المنشور

محمود .. من بعدك نسأل ؟

لأنه الأممي  الكوني في إنسانيته وإبداعه  فإننا ننتمي إليه ونشعر أنه ينتمي إلينا وإن لم يهيء حسن الطالع لبعضنا الإلتقاء به شخصيا ولو بضع وقت ..
لذا مثله ، مثل درويش ، سيكون رحيله فدحا وعصيا على القلب تصديقه ..
***
 
كيف يموت فينا من أشعل القلب حبا ودفئا وعشقا وجنونا وأطلقنا للريح حلما ورؤيا ؟
 
الكون كله جميل بك يا محمود الصديق الحميم الحبيب القريب الأريب ..
 
سل الفراشة عن سر رهافتها .. ستداعب أنفاسك محمود ..
سل الوردة عن عبقها ورقتها .. ستحتمي بجيب قلبك ..
سل الحمامة .. ستحط على كتفك .. ستحلق مع قصائدك ..
سل الزيتونة عن طراوة غصنها .. سترتوي بحنينك ..
سل الصعتر عن أحمد العربي .. سيصغي لجليل سيرتك ..
سل القهوة عن نكهتها الصباحية .. ستنشد ركوتها في ابتسامتك ..
 سل الخبز عن موقد دفئه .. سيصافح راحة كفيك ..
سل الرمل عن زبد الموج  .. سيتبع سواحل خطواتك..
سل العشب عن سر بقائه .. سيستلقي في واحة خلوتك ..
 
سل الصخر عن بزوغ العشب والزهر من بين مفاصله .. سيطفيء نار غربته بماء رقتك وحنوك ..
سل البحر عن موجه .. سيهدر شوقا وجموحا في حنجرتك ..
سل النجمة عن ضوئها البعيد الموارب .. ستقبل مقلتيك ..
 
سل الشمس عن فضح نهارها .. ستعري نجمها  قبالة كوكبك ..
سل الظل .. سيقتفي أثرك ..
سل السماء عن مداها .. ستختارك سقفها .. 
سل الطين عن الأرض .. سيغتسل بجسدك ..
سل الجدار عن التاريخ والحصار .. سيرخي متعبا ظهره على سانديك ..
سل الهواء عن الطير .. سيحلق في مخيلتك ..
سل الريح عن الرسائل .. ستفتح نوافذ كراستك ..
سل المرافيء عن مراسيها .. ستطلق جدائلها صوب بحرك ..
سل الطريق عن المارين والعابرين .. سينتعل قدميك ..
سل الشوارع ..ستنتابها الحسرة حين تقول :  إنني  صنعت لمن لم يمشي علي طويلا  مثلك ..
سل المخيمات عن شتاتها .. ستصطفيك جسدها وزوادتها ..
سل البيت عن محتواه.. ستلتئم حناياه في حضرتك ..
 
سل الوقت عن الرحيل .. سينسل في خيوط  رؤياك كي يتحرر من أردية الزمن الثقيلة  .. 
 
سل الحقيبة عن بوصلة الجهات .. سترافق كفيك برفق ..
سل جواز السفر عن هويته .. سيتأبطك كونا ويتأنسنك دليلا وأفقا ..
سل الليل عن لغز ظلمته .. سيستكين قمرا في جوف وحشتك ..
 
سل المنفى عن عثرة  التيه .. سيمتد فيك وطنا وألفة ودروبا تختزل مسافات المحبة واللقاء ..  
 
سل الماء عن رقراقه .. سيتباهى نرسيس في جداول مراياك ورؤياك ..
سل النهر عن مجاريه .. سيصب في بحيرة ولهك وعشقك  ..
 
سل الصحراء عن عريها .. ستختارك خيمتها ..
سل الفطر عن المطر .. سيختارك غيمته ..
سل التفاح عن وجنتيه القرمزيتين .. سيغرس بذره في طين حديقتك ..
 
سل الكرم عن جود نشوته .. سيطلق لذته القصوى في نبيذ روحك ..
سل القلم عن مدواة حرفه .. سينساب قصائد في شرايين دمك ..
سل الكراس عن الكلمات .. سيمنح بياضه بديع حرفك .. 
سل المقعد .. الطاولة ..عن الكراس والحرف والمدواة والقلم والسيجار والمنفضة .. سيمتشقان القوائم ويعانقان سماء أحلامك  ويمضيان معك حيث ريحك وجنونك وتجوالك..
 
سل السيجارة عن بلسم الشفتين .. ستطاير أحلاما ونبؤات بين شفتيك ..
سل الشمعة عن سر وقدتها الراقصة .. ستتمرأى معشوقة بين سطور كلماتك ..
سل الموسيقى .. ستزهو إنها اكتشفت جميل وجديد أنغامها وترانيمها وإيقاعاتها ومقاماتها في صهيل شعرك ..
 
سل الطفلة عن مأوى برائتها .. ستقصد بيتك .. ستسكنك .. ستكبر فيك وتثمر ..
 
سل الحرف .. لا تسأل ..
سل الكلمات .. لا تسأل ..
سل الشعر .. كفى لا تسأل ..
سل العبارة .. كفى .. كفى .. لا تسأل ..
سل المشاعر .. الأحاسيس .. كفى ..
سل السؤال .. كفى .. كفى .. كفى ..
 
ماذا يا محمود لو سألنا الأمهات .. الأصدقاء .. العشاق والعشيقات .. الخلان .. الهاتفين باسمك وباسم قصيدتك ووطنك الأرحب في القاعات والميادين والساحات.. في أصابيحك وأماسيك ..؟
 
ماذا يا محمود لوسألنا فلسطين .. بيروت .. باريس .. موسكو .. القاهرة .. البحرين .. سوريا .. الجغرافيا ..؟
 
ماذا لو سألنا خليفة والقاسم ؟
 
ماذا لو سألنا زغاريد الشهداء .. وداع الأحبة .. ريتا .. البندقية .. يوسف ورفاقك الذين اختصموا حول مثوى رحيلك .. ؟
 
سل القبر .. سيأتيك الموت مستوحشا دون رفقتك ..
 
