المنشور

رقية الغسرة‮.. ‬شعلة البحرين الدولية في‮ ‬عالم الرياضة


لنا أن نفتخر ونعتز بابنة البحرين الفتية وبطلتها العداءة الأولمبية رقية الغسرة التي شرفت الوطن ورفعت رايته في أكثر من محفل رياضي عربي ودولي منذ انطلاقتها الأولى في عالم ألعاب القوى العام 2000 مروراً بحصدها الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية في دورة الألعاب الآسيوية والبطولة العربية في الأردن ومصر وبطولة غرب آسيا في الدوحة ووقوفاً على مشاركتها في أولمبياد بكين العام ,2008 فهذه البطلة البحرينية التي تحدت صعاباً كثيرة من أجل ممارسة رياضة العدو والتفوق فيها، ينبغي أن نتوجها في كل مناسبة حتى وإن أخفقت في إحدى المسابقات، فيكفيها أنها حصدت من الميداليات السالفة الذكر ما يجعل حصولها حتى على واحدة منها بطلة بحرينية أولمبية إلى زمن بعيد، ذلك أنها أسهمت في التعريف بالبحرين عربياً ودولياً على صعيد الرياضة.

 
ورياضة العدو تحديداً التي ظلت لفترة طويلة حكراً على أهل الخبرة الطويلة في دول أوروبا وأمريكا، هذا إلى جانب كونها امرأة تجاوزت محظور أو تابو مشاركة المرأة الخليجية في مثل هذه البطولات الرياضية وأثبتت أنها ابنة البحرين الأصيلة التي انفتحت من خلال دلمونها القديمة على العالم كله، وأكدت من خلال ممارستها هذه الرياضة احترام العالم بأسره لهذه الفتاة دون وقوف على كونها لبست حجاباً أو انطلقت بحرية وأمام مرأى العالم كله في مضمار العدو.


رقية الغسرة التي أوشكت وسائط الضوء أن تنساها أو تتجاهلها بمجرد عدم فوزها بعد التأهل في مسابقة العدو بأولمبياد بكين، ينبغي أن تظل بطلة وينبغي أن تسلط كل وسائط الضوء عليها أكثر وترفع من معنوياتها باستمرار، كما ينبغي على الجهات المعنية بالرياضة أن تكرمها وتلتفت إلى كونها حالة رياضية استثنائية في البحرين وأن تستثمر طاقتها وخبرتها في رفد الرياضة البحرينية ببطلات من أمثال رقية الغسرة، فمثلها يجب أن يتوج على صعيد رياضة العدو بطلاً شعبياً في وطنه، ويدعم بكل السبل حتى يظل نجمه ساطعاً في سماء الرياضة البحرينية، إذ ما فائدة أن نحظى ببطل في أي مجال وخصوصاً المجالات الرياضية الشعبية لا جمهور له ولا شعبية؟ ما فائدة أن نتوج أبطالاً لا يعرفهم الشعب إلا في المناسبات الرياضية العربية والدولية ومن خلال الصحافة ووسائل الإعلام؟


رقية الغسرة التي لم تمنعها إصابتها في معسكرها التدريبي في باريس -على رغم الأسف الشديد الذي بلغ بها عندما لم تتمكن من خوض بطولة العالم في اليابان والمنافسات المحلية- ها هي رقية تشارك في أولمبياد بكين، وهذا دليل ارتباط غير عادي برياضتها المأثورة (العدو) وإصرار نبيل على تمثيل مملكة البحرين في هذا المحفل الرياضي الدولي، ولربما لو كانت في موقع آخر لطالبوها أو منعوها من المشاركة وإن تبينت صحتها أو قدرتها على مزاولة رياضتها، ذلك أن الأبطال سيظلون أبطالاً وإن لم يشاركوا في بعض المسابقات الدولية، وإن مشاركتهم وإن تأخرت قليلاً أو طويلاً بعض الوقت ستؤتي ثمارها أو أكلها دون ريب، ونحن ننتظر من رقية الغسرة الكثير الكثير ونرفع هاماتنا عالياً في كل مسابقة دولية أو عربية ترشح إليها، وبقدر ما ننتظر منها ننتظر من الجهات المعنية تهيئة مناخات التدريب لها في البحرين وخارجها، ذلك أن من يهيأ له مضماراً ‘فروسياً’ وماراثونياً في دولة غير البحرين لا شك أن فرص تأهله للفوز ستكون أكثر، فهيئوا لبطلة البحرين رقية الغسرة مثل هذه المضامير أو ابعثوها إليها وسترون منها الكثير الكثير ما يسهم في توسيع خارطة البحرين في جغرافيا العالم، فلا تعقدوا الآمال الكبيرة على العداءة رقية الغسرة، لأنها أمل الرياضة الكبير في مملكة البحرين،بل اعقدوا الآمال على من يعقد العزم في كل مناسبة على دعم الرياضة وأبطالها في مملكة البحرين
 
من جريدة الوطن
 

اقرأ المزيد

حول التيار الديمقراطي‮ -5


صديق تابع الحلقات السابقة من هذا الموضوع قال لي يائساً: حتى لو التقي”التقدمي” و”وعد” ومعهما بقية القوى والشخصيات الوطنية والديمقراطية التي تحدثت عنها في مقالاتك، فلن تتحولوا إلى قوة تضاهي نفوذ التيارات الإسلامية المهيمنة على الشارع. ولا يشذ رأي هذا الصديق عن آراء تيئيسية سمعتها مراراً خلال السنوات الماضية من الكثيرين تتساءل عن مدى جدوى الذي نفعله إزاء صرامة الواقع الذي نعيش فيه وجهامته، وأمام عدم جدية أجهزة رئيسية في الدولة في انجاز الإصلاح، وأمام هيمنة القوى الإسلامية والمحافظة على الشارع، ولسان حالهم يقول: تهدرون وقتكم وصحتكم من أجل ماذا؟، من أجل لا شيء!
الانسياق إلى هذا الرأي يستدعي التساؤل: هل على التيار الديمقراطي أن يُخلي الساحة للقوى المهيمنة حالياً، ويتنازل طواعية عن مواقعه لأن الرياح ليست مؤاتية لإبحاره في اللحظة الراهنة، أو في أية لحظة قادمة أخرى؟ ولكي أكون أميناً يتعين عليّ التوضيح أن بعض أصحابنا من الوطنيين والديمقراطيين الذين اختاروا لسببٍ أو لآخر أن ينأوا بأنفسهم عن معترك العمل السياسي اليومي، بكل ما يجلبه من توترات وضغوط وأمراض، هم أكثر من يُكرر هذا القول المتشائم، ربما ليلتمسوا لأنفسهم العذر في خيارهم هذا، ناسين أن هذا الخيار بالذات هو أحد أسباب قوة شوكة التيارات الأخرى الطائفية والمحافظة، حيث خسرنا طاقات الكثيرين من هؤلاء الأصحاب التي لم نجد من يُعوضها.
 وعودة إلى موضوعنا، فان قوة التيار الوطني الديمقراطي لا تُقاس، ولا يجب أن تُقاس عددياً أو كمياً، وحتى بهذا القياس هي ليست قليلة ولكنها مشتتة ومُغيبة، وإنما هي قوة نوعية بالكوادر التي يمتلكها هذا التيار في المجالات المختلفة، وبالخبرة والتجربة السياسية التي لا تتوفر عليها التيارات الأخرى، والأهم من ذلك كله بالبرنامج السياسي – الاجتماعي – الثقافي العصري والواقعي والديمقراطي وغير الطائفي الذي يمتلكه هذا التيار. والتجربة تؤكد أن حاصل تجميع قوى سياسية في إطار تنسيقي أو تحالفي لا تؤدي إلى حاصل جمع هذه القوى رياضياً، وإنما تضاف إلى هذا المجموع قيمة مضافة ناتجة من الأثر الذي سيتركه تأثير هذه القوى وفعاليتها، وقد التقت، في النشاط السياسي في المجتمع، حين يجد الناس البديل المقنع أمام إخفاق التيارات الطائفية المعنية بتناحرها وبغنائمها الفئوية أكثر من اهتمامها بموجبات البناء الديمقراطي والوطني.
 تشاء الصدف أن أطالع وأنا اكتب هذه السطور تقريراً من العراق على المجلة الاليكترونية: “إيلاف”، يتحدث عن تراجع مكانة التيارات المذهبية والطائفية هناك أمام تحسن مواقع القوى العلمانية، بعد أن أُصيب المجتمع بإحباط من أداء الطائفيين وتورطهم في الفساد وفي الممارسات القمعية.
 ونحن أميل إلى أن لا نُحمل الأمر أكثر مما يحتمل، لأن استعادة القوى العلمانية لمواقعها في العراق أو في البحرين أو في أي بلد عربي وإسلامي آخر مسألة معقدة وتتطلب جهوداً وتضحيات مُضنية، لكن لا يجب الاستخفاف بالمعطيات التي يقدمها هذا التقرير، لأن التجربة ستُظهر بعد حين أن التيارات المهيمنة الآن هي أعجز من أن تنتشل مجتمعاتنا من المآزق التي هي فيها، ومسؤولية التيار الديمقراطي تطوير جاهزيته، لكي يقنع الناس فعلاً وقولاً انه البديل الحقيقي.
 
