينبغي على اية حال تخصيص يوم في حال عدم وجود مثل هذا اليوم العالمي. مهما يكن مازلت أرى، كما كتبت مرارا، ان جهود المنظمات الحقوقية العربية ومنها منظماتنا البحرينية تكاد تكون معدومة لتعريف وتوعية الرأي العام في بلدانها بعواقب تنفيذ هذه العقوبة اللاانسانية غير المتحضرة والتي ترقى الى عقوبات المجتمعات البدائية فضلا عن القيام بكل الجهود وسبل الضغط الممكنة لحمل الدول العربية على التخلي عن هذه العقوبة، وبهذا فان منظماتنا الحقوقية تنتصب أمامها مهمتان متلازمتان لا سبيل لإنجاز الثانية منهما قبل انجاز الاولى وهما توعية مجتمعاتها بمخاطر العقوبة واقناعها بعدم جدواها، والثانية القيام بكل وسائل الضغط الممكنة لحمل دولها على الغاء هذه العقوبة.
قبل ايام قليلة افادت الانباء الواردة من استراليا ان رجلا استراليا أدين عام 1921 بجريمة اغتصاب وقتل صبية حكم عليه بالاعدام وتم تنفيذ الحكم فيه، ولكن بعد مضي 86 عاما اعترف القضاء الاسترالي وأصدر حكما جديدا ببراءة المعدوم وذلك بناء على ظهور ادلة جديدة قاطعة وعلمية توضح بجلاء تام الخطأ الذي وقع فيه القضاء الاسترالي، وأي خطأ هذا؟ انه خطأ لا يفيد في تصحيحه لا رد الاعتبار بالاعتراف ولا بالتعويض المالي ولو قدر هذا التعويض بكنوز الدنيا كلها وذلك ببساطة لان كل ذلك لن يعيد حياة المعدوم الضحية ولن يصحح سمعته التي تلطخت دهرا من الزمن. أما نموذج وحالات المظاليم المعدومين التي تماثل حالة المعدوم الاسترالي فهي بالملايين على امتداد التاريخ البشري منذ فجر اختراع أو سن هذه العقوبة الوحشية.
لقد انضمت مجموعة كبيرة من الاسرة الدولية الى الدول التي الغت عقوبة الاعدام في حين مازالت جل الدول العربية متخلفة عن اللحاق بالمجتمع الدولي الديمقراطي المحتضر الذي الغى هذه العقوبة. ومن المفارقات ان اجرأ اجتهاد ديني انساني ظهر لإثبات عدم تعارض الغاء العقوبة مع الشرع برز في ايران على يد احد مفكريها الذي لا يحضرني الآن اسمه وقد سبق ان كتبت عنه غير مرة، في حين لاتزال اغلب الدول العربية مترددة في الغاء هذه العقوبة ليس على المستوى الرسمي حكوميا وقضائيا فحسب بل على المستويات المدنية والشعبية، هذا مع العلم بأن عددا من دولنا العربية تعد في طليعة دول العالم في تنفيذ عقوبة الاعدام!