من بعدك محمود نسأل إن لم يكن بحجم كونك الأجمل  ؟

 
صحيفة الوطن

اقرأ المزيد

جذور التوتر الروسي الأميركي / الغربي الحالي

فتحت حرب القوقاز الأخيرة، وتداعياتها المتفاعلة، مجالاً واسعاً لاستقطاب حاد قد يضاعف التوتر الدولي القائم، المفضي إلى نوع من أجواء الحرب الباردة – بصيغة أخرى- لا تشبه ما كانت عليه حينما كانت المنافسة على أشدّه بين نظامين اجتماعيين/ اقتصاديين مختلفين متناحرين هما؛ التشكيلة الرأسمالية (تكونت منذ 500 عام) السائدة في المركز الغربي وتخومها في الأطراف. والتشكيلة الاشتراكية، التي سادت في شرق أوروبا وقسم كبير من آسيا وجيوب هنا وهناك، لم تستمر أكثر من ثمانين عاماً (كانت تسمى بصدام الأيدلوجيات). بينما التناقض الحالي (يعرف بصدام مصالح) بين الشرق الروسي والغرب الأميركي/الغربي له قوانينه الداخلية الخاصة، تتحكم في استحقاقات مصلحية وتنافسية عديدة، تستقر في نهاية المطاف على أحد نهجين في التعامل؛ نهج عقلاني في مقارعة الواقع والتسليم بالمصالح القومية المشتركة للكل بحيث لا يجري تجاوز الخطوط الحمراء المتحكمة في مصلحة كل طرف. أو نهج حديّ أهوج لايرى ألا مصلحة نفسه، بسبب تصوره أنه الأقوى، الأمر الذي يؤدي – بالطبع- إلى تأزم الوضع الدولي برمته!
والمفارقة التاريخية الغريبة هنا أن عصر التناقض التناحريّ، اتسم بتوازنٍ دوليٍّ واضح، رافدته حركة سلمية عالمية بالرغم من حروب الإنابة، التي جرت في دول عديدة من العالم الثالث. بينما ظلت القارة العجوز بمنأى عن الحروب والتوترات، منذ أن وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها في سنة ,1945 حتى الوقت الحاضر.. لكن اليوم، بسبب التنافس الجديد بين الشرق والغرب وعودة روسيا إلى ميدان اللاعبين الكبار، عاد التوتر الدولي من جديد إلى قلب أوروبا، من خلال مشكلة القوقاز الحالية، وان كانت الأطراف المتنازعة تدين بالتشكيلة الاجتماعية/الاقتصادية الرأسمالية المعاصرة السائدة في عالم اليوم!
غير أن الحزم وسرعة اتخاذ القرار، الذين جسدتهما القيادة الروسية الحالية، في تعاملها مع الوضع القوقازي الحالي قد أربك صناع القرار في الغرب.. ففي لمح البصر، لم تتعد يوماً واحداً من اتخاذ مجلسيّ الفدرالية والدوما الروسيين القرار التاريخي بالإجماع؛ الاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وقع الرئيس الروسي ميدفيديف، مرسوماً بالاعتراف بهما، مصدقاً على قرار النواب الروس، الأمر الذي كان يُنظر له بعين الشك حتى من قبل بعض المحللين الروس، حيث اعتقد هؤلاء أن الرئيس الروسيّ لا يقدم على قرار حاد كهذا، أو انه سينتظر فترة قد تدوم أسابيع قبل اتخاذ قرار خطير بهذا الحجم!
فجوهر المشكلة – في اعتقادنا- يتلخص في أن القطب الأميركي الأوحد (بتأييد من مؤازريه الأوربيين) لايريد استمرار هيمنته الدولية المعهودة فحسب، بل يبدو ملهوفاً وشرهاً لتجاوز حدود هذه الهيمنة، الذي لا يسمح به الوضع الموضوعي على الأرض (روسيا هي البلد الوحيد المتميّز بـالقوة الرافعة الضخمة المتأتية من وضع الجغرافية- السياسية (جيوبوليتيك)’ الفريد، المتجسد أساساً في العامل الموضوعي، أي قوة ‘اليورو آسيا’ الكامنة !)، محاولا بالقوة تغيير عامل الجيوبوليتيك هذا لصالح عامل الجغرافية- الإستراتيجية (الجيواستراتيجي)، أي السيطرة على المفاصل الإستراتيجية المحيطة بروسيا بهدف تضعيف هذا البلد القاريّ الضخم، انطلاقا من ‘الثورات’المضادة/ الملونة/ المفتعلة والمفصّلة في دوائر الأطلسي والبنتاغون خصيصا لأنظمة ‘ديمقراطية’ شكلية واستبدادية، مستفيدة من العداءات التاريخية والمنغّصات الماضية بين روسيا والدول التي كانت تدور في فلكها!
لايبدو الهدف الأميركي مستحيلاً فحسب، بل إن الحقائق على الأرض لا تزكّيه أبداً، ليس بسب عدم منطقيته، بل إن القطب الأقوى الأميركي ليس بمقدوره- من جميع النواحي- القيام بذلك في ضوء ميزان القوى الدوليّ الحالي، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية تعاني من صعوبات بنيويّة داخلية وعداء خارجي مستفحل في المناطق القريبة من مركز الصراع الحالي (الشرق الأوسط/ العراق/أفغانستان/ إيران..الخ)، حتى وان ظلت بضعة جيوب قريبة من بلدان متاخمة للحدود الروسية (مثال النظام الجيورجي الحالي) تزايِد في الوقت الحاضر على تلك المخططات الأميركية!
لمتابعة فهم المشكل هذا، لابد من معرفة جذور المشكلة الروسية الجيورجية المزمنة، تحديداً المتعلقة بإقليميّ أوسيتيا الجنوبية (أوسيتيا الشمالية تابعة للاتحاد الفدرالي الروسي) وأبخازيا، اللذين انسلخا الآن من جيورجيا، بعد أن كانا لسنوات طويلة ضمن جيورجيا كجمهوريتين تتمتعان بحكم ذاتي، وان كانتا على الدوام تتمردان على الهيمنة الجيورجية. لعل هذه الخلفية التاريخية بحاجة إلى طرح معمّق، لكن من الممكن الإشارة إلى لمحة تاريخية لجيورجيا نفسها على أن نرجع مرة أخرى إلى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، اللتين سبق أن خضعتا لاستفتاء عام على الاستقلال وحصلتا على تفويض شعبي اقترب من المئة في المئة، ارتأت روسيا في حينه أن تؤخر اعترافها بهما.. غير أنها قد ردّت الآن الصّاع صاعَيْن على ما فعله الغرب حيال استقلال إقليم كوسوفو الصربية.
جيورجيا دولة شرقية قديمة وعريقة، تنازعت عليها ممالك وإمبراطوريات أقوى منها في تاريخها المديد. ظلت لعقود وأحقاب طويلة ضمن الإمبراطورية الفارسية في فترات من العصر القديم والوسيط والحديث (وقعت بعض الوقت تحت السيطرة العثمانية)، استمرت حتى بدء القرن التاسع عشر، حينما ضمتها روسيا إلى إمبراطوريتها. وفي خضم الثورة الروسية، انطلاقا من مبدأ حق تقرير المصير لجميع الشعوب، أصبحت جورجيا دولة مستقلة في العصر الحديث لفترة قصيرة جداً (بين العامين 1918 و1921). ثم ما لبث أن صارت بعدها إحدى الجمهوريات الخمسة عشرة، ضمن جمهوريات الاتحاد السوفيتي التي تأسست في سنة .1922 ولكنها شكلت على الدوام، لأسباب عديدة كالإباء القومي والتاريخ العريق والموقع الجغرافي، نزيفاً تاريخياً لروسيا القيصرية أولاً وبعد ذلك للاتحاد السوفيتي، الأمر الذي حدا بأقوى رجالاتها (يوسف ستالين) من اتخاذ مواقف حادة تجاه بلده الأصل ومسقط رأسه، وإن قام في مستهل الثلاثينات من القرن الماضي، لأسباب راجعة لضرورات التوازن الداخلي/القومي من إلحاق جمهوريتي الحكم الذاتيين؛ ‘أبخازيا’ و’اوسيتيا الجنوبية’ للجمهورية الجيورجية، التي لم تستطع- الأخيرة هذه- أبدا من لجم المنحى الانفصاليّ لدى الأوليتين، ليس في حينه ولا عند استقلال جيورجيا أو حتى في الوقت الحاضر. حاولت جيورجيا مرارا من إعادة الكرّة، تلخصت أخيراً في استيلائها على ابخازيا بالقوة في مستهل هذه الألفية ولكن رُدّت على أعقابها من قبل الأبخازيين، بمساعدة الروس.. وما هذه الحرب الأخيرة (بمساعدة الغرب) سوى محاولة مستميتة لإعادة الإقليمين المتمردين للحظيرة الجيورجية كبروفة ضرورية لدخول جيورجيا – ملحقاً بها المنطقتين الجيواستراتيجيتين الأهم (أبخاريا وأوسيتيا الجنوبية) – النادي العسكري الغربي ‘حلف شمال الأطلسي’!