صحيفة الايام
28 اغسطس 2008
 

اقرأ المزيد

محاربة الفساد‮..


كل مواطن يتمنى ويريد، كان يتمنى ولا يزال، وكان يريد ولا يزال لو أن جهداً حقيقياً ملموساً قد بذل في بلادنا على صعيد محاربة مظاهر الفساد وبدء مواجهة جادة لكل أنواع المخالفات والتجاوزات واستغلال النفوذ والتربح من الوظيفة العامة والتعدي على القانون والمال العام من قبل أي كان وفي أي موقع من مواقع المسؤولية.
وكل مواطن لا يستطيع حتى الآن أن يدعي أنه يعرف، أو كان يعرف، أو صار يعرف، أو أنه على وشك أن يعرف أن هناك خطة أو مشروع خطة أو ملامح خطة، أو سياسة، أو إستراتيجية أو برنامج معلن وواضح المعالم والمنطلقات والمحاور في مجال محاربة ومقاومة الفساد وقطع دابره حيثما وجد ومهما كان الثمن.
ولكن صار بوسع المواطن هذه الأيام أن يسمع بلا عناء قرع طبول الحرب ضد الفساد والرشوة والتكسب غير المشروع في أكثر من دولة مجاورة جعلت مكافحة الفساد قضية في منتهى الحيوية، وباتت تتشدد على وضع هذه القضية في صدارة أولوياتها وأقرنت ذلك بالتأكيد على توفير الضمانات الكفيلة بعدم إفلات كل من أخطأ أو انحرف أو عبث بالمصلحة العامة من دائرة الحساب ومن قبضة العقاب اقتناعاً بأن ذلك أمر لابد منه دعماً لمسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولإشاعة الثقة في بيئة الأعمال والاستثمار وتحقيقاً للأمن الاقتصادي الضروري اللازم للنمو وجذب المستثمرين.
لذلك يأتي إعلان حكومة دبي مؤخراً بأنها تقف بحزم ضد مختلف مظاهر الفساد والرشوة والكسب غير المشروع، والمباشرة في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد مرتكبيها ووضع ذلك ضمن أولويات الحكومة، مع تحذيرها اللافت بأنه لن تكون هناك حصانة لأي مسؤول يستغل منصبه لتحقيق مكاسب غير مشروعة، وترجمت هذا التوجه على أرض الواقع الملموس وعلى نحو يؤكد بأنها جادة في السعي إلى ذلك حينما أعفت في ٧٢ يوليو الماضي وزيراً من منصبه من زاوية بأنه لا مسؤولية من دون حساب، وأعقبت ذلك في خطوة غير مسبوقة على مستوى المنطقة بإحالة الوزير إلى القضاء بتهمة خيانة الأمانة، ثم بخطوة ثانية لافتة هي الأخرى عندما أعلنت عن فتح تحقيقات جدية مع أشخاص من العيار الثقيل في قضايا فساد مالي داخل مؤسسات وشركات مملوكة للحكومة.
يأتي ذلك الأمر بالنسبة للمواطن البحريني ليكون محل حفاوة وترحيب وتأييد لألف سبب وسبب لاعتبارات وجيهة لا تغيب عن ذوي الفطنة والحصافة.
نفس الترحيب والحفاوة والتأييد لألف سبب وسبب أبداه كل مواطن كان قد تابع الحملة على الفساد التي بدأت في دولة قطر قبل عدة سنوات بقيادة أميرها وكان من بين نتائجها التحقيق مع ٣ وزراء ورجال أعمال، وكذلك عندما تبنت الكويت حملة ضد الفساد، وفي هذا السياق جاء الإعلان في الأسبوع الماضي عن تبني الحكومة خطة لتدوير المناصب القيادية للحد من استغلال بعض القياديين لمناصبهم وتحديد مدة ٨ سنوات كحد أقصى للبقاء في المنصب للحد من الفساد الإداري، وكل ذلك لابد أن يكون موضع ترحاب وتقدير وتأييد لألف سبب وسبب.
ولألف سبب وسبب يأمل المواطن بأن يكون لهذا التوجه معنى هو أن مكافحة الفساد باتت فعلاً قضية في منتهى الحيوية في المنطقة، وإنها أصبحت العنوان الأبرز في قائمة أولويات حكوماتها التي باتت ضمن هذا التوجه توفر الضمانات الكفيلة التي لا تجعل الفاعل مجهولاً، أو تقيّد التجاوزات ضد مجهول، بل تحاسب كل من أخطأ أو انحرف وعبث بالمصالح العليا للوطن والمواطن حساباً عسيراً.
ولأننا نعلم جيداً بأن الفساد هو التحدي الأكبر أمام جميع الدول والشعوب، وأن المعركة ضد الفساد هو جزء لا يتجزأ من معركة الإصلاح والتنمية، بل هي البوابة الأهم للإصلاح، فإنه يغدو أمراً ملحاً أن نلحق بالركب في الوقت الذي نمتلك فيه ذخيرة قوية لا يجب أن يجيز أحد لنفسه تجاهلها، هي إشارات وتوجيهات ورؤى لعاهل البلاد حفظه الله عبّر عنها في أكثر من مناسبة، من المفيد التذكير ببعضها على الأقل لأنها يمكن أن تشكل وثيقة سياسية مهمة أو أساساً ننطلق منه في الحرب على الفساد، فجلالته هو القائـل: »بالابتعاد عن الفساد يرتقي الوطن«، وهو الداعي للمؤسسات الوطنية للالتفاف حول هذا الهدف، وهو الذي شدد على القول:  »إن ضبط أدق الإيرادات والمصروفات الحكومية من أولويات الإصلاح الاقتصادي «.
إننا لا نجد دليلاً أبلغ من ذلك على توافر الإرادة السياسية للمباشرة في التصدي بكل جدية وحسم لمظاهر الفساد، لذلك بات مطلوبا التصدي للفساد بالدرجة ذاتها من الإصرار والحزم الذي عبر عنه جلالة الملك، وأن توظف وتترجم تلك الرؤى والتوجهات في خطة عمل معلنة تستهدف مواجهة حقيقية وليست نظرية للفساد.
كل ما هو مطلوب وبشكل ملح أن تترجم رؤى وتوجيهات جلالة الملك إلى فعل محسوس، لا إلى إجراءات مترددة تفتقد إلى خطة أو برنامج عمل تفعّل الرغبة في محاربة الفساد والتأكيد على قدسية المال العام والأملاك العامة، ويجب أن يكون ذلك هدفاً وغاية في ظل قوانين صارمة وإجراءات حاسمة ومطاردة دائمة للفساد والمفسدين، وجعل ذلك ضمن أولويات ليس السلطة التنفيذية فحسب، بل ومعها السلطتين التشريعية والقضائية، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني وقواه الفاعلة، لنفعّل بذلك شراكة الجميع بلا أدنى مواربة في محاربة الفساد بكل ألوانه وأشكاله ومستوياته، المهم ألا تكون هذه المهمة صورية، فذلك يعزز وضع الفساد أكثر مما يحاربه.
المواطن يتمنى أن يرى في الأفق عملاً يحمل موضوع الفساد على محمل الجد، بعد أن طال انتظاره لذلك بأكثر مما ينبغي، هو يتمنى أن نبدأ في العلاج في أي تحرك مسؤول يتسم بمنتهى الجدية نواجه به الفساد بمختلف مظاهره وصوره وشخوصه، مع الأخذ في الاعتبار أننا نقف أمام اختبار جدي وحاسم، المطلوب فيه أن لا يحبط المتفائل..!!



