المنشور

تطوير الإصلاحات العربية

بعد مرور مضي ما يقرب من عقد واحد على ظهور وتبني عدد من الدول العربية تجارب اصلاحية لانظمتها السياسية منذ اواخر تسعينيات القرن الماضي، وهي التجارب التي جاءت غداة زوال النظام العالمي الثنائي القطبية بانهيار الاتحاد السوفيتي وبروز النظام الدولي الجديد الاحادي القطبية الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، بات لزاماً على هذه الدول العربية ان تقوم بمراجعات وتصحيحات وذلك لما اعتور مسيرة هذه التجارب خلال فترة السنوات العشر الماضية من اخفاقات وانتكاسات وتراجعات افقدت هذه المسيرات وشعاراتها الكثير من بريقها الذي امتازت به غداة اعلانها والتي بفضلها اكتسبت حينذاك رصيداً جماهيرياً ونالت سمعة دولية مرموقة.
بعض هذه التجارب الاصلاحية العربية التي ظهرت خلال هذه الفترة لم تكن جديدة بل هي تجديد لتجارب سابقة، أي أنها تطوير لتجارب ديمقراطية جديدة ذات جذور قديمة نسبياً (مصر والاردن والمغرب) لكن ينظر إليها المراقبون الآن بأنها تمر بتراجعات واخفاقات. وبعضها الآخر برز لاول مرة بشعارات براقة اطلقت العنان لتفاؤلات شعبية عارمة شاركتها فيها قوى المعارضة، وسرعان ما اختفت واكتسحتها موجة التراجعات (الربيع الديمقراطي في سوريا غداة رحيل حافظ الأسد ووراثة ابنه بشار السلطة منه). واجمالا يمكن القول ان جميع هذه التجارب الاصلاحية والتصحيحية معاً التي برزت خلال العقد المذكور تواجه جميعها الآن ازمات واشكالات جمة تعترض طريقها، وهي بحاجة آنية ملحة لاقالتها من عثرتها وخفوت بريقها، وخاصة في ظل تفاقم الاحباط والتململ الشعبي في جميع هذه الدول من طول تلك العثرة وتفاقم الازمات والمشكلات واطراد التراجعات. وكما هو معروف فإن سبباً رئيسياً لظهور بعض هذه التجارب العربية الجديدة ولتراجعها في ذات الوقت ايضاً انما يرتبط بمواقف وسياسات الولايات المتحدة وتبدلها فهي التي شجعت واحتضنت بداية تلك التجارب الاصلاحية العربية الجديدة وبخاصة التي ظهرت لاول مرة، عشية وغداة احداث سبتمبر 2001م، وذلك في سياق ما طرحته الادارة الامريكية من تخطيط ورسم للشرق الاوسط الجديد وتجفيف منابع الارهاب. حيث تبنت واشنطن سياسات وبرامج شكلية لاشاعة وبناء النظم الديمقراطية في المنطقة وتشجيع حليفاتها الدول المحافظة على تبني مشاريع اصلاحية الديمقراطية باعتبارها الطريق الوحيدة لاجتثاث وتجفيف منابع الارهاب وعلى اعتبار ان هذه المنابع لا تنشأ إلا في مناخات واجواء الاستبداد والانظمة الدكتاتورية والشمولية. ولكن سرعان ما غرقت امريكا في مستنقعي العراق وافغانستان وسرعان ما اتضح بلا رتوش نفاقها بالضغط على الانظمة الشمولية العربية لاجبارها على تبني المشاريع الاصلاحية او بمواصلة ضغوطها ومراقبتها لالتزام الدول العربية التي تبنت تلك المشاريع التي تبنتها بالايفاء بوعودها بالشعارات والبرامج الديمقراطية التي اعلنتها. وهذا مما أدى، الى جانب عوامل موضوعية وذاتية اخرى، لانتكاسة تلك المشاريع الاصلاحية العربية او تراجعها عن ترجمة وعودها وشعاراتها على ارض الواقع وذلك بعدما اكتشفت هي نفسها ايضاً أن الضغوط الامريكية الخجولة الناعمة غير جادة مادامت الادارة الامريكية ترى ان مصالحها الاستراتيجية في هذه الدول العربية مضمونة، وبالنظر لمخاوفها غير المعلنة من ان تؤدي هذه التجارب الاصلاحية ذاتها إذا ما تطورت وارتفع سقفها المحدد المرسوم مقدماً إلى وصول قوى راديكالية اسلامية غير مرغوب فيها بالانتخابات الى برلمانات واسعة الصلاحيات والسلطات في صناعة القرار السياسي ببلدانها، او حتى وصولها الى السلطة. مهما يكن، وبغض النظر عن كل الاعتبارات والظروف والعوامل الداخلية والخارجية التي أفضت الى تراجع وانتكاسات هذه التجارب الاصلاحية العربية، فقد بات لزاماً على دولها الاسراع ان لم يكن في تطوير هذه التجارب فعلى الأقل وقف التراجعات المتواصلة واعادة ما تم التراجع عنه من مكتسبات ومنجزات حققته تلك المشاريع لشعوبها وذلك قبل فوات الأوان، وبخاصة بالنظر لما تمر شعوب هذه الدول من ازمات خطيرة متفاقمة في مختلف المجالات، وعلى الاخص في المجال الاقتصادي والمعيشي. ولعل أبرز نقد ذاتي شجاع برز حتى الآن بين دول المشاريع الاصلاحية العربية يعترف بما شاب المسيرة الاصلاحية من قصور واخفاقات جاء على لسان جمال مبارك، نجل الرئيس المصري حسني مبارك الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وامين لجنة السياسات فيه، حيث طالب في كلمة له اواخر الشهر الفائت أمام معسكر شبابي في الاسكندرية بتقويم «عملية الاصلاح« التي تمت خلال الاعوام الماضية بكل مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مشدداً على زيادة الدور الاجتماعي للدولة، بما في ذلك زيادة مواردها للإنفاق على الخدمات الاجتماعية للمواطنين. وفي تقديرنا بأنه بقدر ما يحسب لهذه التجربة الاصلاحية العربية التي ترجع جذورها الى أواسط سبعينيات القرن الماضي، اعترافها الشجاع باخفاقاتها والحاجة الى مراجعة تصحيحية، فإنه اذا ما قدر لهذا الاعتراف ان يترجم الى سياسات تصحيحية فعلية فإن التجربة الاصلاحية المصرية ستكون حقاً جديرة عندئذ بالاقتداء من قبل سائر دول المشاريع الاصلاحية العربية.
 