صحيفة الوقت
31 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

عبدالناصر.. دراميا وسياسيا

في ظل الأزمة العامة التي ترزح في ظلها الأنظمة والشعوب العربية على السواء بكل مناحيها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية فإن الجميع من حركات وأحزاب معارضة وكتاب ورموز ثقافية ومؤسسات سينمائية مازالت تجد ضالتها في الكنوز التراثية والتاريخية الذهبية إما هروبا من الواقع المرير ومظاهر الأزمة الآخذة في التفاقم، وإما للخلاص من طوق الرقابة وتوظيف معادن هذه الكنوز بغرض الإسقاط على الحاضر المأساوي المعاش، وهكذا وجدنا أحزابا تمر بأزمات وانحسارات جماهيرية منغمسة الآن في كتابة صفحات من تاريخها المجيد أو يعكف الآن شيوخها الكبار على كتابة مذكراتهم الحزبية المجيدة..
وهكذا يفعل الروائيون وكتّاب المسرحيات أيضاً، وهكذا يفعل المخرجون السينمائيون، الذين ما انفكوا يستنبطون وينجمون في مناجم وكنوز التاريخ العربي للبحث عن صفحاته المشرقة المضيئة في العزة والممانعة والبطولات الوطنية والإنجازات العلمية قبل غروب شمس الحضارة العربية. ولم يشذ مخرجو ومنتجو المسلسلات التلفزيونية بالطبع عن ذلك بل هم في مقدمة المتخصصين في إخراج المسلسلات التاريخية، وقد جعلوا من شهر رمضان المبارك مضمارا سنويا للسباق الماراثوني لسلق وإنتاج ما يمكن سلقه من مسلسلات على عجل للفوز «حصريا« بأكبر عدد ممكن من القنوات الفضائية العربية، وعلى الأخص الخليجية منها، أما عن مدى جودة مضامين هذه المسلسلات ومدى أدائها تمثيليا وتقنيا فأغلبيتها إما متوسطة المستوى وإما دون المستوى المطلوب. في العام الماضي كان أكثر المسلسلات التاريخية التي حظيت بشهرة واسعة النطاق وأثارت ردود فعل سياسية وفنية مسلسل «الملك فاروق« الذي كان بمثابة اختراق سوري درامي لصفحة من صفحات مصر السياسية التاريخية المعاصرة المهمة، في حين كانت مصر هي الأجدر بفتحها دراميا، لكن لأن مصر تواجه منذ سنوات أزمة ثقافية داخلية تلقي بظلالها حتى على قطاع السينما والدراما، فضلا عن وجود مسببات سياسية أخرى، فقد تأخرت عن فتح هذه الصفحة السياسية المتعلقة بشخصية الملك فاروق تحديدا والمرحلة التاريخية التي مرت بها مصر في ظله وأسلوب إدارته للحكم وحياته الخاصة اليومية. ومع ذلك فإن المسلسل نال اهتماما منقطع النظير بين المشاهدين المصريين. وفي هذا العام يتكرر نفس الاختراق حيث تم انتاج مسلسل عن حياة الرئيس المصري والزعيم العربي جمال عبدالناصر المنتظر عرضه في رمضان الوشيك وحيث كان متوقعا ان يشتريه التلفزيون المصري ويعرضه ولكن فجأة ولأسباب غامضة وغير مفهومة امتنع هذا التلفزيون عن شرائه، ولأن اللبيب بالإشارة يفهم، فإن المرء ليس بحاجة الى أن يضرب أخماسا بأسداس لتفكيك غموض هذا الموقف الغريب للتلفزيون المصري، فهنالك حساسية إقليمية من قبل القائمين على قطاعات فنية في التلفزيون وفي السينما وفي الموسيقى تجاه أي إنتاج عربي يتوهمون بأنه يهدد الموقع الريادي المصري الفني الذي تتبوأ به بلادهم عربيا، وهي حساسية مرضية مزمنة يبدو لا علاج لها. وبات حتى الكتّاب والنقاد المصريون ينتقدونها ويطالبون بعلاج المصابين بها أو ازاحتهم من مواقعهم التنفيذية العليا كمراكز قوى. لكن هؤلاء بدلاً من أن يدفعهم نجاح الدراما السورية في اختراق دراميا صفحات من تاريخ بلادهم وذلك بالتفتيش عن أسباب تخلف الدراما المصرية عن خوض هذا المجال الذي هم الأجدر به فإنهم يصبون جام سخطهم على المسلسلات العربية الناجحة غير المصرية نفسها، اللهم إلا إذا كانت هناك أسباب سياسية أخرى تتصل بمخاوف الحزب الحاكم من ان يجذب مسلسل عبدالناصر قطاعات واسعة من جيل الشباب ويثير انبهارهم وإعجابهم الزعامة المصرية والعربية الفذة التي كان يمثلها جمال عبدالناصر. مهما يكن فإن حظر هذا المسلسل في التلفزيون المصري في عصر الفضائيات هو حظر عبثي طالما بإمكان المشاهدين المصريين ان يشاهدوه على القنوات العربية الأخرى مهما يكن فما نأمله ان ينجح هذا المسلسل موضوعيا في إنصاف هذه الشخصية بتبيان ما لها وما عليها وما حققته من انجازات عظيمة لمصر وللأمة العربية. * * * درع عبدالناصر أعجبتني البادرة التي أقدم عليها الحزب العربي الديمقراطي المصري بمنح 25 شخصية دولية وعربية ومصرية درع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر تقديرا لدورهم المساند للقضايا العربية ولدفاعهم ونضالاتهم من أجل قضايا شعوبهم في مواجهة الهيمنة الاستعمارية الغربية. ومن هؤلاء الرئيس الفنزويلي شافيز، والرئيس الجنوب افريقي السابق مانديلا، والرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا، وزعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله، والفريق محمد فوزي، والشهيد البطل الفريق عبدالمنعم رياض، وعزيز صدقي، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد فائق، وسامي شرف وغيرهم. * * * وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن البادرة التي اتخذتها جمعية الوسط العربي الإسلامي بطبع صورة لجمال عبدالناصر في ذكرى الثورة هي الأخرى بادرة تستحق التقدير والثناء. ولكن كان الأجدر بأن يطبع أسفل الصورة اسم الزعيم عبدالناصر اذ ان هذه لأول مرة تصدر صورة عبدالناصر بدون طبع اسمه عليها وعندما التقيت الدكتور جاسم المهزع واثنيت على هذه البادرة لجمعيته منبها إياه بهذه الملاحظة رد بأن عدم طبع الاسم كان مقصوداً فوجه الزعيم حسب تعبيره معروف لدى الجميع وبضمنهم حتى الأجيال الشابة التي لم تعاصره. وأتمنى من كل قلبي أن يكون استنتاجه صحيحا في هذا العصر العربي الرديء وان تتمكن هذه الأجيال الشابة من معرفة ليس صورة جمال عبدالناصر فقط بل ما لعبه من دور تاريخي في تاريخنا العربي المعاصر.
 