الأيام 29 أغسطس 2008

اقرأ المزيد

المناضل ناجي العلي.. شهيد الفكرة والوطن


سيظل يوم التاسع والعشرين من شهر أغسطس يوماً مضيئاً في سماء الحرية.. ماثلاً في ضمائر المناضلين.. حيا في وجدان طالبي الحرية والكرامة الإنسانية في كل مكان.. سيظل هذا اليوم المقدس مقروناً باستشهاد أحد أقطاب وعمالقة المناضلين الحقيقيين الذين آلوا على أنفسهم ألا يرتضوا سوى الحياة الحرة الكريمة لشعوبهم، والحياة الرغدة المجردة من عسف الضيم والذل وتعسف الظلم والاستبداد لأمتهم..
استشهد أحد عظماء هذه الأمة المغبونة.. أحد عباقرة هذه الأمة المظلومة وهو واقف على قدميه إذ سعى هذا المناضل العملاق أثناء حياته وفي استشهاده إلى إعادة كرامتها المستلبة وحقوقها المهدرة.. هو المناضل الفلسطيني والعربي والأممي ناجي العلي الذي استشهد في ساحة الحرية والمجد والشرف.. استشهد ولم يكن يملك من الحياة سوى القيم الأخلاقية الرفيعة، وسوى المبادئ الإنسانية التحررية والأممية، التي ناضل بها ومن أجلها، وفي سبيل انتزاع حريات شعبه العربي المغلوب على أمره، بل حريات شعوب العالم المضطهدة. ومثلما شق الشهيد ناجي العلي سدول الظلام وغياهب التخلف بنهجه ومبادئه.. فإنه ناضل ضد عدوه الصهيوني بشجاعته وبطولاته، حيث احتل هذا العدو، البغيض أرضه.. أرض فلسطين الجريح وشرد شعباً بأكمله واقتلعه من أرضه ووطنه.. بقدر ما خاض الشهيد هذا الفارس الغائب الحاضر غمار المعارك الكبرى بأفكار قلمه وريشته ضد دكتاتورية الأنظمة العربية المستبدة. واحد وعشرون عاماً مضت على استشهاد رفيق المناضلين ورفيق المسحوقين والمضطهدين (أبي خالد).. تمثلت تلك الأعوام في إحدى وعشرين شمعة مضيئة تنير طريق شعب فلسطين المناضل الذي يصنع التاريخ ويصنع المعجزات بنضالات وتضحيات قواه الوطنية والتقدمية. شعب فلسطين البطل الذي كان يستلهم إرادته وعزائمه ولا يزال من معين رسوم أحد قادته وأحد مناضليه شهيد الفكرة والوطن ناجي العلي.. رسوم نضالية خطت وسطرت بريشة «جريئة« انغمست بأغلى مداد، واتسمت بجرأة نادرة قلما تجود بها الأقلام والمجتمعات العربية في هذا الزمن الصعب والرديء على حد سواء. استشهد المناضل ناجي العلي يوم 29 أغسطس عام 1987م على أيدي عملاء الموساد وبتآمر البعض من أقربائه وأمته.. ولكن استشهاده جاء مبعث فخر المناضلين في كل مكان الذين ينحنون في يوم استشهاده إجلالاً لنضالاته وتضحياته. استشهد (أبوخالد) بعد أن ناضل نضال الأبطال خلال درب نضالي طويل واجه عبره احتلال العدو الصهيوني اللقيط من صهاينة يهود الشتات.. بقدر ما كشف عورة مشاريع ووعود الدول الاستعمارية الغازية التي أوجدت هذا الكيان المسخ على أرض فلسطين.. منذ وعد بلفور الأسود في نوفمبر عام 1917م مروراً بالانتداب البريطاني عام 1924م وعملية التحالف الاستراتيجي البريطاني – الأمريكي، منذ إدارة الرئيس الأمريكي (هاري ترمان) حتى رئاسة (بوش الابن) وتواصلاً بالنكبة عام 1948م. ومثلما ناضل الشهيد ناجي العلي ضد سارقي أرضه واحتلال وطنه (العدو الصهيوني والدول الغربية الغازية).. فإنه ظل قابضاً على الجمرة والريشة معاً ففضح من خلالهما اتفاقية كامب ديفيد الاستسلامية الموقعة عام 1979م التي في ضوئها تسابقت الأنظمة العربية إلى عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني من دون خجل وبلا وجل. وبحسب مع ما نسج رفيق الشعوب والمسحوقين والمعذبين أعظم الملاحم النضالية ضد الاتفاقيات الاستسلامية.. فإن ريشته المعبرة بالدم والدموع والعرق، قد سطرت شعار (حنظلة) الطفل الثائر المقيد اليدين والرجلين، وقد تجاهل الحكومات العربية بإدارة ظهره لها غير آبه لها، ولا يعترف بوجودها، ساخراً وممتعضاً استبدادية سياستها، مستاءً من عدم شرعيتها، محتجا على اضطهاد شعوبها. إن شعار (حنظلة) إهانة للحكومات العربية، فإنه أراد أن يخاطبها بخذلانها ويذكرها بخيانتها للقضية الفلسطينية، حينما باعتها بأبخس الأثمان، مقابل هدر كرامتها وافتقاد آخر قطرة من ماء وجهها.. مثلما ينطق شعار (حنظلة) بصريح العبارة بأن الأنظمة العربية الرسمية هي أساس البلاء في ترسيخ الانقسامات وتعزيز مظاهر التشظي والتشرذم وتكريس الهزائم والانكسارات.. لكنها أي «الحكومات العربية« قد استأسدت على شعوبها بحسب ما يسترسل (حنظلة) في مصادرة حرياتها وتهميشها في ظل غياب الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. ومثلما تغيب الديمقراطية في الوطن العربي، فإنه يقابل هذا التغييب حضور الأنظمة الأمنية والقوانين والأعراف البوليسية حينما تقوم أجهزة الاستخبارات بملاحقة المناضلين من المعارضين السياسيين والرموز الوطنية لحركات التحرر الوطنية، مقرونة تلك الملاحقات بفتح السجون والمعتقلات التي يزداد عددها مع كل عام جديد.. ويفوق عددها عدد المستشفيات والمدارس والجامعات والمؤسسات التربوية والثقافية ليواجه أولئك المناضلون ويلات السجون وظلمات الزنازين والمعتقلات. وحسبما تشد هذه الشعوب العربية المضطهدة الأحزمة على البطون، فهي تعاني مصادرة حرياتها بتكميم الأفواه أيضا. شعار (حنظلة) للشهيد المناضل ناجي العلي بحسب ما ينطق بجرائم الغزاة الصهاينة وعملائهم وزبانيتهم المحتلين لأرض فلسطين الجريح، وباستبداد الحكومات العربية لشعوبها ومجتمعاتها فإن (حنظلة) يذكّر العالم قاطبة بل أحيا الذاكرة العربية والإنسانية بصدق نبوءة المناضل الشهيد الغائب الحاضر (أبي خالد) بانطلاقة وإشعال انتفاضة أطفال الحجارة عام 1987م، التي نسجت ملحمة من أعظم ملاحم التضحية والبطولة والنضالات المقدسة ما يعجز عن نسجها الرجال. انتفاضة أطفال الحجارة الخالدة هي امتداد للبيان الأول رقم (1) الصادر في شهر مايو عام 1967م لمنظمة شباب الثأر التي قدمت أول شهدائها في 2 نوفمبر 1964م، وامتداد للبلاغ العسكري رقم (1) للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حول عملياتها الفدائية في الأرض المحتلة في 21 ديسمبر 1967م. فسلام لتلك الكوكبة المناضلة الشريفة من الشهداء، شهداء فلسطين المناضلة، وطوبى للمناضل الفارس ناجي العلي في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاده، في يوم سيظل مضيئاً في سجل الخالدين مثلما سيبقى محفوراً في ذاكرة المناضلين وصخرة الزمن .