صحيفة اخبار الخليج
17 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد

التصعيد ضد جمعية التمريض

إجراء وزارة التنمية بتجميد الحساب المصرفي‮ ‬لجمعية التمريض في‮ ‬أحد البنوك‮ ‬يشكل تصعيداً‮ ‬في‮ ‬المواجهة بين الوزارة والجمعية المذكورة،‮ ‬وهو لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يفسر إلا كونه رداً‮ ‬على التحرك الذي‮ ‬يخوضه الممرضون من أجل بلوغ‮ ‬كادر وظيفي‮ ‬مُنصف،‮ ‬وهو أمر‮ ‬يندرج في‮ ‬إطار التحرك المطلبي‮ ‬الواسع الذي‮ ‬يخوضه أكثر من قطاعٍ‮ ‬من القطاعات المهنية والعُمالية في‮ ‬البلد‮.‬ حتى الآن لم تشرح وزارة التنمية أوجه تحفظها على الجمعية العمومية الأخيرة للجمعية،‮ ‬التي‮ ‬أشرفت على نتائج الانتخابات فيها جمعيات حقوقية،‮ ‬ومع ذلك تواصل الوزارة الضغط على الجمعية،‮ ‬التي‮ ‬يأتي‮ ‬تجميد الحساب المصرفي‮ ‬لها في‮ ‬إطاره،‮ ‬وهو‮ ‬يؤسس لأسلوب جديد في‮ ‬التعامل مع الجمعيات المهنية‮.‬ وأكثر ما‮ ‬يسترعي‮ ‬الانتباه هو توقيت المواجهة الذي‮ ‬اختارته وزارة التنمية مع جمعية التمريض،‮ ‬الذي‮ ‬ترافق مع التحرك من أجل إقرار كادر جديد للممرضين‮ ‬يكون أكثر إنصافاً‮ ‬من المعمول به حالياً‮.‬ ولسنا معنيين بالخلاف داخل الجمعية حول الموقف من مجلس إدارتها،‮ ‬فذاك شأن تنظيمي‮ ‬داخلي‮ ‬يعني‮ ‬أعضاء الجمعية وحدهم،‮ ‬وهم المعنيون بتدبر أمر حله،‮ ‬ما‮ ‬يعنينا هو الوقوف مع تحرك مطلبي‮ ‬مشروع لواحدٍ‮ ‬من أكثر القطاعات حيوية في‮ ‬البلد،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن لموقف الوزارة بتحريك موضوع مجلس الإدارة في‮ ‬هذا الوقت بالذات إلا وصفه بأنه شكل من أشكال إعاقة التحرك المطلبي‮ ‬والتشويش عليه‮.‬ في‮ ‬وضع تتزايد فيه الضغوط على التحركات المطلبية،‮ ‬ممثلةً‮ ‬بدرجة رئيسية في‮ ‬تعميم ديوان الخدمة المدنية الذي‮ ‬ينتهك الحقوق الدستورية والقانونية للمواطنين التي‮ ‬تضمن لهم حرية الانتماء السياسي‮ ‬وحرية الانخراط في‮ ‬العمل النقابي‮ ‬والمطلبي‮ ‬والاحتجاج السلمي،‮ ‬إضافة إلى التضييقات التي‮ ‬يتعرض لها الناشطون النقابيون في‮ ‬القطاع الحكومي،‮ ‬يأتي‮ ‬قرار وزارة التنمية بتجميد حساب جمعية الممرضين مُتسقاً‮ ‬مع مجمل هذا النهج الذي‮ ‬يثير القلق على مصير الحريات العامة،‮ ‬خاصة حرية التنظيم المهني‮ ‬والنقابي‮ ‬وحرية العمل المطلبي‮ ‬السلمي‮ ‬والمشروع‮. ‬ تزداد الحاجة إلى تفعيل آليات الاحتكام للقضاء في‮ ‬القضايا المثارة في‮ ‬المجتمع الآن،‮ ‬من أجل الحد من السلطات التقديرية لأجهزة السلطة التنفيذية،‮ ‬والتي‮ ‬تُظهر التجربة أنها كثيراً‮ ‬ما تأخذ الشكل الضاغط كما هو واضح في‮ ‬تعميم ديوان الخدمة المدنية وسواه من قرارات وتدابير،‮ ‬ففي‮ ‬هذا الاحتكام تكريس لفكرة احترام القانون ومؤسساته‮.‬ كما أن القضاء معني‮ ‬بالانتصار للحقوق الدستورية للمواطنين وللناشطين النقابيين ومن هم في‮ ‬حكمهم،‮ ‬ومن هنا ندعم لجوء جمعية التمريض،‮ ‬كما جاء على لسان رئيستها رولا الصفار،‮ ‬باللجوء للقضاء مستندة في‮ ‬ذلك على دعم ومؤازرة جمعية المحامين‮.‬
 