صحيفة اخبار الخليج
31 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

الصناعات الخليجية.. ازدهار مرحلي

لم يكن في الخليج والجزيرة العربية ملكيات عامة إلا فيما يتعلق بالمراعي وحقول الصيد البحرية المشتركة، في العصر الحديث، فكانت الملكيات الخاصة في الإنتاج هي السائدة، ولكن اعتبرت الحكوماتُ هي المالكةُ للأراضي غير المحددةِ السياق، وهذا أمرٌ ناتجٌ من طبيعة الحكومات التقليدية التي جرى العرف باعتبارها مالكة للأراضي العامة ومصادر الثروة. فلم يكن هناك دستور حديث يحدد من يملك الأرض والموارد التي قد تظهر فيها مثل هذه الثروات. وقد جرى العرف باعتبار المراعي والبقع النفطية ملكية للناس، وفي الحديث النبوي(الناس شركاء في الكلأ والنار والماء).
وبعد ذلك تاه هذا المعنى في الدول المسماة حديثة وقيل (ملكية الدولة) من دون القول ملكية الناس، وهذا يذكرنا برد أبي ذر الغفاري على معاوية بن أبي سفيان حين قال الأخير (مال الله)، فقال له بل قل مال الناس. وكأي صناعة فإنها تعتمد على المواد الخام المتوافرة في المكان، وقد كانت المواد نادرة، فهناك المواد الزراعية التي نشأت من نتاجها وكانت ترتبط بالنخلة سلة من الحرف. أما المعادن فقد كانت شبه معدومة على الأقل في مستوى تطور أدوات الإنتاج وقتذاك. ومن هنا كان الخليجُ العربي متصحراً صناعياً، وحين ظهر البترول غدا البضاعة المركزية التي تنشأ منها مجموعةٌ من الصناعات، لكنها كصناعةٍ حكومية خرجت من التداول الخاص لفترة مديدة، في حين كانت التجارة خاصةً منذ البداية ولها مسارها المختلف. فنجد ان ثمة فوائض ثلاثة أساسية تجمعت معاً لتشكيل الصناعات العامة والخاصة الجديدة، والفائضان الأول والثاني هما الناتجان من صناعة النفط الاستخراجية، ويتفرعان كفوائض للإدارات والمسئولين السياسيين ثم لشركاتِ المقاولات مزودةِ المواد والقوى العاملة لشركات النفط وكذلك هناك العاملون المستفيدون من الرواتب والأجور، ويغدو لهذين المصدرين الفيضيين الماليين الأخيرين درجة تطور تاريخي، تبعاً لكم الفيض النقدي. فهما يختلفان عن الفيض الناتج من شروط سياسية أو من شروط اقتصادية تجارية، فهما نتاج تطور الأجر الذي سيأتي لاحقاً بعد عقود من ظهور النفط. وإذا كانت كل هذه الفيوض المالية مرتبطة بتطور سلعة النفط في السوقين المحلي والعالمي، فعلى مدى أحجامها تتشكل الفئات، فإن النوع الثالث من الفيض النقدي هو نتاج التجارة الخاصة، وهو مصدر قديم لا يرتبط بل يرتبط بالسلع القديمة كاللؤلؤ والتمر والمحاصيل الزراعية عموماً والاستيراد والتصدير. لم يعرف الاقتصاد العربي التقليدي التلاقح بين التجارة والحرف، التي سُميت الصناعات اليدوية، فجاءت مادةٌ جديدة هي النفط وبدأتْ بتشكيل سلسلةٍ من الصناعات الحقيقية المرتبطة بها، وهي أكبر الصناعات وأهمها في الحقل الاقتصادي، ثم جاءت مجموعةٌ ثالثة من الصناعات مرتبطة بطاقة الغاز لهذه البضاعة البترولية المحورية، وهناك صناعات كذلك مستقلة ولكن تنتعش على وجود مثل هذه الطاقة المتوافرة بكثرة. فظهر بناءٌ اقتصادي جديد لا يمت بصلة للماضي، فهو بلا جذور، وبهذا كان ربطهُ بالعوامل السياسية السائدة سهلاً، سواء بقرارات الدول أم بنفوذ الموظفين أم بمبادرات التجار. هنا يلعب بالتالي النفوذُ الحكومي دورَه الكبير في تشكيل القاعدة الصناعية عامة وخاصة، فهو يسيطرُ على تشكيلِ الصناعة ويحددُ الموادَ المستخدمة والمناطقَ التي يجري فيها التصنيع والفئات السياسية والتجارية التي تستفيد من هذا التصنيع. وهذا كله يلعبُ دوراً أساسياً في إنشاء السوق الوطنية، لكون بضاعة النفط هي البضاعة المحورية في السوق، فهي التي شكلتهُ ومحت ما قبله، ولكون الصناعات الكبرى تنتجُ منها، وبالتالي فإن الفئاتِ المستفيدةَ منها تغدو هي أكثر الفئاتِ تملكاً للفيضِ النقدي، وعلى توظيفاتها ونوعية التوظيفات تتشكلُ المستويات الاقتصادية الأخرى. ولهذا كله لدينا صناعة ذات مادة عابرة مرحلية ترتبط بها صناعاتٌ تقومُ على تلك المادة العابرة، الاستثنائية، ومن هنا يكون أغلب البناء الاقتصادي مرحلياً عابراً، مرتبطاً باستمرار المادة ومنتهياً بنضوبها، ومتذبذباً صعوداً ونزولاً حسب أسعارها. وهذا الارتباطُ الهامشي العابر، يجذر خريطة اقتصادية واجتماعية كبيرة في كل دولة، حسب مدى نسبة بضاعة النفط لمجمل البناء الاقتصادي، فتزدادُ المرحليةُ والنسبيةُ مع اتساع حجمها في هذا الاقتصاد، فتكون الرجةُ في حالة نضوبها أعظم من دول أخرى تكون النسبة أقل. ومع نمو الصناعات الاشتقاقية من الصناعة البترولية المركزية، وتزايد علاقاتها بالاقتصاد عبر إنتاجها حرفاً أخرى، فإن الشبكة الاقتصادية كلها تكون مُهددة. لكون أي صناعة اشتقاقية تحتاج هي الأخرى إلى حرف وصناعات تكميلية، وطرق وطاقة وعمالة الخ، فيزداد الاستناد على مادة مؤقتة.
 