أخبار الخليج 29 أغسطس 2008
 

اقرأ المزيد

الصناعات الخليجية، قيادة القطاع الخاص!


في إحدى الندوات التي عُقدت في لندن والتي نظمتها غرفةُ التجارة العربية – البريطانية لبحث دور القطاع الخاص في الخليج العربي ركز المناقشون في وجود سيولة مالية كبيرة وفرتها أسعارُ النفط المرتفعة، وتطلع المستثمرون إلى التغلغل في السوق السعودية الأكبر في المنطقة التي تمتلك ربع احتياطي النفط في العالم، وتفاءل المنتدون بدور كبير يجري للقطاعات الخاصة في الخليج. وتوضح الأرقامُ على عكس من هذه التمنيات الطيبة ضآلة القطاع الخاص خاصة في الصناعة رغم إن (معاهد الدراسات والمراكز البحوثية الحكومية) تؤكد العكس.
إن العديد من المنشآت التابعة للقطاع الخاص تتركز في الصناعات المتوسطة والصغيرة. فالأرقام تقول إنه قد بلغ عدد المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة في دول الخليج عامة عشرة آلاف منشأة، يتركز معظمها في قطاعي الصناعات البتروكيماوية والبلاستك، والصناعات التعدينية غير البترولية، وتمثل الصناعات الصغيرة والمتوسطة 3،86 من إجمالي عدد المصانع الخليجية. وجاءت دولة الإمارات الدولة الأولى في أعداد هذه المنشآت الصناعية، حيث بلغت 3825 وجاءت السعودية في المرتبة الثانية حيث بلغ عدد المنشآت .3323 وإضافة لعدم توضيح الإحصائيات طبيعة الملكية في هذه المصانع، حيث لا يتم توضيح هل هي قطاع عام أم خاص، تدل هذه الأرقام على ضعف الصناعة في دول الخليج حيث إن المنشآت الصغيرة والمتوسطة هي الغالبية، في حين يغيب توضيح أعداد وطبيعة المؤسسات الصناعية الكبيرة، وتوزع العمالة والقيمة المضافة لكل منهما، لكن هذه النسبة توضح من جهةٍ أخرى سيطرة المؤسسات الصناعية الصغيرة. كما أن الدول الأخرى الخليجية ذات نسب لم تذكر هنا.
 لقد بلغ حجم الاستثمار في هذا القطاع الخليجي كله، 8،10 مليارات دولار. في حين إن عدد المصانع البتروكيماوية بلغ 2043 وبلغ حجم استثماراتها وحدها 70 مليارا، وبطبيعة الحال فهذه المصانع حكومية أو فيها مشاركات. إن ضعف دور القطاعات الخاصة في الحياة الاقتصادية هو أمر واضح، وهي في الصناعة أضعف بكثير. وقد بين بعضٌ من الفاعليات الخليجية أسباب شلل حضور القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية، فتحدث السيد عدنان البحر من دولة الكويت في المؤتمر الاقتصادي الإسلامي الرابع الذي انعقد في الكويت عن ذلك فقال؛ (إن هيمنة القطاع العام على النشاط الاقتصادي جاء بسبب الاعتماد على النفط كمحرك للنشاط الاقتصادي) ودعا إلى عودة الوضع الاقتصادي السابق (عندما كان القطاع الخاص هو المشغل الأساسي للنشاط الاقتصادي)، وأضاف بأن (الإشكالية الأساسية في دول العالم الثالث نابعة من اعتمادها على الموارد الطبيعية)، وهي حال الدول التي تضخمت فيها الأجهزة وابتلعت الكثير من الموارد. وقال طارق سلطان رئيس إحدى الشركات أن 80% من الموظفين في كل من السعودية والإمارات والكويت يعملون في الدولة، وإنه إذا استمرت أسعار النفط بهذا المستوى فإن دول الخليج سوف تكسب حتى عام 2020، 9 تريليونات دولار.
 ويعتقد معظمُ المتابعين والباحثين في المؤتمر المذكور أن هيمنة الحكومات الخليجية على هذه الأموال الضخمة، وسيطرة البيروقراطيات وعدم تطور التعليم لتوفير أجيال تقنية علمية، وعدم دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي من أهم الأسباب لتدهور كبير سوف يجري لاحقاً في البناء الاقتصادي ولا يُعرف مداه، والحل في رأيهم هو تحرير الأسواق كما حدث في هونغ كونغ وسنغافورة. إنها انتقادات(خفيفة) من رجال الأعمال للحكومات المهيمنة على أغلبية الموراد والمتصرفة فيها كما تشاء، وهو سبب محوري لغياب فاعلية قيادات القطاع الخاص عن السياسة وعن طرح برامج سياسية بديلة لتلك الهيمنة. فهذه الانتقادات لا توضح طبيعة تراكمات الرساميل في الفروع كافة ونسبها وتوجهات الفوائض النقدية، وكيفية تحرير الأسواق مادامت نسبة الموظفين في القطاعات الحكومية بهذا المستوى، وهو مستوى يوضح النزيف المالي السياسي الكبير، والترهل البيروقراطي على جسم المجتمع، وكيف يمكن إعادة تأهيل مثل هذه العمالة شبه العاطلة، وعلاقة ذلك ببقاء أكثر النساء في المنازل والاعتماد على العمالة الأجنبية بصورة كارثية.
 بطبيعة الحال تقود مثل هذه الأسئلة إلى ضرورة تفعيل دور البرلمانات في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية، وتصعيد نسبة مشاركة رجال الأعمال وقوى الفئات الوسطى الصناعية في العمل السياسي، ومساهماتها الاقتصادية في رفع نسب المشاركة الخليجية في الإنتاج الصناعي، لاحتواء أفق مستقبلي مفتوح على المخاطر وغياب التخطيط وسيادة الروح القدرية السلبية. بطبيعة تطور الدول الشرقية فإن ذلك يبقى مساهمة جزئية مُحاصرة بين جبال المؤسسات الرسمية، لكن لابد من ذلك بسبب وضع الثروة المؤقتة.
 