صحيفة الايام
17 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد

العمالة الخليجية: سوء الاستغلال

رغم أن كلمة (الاستغلال) كريهة، فإنها تمثل علاقة اقتصادية موضوعية، مُنتجة رغم ذلك، إذا أزلنا اللافتات الأخلاقيةَ الشكلية، لكن الاستغلال حين يتجاوز القوانين الإنسانية العالمية، ويصير استغلالاً بشعاً، يغدو مخرباً للأرض الاقتصادية ويشبه حرق الحقول. والعديد من أرباب العمل في الخليج استفادوا من غياب بُنى اقتصادية عريقة وغياب القوانين الدقيقة في صياغة الظاهرات الاقتصادية المعاصرة، فاهتبلوها فرصة في تجميع الثروات السريعة على حساب الأرض والمياه والإنسان. فالعقود غير دقيقة في صياغتها لحقوق العمال، والموردون يجلبون العمالة بمبالغ ويؤجرونها لتدفع الريع الإقطاعي لهم، فيما يذهب العمال إلى أرباب العمل ليقدموا لهم قوة عملهم ليحصل هؤلاء على الربح. فالعلاقة الإقطاعية تسبق العلاقة الرأسمالية، مثلما هي جذور النفط، فليست هناك علاقة مباشرة بين الأجير وصاحب
العمل، وهذا ما يوجد الفئة الإقطاعية، التي تؤسسُ نظامَ الكفيل، ذا الطابع السياسي، الذي هو دخيل على العلاقات الاقتصادية الرأسمالية (الحرة). وتزداد شرائحُ الإقطاع هنا، ممثلةً عمليات التداخل بين أجهزة الدول والمصالح التجارية؛ فيجري استقدامُ عمالٍ وتوزيعهم في المجتمعات من دون وظائف محددة، وإجبارهم على السكن في مكان معين، ويغدو الاستئجار عدواناً على الأجر، ويغدو الجوازُ رهينةً في مكتب الكفيل. وحين تغدو العلاقة بين رب العمل المُفترض والعامل غامضةً، غير عصرية، تنفتح أبوابُ العلاقة بين النخاس والعبد، بين النوخذا والبحار، بكل جذورها وظواهرها. (باعت عائشة مصوغاتها الذهبية الخاصة بالزواج لتدفع 200 دولار لمهرب كي يجد لها وقريبتها عملا في (إحدى دول الخليج). وبعيداً عن قريتها في أُوزبكستان أُجبرت على العمل في صالة ديسكو وكان يتوقع ان تمارس الدعارة. وضربها صاحب العمل الاوزبكستاني حين ابعدت زبائن محتملين مما دفعها للهرب مع قريبتها حيث اختبأتا في دورة مياه في المطار ليومين لم تشربا خلالهما الا ماء الصنابير. وتـُقدر الارباح من الاتجار في البشر بأنها تزيد على 30 مليار دولار نتيجة خداع نحو 5،2 مليون نسمة لاجبارهم على أعمال قسرية بما في ذلك الاستغلال الجنسي والزيجات القسرية أو دفعهم لتقديم اعضاء أو الاتجار في الاعضاء في السوق السوداء. وذكر تقرير لمنظمة العمل الدولية في عام 2005 ان نسبة صغيرة نسبياً من جرائم العمالة القسرية، 260 الف شخص، تقع في الشرق الاوسط وشمال افريقيا ولكن معظمها، 230 ألفا، نتيجة عمليات تهريب، (من مواد مؤتمر الاتجار بالبشر الذي عُقد بالدوحة). ويشير تقرير عن مؤتمر عـُقد في أبوظبي عن العمال المهاجرين: (ومازالت النظم الاقتصادية المزدهرة لدول الخليج التي تجني فوائد أسعار النفط القياسية بأمس الحاجة للعمالة الرخيصة الماهرة وغير الماهرة من شبه القارة الآسيوية، ولكنها تواجه منافسة متزايدة من الدول الأخرى التي تحتاج إلى العمالة الآسيوية حسبما قاله مندوب سريلانكي كبير. وقال كينجسلي رانواكا مدير المكتب السريلانكي للتوظيف الخارجي : «فيما يتعلق بالرواتب، توجد دول أخرى تبحث عن نفس الفئات من المهارات.. وإذا كانوا ]العمال[ جيدي التدريب، فإنهم لن يسافروا إلى دول الخليج بسبب الرواتب«.
وأشارت دراسات إلى أن الفجوة بين الأجور في دول الخليج وبعض النظم الاقتصادية الآسيوية القوية يتم ردمها بسرعة، مما خفف جاذبية السوق الخليجي بالنسبة إلى العمال المهرة). (وشارك في المؤتمر الداعية الاسلامي الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي اكد أن الاتجار بالبشر يعتبر من المحرمات ومن كبائر الاثم والفواحش. وأشار القرضاوي الى ظاهرة العمال المغتربين الذين تأتي بهم الشركات وتعطيهم الحد الادنى من الاجور وتضعهم في غرف كأنهم (أغنام في زريبة) مؤكداً ان هذا يندرج تحت ظاهرة استغلال البشر، (مؤتمر الدوحة السابق الذكر). ومع تغييب العلاقات القانونية الإنسانية بين العمال وأرباب العمل يتم جلب العمالة الهامشية الهائلة الأعداد التي تـُلقى في أي موقع، ويتم أخذ (ريع) منها بشكل شهري، لتعمل في المتاجر أو محلات الحلاقة والخضروات واللحم وأي شيء آخر يخطر في بالك. تقدم جريدة عكاظ السعودية تحقيقاً عن العمالة البنغلاديشية في الحجاز فتذكر ان عددها يصل إلى 8،1 مليون عامل في السعودية ككل، يحولون 14 مليار ريال سنوياً، فالعمالة الرثة منها تحصل على أجر يبلغ 350 ريالاً شهرياً، ويتشاركون في السكن والطبخ، وتجد بعضهم يعمل في بيع البطاطا المقلية، أو بيع المساويك على المساجد! ويفتحون دكاكين صغيرة لبيع البطاريات والمسجلات أو يعمل أحدهم حارساً للعمارة ويغسل سيارات السكان ومنه أجره!
 
صحيفة اخبار الخليج
16 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد

رمضان بين أمريكا والصين

في أعقاب حوادث 11 سبتمبر 2001، وما تبعها من اطلاق حملة عنصرية عارمة ضد العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة بوجه خاص، وفي الدول الغربية بوجه عام، وهي الحملة التي كان لصقور اليمين المحافظ الجمهوري داخل الادارة الامريكية دور رئيسي مباشر أو غير مباشر في اطلاقها بتصوير كل العرب والمسلمين كإرهابيين وديانتهم «الاسلام« كديانة تحض على الارهاب والكراهية.. نقول في أعقاب ذلك بدأت تستشعر الادارة الامريكية بعمق الحنق والسخط اللذين ينتابان جل العرب والمسلمين في العالم من تلك السياسات الانتقامية العنصرية الامريكية. ولمحاولة تحسين صورتها المتزايدة قبحا أمام العرب والمسلمين عينت الادارة الامريكية مسئولة ادارية معنية بمحاولة تزويق ومكيجة هذه الصورة، ولكن ظلت الجهود والسياسات المبذولة في هذا الشأن عبثية تماما لم تغير من الصورة شيئا يذكر بل ازدادت دمامة من سيئ الى أسوأ. ولعل من السياسات النفاقية الفجة التي دأبت الادارة الامريكية على انتهاجها منذ سنوات في اطار تحسين صورتها اقامة مأدبة افطار سنوية رمضانية. يدعى لها نخبة من الشخصيات الدبلوماسية والاعلامية العربية والاسلامية في الولايات المتحدة علاوة على رموز عربية واسلامية مقيمة في الولايات المتحدة نفسها. وفي مأدبة افطار هذا العام التي جرت في مبنى الخارجية الامريكية ورعتها الوزيرة السيئة الصيت كوندوليزا رايس والتي وصفت بأنها آخر مأدبة للإدارة الحالية وتميزت بالتقشف الشديد في مأكولاتها المقدمة، والتي حرصت الادارة الامريكية على تطريز قائمة الطعام المقدمة «المينيو« بعبارة «لحم حلال«، حاولت رايس في كلمتها ان تبدي تواضعا للحضور بأنها لا تريد تصفيقا، وانها تود الترحيب بالشعراء والكتاب والفنانين الذين تثري ابداعاتهم «تعميق فهمنا للثقافة الاسلامية الغنية«. وبالتزامن مع هذا الكرم في النفاق الفج تجاه المسلمين والتقشف المقتر في المأدبة الرمضانية شنت بعض وسائل الاعلام الامريكية حملة خبيثة تشويهية مغرضة ضد الصين، وأثارت مزاعم وتخرصات صارخة عن اضطهاد المسلمين الصينيين في رمضان ومنعهم من الصيام. وهذا ما أوردته على سبيل المثال نيويورك تايمز، كالزعم بمنع المسئولين الحكوميين المحليين والطلبة والمدرسين من الصوم، ومنع موظفي الحكومة المتقاعدين من دخول المساجد، وعلى الاخص في اقليم تركستان الشرقية «سينكيانج« ذي الغالبية المسلمة، والذي يعد أحد المعاقل الرئيسية للقوى المتطرفة التي قامت بعدد من العمليات الارهابية ضد المدنيين خلال الاستعدادات لدورة الاولمبياد وأثناء الدورة. واذا كان يمكن فهم أو تصديق بأن تشمل قائمة المحظورات المزعومة منع ارتداء النقاب، أو اطالة اللحى، أو اغلاق المطاعم، فإن ما لا يمكن تصديقه البتة ان يشمل الحظر منع المسلمين من دخول مساجدهم أو من تأدية فرائضهم كفريضة الصوم. فلو حدث شيء من هذا القبيل في اي دولة في العالم لكان ذلك كافيا على الفور لانفجار ثورة عارمة من مسلمي تلك الدولة ضد حكومتها، ولكان ذلك دليلا على لوثة عقلية انتابت سلطات هذه الدولة. وعلى العكس من ذلك فإن الصين، وبالرغم من نظامها العلماني الاشتراكي المعروف، هي من الدول التي يتمتع فيها المسلمون، كسائر اصحاب الديانات الاخرى، بحرية كاملة في ممارسة عقائدهم الخاصة.. نقول ذلك بصرف النظر عما قد يواجهونه من مشكلات واشكاليات اجتماعية وثقافية كالتي يواجهها كل مسلمي العالم في البلدان ذات الغالبية غير الاسلامية أو في ظل انظمة علمانية. فبطبيعة الحال فإن التوسع في المحظورات الرمضانية، كمنع فتح المطاعم التي تطبق في الدول الاسلامية لا يمكن فرضها في ظل الانظمة العلمانية أو في بلدان الاقلية الاسلامية. وعلى عكس الولايات المتحدة ذات النظام الديمقراطي الليبرالي، فإن المسلمين في الصين لا يواجهون الاضطهاد العنصري كالذي يعانون منه في امريكا، ولعل مما له مغزى انه في نفس اليوم التي نشرت فيه تلك الاكاذيب المغرضة حول مزاعم اضطهاد المسلمين في الصين افادت أنباء صحفية محايدة من داخل الصين عن قيام معبد صيني في جاوة الشرقية باعداد مأدبة افطار اسبوعية رمضانية عامرة بالمأكولات مخصصة لفقراء المسلمين، كواحدة من البادرات التي يقدم عليها عادة ذوو الديانات الاخرى تجاه اشقائهم المسلمين لتكريس التآخي الوطني، وروح المواطنة الصينية الواحدة. أما فريضة الصيام، وكل ما يتبعها من تقاليد وعادات رمضانية روحانية، فهي تمارس بحرية كاملة في كل أماكن وجود المسلمين من مدن وقرى وأحياء، بما فيها العاصمة بكين، كما هو الحال في منطقة مسجد «آند ينجمن« بقلب العاصمة ومسجد نيوجيه أكبر مساجد بكين، ناهيك عن مناطق الاكثرية الإسلامية، كمنطقة شينجيانج الويغورية و«نيغشيا« في شمال غربي الصين. وحيث تجرى صلوات التراويح في هذه المساجد وتعد فيها مآدب السحور. هذا بخلاف المساعدات الحكومية التي تقدم للمسلمين في هذه المناسبات. فهل ثمة وجه للمقارنة بين أوضاع المسلمين في امريكا وأوضاعهم في الصين؟ وهل ثمة وجه مقارنة للاضطهاد والتمييز العنصري ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة مقارنة بما يزعم من اضطهادات لهم في الصين؟ وأين دور الحكومة الامريكية ومليارديرية الولايات المتحدة تجاه مسلمي الولايات المتحدة في رمضان مقارنة بدور الصين تجاه مواطنيها المسلمين؟
 