صحيفة اخبار الخليج
1 يوليو 2008

اقرأ المزيد

“‬الزحف الكبير” ‬و”العشاء الأخير‮ !”‬

تذكرنا كلمة الزحف الكبير بالزحف الأخضر‮ ‬،‮ ‬والأحمر والمسيرة الكبرى الصينية بقيادة ماوتسي‮ ‬تونغ‮ ‬،‮ ‬وكل أنواع الزواحف الثعبانية والعسكرية على كل الجبهات‮ ‬،‮ ‬مثيرة تلك العملية الزاحفة رعب الخصم ومثيرة عاطفة الشارع‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬كلما تدحرجت تلك الحركة الشعبية الزاحفة للأمام انضم إليها العديد من الناس والفئات المختلفة التي‮ ‬ترى في‮ ‬تلك العملية بشعاراتها‮ ‬،،‮ ‬الجاذبة‮ ‬،،‮ ‬وقوتها السحرية‮ ‬،‮ ‬حتى بدت تلك العملية الممتدة بالعشرات ككرة الثلج بديلها التاريخي،‮ ‬فكلما تدحرجت مدة أطول صارت أثقل واكبر مما‮ ‬يصعب تفتيتها‮ .‬
‮ ‬هكذا تحركت الياقات السوداء أولا كتعبير عن فئة المحامين والقضاة الذين عبروا ويعبرون عن عدالة قضيتهم ومهنتهم‮ ‬،‮ ‬احتراما لسيادة القانون وسيادة سلطة فوق النظام السياسي‮ ‬،‮ ‬عندما تجد نفسها في‮ ‬مواجهة تنفيذ القانون والدستور بصورة عادلة‮. ‬
هذه الشريحة وجدت ضميرها مستيقظا من أعلى درجة في‮ ‬السلك حتى الموظفين الصغار‮ – ‬إلا قلة قليلة كالعادة‮ – ‬باعت ضميرها للمصالح وتحولت إلى زمرة السلطة بينما هؤلاء التكنوقراط بفئاتهم العليا والدنيا وجدوا إنه لا‮ ‬يمكن التسليم لنظام‮ ‬ينوي‮ ‬تحويلهم وتحويل مهنتهم ومن ثمة بلادهم إلى مزاد الفساد‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سوق باكستانية تسود فيها كل‮ ‬يوم مشاكل مستفحلة لا‮ ‬يمكن أن تحل بترقيعات ووعود‮ ‬يحدد ملامحها وطبيعتها النظام الفاسد‮ ‬،‮ ‬بمؤسسة محمية بقوات الأمن والمؤسسة العسكرية‮ . ‬لقد تحول كبير القضاة‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬أمضى شهوراً‮ ‬في‮ ‬السجن نتيجة لمواقفه واختلافه مع الرئيس والجنرال مشرف‮ ‬،‮ ‬فكان مصيره القضبان‮ ‬،‮ ‬هذا القاضي‮ ‬بات إيقونة كبيرة بعد أن ظل مجرد كبير قضاة في‮ ‬بلد‮ ‬يعج بالمشاكل المختلفة بما فيها سلك القضاة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مواجهة جنرال لا‮ ‬يقبل بالنقد‮ ‬،‮ ‬فتحركت قافلة السيارات من لاهور إلى البرلمان في‮ ‬إسلام آباد وهي‮ ‬تستجمع قواها خلال خمسة عشر شهرا فجذبت خلفها كل‮ ‬يوم المزيد من المؤيدين‮ ‬،‮ ‬مستلهمة التجربة الغاندية في‮ ‬الاحتجاج المدني‮ ‬من اجل انتزاع حقوقها الشرعية من نظام عسكري‮ ‬متغطرس‮ ‬،‮ ‬غير أن الحركة اليومية الاحتجاجية نمت من تلقاء نفسها حتى وجدت أن شعاراتها كبرت وتداخلت في‮ ‬مطالبها‮ ‬،‮ ‬من تحقيق المطالب في‮ ‬تنظيف سلك القضاء وتحويله إلى مؤسسة مستقلة نزيهة وإعادة المفصولين من القضاة‮ ‬،‮ ‬إلى مطلب أوسع هو مغادرة الرئيس نفسه من سدة الحكم‮ ‬،‮ ‬حيث وجدت الحركة السياسية الباكستانية بكافة أحزابها‮ ‬،‮ ‬أنها تلتقي‮ ‬في‮ ‬النهاية مع طبيعة هذه القوة المدنية الانقلابية والاجتماعية الكبيرة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬ضمت في‮ ‬صفوفها كافة الرموز العسكرية والمتقاعدين منها‮ ‬،‮ ‬بل ووجدنا الجديد فيها هي‮ ‬تلك الأعلام الحمراء إلى جانب الأعلام الخضراء والسوداء‮ ‬،‮ ‬إذ نزع الشيوعيون الباكستانيون عن وجههم قناع السرية ورفعوا أعلامهم‮ – ‬بمطرقتهم ومنجلهم القديم‮ – ‬هذا الحراك الضخم الذي‮ ‬جعل من الحركة الشعبية الباكستانية بكل تياراتها المترددة والمتحمسة‮ .‬