أخبار الخليج 29 أغسطس 2008

اقرأ المزيد

الأم والكتاكيت السياسية

تتعامل الأنظمة الشرقية خاصة مع قوى المعارضة وكأنها كتاكيت صغيرة لابد أن تـُحضن حتى تكبر. إن الطابع الأبوي يتبدى في (القصَقصَة) المستمرة لأجنحة هذه الكتاكيت حتى لا تطير وتعرض نفسها للأخطار! ومن هنا يجري ربط هذه الكتاكيت بالوزارات الأمومية كالشؤون الاجتماعية أو العمل، فالطابع الأبوي الحنون متوار، فيجب ألا تـُخدش الجماعات السياسية الطفولية بكونها قاصرة وتحتاج إلى رضاعات مالية تصنع لها بعض الريش واللحم لكي ترابط عند أمها الحنون ولا تطير. وكلما ازداد عدد الكتاكيت كان ذلك أفضل من أجل أن تلوذ بالأرض وتتصارع على الحبوب.
إلى ماذا يرجع هذا الرسوخ للثقافة الشمولية في الشرق عند الدول والجماعات السياسية والشعوب؟ إن الدجاجة الكبيرة، الدولة، تمتلك مخازن الحبوب، لقرون طويلة، وكونت العادات والثقافة عند الشعوب لكي تتخصص هذه في التقاط الحبوب من الأرض حيث تـُلقى عليها، فترى الجمهور الشعبي وقد عاش طوال حياته يكره السياسة، وهي الثقافة التي تجعله يرفع رأسه لفوق، ويبحث عن سبل العمل المستقلة، فينحو في حياته ليس لالتقاط الحبوب بل لزرعها وصناعتها أو لانتزاعها من المخازن المغلقة. وراء الكتاكيت السياسية يجثم الشعب مصدر السلطة الضائعة، الذي تخصص في ألا تكون له سلطة، بل أن تتسلط عليه الدول والحكومات والهيئات المختلفة والأقدار، وأن يُسجن في الأعمال اليدوية الصغيرة الشاقة المحدودة، أو في الأعمال الذهنية الجزئية، فيفقد كل قدرات العقل على التحليق الحر، فتأتي كل ثقافات التسلية والغيبيات لكي ينتظر ويقنع بعيشه الصغير، وبزنزانته السياسية الاجتماعية العظيمة، فيكره التجديد في أي شيء، ويكره البدع، والعلوم الجديدة، وتغيير العادات وتعرية الزعماء السياسيين ونقد الأفكار السياسية الخاطئة أساس عبوديته وعدم طيرانه. وما دامت الشعوب نائمة ومقيدة في شموليتها العريقة، وسلبيتها، وثقافة التقاط الحبوب من الأرض وكره السياسة والتجديد، فما تنتجه من تيارات سياسية لا يخرج عن قوى شمولية لا تستطيع أن تتجاوز شعوبها الشمولية، بل تغدو إعادة إنتاج لما هي عليه وتكرار لما سبق، وألحانا متعددة لذات النغمة الأساسية، فهي دجاجات أخريات تريد أن تحل محل الدولة. وهكذا فإن الشرق لا يشهد تجارب ديمقراطية لأن نسيجه الاجتماعي الحكومي والشعبي لا يعرف ما هي الديمقراطية أصلاً. فليست الديمقراطية الشرقية سوى تسويات وصراعات داخل حلبة الشمولية والاستبداد، فهنا تتوزع معسكرات الاستبداد بهذه الدرجة أو تلك من تمثل بعض المصالح العامة والشعبية، ولكنها في العمق تعضُ على كراسيها أشد العض، وتتمسك بامتيازاتها الموروثة أشد التمسك. فعلينا ألا نـُصاب بلوثات عقلية بأن ما يجري هو ديمقراطية، وهي لوثات تحدث من كثرة ترديد هذه المفردة نظراً لعمليات غسل الدماغ التي تجري يومياً. لا شك إن الديمقراطية قادمة للشرق لا محالة، ولكنها ذات قوانين اقتصادية تتمثل في ظهور طبقة حرة ولديها وسائل إنتاج قوية قادرة على الوقوف في وجه الدول المحتكرة لوسائل الإنتاج والعيش والإعلام. وفي الطريق إلى ذلك لابد من ثقافة ديمقراطية تتغلغل بين الشعوب، إلى الجمهور الأمي القليل التعلم، وللجمهور المثقف الذي يعيش على مخلفات الثقافة العبودية، وأن يعي بأن ثمة قوانين واحدة لتطور البشرية وأن الديمقراطيات الشرقية هي استبداديات جديدة بأزياء مستوردة شكلية من الغرب، فهي لم تذهب لجوهر تجربة الغرب الديمقراطية، بل استعارت الصبغة الخارجية للجسم وتخلت عن العمق، الذي يعني شعوباً ديمقراطية خرجت عن سيطرة الدول والأديان وتقوم بإيجاد سياسة تعبر عن مصالح طبقاتها الأساسية وليس عن شلل الحكم والزعماء. وإذا كانت شعوب الشرق تمر الآن بمرحلة انتقالية نحو الديمقراطية فلا بد من ألا يكون مخزن الحبوب تابعاً للحكم، وأن تحدث عمليات تدرج بين إشاعة المنافع الاقتصادية للطبقات الفقيرة والانتقال للديمقراطية ولانتشار الوعي لا الدجل الانتخابي، فإذا كانت الديمقراطية هي إعادة توزيع جديدة للثروة للطبقات الغنية والحاكمة فتكون هي الفوضى وليس الديمقراطية!
 