صحيفة اخبار الخليج
16 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد

مبادرات مُنتظرة

آفاق الإصلاح في‮ ‬المجتمع مرهونة بضرورات التحديث‮: ‬التحديث في‮ ‬الوعي‮ ‬وفي‮ ‬الإدارة وفي‮ ‬شكل المشاركة الشعبية والسياسية‮. ‬ومجتمعنا خطى خلال السنوات القليلة الماضية خطوات أمنت مقدارا مهما من الانفراج السياسي،‮ ‬وأتاحت مقدارا من حرية الرأي‮ ‬والتعبير والتنظيم في‮ ‬مجالات مختلفة،‮ ‬وتنشأ أسس موضوعية في‮ ‬المجتمع تؤسس لتطور هذه التدابير وتعززها،‮ ‬ويحتاج الأمر للمزيد من الحرص والعمل المسؤول للمضي‮ ‬للأمام،‮ ‬لا النكوص إلى الوراء‮. ‬ إن مبادرات مهمة مازالت منتظرة في‮ ‬هذا الاتجاه،‮ ‬لأننا لا ننظر للإصلاح بوصفه تصحيحاً‮ ‬لوضع خاطئ كان قائما فحسب،‮ ‬وإنما أيضاً،‮ ‬وأساساً،‮ ‬كونها عملية من أجل تحقيق أهداف حيوية تتصل بالإصلاح السياسي‮ ‬والاقتصادي،‮ ‬وبتحسين الأوضاع المعيشية للمواطن وللتغلب على أوجه الفساد،‮ ‬أيا كانت صورته،‮ ‬في‮ ‬الجهاز الإداري،‮ ‬وإعادة تأهيل هذا الجهاز ليكون قادراً‮ ‬على الوفاء باستحقاقات الإصلاح‮.‬ ولا تنفصل عن ذلك مهمة تفكيك البنية التشريعية المحافظة والرجعية التي‮ ‬تعود لحقبة أمن الدولة،‮ ‬والتي‮ ‬صممت في‮ ‬الكثير من وجوهها لحماية تلك المرحلة،‮ ‬لتحل محلها بنية تشريعية جديدة تتواءم وروح الإصلاح وحاجاته،‮ ‬لأن من شأن بنية مثل هذه أن تشكل القاعدة الضرورية التي‮ ‬تدعم تطور المجتمع المدني‮ ‬ونهوضه بالأعباء الواقعة عليه،‮ ‬وتطلق الحريات العامة وتضمن الرقابة على المال العام وحمايته من التطاول عليه،‮ ‬وتحاصر بيئة الفساد وتمنع تمددها واتساع مداها‮.‬ وليست أقل أهمية من ذلك مهام تطوير أنظمة التعليم،‮ ‬وإشاعة المناخ الديمقراطي‮ ‬في‮ ‬مجال الثقافة والإعلام ورعاية التربية والفنون والآداب عبر توفير البنية الأساسية اللازمة لذلك لإيصال الخدمات الثقافية الضرورية إلى القطاعات الشعبية الواسعة،‮ ‬والتأسيس لمفهوم التنمية الثقافية بوصفه أحد أوجه التنمية المستدامة الموجهة نحو بناء الإنسان وتطوير مهاراته الذهنية والمهنية‮.‬ إن نهجاً‮ ‬متوازناً‮ ‬ومتكاملاً‮ ‬مثل هذا‮ ‬يستند إلى رؤية أو تصور شامل للإصلاح السياسي‮ ‬والإداري‮ ‬والمالي‮ ‬من شأنه أن‮ ‬يوفر بيئة اجتماعية تساعد على الحد من مظاهر الاحتقان والتعصب والميول المحافظة،‮ ‬ويساعد على إشاعة ثقافة الحداثة ودمقرطة بنى المجتمع المختلفة،‮ ‬لأنه‮ ‬يؤمن تفاعلا أوسع وأكثر ديناميكية بين قوى الإصلاح في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وهي‮ ‬قوى فاعلة وتمتلك طاقات تغيير كبيرة،‮ ‬لكنها مازالت‮ ‬غير موظفة بالصورة الصحيحة في‮ ‬هذا السياق‮.‬ ‮ ‬وهو أمر سيخلق ديناميات جديدة تجعل من الإصلاح قضية اجتماعية‮ – ‬سياسية مركبة تعني‮ ‬المجتمع كله في‮ ‬مواقعه المختلفة،‮ ‬بما‮ ‬يساعد على بلورة محتوى جديد للمجتمع المدني،‮ ‬ليصبح محتوى موجها نحو بناء الدولة الحديثة القائمة على مبادىء العدالة وتكافؤ الفرص أمام جميع المواطنين‮.‬
 