صحيفة اخبار الخليج
31 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

أين هو الواقع؟‮!‬

أحد أهم المفاهيم التي‮ ‬تتكرر في‮ ‬حديثنا اليومي‮ ‬هو مفهوم الواقع‮. ‬نبدأ حديثنا عادة بعبارة‮: »‬في‮ ‬الواقع‮…«‬،‮ ‬ثم نكمل الحديث،‮ ‬وتضفي‮ ‬هذه العبارة رصانة ووجاهة على كلامنا،‮ ‬لأن مؤدى العبارة هو أن ما سنقوله بعدها صحيح تماما‮. ‬ كل الباحثين والكتاب والمختصين‮ ‬يتحدثون عن هذا الواقع إما بغية هجائه وتقريعه وفضح مثالبه،‮ ‬وإما بهدف الدعوة إلى تغييره وتطويره‮.‬ ولكن هل حدث أن تساءلنا ما هو الواقع بالضبط؟ هل الواقع الذي‮ ‬تتحدث عنه الحكومات هو نفسه الواقع الذي‮ ‬تعنيه الشعوب،‮ ‬وهل الواقع الذي‮ ‬يشخصه مفكر أو مثقف حديث هو نفسه الواقع الذي‮ ‬يشخصه مفكر أو مثقف آخر برؤية أخرى مغايرة أو محافظة،‮ ‬هل الواقع قبل عقد من الزمان هو نفسه الواقع اليوم‮. ‬أو هو نفسه الواقع الذي‮ ‬سنكون عليه بعد عشر أو عشرين سنة منذ الآن؟‮! ‬ يزيد من دقة السؤال إننا نقرأ ونسمع عن تشخيصات مختلفة عن هذا الواقع،‮ ‬فما نقراه عند أحدهم نجد نقيضه عند آخر‮.‬ أين هذا الواقع إذا،‮ ‬أي‮ ‬تشخيص نصدق أو نتبنى،‮ ‬وهل هذا التبني‮ ‬كاف ليجعل تشخيصنا عن الواقع هو الواقع نفسه،‮ ‬أم أن الأمر لا‮ ‬يعدو كونه في‮ ‬الأخير قناعة ذاتية تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب بالطبع،‮ ‬وان الواقع هو شيء آخر مستقل عن قناعاتنا وانطباعاتنا،‮ ‬انه عالم موضوعي‮ ‬مستقل عن وجودنا كأفراد‮. ‬لكن الانسياق وراء هذا النوع من الفهم قد‮ ‬يقودنا إلى مأزق آخر،‮ ‬هو أننا لا نستطيع أن نعي‮ ‬هذا الواقع،‮ ‬وأن ما في‮ ‬أذهاننا من تصورات ليست سوى تهويمات ذاتية عن عالم قائم له قوانين تطوره الخاصة به التي‮ ‬لا تأبه بنا ولا برغباتنا‮.‬ الأغلب انه توجد عدة مستويات للواقع،‮ ‬هناك أكثر من واقع،‮ ‬صحيح إننا نعيش في‮ ‬عالم واحد وننفعل ونتفاعل تجاه قضايا واحدة،‮ ‬لكن طريقة حساسيتنا تجاه هذا الواقع مختلفة،‮ ‬وتدخل في‮ ‬ذلك عوامل عدة بينها طبيعة رؤيتنا للأمور ومستوى ثقافتنا وطريقة تقيمنا للأحداث والظواهر،‮ ‬ما‮ ‬يراه احدنا واقعا ليس بالضرورة هو ما‮ ‬يراه سواه،‮ ‬وما‮ ‬يظنه صحيحا ليس هو بالضرورة كذلك‮.‬ إذا كان لمثل هذا الفهم من ميزات،‮ ‬فإن الميزة الأساس هو انه‮ ‬يؤكد على صعوبة وربما استحالة الإمساك بالواقع بين اليدين وتحديد معالمه كما نحدد حدود بلد من البلدان على الخريطة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فان ليس ثمة قراءة ناجزة ونهائية لهذا الواقع الذي‮ ‬من طبيعته انه في‮ ‬حالة سيرورة دائمة لا تعرف التوقف‮. ‬ والقراءة التي‮ ‬تدعي‮ ‬لنفسها أنها الكلمة الفصل تسقط عن نفسها الصدقية لأنها توقع نفسها قبل الآخرين في‮ ‬مأزق هو استحالة التراجع عن موقف وصفته بالنهائي‮ ‬والكلي‮. ‬ونظن أن جوهر التعصب،‮ ‬كائنا ما كان شكله،‮ ‬إنما‮ ‬يكمن تحديدا هنا‮.

صحيفة الايام
31 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

رحل جمال عاتباً

رحل‮ ‬يوم الأربعاء الماضي،‮ ‬ابن منطقتي‮ ‬وعضو المنبر التقدمي‮ ‬جمال عمران،‮ ‬ربما كثيرون حتى من أبناء منطقتنا لا‮ ‬يعرفون جمال،‮ ‬وما عاناه في‮ ‬حياته،‮ ‬التي‮ ‬عاش وطراً‮ ‬منها في‮ ‬الخارج بسبب الظروف السياسية التي‮ ‬كانت تمر بها البلاد،‮ ‬دفعه الحنين الى العودة في‮ ‬التسعينات إلا ان الأمر لم‮ ‬يحن لأن‮ ‬يعود الى وطنه وأهله‮.‬
وأخيراً‮.. ‬عاد جمال في‮ ٠٠٠٢‬،‮ ‬ظناً‮ ‬منه ان بإمكانه العيش في‮ ‬رغد،‮ ‬حملت لجنة العائدين آماله وتطلعاته،‮ ‬لعلها تنتج شيئاً‮ ‬وتنهي‮ ‬أزمته الاقتصادية التي‮ ‬ربما العديد لا‮ ‬يعرف حجمها‮.‬
وما برح جمال‮ ‬يكابد في‮ ‬أمواج دنياه العاتية،‮ ‬باحثاً‮ ‬عن خشبة ملقاة في‮ ‬عرض البحر ليرتاح عليها‮.‬
في‮ ‬آخر مرة التقيت به،‮ ‬قال لي‮ »‬أرغب في‮ ‬السفر الطويل الى خارج البلاد،‮ ‬فلا‮ ‬يوجد من‮ ‬يمد العون لك،‮ ‬فلقد تعبت كثيراً‮«.‬
وكأنه‮ ‬يريد ان‮ ‬يقول لي‮ ‬إن راحته آتية قريباً،‮ ‬وما هو إلا شهر واحد حتى ووري‮ ‬جمال الثرى‮.‬
رحل جمال وهو عاتب على منطقته وعلى بعض أصدقائه،‮ ‬فمؤسسات المنطقة لم تمد‮ ‬يد العون له عندما لجأ إليها طالباً‮ ‬المساعدة،‮ ‬وعاتباً‮ ‬على أصدقائه ورفاقه لأن بعضهم لم‮ ‬يسأل عنه وهو ملقى في‮ ‬المستشفى‮ ‬يصارع المرض،‮ ‬حتى أفاق من مرضه‮.‬
رحل جمال مخلفاً‮ ‬وراءه تركة كبيرة،‮ ‬فقد أخبرني‮ ‬أحد أصدقائه بان لديه ‮٧ ‬آلاف كتاب،‮ ‬وقد دعاني‮ ‬لأزور مكتبته ودخلت في‮ ‬منزله الذي‮ ‬يقطنه مع والدته،‮ ‬وشاهدت‮ ‬غرفته المليئة بالكتب،‮ ‬وبقصاصات الصحف التي‮ ‬تحتوي‮ ‬على مقالات لرفاقه وأصحابه،‮ ‬ومقالات كتبها بخط‮ ‬يده،‮ ‬ومحاولات له في‮ ‬تأليف مسرحية،‮ ‬أتمنى ان تستكمل‮.‬
حقاً‮ ‬عاش جمال‮ ‬غريباً‮ ‬ومات فقيراً‮.‬