صحيفة اخبار الخليج
28 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

حول التيار الديمقراطي‮ – 4


على ضوء ما تحدثنا عنه في الحلقات السابقة تنطرح مسألة اللقاء بين أطراف التيار الديمقراطي في البلاد، بصرف النظر عن الصيغة التي سيتخذها شكل هذا اللقاء، كونها تعبر عن حاجة موضوعية من حاجات الاستجابة لاستحقاقات الوضع الراهن في البحرين، لأنه ليس بوسع قوة واحدة منفردة من قوى هذا التيار أن تتصدى لهذه الاستحقاقات، فضلاً عن أن المنافسة والمزاحمة بين هذه الأطراف تعود بالضرر على الجميع، في المحصلة النهائية، حتى لو بدا، ظاهراً أنها تحقق مكسباً عرضياً وآنياً لهذا الطرف أو ذاك. يضاف إلى ذلك أن هذا اللقاء ينسجم مع منطق الأشياء، لأنه، في حال تمّ، سيعبر عن درجة من الهارموني السياسي والفكري وفي البرامج والرؤى الاجتماعية، غير متوفرة في صيغ تنسيق أو تحالف أخرى مع تكوينات سياسية ذات منحى فكري – اجتماعي مغاير، حتى لو بدا أننا نلتقي معها في بعض الأمور، خاصة إذا توفرت هذه التكوينات على قوة جماهيرية طاغية، في الفضاء الذي تعبر عنه، مما ينطوي على مخاطر الاستتباع لهذه القوى، حتى دون أن نعي لذلك، وتجربة التحالفات في العديد من البلدان دلت على أن وجود طرف يملك قوة حاسمة في هذا التحالف يجعل الأطراف الأصغر فيه محكومة بإيقاع هذا الطرف القوي.
  لكن دعوتنا للقاء أطراف التيار الديمقراطي، والتي عبرنا عنها مراراً وتكراراً في مناسبات عدة، يجب ألا تُحاط بهالة رومانسية وعاطفية، بحيث تحجب المعوقات التي ستواجه مثل هذا اللقاء. في كلمة المنبر التقدمي التي ألقيتها في المؤتمر الرابع لجمعية العمل الوطني الديمقراطي أشرت إلى بعض هذه المعوقات، ومن بينها الحساسيات التي تراكمت عبر عقود بين أعضاء التنظيمين، والتي نشأت عنها حالاً من سوء الفهم المتبادل، وأحياناً ضعف الثقة، ومن بينها اختلاف التقديرات حول الوضع السياسي ومستجداته، وهي مسألة طبيعية، فإننا إزاء واقع مركب ومعقد يمكن أن يكون مثار قراءات مختلفة داخل التنظيم الواحد، فما بالنا بتنظيمين أو أكثر. لكني أشرت إلى أن هذا كله يمكن تذليله، لكي لا يكون معوقاً للقاء، إذا ما وزنا خطواتنا المشتركة، بحيث تكون متأنية وتدريجية تنطلق من الأصغر والأبسط لا لكي تقف عنده، وإنما لتنطلق منه نحو ما هو أعلى وأكبر، والدخول في أعمال مشتركة وصيغ تنسيق ميدانية في حقول العمل الجماهيري ومؤسسات المجتمع المدني وما إلى ذلك، بما يساعد على خلق أجواء التقارب والتفاهم بين أعضاء التيارات الديمقراطية المختلفة.
وإذا كنا نولي عناية خاصة للقاء بين “التقدمي” و”وعد”، انطلاقاً من مكانتهما التاريخية والسياسية والجماهيرية، فإننا نرى في ذلك منطلقاً للقاءات تشمل بقية مكونات التيار الوطني الديمقراطي، وخاصة الأخوة في “التجمع القومي” و”الوسط العربي”، والشخصيات الوطنية والديمقراطية المستقلة المعنية بوحدة هذا التيار، والتي نُعول كثيراً على دورها في الدفع بالأمور في اتجاه ايجابي، سعياً لأن يكون لدينا بديل لحال التشرذم الطائفي وللبرامج المحافظة التي تقدمها القوى المهيمنة على المؤسسة البرلمانية والتي ينعكس أداؤها السيئ على المجتمع في صورة احتقان مذهبي يُصرف النظر عن مهام البناء الديمقراطي الحقيقية.
 
27 أغسطس 2008
 

اقرأ المزيد

الرأسمالية المتوحشة وحمى الغلاء

ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل فاحش في كل بقاع الأرض . “تبشرنا” المنظمات الدولية ان موجة الغلاء ستستمر لسنوات أربع مقبلة . على العالم، إذن، ان يتهيأ لموجات من الانتفاضات والهبات الاجتماعية العاصفة التي مدارها على قضية الخبز . ستعود النقابات العمالية الى المشهد بعد حقبة من الاختفاء لم تكن تكسرها إلا اطلالات محتشمة تأتي كومضة برق لا تعقبها اصوات رعود . سيخرج العمال من هامشيتهم وفي ركابهم مهمشون من بروليتاريا رثة وعطلة ومسحوقين كي يأخذوا حقوقهم بأيديهم . ستساندهم الطبقة الوسطى لا محالة لأن ضربة الغلاء الجنوني لم توفر اطمئنانها الوهمي الى امانها الاجتماعي . قد تستعيد حركات الشبيبة عنفوانها في مثل هذه المناخات من النهوض الاجتماعي وتتقدم لادارة فصول من ذلك النهوض . غير أن الاحزاب  السياسية ستكون وحدها نقطة الضعف في هذا المشهد المتوقع بعدما فقدت عافيتها في كل العالم وترهلت ومالت حركتها الى افول، وان كان بعض قليل منها قد ينجح في تركيب آلته “الحزبية” على بطارية الحركات الاجتماعية من أجل إعادة تشغيلها بعد عطل مديد . 
قد يقع هذا كله، وقد يقع بعضه . قد يصبح مسرحه معظم بلدان العالم، وقد تنحصر ظواهره في بعض قليل منها . لكنه لا محالة قادم . وليس القطع في اللغة ضرباً من ايمانية يقينية راسخة في النفس، ولا هو من بقايا ثقافة “الحتمية التاريخية”، فينا، ولا مما يحملنا عليه اغراء التحليل المادي التاريخي للأحداث والظاهرات وجاذبية الرؤية الطبقية للعلاقات الناظمة لتلك الظاهرات . لا، ولا بقية من “طوبى ثورية” في الوجدان  أتت عليها مصائب هذا العصر بمعاول الهدم  ما يجيز الحديث عن هذا المشهد بلغة الواقع المتحقق لا بلغة الفرضية المحتملة . . الخ . وإنما هي لغة تستقي مشروعيتها من دروس التاريخ، وأولها أن صعود الحركات الاجتماعية “ومنها الثورات والانتفاضات والاضرابات الكبرى” أو تراجعها إنما يقترن بالقدرة أو بعدم القدرة على احتواء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى في الدول والمجتمعات الانسانية . وكلما أمكن استيعاب أزمة من هذا النوع، أمكن احتواء حركات الاحتجاج . أما حين تفيض الأزمة عن حدود وإمكانات الاستيعاب، فلا شيء عندها يمكنه ان يعطل دينامية اجتماعية موضوعية في التاريخ الانساني . 
هكذا  مثلاً  كانت سيرة الرأسمالية مع أزماتها المتعاقبة ومع الحركات الاجتماعية التي انتجتها الحقبة الرأسمالية . منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى سبعينات القرن العشرين الماضي، لم تتوقف حالة الحراك الاجتماعي الاحتجاجي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي . شهدت هذه الحقبة المديدة صعوداً متعاظماً واتساعاً متزايد النطاق للحركات النقابية والعمالية والمطلبية رسمت نضالاتها حدوداً للمسموح به وللممنوع في مجال الحقوق الاجتماعية للمنتجين “عمال، فلاحين” ولقوى الطبقة الوسطى، وأمكنها أن تحد من وحشية الاستغلال الرأسمالي لقوة العمل بمقدار ما نجحت في انتزاع حقوق جديدة لم تكن في الوسع قبلا “الضمان الاجتماعي، زمن عادل للعمل، اجر “عادل” على ساعات العمل . التأمين الصحي” وفي الأثناء، كان الحراك هذا يوفر البيئة المثالية لانتعاش فكرة التغيير الاجتماعي ونمو القوى السياسية التي تحمله مشروعاً اجتماعياً نقيضاً للنظام القائم، ومنها القوى الاشتراكية والشيوعية . وحصل أن بلغ هذا الحراك الاجتماعي والسياسي حد النجاح في الانتقال من حال الاحتجاج الى حال الثورة السياسية التي اطاحت بالنظام الرأسمالي . 
لكن الرأسمالية كانت تملك  باستمرار  ان تستوعب ازماتها: أن تجيب مطالب النقابات والقوى الاجتماعية التي تمثلها هذه النقابات . وان تستوعب الطبقة الوسطى في النظام الاجتماعي والسياسي، بل وان تستوعب قوى الثورة نفسها مثلما حصل في اوروبا الغربية وأدى الى قيام ما عرف باسم”الشيوعية” الاوروبية” (Euro-communisme) التي تحولت الى حركة اصلاحية جديدة في الغرب . ثم لم تلبث ان استوعبت النظام “الاشتراكي” السوفييتي وردائفه في اوروبا الشرقية في منتصف الثمانينات قبل ان تطيح به في مطلع التسعينات من القرن العشرين، مثلما استوعبت قبله الحركات النقابية وحركات “الارهاب الثوري” وأزمة النظام الاقتصادي (1929) والتحدي النازي والفاشي . . الخ . 
لكن ازمتها اليوم ليست قابلة للاستيعاب على نحو سريع وحاسم لأن الطور الجديد الذي ولجته الرأسمالية منذ عقدين، اعني طور العولمة، لا يسمح لها بأن تمتص ما كانت تستطيع امتصاصه من مشكلات ذاتية أو أزمات، حتى لا نقول ان منطق الرأسمالية العولمية نزاع الى إنتاج المشكلات والأزمات لا الى حلها . ان الانكماش الاقتصادي في الولايات المتحدة واليابان، والانهيار المروع لقيمة الدولار، والارتفاع الدراماتيكي في أسعار النفط وفي اسعار المواد الغذائية، والعجز الفادح في التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين لمصلحة الأخيرة، والمديونية الأمريكية العالية  التي الهبتها حروب بوش وإدارته  والتناقضات المتزايدة بين الرأسماليات الكبرى الثلاث “الأمريكية والاوروبية واليابانية”، عوضت التناقض السابق بين النظامين الرأسمالي و”الاشتراكي”، ثم الخراب الاقتصادي الزاحف على بلدان الجنوب نتيجة فعل العولمة التفكيكي لبناها الهشة، والتدمير المنظم والعشوائي للبيئة الذي لا يبقي للحياة شروطاً في اصقاع عديدة من العالم، وحروب الطاقة الجشعة والظالمة التي تأتي على أوطان ودول، ليست حوادث سير عابرة أو مصادفات في مسيرة الرأسمالية العولمية، وانما هي جزء لا يتجزأ من نتائج أزمتها . 
سبق لهذه الأزمة ان ولدت منذ نهاية القرن الماضي حركة احتجاجية عالمية عرفت باسم “حركة مناهضة العولمة” . وإذا كان الطابع النخبوي قد غلب على هذه الحركة وحد من قدرتها على الانتشار الأفقي وعلى توليد ديناميات اعتراضية اقوى وأفعل، فإن فتيل الغلاء الفاحش المتزايد ستسرع وتائر انتقالها الى حالة الحركة الشعبية العالمية في الأفق المنظور . 