صحيفة الايام
16 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد

موزاييك القفقاس والاستحقاقات التاريخية

ورثت الثورة البلشفية في‮ ‬العقد الثاني‮ ‬من القرن المنصرم،‮ ‬عشية الحربين العالميتين الأولى والثانية،‮ ‬خارطة واسعة ممتدة بين جسد قارتين هما آسيا وأوروبا،‮ ‬فكان حلم الاورو‮ – ‬آسيا القيصري‮ ‬في‮ ‬مرحلة صراع الإمبراطوريات الأوروبية مستمرا،‮ ‬مرحلة ازدهارها الملموس وسقوطها،‮ ‬فكلما تراجعت امبراطورية أوروبية صعدت أخرى مكانها،‮ ‬محاولة أن ترث ما‮ ‬يمكن إرثه،‮ ‬وقد وجد الحلم القيصري‮ ‬توسعه الاستيطاني‮ ‬في‮ ‬الاتجاه الآسيوي،‮ ‬فشيد ملحقاته الغنية بالثروة والتضاريس والاثنيات المعقدة‮. ‬وقد شاركت شعوب تلك المناطق جيوش الإمبراطورية القيصرية كقوى محاربة ضروسة وقفت معها في‮ ‬كل حروبها والتحقت بها أينما كانت،‮ ‬حيث ظلت الإمبراطورية العثمانية تهددها من هذا الجزء،‮ ‬وقد وعدت القيصرية تلك الشعوب مزيدا من الاستقلال بوقوفها معها‮. ‬كان على تلك الشعوب وإقطاعها أن تختار بين قوة إمبراطوريتين،‮ ‬قدر تلك الشعوب والاثنيات الصغيرة والكبيرة منها‮.‬
‮ ‬وعلى مدى أكثر من قرنين شهدت تلك المناطق القفقاسية نزاعات عرقية كانت تنتهي‮ ‬بالمصالحات الودية بعد أن تهرق دماء لسنوات طويلة،‮ ‬فكانت القيصرية الملاذ الدائم والوسيط الاضطراري‮ ‬والقوة الحاسمة‮. ‬في‮ ‬تلك الملحقات المسيحية والإسلامية المختلطة حتى على مستوى منطقة صغيرة،‮ ‬تغنى الشعراء والروائيون الروس الكبار بأجمل القصائد والقصص والتراث الغزير،‮ ‬فكانت نتاجات تولستوي‮ ‬وبوشكين وغوغول وليرمنتوف وغيرهم،‮ ‬إرثا محفورا في‮ ‬ذاكرة ذلك النسيج الثقافي‮ ‬الاسيو‮ – ‬أوروبي،‮ ‬دون أن تذوب بالمطلق تلك التكوينات الثقافية واللغوية بين أقوام عرفت هجرات كبيرة طوال تاريخها،‮ ‬فكانت الجبال القفقاسية فاصلة،‮ ‬وبحرا قزوين والأسود حلقة اتصال وممرات مائية بين تلك اليابسة الشامخة‮. ‬وقامت الثورة البلشفية بإعادة قراءة وتنظيم ذلك الميراث القيصري،‮ ‬فكانت الثورة مخاضا كبيرا لشعوب تلك المنطقة الممتدة من بطرسبورغ‮ ‬المتفجرة حتى جبال داغستان المساندة بقوة للثورة برغم ارثها القومي‮ ‬والديني،‮ ‬فقد رأت شعوب تلك المنطقة الخاضعة لإرث إقطاعي‮ ‬أن خلاصها القومي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬يكمن في‮ ‬اللحاق بالثورة الفتية،‮ ‬التي‮ ‬رفعت شعارات وحدة التآخي‮ ‬والمساواة بين الشعوب والخلاص من عبودية الملحقات القيصرية‮. ‬تلك الخارطة تم تقسيمها وتنظيمها وتحديد ممراتها على أساس ولادة نظام عالمي‮ ‬جديد،‮ ‬يقّسم القارة الأوروبية إلى نظامين جديدين‮. ‬ونتيجة مبالغة السلطة السوفيتية الفتية بمنظورات أممية معقدة ونظرات ديمغرافية خاطئة تم ترتيب الحدود بشكل معقد،‮ ‬طالما أن الشعوب المتحدة في‮ ‬دولة جديدة نالت استقلالها الحديث بصورة مرضية،‮ ‬فالتحقت أعراق عدة في‮ ‬ظل ولادة جمهوريات متعددة،‮ ‬وبعضها نال حكمه الذاتي‮ ‬الموسع وبعضها نال حقوقا دستورية واسعة وحكما ذاتيا،‮ ‬يتناسب مع حجمها السكاني‮ ‬في‮ ‬إطار تلك الجمهوريات المتحدة‮. ‬ونتيجة قدرة الثورة على النجاح في‮ ‬الجزء الأوروبي‮ ‬الأكثر تقدما،‮ ‬انعكس هذا التأثير بقوة على الجزء الآسيوي‮ (‬الملحقات القيصرية‮)‬،‮ ‬بالرغم من القوى الأوروبية المناهضة للبلشفية،‮ ‬التي‮ ‬غذت تلك النعرات والجيوب والخلفيات العرقية بروح التمرد ضد السلطة الفتية‮.‬
‮ ‬حاولت القوى العظمى الامبريالية في‮ ‬القارة الأوروبية‮ – ‬على الدوام‮ – ‬تعكير صفو الدولة الجديدة وهز شجرتها بكل الوسائل،‮ ‬لكنها أخفقت،‮ ‬خاصة وان أوروبا انشغلت خلال الحربين بقضايا مختلفة،‮ ‬تم على اثر نتائجهما أيضا إعادة بسط وفتح الخرائط لكي‮ ‬يتم رسمها من جديد،‮ ‬فكان على الاتحاد السوفيتي‮ ‬المنتصر أن‮ ‬يتحول إلى تنين بجسد ورأس كبير،‮ ‬حدوده الجديدة دول البلطيق وجنوب شرق أوروبا وحدود البلقان انتهاءً‮ ‬ببحر قزوين،‮ ‬عبورا منها لجغرافيا القفقاس الممتدة حتى ممر البحر الأسود‮. ‬
وبسبب اقتناع شعوب تلك المناطق المتخلفة في‮ ‬القفقاس،‮ ‬أن عملية الالتحاق والارتباط بقوة أوروبية كروسيا الثورة تمنحهم ضمانات الحماية وامتيازات مواطنين لدولة قوية وجديدة،‮ ‬غير أن العقود السبعة للدولة السوفيتية ستؤسس لتكوينات سكانية متعددة وخليط تركيبة عرقية مختلفة،‮ ‬تميزت بحراكية سريعة وواسعة،‮ ‬فقد منحت تلك الفترة شعوب الاتحاد السوفيتي‮ ‬فرصا للانتقال والعمل والذوبان والتداخل والبقاء في‮ ‬مناطق،‮ ‬كانت فيها السمات العرقية تتضاءل أمام الروح الأممية،‮ ‬ما خلق مناخا إنسانيا واجتماعيا جديدا في‮ ‬تلك المناطق‮. ‬
ومع انهيار معمار الدولة السوفيتية كانت أعمدتها الملونة عرقيا وقوميا تتصدع،‮ ‬وتتخلى بشكل ملحوظ عن مركزية القومية الروسية الكبرى‮. ‬
في‮ ‬هذه الحقبة الصعبة كان التفكيك هدفا استراتيجيا إزاء تلك الدولة العظمى،‮  ‬فقد بدأت الحيتان الكبرى تضرب بمعاولها في‮ ‬ذلك التنين العجوز‮. ‬كان على روسيا القوية كوريث تاريخي،‮ ‬أن تحافظ على بقائها برغم أن خرائطها التي‮ ‬تشكلت منذ الحقبة التاريخية القيصرية قد أصابها التمزق،‮ ‬فكان على القوى الصاعدة،‮ ‬أو حتى المتآكلة كبريطانيا وفرنسا،‮ ‬أن تستنهض قواها كجزء من الناتو والمشروع الأوروبي‮ ‬الجديد‮ (‬الاتحاد الأوروبي‮) ‬في‮ ‬الاستعجال من اجل استعادة مواقع قديمة خسرتها هناك‮. ‬كان على روسيا الاتحادية أن تنظر مجددا في‮ ‬القارة الأوروبية،‮ ‬ولحالتها المنهارة،‮ ‬ولانقسام أوروبا الفقيرة والغنية،‮ ‬وبرغبة القوى الكبرى في‮ ‬عصر العولمة السيطرة على أنابيب النفط والثروة والممرات كاستراتيجية جديدة للقرن الواحد والعشرين،‮ ‬فقد كان القرن المنصرم‮ ‬يتميز بسيطرة أخطبوط المال على النفط بينما‮ ‬يسعى في‮ ‬القرن الواحد والعشرين للسيطرة على الممرات التي‮ ‬سيمر منها النفط والطاقة،‮ ‬ومن الضروري‮ ‬أن تكون للجميع خرائط مستحكمة،‮ ‬خرائط مائية ويابسة كاستحقاقات تاريخية،‮ ‬فطاولة التفاوض بحاجة إلى حديث الخرائط الجديدة لا‮ ‬غير،‮ ‬تحسمها على الأرض الدبابات والصواريخ والاستعراضات العسكرية والأمر الواقع،‮ ‬فكان على روسيا أن تبعث برسالتها لمن‮ ‬يهمهم الأمر،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن القبول بصفقة بولندا ونشر الصواريخ بدون تغاضي‮ ‬الطرف عن جورجيا،‮ ‬فبقعة القوقاز الجغرافية‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تكون للمشروع الروسي‮ ‬التاريخي‮ ‬الآسيو‮ – ‬أوروبي‮. ‬فلكي‮ ‬تصبح الطاقة والعبور القادم ميسرا ما بين جسد آسيا وأوروبا،‮ ‬فقرب آسيا لأوروبا من هناك أهم من مناطق قديمة كالشرق الأوسط‮. ‬
مستقبل أوروبا في‮ ‬القرن الواحد والعشرين مفتاحه هذه المنطقة ولا‮ ‬يمكن لروسيا أن تغمض عينيها،‮ ‬فذلك حق تاريخي‮ ‬لها منذ القياصرة والثورة البلشفية‮. ‬ويدرك الصينيون واليابانيون وكل شعوب آسيا الوسطى تلك الحقيقة،‮ ‬مثلما تدرك المعارضة الجورجية أن رهان ساكشفيلي‮ ‬العسكري‮ ‬مجازفة خطيرة،‮ ‬ولعبة سياسية لم‮ ‬يحسن لعبها رغم التنبيه الأمريكي‮!! ‬