صحيفة الايام
31 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

باكستان‮ .. ‬السلطة‮ .. ‬الموت والمنفى

كتبنا قبل شهور قليلة مقالة بعنوان‮ »‬الرقصة الأخيرة‮« ‬وحددنا فيها ميلنا إلى نهاية الجنرال برويز مشرف وقلنا أنها بدأت تقترب من حافة الموت السياسي‮ ‬بإعلانه حالة الطوارئ في‮ ‬البلاد تحت حجج حماية النظام والمجتمع من الانهيار والفوضى والإرهاب،‮ ‬غير انه بهذا المسلك السياسي‮  ‬بروحه العسكرية‮ ‬يدخل في‮ ‬تناقض مع الديمقراطية كنهج ضروري‮ ‬للشرعية والتأييد الداخلي‮ ‬القائم على القانون ودعامة الدستور‮ .‬
ليس دفاعا عن نظام تميز بالاستبداد أو رئيس اختلف الساسة على تسميته هل هو مستبد أو دكتاتور؟ أن نسأل سؤالا مشروعا هل بإمكان أي‮ ‬شخص قيادة نظام سياسي‮ ‬في‮ ‬باكستان؟ خاصة في‮ ‬ظل ظروف بدت أصعب بكثير مع متغيرات مفاجئة لم‮ ‬يحسب حسابها مشرف نفسه،‮ ‬فبعد انقلابه العسكري‮ ‬عام ‮٩٩٩١ ‬احتاج لوقت لترويض الوضع الداخلي‮ ‬وترتيب نظام حكمه العسكري‮ ‬مع ترحيل نواز شريف من السجن إلى المنفى‮. ‬ولكن أحداث سبتمبر عام ‮١٠٠٢ ‬أدخلت الجنرال في‮ ‬متاهات صعبة وجديدة تختلف عن القضية الكشميرية ونزاع الحدود مع الهند،‮ ‬إذ باتت المشكلة داخلية وحدودية مع دولة كانت بالأمس مفتاح سحري‮ ‬وهام لمساعدة حركة طالبان في‮ ‬وجه أنظمة وحركات أفغانية لم تعجب حكومة إسلام آباد‮ .‬
‮ ‬تحولت الحدود الأفغانية‮ – ‬الباكستانية إلى صداع جديد ومكافحة الإرهاب بقيادة تنظيم القاعدة المتحالف مع تنظيم حركة طالبان الباكستانية وقبائلها الجبلية مأزقا جديدا‮. ‬وبرغم تدفق العون الأمريكي‮ ‬من العتاد والأسلحة طوال التسع سنوات لم تستطع إنقاذ حكومة مشرف من الخروج من دائرة الأزمة‮. ‬ولكي‮ ‬يطفئ مشرف الحريق الداخلي‮ ‬كان عليه كعسكري‮ ‬أن‮ ‬يوظف السياسة إلى جوار القوة لتصبح المفتاح السياسي‮ ‬لامتصاص كل ما هو داخلي‮ ‬يصب في‮ ‬صالح التيارات الدينية وغير الدينية‮. ‬وبدلا من بناء جبهة ديمقراطية عريضة متوازنة تحترم الشرعية وتلم كل أطياف المجتمع المدني‮ ‬نراه قد انغمس في‮ ‬وحل القوة العسكرية بحجة مكافحة الإرهاب والتشدد الديني‮. ‬ترى هل كان من الصعب على الجنرال بعد انقلاب ‮٩٩٩١ ‬أن‮ ‬يقنع ثلاثة أحزاب كبيرة العمل تحت مظلته ؟ ولكن هناك سؤال‮ ‬يبدو أكثر أهمية هل بإمكان الجنرال الانقلابي‮ ‬أن‮ ‬يثق بأحزاب أخرى خارج بطانته العسكرية ؟ وإذا مع وضعنا السؤالين في‮ ‬مواجهة بعضهما البعض ندخل في‮ ‬مفارقة التناقض بين منهجين لن‮ ‬يوافق عليهما كلا الطرفين فلا المعارضة مستعدة للتعاون مع شخصية عسكرية انقلابية صادرت المؤسسات الدستورية وخلقت حالة من التوتر الداخلي‮ ‬وقد تعمقت مع رهن باكستان كقاطرة للسياسة الأمريكية في‮ ‬المنطقة بعد أحداث سبتمبر‮ .‬
‮ ‬لقد برهنت السنوات التسع العجاف على عجز الجنرال عن إدارة البلاد بحكمة وتوازن داخلي،‮  ‬وكلما تلاحقت الأزمة تلو الأزمة نراه‮ ‬يتحرك متأخرا أو‮ ‬يلهث من اجل حلول مؤقتة وتكتيكية المناعة أزاحها الجنرال ضد حكومته حينما ادخل البلاد في‮ ‬حالة الطوارئ خالقا جبهة عريضة من تحالف معارض وضع أمام نفسه هدفا واحدا لا‮ ‬غير هو رحيل مشرف النهائي‮ ‬من السلطة‮  ‬وليس فقط خيار احد المنصبين كما كان قبل شهور أثناء التفاوض مع حزب الشعب‮. ‬بإمكاننا اختزال العوامل الأساسية التي‮ ‬عجلت بسقوط مشرف المروع والتراجيدي‮ ‬ومن أهمها‮: .‬عزلة حكومة مشرف في‮ ‬الداخل والخارج وان بدا رمزا عالميا لمكافحة الإرهاب وحليفا أساسيا للولايات المتحدة‮. ‬
‮.‬تمتع أطياف المعارضة الثلاث بقاعدة شعبية في‮ ‬مناطق القبائل والجبال إلى جانب المدن والمراكز الحيوية في‮ ‬المجتمع المدني‮. ‬
‮.‬تسليم الجنود أسلحتهم ورفضهم للخدمة والتضامن مع القبائل والحركات الإسلامية‮. .‬كان لعصيان الجيش ذاك مؤشر واضح لتصدع بنية المؤسسة العسكرية والأمنية،‮ ‬وبذلك‮ ‬يفقد مشرف آخر جدار‮ ‬يحتمي‮ ‬به‮.‬
‮.‬شعور الجيش بالعزلة وكان عليه أن‮ ‬يختار بين المعارضة السياسية ونظام مشرف أو أن‮ ‬يخبر مشرف بوضعه ومأزقه إذ من الصعب أن‮ ‬يصبح الجيش الباكستاني‮ ‬محايدا،‮ ‬فان ذلك القرار وحده كافيا لمقتل مشرف الأمني‮. ‬
‮.‬قيادة المحامين والقضاة لحركة احتجاج فاعل ومؤثر في‮ ‬المراكز الرئيسة كإسلام آباد وراولبندي‮ ‬ولاهور وكراتشي‮. ‬
المسألة الأهم ماذا بعد رحيل مشرف لمنفى الرفاهية إذ ليس بإمكان المعارضة محاكمته‮  ‬بعد أن قدمت الأطراف المتحالفة ضمانات برحيله لقوى تعتبرها حليفة أساسية لباكستان ولكل نظام جاء ورحل‮ . ‬ما بعد مشرف ليس حل المعضلات الثانوية كعودة القضاة وترتيب الوضع الاقتصادي‮ ‬والأمني‮ ‬ومعالجة مكامن الفقر والفساد والتنمية كافية،‮ ‬وإنما أهم حلقتين هما كيف‮ ‬يعالج التحالف ظاهرة التشدد الإسلامي‮ ‬ومكافحة الإرهاب الحليف مع تلك القنوات المتشددة كحركة طالبان الباكستانية وغيرها وتنظيم القاعدة المتعاون معها‮ . ‬والحلقة الجوهرية الأخرى،‮ ‬كيفية اقتسام المنتصرين مقعد الرئاسة ومنصب رئيس الوزراء،‮ ‬فمن السهل حسم مقاعد النواب المنتخبة،‮ ‬غير أن الأصعب هو حسم مقعد سياسي‮ »‬الرئاسة‮«  ‬ظل في‮ ‬باكستان مهتزا على الدوام ومتحركا بين الموت والمنفى‮ . ‬لقد‮ ‬غنى الشعب الباكستاني‮ ‬للرئيس الجنرال‮ »‬ارحل‮« ‬فهل تنتهي‮ ‬تلك‮ »‬الأغنية الباكستانية‮« ‬في‮ ‬تاريخ بلد متقلب أم تستمر بلا نهاية‮ .   ‬

صحيفة الايام
31 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

الارتقاء بالدور الرقابي‮ ‬والتشريعي


إجازة النواب الطويلة التي لا تعادلها إجازة لا في بلاد العرب العاربة ولا المستعربة ولا حتى في بلاد الهند والسند، أوشكت على الانتهاء وبعد هذه الغيبة التي دامت عدة شهور بالتأكيد ارتاح فيها العباد من دوخة الرأس بفعل المعارك المفتعلة والتسابق فيما بينهم على تقديم الاقتراحات برغبة والانزلاق بنحو المهاترات والتكتلات الطائفية، هل نوابنا في الدورة البرلمانية المقبلة يمتلكون الشجاعة للتصدي للعديد من الملفات التي تتطلب الارتقاء بدورهم النيابي المتمثل في تفعيل الجانب الرقابي والتشريعي؟
ويشكل أكثر تحديداً طيلة الدورتين السابقتين، كان التحدي الذي قطعه نوابنا على أنفسهم تمثل – كما قلنا – في المهاترات والمماحكات وتكريس الطائفية وتشكيل لجان التحقيق التي تبين أن لا طائل من ورائها بمعنى أقل ما يمكن أن يقال عن أداء أصحاب السعادة انه لم يوفق في تحقيق ما ينتظره المواطن وخاصة فيما يتعلق بتحسين مستواه المعيشي، وكذلك لم يوفق في دعم الإصلاحات الاقتصادية التي يفترض أن توفر فرص عمل للعاطلين وتدعم القطاعات الإنتاجية وخاصة الصغيرة والمتوسطة منها.