اقرأ المزيد

أسباب سلبية الشعوب من السياسة

تتفاقم سلبية الشعوب العربية من السياسة بسبب عدم قدرتها على فهم الأفكار السياسية المسيطرة، والقبول بها، فهي تجدها لا تتصل بالعيش، وهي في أغلبيتها لا تهتم سوى بالعيش. كانت في زمان ما حين كانت أقرب للرومانسية القومية تصدق وتنفعل بالشعارات، أما الآن وخاصة في المدن فهي تتفرج وتصمت ولا تنزل إلى الشوارع كما كانت تفعل سابقاً وبأشكال هائلة. لقد تجرعتْ خيباتٍ كثيرةً وتهاوت أمامها رموزٌ كبيرةٌ ورأتْ العدو هو الأقوى وهو الذي يفرضُ شروطَهُ ويتقدم في الحياة، وأبطال الشعوب نفسها يتساقطون وينهزمون ويخلون الساحة لطائفيين لديهم بعض الحماس في الجمهور الريفي الذي دخل ساحة السياسة العربية متأخراً ولم يتجرع بعد الهزائم التي سيتجرعها بعد سقوط نظامه العتيد ونموذجه المنبهر به لأنه بلا تجارب حديثة.
يمتلك هذا الجمهورُ السلبي مع هذا كلهِ حساً غريزياً صائباً وهو أحساسه بفشلِ كل الطرق السياسية العربية وكونها مصالح لقوى سائدة تتعارك على مصالحها. وهو يتمنى في خطه الأخير للدفاع عن حياته المعيشية ألا تلجأ القوى المتسيدة على الساحة إلى الحروب، وقد رأينا في أشرطة الأخبار كيف يعبر هذا الجمهور الذي تم اختياره من قبل المحطات عن رغبته في العيش بسلام، وعدم استخدام حاراته للقصف المتبادل، ثم نرى الضحايا من هذا الجمهور: جنازات تصرخ فيها نساء بأسى، هاربون يحملون أغراضهم البسيطة المتواضعة ذاهبين إلى ملاجئ آمنة، الحارات التي شهدت النزاع وهي تتحول إلى خرائب. لم تستطع أي جماعة سياسية أو دولة أن تحشدَ شعباً مؤيداً وراءها، وترى في العواصم العربية الكبرى التي كانت مسرحاً لمظاهرات عاصفة قبل عقود وهي تكاد تخلو من البشر إذا قامت بعض الأحزاب الجديدة بتنظيم اعتصام يتعلق بأوضاع السياسة الكبرى كرفض انتخابات مزورة أو تنديد برئيس أو رفض سياسة معلنة مهمة الخ. إن الجمهور الكثيف هنا يظل في بيوته أو في المقاهي يشاهد الحدث السياسي الخطير وهو يدخن الشيشة أو يلعب الدومينو. من المؤكد أن الأنظمة استطاعت خلال عقود الشمولية أن ترفض سطوة الجمهور وتخترق الأحزاب وترهب الجمهور وأعطت الفرصة للجماعات الدينية كي تزدهر، لكن مع هذا فالجمهور لديه حسٌ سياسي مرهف، وقد جعل حياته المعيشية هي مصدر التأييد والرفض للسياسات، فمن استطاع تطوير هذه الحياة المعيشية فهو المناضل والمحبوب، أما من جمدها بل أرجعها للوراء فهو المكروه. ولهذا تجد ان الدول والحكومات تركز في هذا الجانب التعبوي، وأنها القادرة فقط على تغيير النمط المعيشي للناس، ويحدث أحياناً ذلك بتشدق كبير، لكن الحس الشعبي يحدد ذلك بالممارسة كذلك، أي بصدق هذه الوعود وتمكن الحكومات من الوصول للسيطرة على الأجور والأسعار والتسليف والقروض. لا تجد الأحزاب في هذا كله سوى الكلام والشعارات والتثقيف وبهذا فهي متفرجة أخرى على الحياة، لكن في مقاعد النخبة البرجوازية الصغيرة ذات العيش المعقول أو الجيد، وهي لا تحترق بنيران المصانع وأسفلت الشوارع وتجد وقتاً لصناعة الكلام. كل شيء لدى الجماهير العربية يتعلق بمدى مساعدة المعدة أو دغدغة الحواس التعبة بعد عمل مرهق بفيلم ضاحك أو أغنية أو مشروب مريح أو دخان مخدر. يدرك الجمهور بحسه ان ليس ثمة قوة سياسية قادرة على فعل المعجزات التي آمن بها في فترة شبابه السياسي الرومانسي، وهو قد انتج شباباً أكثر بعداً عن السياسة منه، وأكثر ذاتية وأنانية، وقد جعلتهم ظروف الحياة الصعبة وصراعاتها يشمون بقوة أين المصلحة الذاتية ويمضون إليها. المتطرفون الذين لايزالون يؤمنون بتحقيق الجنة على الأرض والذين لجأوا للوعي الديني، فهو المظلة الفكرية التي يمكن أن تزدهر في ظلها مثل هذه العجائب، يمضون في طريق التضحية إلى اقصى مداها ولكن بشكل عنيف رهيب وكأنهم ليسوا من جنس هذا الزمان، وكأنهم غير خارجين من هذه الجماهير السلبية ولهذا فهم ينفجرون لحظة مثل صواريخ الألعاب النارية ثم يختفون لم يتركوا سوى المشاهد الرهيبة من خراب في مخيم أو نيران في حارة. ويشير الجمهورُ السلبي إلى قادة الأحزاب وشخوص الشعراء العظام ومنتجي الكتب المفكرين وأبطال المسرح والأغاني وكيف قبلوا في سنوات أعمارهم الأخيرة وهم قاب قوسين أو أدنى من الموت والحساب، بفتات تافه تلقيه عليهم السلطات والقوى المتنفذة، كان معروضاً عليهم هو نفسه وأكثر منه في شبابهم ولم يقبلوه، وراحوا في رحلات طويلة من العذاب من أجل القيم والأخلاق العظيمة والجهاد، ثم إذا هم في أواخر رحلاتهم لا يرتفعون إلى الذرى بل إلى حضيض الأرض، وقد أصيبوا بالخرف السياسي والأدبي من إعطائهم رواتب مجزية وبيت وأرض ومنافع أخرى.. وأخطر السلبيين هم النساء اللواتي يرقبن الحياة من دواخل بيوتهن، حيث نمط من السلبية أكبر وأحفل بالتخلف، ولهذا يشجعن بعض التيارات الحماسية من دون تجربة، منتظرات أن تتغير أوضاعهن بمعجزات. ولهذا فالجمهور يظل على موقفه السياسي غير متحمس للتغيرات السياسية، أو للاستعراضات، بل يزنها بمقياس مصلحته، ما دام الجميع لا يفكر إلا بمصلحته، لكنه لا يعرف الثمن الباهظ كذلك لهذه السلبية حيث تتفاقم مشاكله وأوضاعه المعيشية سوءا وهو الذي يتصور أنها سوف تتغير، فالتغيير الحقيقي لا يأتي سوى من هذا الجمهور السلبي حين ينفض سلبيته ويعي ويقاتل من أجل خبزه وعياله وغده.
 