صحيفة الايام
16 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد

عن قرض ” التأمين الاجتماعي ل “ممتلكات”


عند التحقيق في إفلاس هيئتي التقاعد والتأمينات في الفصل التشريعي الأول، كشفت لجنة التحقيق النيابية  في الموضوع عن واقعة قيام هيئة التأمينات بإقراض “بنك البحرين والشرق الأوسط ” مبلغاً يُقدر بملايين الدولارات، غير أن هذا البنك سرعان ما تعرض لهزةٍ مالية، في نتيجتها قامت الحكومة بشطب الدين المستحق عليه للهيئة، مثلما فعلت مع قروض مستحقة لمؤسسات أخرى شطبت ديونها وكان هذا أحد أوجه العبث في طريقة تصرف الهيئة مع أموال عائدة للمواطنين، وليست مُلكاً للدولة، ولا يحق لأحد التصرف فيها بالشطب على الضد من مصلحة هؤلاء المواطنين.
  بالتالي يمكننا القول أن هناك سوابق في تاريخ هيئتي التأمينات الاجتماعية والتقاعد في مجال الإقراض، وهي سوابق واضحة في إخفاقها، هذا دون أن نتحدث عن الأوجه المتعددة للمخالفة الإدارية والمالية والقانونية البينة في القرض الذي تنوي الهيئة تقديمه للشركة القابضة: “ممتلكات” والبالغ مائة مليون دولار من أصل خمسمائة مليون دولار طلبت الشركة من بنك البحرين الوطني تأمينها، فكان أن وقع الاختيار على الهيئة لتسدد ما قيمته 20% من إجمالي هذا القرض.
والهيئة ليست بنكاً ليقدم القروض لأية جهة، والقانون لا يبيح لها تقديم القروض، فمهمتها منحصرة في تنمية واستثمار اشتراكات العاملين في القطاعين الحكومي والأهلي، وليس الإقراض هو أحد وجوه الاستثمار، خاصة بالنظر إلى حجم الفائدة المتواضع في هذا القرض البالغ 1,39بالقياس إلى عوائد الاستثمار في أوجهٍ أخرى بينها الاستثمار في العقار والمحافظ الاستثمارية على سبيل المثال.
ونحن نعلم أن وضع هيئة التأمين الاجتماعي ما زال قلقاً، ولم تجتز بعد مخاطر الإفلاس بحسب تقارير الخبراء الاكتواريين المقدمة للهيئة ، التي قالت انه إذا لم  يجر تدارك الوضع فان الهيئة ستفلس في العام 2022.
ما يقوله الاتحاد العام لنقابات العمال في اعتراضه على القرض ينطوي على وجاهة كبيرة ، خاصة لجهة الخوف من تكرار سيناريو إفلاس هيئتي التأمينات والتقاعد في العام2003، مع وجود سوابق في شطب القروض كما أسلفنا،  يضاف إلى ذلك عدم وضوح أغراض القرض الذي تطالب به ممتلكات وعدم وجود دراسة جدوى متكاملة للقرض، فضلاً عن أن القرض سيحجز مبلغ مائة مليون دولار لمدة خمس سنوات من دون قدرة الهيئة على الاستفادة منه، على عكس الاستثمار في العقار أو الأسهم الذي سيمكن الهيئة من بيعها والدخول في استثمارات أكثر فائدة.
تبقى ضرورة الإشارة إلى بيان المصرف المركزي المنشور في الصحافة والذي ينفي فيه وجود أي سلطة رقابية على هيئة التأمين، وهو أمر محير حقاً، فكيف يجوز للجهاز المعني برسم  وضبط السياسة المالية في البلد، ومراقبة أداء المؤسسات ذات الصلة بالمال ألا تكون له سلطة رقابية على الهيئة التي تملك أكبر احتياطي مالي في البحرين، أي هيئة التأمين الاجتماعي بعد توحيد الهيئة والصندوق، وهو الاحتياطي الذي يفوق ثلاثة مليارات دينار بحريني.
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