‮ ‬تلتقي‮ ‬في‮ ‬طوفان ذلك النهر الجماهيري‮ ‬الغاضب‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬البداية كان حزب الشعب لديه رؤيته في‮ ‬مسألة تسوية بقاء مشرف ومحاكمته وعودة القضاء كجزء من حزمة دستورية أو التحالف معه حتى إشعار آخر على أساس إن الظروف لم تنضج بعد‮ ‬،‮ ‬فيما وجد حليفه نواز شريف إن نقطة الارتكاز حول كل تحالف استراتيجي‮ ‬وليس انتخابي‮ ‬هو رحيل الرئيس مشرف‮ ‬،‮ ‬فخلف كل علل الوضع والنظام‮ ‬يكمن بقاء الرئيس ونظامه‮ ‬،‮ ‬ومن الضروري‮ ‬نزعه من السلطة وتقديمه لمحاكمة عادلة‮ .‬
‮ ‬لهذا رأى حزب الشعب نفسه أمام خيارين إما الانضمام لحركة شعبية مستنفرة وفي‮ ‬حالة نهوض أو البقاء مع مشرف في‮ ‬حكومة ائتلافية‮ . ‬وفي‮ ‬كلا الموقفين سيخسر شعبيته‮ ‬،‮ ‬مما جعل اصف زارداري‮ ‬وقيادته التحرك بسرعة في‮ ‬التخلي‮ ‬عن مشرف والانضمام إلى الزحف الكبير‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬سيكون ضيفا على مائدة زارداري‮ ‬في‮ ‬إسلام آباد‮ ‬،‮ ‬تأكيدا للحوار واللقاء السياسي‮ ‬الجديد مع الكتل والأطياف المتنوعة في‮ ‬تلك الجبهة الشعبية الجديدة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬صنعتها لحظة تاريخية‮ ‬،‮ ‬اقتضتها المرحلة الباكستانية الصعبة داخليا وخارجيا‮ . ‬وبهذا التخلي‮ ‬من جانب زارداري‮ ‬للرئيس مشرف‮ ‬يكون وضع النظام صعبا وهشا‮ ‬،‮ ‬إذ‮ ‬يبقى في‮ ‬جبهة مشرف وسدنته المؤسسة العسكرية والأمنية والبطانة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬تم تشكيلها وتشكّلها طوال حقبة استلامه للسلطة‮ . ‬غير أن المؤسسة العسكرية الباكستانية هي‮ ‬من أكثر المؤسسات هشاشة وعرضه للتفكك كنموذج في‮ ‬العالم الثالث‮ ‬،‮ ‬إذ مع استقالة كل مرتبة عسكرية كبيرة أو تقاعدها نجدها لا توافق على كل سلوكيات القادة‮ ‬،‮ ‬الذين‮ ‬يستلمون السلطة ويحّولون المجتمع المدني‮ ‬لحالة طوارئ‮ ‬،‮ ‬ويعسكرون المؤسسات فيفقدون احترام الجميع‮ ‬،‮ ‬بل وتصبح الديمقراطية الباكستانية والدستور الباكستاني‮ ‬وقضاته أسرى‮  ‬لحكم العسكر والبطانة الفاسدة المحيطة بها‮ . ‬إذ تنعكس على تلك المؤسسة الفاسدة كل أشكال التململ وسط المراتب العسكرية‮ ‬،‮ ‬برؤيتهم للامتيازات‮ ‬غير المتساوية بين صفوف الجيش‮ ‬،‮ ‬وتعامل كبار القادة مع الضباط الصغار والجنود على أساس عشائري‮ ‬وشخصي‮ ‬،‮ ‬فيفقد الجيش أهم مكوناته واحترامه للذات وللقانون والدستور والوطن وعدالة القضاء‮ . ‬تلك المؤسسة عرضة للتفكك في‮ ‬أية لحظة‮ ‬،‮ ‬ومع انهيارها وتخليها عن دعم مشرف‮ ‬يفقد الرئيس أهم القلاع‮ ‬،‮ ‬ويجعل من قلعته وحصانته ضعيفة إزاء الزحف المدني‮ ‬الكبير‮ ‬،‮ ‬حتى وان هدد بممارسة القوة والعنف معها‮ . ‬لقد بات الخيار الأخير والتحدي‮ ‬الكبير لمشرف‮ ‬،‮ ‬إما التنازل والقبول بتسوية ترك مقعد الحكم والرحيل‮ ‬،‮ ‬بحيث تقبله كثمن‮ ‬،،‮ ‬قيادة الزحف الكبير‮ ‬،‮ ‬ولكن الجميع أصيب بدهشة المفاجأة فقد عقد المحامون صفقة مع حزب الشعب وهم ضيوف العشاء فا ستيقظت إسلام آباد فلم تجد الزاحفين‮ ‬يحاصرون البرلمان ولم‮ ‬يتيحوا لنواز شريف تحويل حركة الاحتجاج إلى سقف أعلى من مطالب الحركة والتصعيد السياسي‮ . ‬وبما أن قادة الحركة المطلبية‮ ‬ينتمون إلى حزب الشعب فإنهم التزموا بالانتظار وتحقيق الحزمة الدستورية بما فيها وعود إعادة القضاة إلى مناصبهم إن لم تكن هناك وعود اكبر لقادتهم‮ ‬،‮ ‬فيكون بذلك الائتلاف الناجح الكبير أولا مشرف ويكون حزب الشعب قادرا على تحريك اللعبة وأوراقها وفق تكتيكاته‮ ‬،‮ ‬فمن جهة كان في‮ ‬الائتلاف الحكومي‮ ‬ومن جهة أخرى‮ ‬يترك للشارع حق الضغط والتواطؤ معه‮ . ‬لقد كان حقا عشاء دسما انتهى فجأة بالاختفاء الغريب في‮ ‬يوم توقع فيه المراقبون مواجهة عنيفة ودموية عند مبنى البرلمان‮ . ‬

صحيفة الايام
1 يوليو 2008

اقرأ المزيد