والمشكلة إن هذا الأداء أصبح يهدد حرية الكلمة والتعبير والاعتقاد وحقوق المرأة السياسية!
ومهما كانت الظروف التي تقف وراء هذا التعثر أو هذا الفشل فإن الأسباب تعود في اغلب حالاتها إلى تلك الأسباب التي لها علاقة بالمصالح السياسية والعقائدية لكل تكتل نيابي يريد لهذه البلاد أن تمضي وفق مرجعياته الدينية وبالتالي وخدمة لهذه المصالح بات كل شيء مشروعا حتى الصفقات المناهضة للحريات وللمشروع الإصلاحي وتعود أيضا إلى تلك القوى الرافضة لكل إصلاح وتحديث وتغيير لا يتفق مع مصالحها الخاصة.
 والسؤال هل سيعيد نوابنا النظر في أدائهم البرلماني بشكل يعيد التوازن والتفاعل الحقيقي لهذا المجلس الذي يعتبر في نظر الغالبية ليس إلا مسرحاً لبطولات وهمية لم يتردد الأتباع والأنصار من التصفيق لها بحرارة، والغرض الوحيد من هذه البطولات أو هذا “الشو” هو البحث عن ادوار كخطوة للدعاية الانتخابية التي نعتقد إنها سوف تتضاعف مع اقتراب الانتخابات البرلمانية “2010” .


وبصراحة إذا ما قارنا الانجازات النيابية التي تحققت بالحاجات الضرورية للمواطنين التي تتطلب تشريعات وقوانين لا رغبات، اتضحت في نهاية الأمر إنها مخالفة للدستور فإن هذه الانجازات متواضعة جداً، ونعتقد انه لن يستطيع ممثلو الشعب من حلحلة الملفات المعيشية الصعبة ومن معالجة قضايا التنمية إلا إذا قاموا بدورهم الرقابي والتشريعي.


وإذا تعرضنا بالنقد الموضوعي لنوابنا ولتجربتنا النيابية القصيرة فيجب ان نقر وفي كل الأحوال إننا أمام أزمة أداء نيابي لا يزال يؤكد على تكريس أسس الدولة الدينية لا الدولة المدنية، وأمام أزمة تتمثل في بطء وتلكؤ حكومي تجاه تنفيذ بعض البرامج الإصلاحية، وكذلك أمام أزمة لها علاقة بالوعي السياسي والقوى السياسية الرافضة لكل إصلاحات من منطلق كل شيء أو لا شيء، وأخيرا لا تنفصل هذه الأزمة عن وعي الناخب الذي من المهم ان يعيد حساباته في النواب مستفيداً من اجل إيصال من هم على قدر كبير من الكفاءة والمسؤولية تجاه المواطن وتنمية المجتمع إلى قبة البرلمان   في ظل تشريعات مدنية تكفل كافة الحقوق.


ولا ندري هل نوابنا لديهم الرغبة في الارتقاء بدورهم النيابي أم لا  سؤال، والإجابة عنه يمتلكه النواب وحدهم لا غير.
 
30 أغسطس 2008

اقرأ المزيد

المـوت كمـداً


احترت كثيراً في اختيار عنوان لمقالي هذا عن الراحل الجميل جمال عمران، حتى استقر رأيي على العنوان أعلاه، لأن جمال رحل مبكراً، حتى قبل أن يبلغ الخمسين من عمره، وكان بإمكانه أن يعيش عشرين أو ثلاثين سنة أخرى، لولا معاناته المضنية  في السنوات الأخيرة. 


 أمر مفزع ومحزن في الآن ذاته، أن هذا الرجل الذي خبر المنفى ومرارة الغربة، سيموت من الغربة أيضاً، ولكنها غربة أكثر ضنى، هي الغربة في الوطن، ومصيره الفاجع، كما مصير رفيقه حميد عواجي من قبله، يُسلط الضوء مُجدداً على حال أولئك الذين باتوا يعرفون بالعائدين من المناضلين المنفيين الذين شملهم العفو العام، وعادوا إلى الوطن بعد طول معاناة، ولكن الكثيرين منهم ظلوا بلا أعمال ولا سكن، هم الذين لم يتركوا بابا من أبواب الجهات المعنية ولم يطرقوه من خلال لجنة العائدين التي كان الراحل أحد نشطائها.


 جمعتني وجمال عشرة طويلة في دمشق، حيث عشنا في شقة واحدة لعدة سنوات، ثم التقينا ثانية، ولعدة سنوات أخرى في الإمارات. غادر الراحل، وهو في عز شبابه وحيويته موسكو التي لم يحتمل صقيعها إلى دمشق، حيث أعطى كل طاقته وجهده ووقته للعمل الوطني بكل تفانٍ ونكران ذات، بعيداً عن وطنه وأهله وابنته خلود، حيث كان عن حق شعلة نشاط ودينامو مكتب جبهة التحرير الوطني في العاصمة السورية يومذاك والواقع في مجمع مكاتب التنظيمات الوطنية العربية قبالة فندق أمية.


 وكان جمال شغوفاً بالكتب والقراءة بصورة لافتة، وسأظل اذكر المشاوير التي جمعتنا إلى مكتبة وزارة الثقافة السورية في أبو رمانة، حيث كنا نتابع جديد الإصدارات والترجمات التي تصدرها الوزارة وتباع بأسعار رمزية، وكذا الحال إلى مكتبة ميسلون في الصالحية التي كانت تولي عناية خاصة للكتب التقدمية، وبقية المكتبات في مركز المدينة.


لا أبالغ إذا قلت إن جمال كان يلتهم الكتب التهاماً، وكثيراً ما دلني على عناوين جديدة من الكتب التي لفتت انتباهه، وقد قاده هذا الشغف بالقراءة إلى محاولة كتابة خواطر شعرية، كان يلح عليَّ أن أسمعها، وظل على هذه العادة سواء عندما كنا في الإمارات أو عندما عدنا للبحرين، حيث يهاتفني ليلاً قائلاً: أريدك أن تسمع هذا النص الذي كتبته الآن.
بعض محاولاته الكتابية و خواطره نُشرت على النسخة القديمة من الموقع الاليكتروني للمنبر التقدمي، وهي في الإجمال تعبر عن مكابدات الغربة، وتنعكس فيها أصداء ما يطالعه من كتب.


 آخر حديث بيننا بالهاتف كان بعد وفاة محمود درويش، حيث سألني ما إذا كنت قد شاهدت على التلفزيون جنازة الشاعر في رام الله، معبراً عن تأثره بالحشود التي ودعت درويش، ورغم أن صوته كان مُجهداً، لكنه بدا في مزاج جيد، ولم يدر بخلدي ساعتها أني لن أراه ثانية إلا وهو مسجى على مغسل مقبرة النعيم قبل موارة جثمانه الثرى.
 إلى جنة الخلد يا أبا خلود.
 