روسيا والعرب بعد حرب القوقاز الأخيرة


ترافق الانتصارُ العسكري الروسي الحاسم والسريع في الحرب الأخيرة في القوقاز ، على القاعدة الأمريكية الجديدة في بطن آسيا (جيورجيا)، مع حربٍ أخرى على مختلف الصّعُد السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، وأتت بضعة أكُلها السريعة ، تجسّدت في مد الجسور بين روسيا ،  ليس مع محيطها الجغرافيّ الأمنيّ فحسب ، بل تعدى مجالها الحيوي لمناطق عديدة من العالم ، منها الشرق الأوسط  والمنطقة العربية وقلب آسيا وتخومها حتى وصلت الأنظمة الديمقراطية الشعبية/الشعبوية الجديدة في أمريكا اللاتينية .. ومن هنا يجب أن  ندرك معنى اعتراف نيكاراغوا بالدولتين المستقلتين الجديدتين ؛ أبخازيا  وأوسيتيا الجنوبية ( الاعترافات سوف تتلاحق قريبا حتى من قِبَل بعض دول الشرق الأوسط ) وجرأة بوليفيا من طرد السفير الأمريكي وما تلا ذلك من نفس الإجراء من قبل فنزويلا ، التي تحولت إلى الحليف الروسي الأول بقدرة قادر ، متخطية كوبا وغيرها ..  مما يعنى أن العودة الروسية للساحة الدولية، كقطبٍ ثانٍ، قد بدأت.. وأن العالم يقف الآن على عتبة مرحلة جديدة من منظومة جديدة آخذة في التشكل ، تتأرجح لبعض الوقت حتى تستقر في نهاية المطاف ، في تشييد واقع موضوعي جديد سوف يتحكم في العلاقات الدولية ، التي ستخضع لمنظومة القطبية المتعددة ، منهياً بذلك مرحلة نظام وحيد القطب الأشبه بوحيد القرن الأمريكي الهائج !    
 
 
يعتبر بعض المحللين السياسيين أن العودة الروسية المرتقبة قد تأخرت بعض الشيء،  حيث بدت مؤشرات العودة للتوازن الدولي ماسة، في السنوات القليلة الماضية، الأمر الذي سيصب بلا شك في مصلحة الدول الأضعف، الراضخة تحت وطأة الهيمنة الأحادية.  بمعنى أن هناك مصلحة أكيدة ومتبادلة لدفع العالم نحو مرحلة تعدد الأقطاب، بعد التفرد الأمريكي غير المسبوق في التاريخ للسيطرة على العالم. ولعل المنطقة العربية التي تقلص فيها النفوذ الروسي بدرجة كبيرة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وسقوط المنظومة القطبية المزدوجة، من الممكن أن تستعيد عافيتها، إن أحسن العرب الاستفادة من عودة القوة الروسية والتعامل العقلاني مع المستجدات الجديدة ، وخاصة أن العرب كانوا الضحية الأولي لتآكل المنظومة الثنائية السابقة ، وهيمنة القطب الواحد لفترة اقتربت من عقدين من الزمان .  والسؤال الذي يدور في بال الساسة والسياسيين ورجل الشارع العادي، على السواء،  في العالم العربي هو مدى إمكانية استفادة العرب من الوضع الجديد الآخذ في التبلور؟!
 
 
فالوشائج التاريخية /الدينية/ الثقافية عديدة بين الروس والدول العربية والإسلامية.. بجانب أن المنطقة العربية والشرق- أوسطية ( العراق وإيران خاصة) هي مكملة من الناحيتين ؛ الجيو- إستراتيجية   والجيو- سياسية  لمرتفعات القوقاز ، كونها تقع في قلب مفترق الطرق الدولية وجاثمة على خزانٍ نفطيٍ هائل . لذلك لابد أن يدرك المشرق العربي إمكانياته ودوره المرتقب والعمل على الاستفادة القصوى من هدية الطبيعة هذه له ،  على أن يشكل الجانب الاقتصادي/ الاستثماري الموقع الأهم فيما يتعلق بالتعاون العربي الروسي من الجانب السياسي/العسكري (على أهميته)، بحيث يستثمر العرب فوائضهم المالية على قدم وساق مع الدول الغربية التقليدية والدول الشرقية الجديدة،  وخاصة روسيا والصين وبقية دول معاهدة شنغهاي .. ولكن في هذه العجالة سنوجز مسالة الجانب السياسي المباشر للتأثير المتبادل بين العرب والروس على أن نرجع في فرصة لاحقة للخوض في الإمكانيات الكامنة للمصالح الاقتصادية المتبادلة المنافع بين الطرفين .
 
 
 لقد انفتح باب  كبير للعرب الآن !.. فهل  يخرج العرب من سياسة وضع بيضهم كلها في السلة الاستثمارية الأساس عند الغرب الأمريكي ويحاولون فك الارتباط العضوي هذا ، ويعيدون ترتيب حساباتهم الإستراتيجية  ويبرحون وضعية الماء الآسن الذين هم فيه ؟!   لماذا لا ينظر العرب إلى سياسات دول قريبة لهم كتركيا(حليفة أمريكا وعضو الناتو)  والهند  وغيرهما ؟!  وحتى إسرائيل ، التي وقفت مع  جيورجيا وسلحتها في اعتدائها الأخير ، فإنها  تعيد الآن حساباتها ولا تريد الإساءة لعلاقاتها مع روسيا.  
 
 
 
مما لاشك فيه من أن صورة روسيا الجديدة  قد تألقت إلى حد  كبير في وجدان وأذهان العرب عموما ورجل الشارع خاصة ، كون أن الغطرسة والهيبة والنفوذ والهيمنة الأمريكية  قد أصابها ضعف بيّن في مناطق عديدة من العالم وخاصة المنطقة العربية والشرق أوسطية وشرق المتوسط  تحديدا . حتى لو بدت أمريكا أنها مازالت الأقوى على الصعيد التكنولوجي / الاقتصادي / العسكري.. وان كنا غير متأكدين تماما فيما يتعلق بالتوازن العسكري الاستراتيجي الحقيقي ، المتعلق بالصواريخ الإستراتيجية ، العابرة القارات ، التي يتكلم عنها الروس الآن من أنهم يسبقون الأمريكان لعقد أو عقدين من الزمن حسب التصريح الأخير  لمسؤول شؤون الصواريخ الإستراتيجية الروسية!
 