صحيفة اخبار الخليج
26 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

حول التيار الديمقراطي‮ (٣)‬

ضمن اللوحة أو الخريطة السياسية‮ – ‬الاجتماعية في‮ ‬البحرين الحديثة،‮ ‬فإن ما اصطلحنا على تسميته بالتيار الوطني‮ – ‬التقدمي‮ ‬يشكل محوراً‮ ‬من محاور النشاط السياسي،‮ ‬لا بل والاجتماعي‮ – ‬الثقافي‮ ‬الذي‮ ‬طبع المجتمع منذ منتصف القرن الماضي‮. ‬ولا‮ ‬يمكن دراسة التحولات التي‮ ‬شهدها هذا المجتمع على الأصعدة شتى دون التوقف أمام الدور الذي‮ ‬لعبه هذا التيار الذي‮ ‬عمل على استقلال البحرين وتطورها الديمقراطي‮ ‬وتحديث البنى الاجتماعية والسياسية،‮ ‬ويمكن تلمس انعكاسات مثل هذا الدور في‮ ‬حقول الإبداع المختلفة،‮ ‬في‮ ‬الآداب والفنون والثقافة عامة‮. ‬
‮ ‬وإلى الرموز الثقافية والإبداعية وثيقة الصلة بهذا التيار أو التي‮ ‬تلقت خبراتها الأولى في‮ ‬صفوفه،‮ ‬يعود الفضل في‮ ‬السمعة الطيبة التي‮ ‬تتبوأها البحرين اليوم على الصعيد الثقافي‮ ‬والإبداعي،‮ ‬خليجياً‮ ‬وعربياً‮ ‬وحتى عالمياً‮.‬
على أن أهم ما‮ ‬يميز هذا التيار هو‮ »‬لا طائفيته‮«‬،‮ ‬فالخطاب الذي‮ ‬بلوره هذا التيار على مدار أكثر من نصف قرن ساهم في‮ ‬شد لحمة النسيج الوطني‮ ‬في‮ ‬البحرين،‮ ‬أنه خطاب انحاز للوطن وللشعب بكامله مغلباً‮ ‬الوعي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬الجديد على أشكال الوعي‮ ‬السابقة،‮ ‬التي‮ ‬تغلب خطاب الطائفة على الخطاب الوطني‮ ‬العام أو المشترك‮. ‬
وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬لم تستطع أشكال الخطاب الأخرى،‮ ‬حتى تلك التي‮ ‬نشطت في‮ ‬العقد أو العقدين الماضيين،‮ ‬أن تتخطى الإطار الطائفي،‮ ‬فإن هذا التيار ظل‮ ‬يعكس في‮ ‬قوامه صورة البحرين كبلد وكشعب فيه من التعدد والتنوع الذي‮ ‬يحتويه نسيج وطني‮ ‬عام،‮ ‬ولم‮ ‬يقع هذا التيار للحظة في‮ ‬الالتباسات الطائفية والمناطقية‮.‬
ثم أن المشروع أو البرنامج الذي‮ ‬عمل هذا التيار في‮ ‬سبيله مشروع تحديثي،‮ ‬فهو صاغ‮ ‬خطاً‮ ‬يدعو لتحديث بنى المجتمع والفكر ما‮ ‬يتلاءم وروح العصر،‮ ‬ولم‮ ‬يتردد في‮ ‬مواجهة ما‮ ‬يظنه عائقاً‮ ‬أمام شق طريق التحديث للبلاد،‮ ‬وكان عليه في‮ ‬أحوال كثيرة أن‮ ‬يصطدم بمعوقات كثيرة ويقدم تضحيات ويتعرض لحملات تشهير من هنا وهناك‮.. ‬
رغم ذلك فإن كثيراً‮ ‬من تصورات هذا التيار التي‮ ‬كانت في‮ ‬وقت لاحق تسبب جدلاً‮ ‬ومعارضة باتت اليوم إحدى مسلمات المجتمع والدولة،‮ ‬وأشير هنا خاصة إلى دور المرأة وإدماجها في‮ ‬المجتمع وفي‮ ‬المشاركة السياسية الكاملة‮. ‬والإنصاف‮ ‬يقتضي‮ ‬القول أن ما بلغته المرأة البحرينية هو حصيلة تحول عميق في‮ ‬وعي‮ ‬المجتمع كله بفضل مثابرة المرأة نفسها وبفضل خدمات التعليم والصحة وسواها،‮ ‬وأخيراً‮ ‬بفضل المشروع الإصلاحي‮ ‬الذي‮ ‬ضمن المشاركة السياسية للمرأة‮.‬
‮ ‬لكن‮ ‬يظل أن الدور الذي‮ ‬اضطلع به التيار الوطني‮ ‬التقدمي‮ ‬في‮ ‬الدفاع عن حقوق المرأة وفي‮ ‬إشراكها في‮ ‬الحياة السياسية والنشاط المجتمعي‮ ‬دور مهم،‮ ‬خاصة من خلال قنوات العمل الجماهيري‮ ‬كروابط واتحادات الطلبة والجمعيات النسائية والأهلية الأخرى‮.‬
هذا التيار الذي‮ ‬يشكل‮ – ‬كما بدأنا‮ – ‬محوراً‮ ‬من محاور النشاط السياسي‮ ‬لا بل والاجتماعي‮ – ‬الثقافي،‮ ‬هو نفسه عبارة عن طيفٍ‮ ‬بألوان متعددة،‮ ‬وإن كانت متقاربة وعلى صلة من القربى وطيدة‮. ‬إنه‮ ‬يتفق على خطوط عريضة رئيسية،‮ ‬ولكنه استند في‮ ‬مراحل سابقة إلى مرجعيات فكرية‮ – ‬فلسفية عكست فسيفساء الفكر السياسي‮ ‬العربي‮.‬

صحيفة الايام
26 اغسطس 2008

اقرأ المزيد