الأيام 30 أغسطس 2008

اقرأ المزيد

الدمى حين تغامر‮ ‬بالخروج على النص


في الغرب كما في الشرق يطلقون عليهم نعت الدمى “Puppets”، بالنظر لطبيعة المهام والأدوار التي يضطلعون بها. إذ تحركهم القوى التي اشترتهم (أو التي باعوا أنفسهم لها، الأمر سيان) كيفما وحيثما ووقتما تشاء.
وارتبطت ظاهرة نشوء هذه النوعية من الناس بتاريخ الحروب والصراعات منذ ما قبل التاريخ.. إبان عصر الحروب القبلية التي سيطرت على حياة المجتمع البشري ردحاً من الزمن. إلى عصور اليونان القديمة في القرون من الثامن حتى الرابع قبل الميلاد (سبارطة وأثينا) وإمبراطورية الأسكندر المقدونية في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، والإمبراطورية الرومانية خصوصاً إبان أزمتها في القرن الثالث الميلادي، مروراً بالعصور الوسيطة التي شهدت الغزوات الإقطاعية الكبرى وولادة الدول البربرية في أوروبا.. وصولاً إلى فترة الاستعمار في العصر الحديث، التي شهدت ظاهرة الدمى فيها ازدهاراً منقطع النظير.
فلقد توسعت القوى الاستعمارية في عملية تصنيع الدمى المحلية طمعاً في تأبيد احتلالها لبلدان الشعوب الأخرى واستغلال واستنزاف ثرواتها.
بريطانيا بالذات أبدعت، كقوة استعمارية عالمية رئيسة ‘ارتقت’ لحد الإمبراطورية المحاكية للإمبراطورية الرومانية في عصورها الذهبية، أبدعت في التعاطي الفعال والكفء مع هذه الطينة من البشر الذين يمتلكون ‘موهبة’ المقامرة بكل ما هو متاح لهم المقامرة به، بما في ذلك المقامرة ‘بأوطانهم’ التي أنشأتهم وربتهم وعلمتهم وكستهم وأطعمتهم.
ومن مفارقات الزمن، وقد دارت دوائره على الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس (كناية عن اتساع رقعتها الجغرافية على امتداد الكرة الأرضية)، فانكمشت وارتدت إلى داخل حدود الدولة البريطانية التاريخية، أن يصبح زعيمها في نظر شريحة واسعة من أبناء الشعب البريطاني وبحسب تقييم وتصنيف وسائل الإعلام البريطانية، دمية يحركها من هم وراء البحار كيفما يشاؤون.
هذا ما أسهب وأطنب فيه الإعلام البريطاني المقروء والمسموع في حملته الشعواء على رئيس الحكومة السابق توني بلير، إذ أظهره في صور كاريكاتورية وأفلام وأغان تسجيلية ساخرة في صورة دمية يحركها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن طبقاً لوجهة المصالح الأمريكية في العالم.
الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رغم حداثتها (أكثر قليلاً من مائتي عام)، وعلى رغم عدم معاصرتها للاستعمار (بسبب تأخر صعود نجمها كقوة عالمية كبرى)، فقد أبت إلا أن يكون لها ‘الكعب العالي’ في ‘صناعة الدمى’ بعد أن كانت الظاهرة قد انكفأت مع انكفاء الاستعمار التقليدي. فلقد حرصت وعملت بكل دأب، كإحدى مقاربات تمثُل خاصية العظمة، على أن يكون لها في ‘كل بيت مسمار’ (كما سبق أن فعلتها شخصية جحا التراثية)، في السلطة وخارجها على حد سواء. فرصدت لذلك الأموال وعملت أجهزتها الأمنية على إنشاء مختلف أنواع الواجهات الجاذبة والحافظة للدمى. فلا غرو أن تعود مفردات مثل ‘حصان طروادة’ و’الطابور الخامس’ لتسجيل حضور ‘مميز’ في العلاقات الدولية.
ميخائيل ساكشفيلي في جورجيا وفيكتور يوشنكو في أوكرانيا، واسم آخر يقاتل الغرب من استيلاده في بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، وجوه جديدة لمعت في سماء بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بفضل التدخلات السافرة للدول الغربية في شؤون تلك الجمهوريات، مستفيدة من حالة الضعف والهوان التي تردت إليها بعد الانهيار العظيم.
ويبدو أن قلة خبرة الرئيس الجورجي ساكشفيلي السياسية وصلفه وحماقته قد فضحت أمره، فكان أن تسبب في إحراج الدول الغربية لاسيما الولايات المتحدة التي ترعاه وتقدم له دعماً عسكرياً وسياسياً، إضافة إلى معونات اقتصادية، ثمناً لدعمه مشاريع الطاقة الاستراتيجية الأمريكية. ففيما كان العالم يترقب بتلهف لحظة انطلاق أولمبياد بكين الذي يعتبر أكبر تظاهرة احتفالية عالمية ينصرف خلالها الشعور الجمعي العالمي للتلاقي والتوحد البهيج، إذا بقوات الجيش الجورجي تندفع تحت جنح الظلام لتباغت سكان إقليم أوسيتيا الجنوبية وتقتل وتدمر بوحشية تنم عن روح ثأرية وانتقامية من الإقليم الذي لم يشأ سكانه، وغالبيتهم من الروس الذين استوطنوا هناك إبان الاتحاد السوفيتي الذي تداخلت في جمهورياته وأقاليمه القوميات والأجناس بفعل حرية التنقل والإقامة، لم يشاؤوا الالتحاق بجورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991 وفضلوا الاستقلال الجزئي والحفاظ على روابط متينة مع روسيا.
في خضم اشتداد المعركة على الجبهة السياسية بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهي هنا متعهدة نظام ساكشفيلي، والتي استُدعيت خلالها مفردات الحرب الباردة، لمَّح كبار المسؤولين الروس أكثر من مرة بأن ساكشفيلي ما كان ليغزو إقليم أوسيتيا الجنوبية لولا أن يكون قد تلقى ضوءاً أخضر من واشنطن. والأرجح أن لا يكون الروس جادين في اتهاماتهم المرسلة هذه، وإنما المقصود هو الحفاظ على إيقاع تبادل اللكمات الكلامية ذات المفعول السحري في الحرب النفسية الموازية.
وبذا نحسب أن ساكشفيلي تحرك من تلقاء نفسه فأراد الاجتهاد ‘بالخروج على النص’. النص الحرفي للدور المرسوم عادة للدمى.. مفترضاً، تحت نشوة الدعم المعنوي الذي حازه من زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للعاصمة الجورجية تبليسي قبل أسبوعين من مغامرته الكارثية، أن الولايات المتحدة والغرب عموماً سيهبان لنجدته ونصرته إن هو نفذ وعيده وتهديده باجتياح أوسيتيا الجنوبية وإعادتها بالقوة إلى بيت الطاعة الجورجي.. وإن روسيا لن تهب للدفاع عن الإقليم وسكانه وعن مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية الحيوية هناك، وإنها ستكتفي بالتهديدات اللفظية على نحو ما فعلت عندما أعلن إقليم كوسوفو استقلاله من جانب واحد وسارعت الدول الغربية للاعتراف به كدولة مستقلة عن صربيا، وعندما قررت واشنطن نشر الدروع الصاروخية في كل من تشيكيا وبولندا.
إنه اختبار للقوة لم يكن في محله كما كان حذر منه وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسينجر مطلع تسعينيات القرن الماضي حين كتب في فورن ريفيو مقالاً حذر فيه من التعامل مع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بخفة وتركة هي من نصيب الغربيين ليقتسموها فيما بينهم بدلاً من التعامل معها كأمة لها مصالح وكقوة رئيسة في القارة الأوروبية.
 
30 أغسطس 2008

اقرأ المزيد