 
إلا أن مرحلة الضعف الأمريكي واضح للعيان (راجع مقال فوكوياما الأخير، العالم ما بعد أمريكا ، المنشورة أخيرا في صحيفة الحياة ) ، إلى درجة أن بلداً  صغيراً كبوليفيا –كما أسلفنا- قد  تجرأت للشروع في طرد السفير الأميركي من جهة، وبات ضعف منطق الساسة والنخب السياسية الأمريكية الحالية وافتقادهم الواضح من التواصل مع حركة الواقع ، الذي لا يقبلون تصديقه على أية حال ، من جهة أخرى .  من هنا  نلاحظ  أن التشنج  والعصبية وردود الفعل أضحت سيدة مواقفهم وتصريحاتهم السياسية ( راجع  تصريحات  تشيني /  كونداليزا الأخيرة وغيرهما من الصقور ). ولكن هناك بوادر ايجابية على قدوم جيل جديد من العقلانيين الأمريكان ، الذين قد يتعاملون مع المستجدات بطريقة أخرى .. تجسدت ما ندعيه هنا ، في التداولات الأخيرة في مجلسي الشيوخ والكونجرس الأمريكيين إلى  درجة أن مسؤول الأقلية البرلمانية قد فجر قنبلة في الكونجرس قبل أيام ، قائلا بملء فمه  من أن جيورجيا هي الدولة المعتدية في حرب القوقاز الأخيرة ويجب أن نقبل هذه الحقيقة الساطعة وان الروس يريدون أن يكونوا شركاؤنا في علاقات نديّة وبدل ذلك نحولهم إلى أعداء لنا !  إن آراء عقلانية كهذه باتت تُجهر بها على الملأ ، من قِبَل النخب الأمريكية الواقعية ، الأمر الذي قد يتعزز هذا التوجه الجديد ، إذا نجح  اوباما  في الوصول إلى سدة حكم البيت الأبيض (أول ملون أمريكي)، بشرط أن لا يدفع ثمن الحرب القوقازية الأخيرة ، حسب رأي رئيس الوزراء الروسي  بوتين !
 
 
لعل أهم درس – ضمن دروس عديدة- من الممكن استخلاصه من الأزمة القوقازية الحالية، تكون مفيدة لأصحاب القرار العرب، يتلخص في أن أمريكا ليست دائما بالضرورة طرفٌ مركونٌ إليه، مستعدة لنجدة حلفائها الصغار عند الملمات.. وذلك لأن مصلحتها تقتضي أن تتركهم للرياح في الأوقات العصيبة ! وها هو مثال الرئيس الجيورجي المغامر ساطع أمام الجميع ! صحيح أن أمريكا مازالت تحاول في الظاهر مساندته  ولكن يبدو الآن أنهم -  خلف الكواليس -  قد بدؤوا في البحث عن بديل له .. والشواهد عديدة على ذلك ، لو نتابع بدقة القنوات الخلفية لتصريح السياسيين الأمريكان ، أو نرى تصريحات المعارضة الجيورجية نفسها للرئيس الحالي ، الذي اعتبره الروس جثة سياسية هامدة !
 
الوقت 14 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد

الفقر والفقير من يطرح من؟


« لو كان الفقر رجلا لقتلته ». ومنذ خمسة عشر قرنا وسيف الفتى علي ذو الفقار يطارد الفقر ليصرعه. ولا يزال هذا هو أهم أهداف الحضارة الإنسانية جمعاء ممثلة في برنامج هيئة الأمم المتحدة، حيث يشكل الأول بين ثمانية «أهداف الألفية للتنمية» المعروفة اختصارا بـ «MDG» والتي تصبو الأمم المتحدة لبلوغها حتى عام 2015.
تحديدا، ينص الهدف الأول على أنه حتى العام 2015 يجب تخفيض نسبة الفقراء إلى النصف. العام الماضي شكل منتصف الطريق ما بين سنة تبني هذه الأهداف وسنة تحقيقها. وفي بداية يوليو من ذلك العام، 2007، أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى «تراجع تقدم منطقة غرب آسيا نحو تحقيق هذه الأهداف»، وأن معدلات الفقر هنا تضاعفت أكثر من مرة بين عامي 1990 و2005. وهذا ما جعلها المنطقة الوحيدة في العالم النامي التي ازدادت فيها فجوة الفقر.¹
 
مملكة البحرين هي إحدى دول هذه المنطقة. لكن وزيرة التنمية البحرينية أصدرت الأسبوع الماضي شهادة وفاة للفقر في البحرين معلنة تحقيق أهداف الألفية قبل موعدها.
 
الأمر محير حقا. لقد سبق للوزيرة أن تمتعت بواقعية عالية عندما سئلت في بداية عام 2006 عما إذا كانت تستطيع القضاء على الفقر نهائيا، فأجابت: «لو كان ذلك قد حدث في أي دولة في العالم سأجعلها نموذجا احتذي به» ². باستطراد هذا المنطق نحن، إذن، لم نعد من بين بلدان «العالم الثالث»، وربما لم نعد من بين بلدان هذا العالم.
لماذا لا يستطيع المرء أن يطمئن لما يصرح به المسؤولون في بلدان العالم الثالث عادة؟ لأن هذه البلدان في تعاملها مع الأرقام الإحصائية تنقسم في الغالب إلى فئتين: الأولى.. تبالغ في الأرقام سلبا بما يخدم الحفاظ على تدفق المساعدات من الخارج أو يزيدها. الثانية.. تبالغ في هذه الأرقام إيجابا بما يخدم وضعها في مستوى عال من السمعة الدولية، وبعد ذلك فقط تحتل الإنجازات الحقيقية على الأرض المرتبة الثانية. ولعمري فإن الفئة الأولى هي «الأذكى نسبيا»، لأنها، على الأقل، تحقق فوائد ملموسة من الكذبة (البيضاء إذا شئتم).
إنه لا يكفي أن نسعى لرؤية الوجوه المبتسمة لنا من الخارج بينما عندما نستدير نرى وجوها عابسة في الداخل. ولكي لا يحدث ذلك علينا أن ننظر إلى الحقائق ونقدمها لأنفسنا وللآخرين كما هي.
إن التنوع والاختلاف بين دول العالم وحتى بين دول المنطقة الواحدة حقيقة قائمة لذلك فإنه يجب أن توضع لكل بلد معايير وطنية علمية بالنسبة لخط الفقر فيه. وفي يونيو 2007 أعد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مادة حول توطين أهداف الألفية في البحرين جاء فيها أن خط الفقر في البحرين، بحسب تقرير الألفية، يقدر بحوالي 155 دولارا للفرد في الشهر، أي 2,5 دولارات في اليوم الواحد.
 
وهذا يعني أن مملكة البحرين أقرب إلى الدول الصناعية من حيث مستوى خط الفقر. وبما أن هذه الدول تعتمد خط الفقر النسبي بدلا من المطلق عالميا فتبعا لقياسات خط الفقر النسبي فإن 11% من سكان البحرين يعيشون تحت خط الفقر الوطني ³.
 
الوقائع على الأرض تشير إلى أن أكثر من 10 آلاف أسرة بحرينية تعيش على معونات وزارة التنمية الاجتماعية. وحتى هذه الحقيقة لا تعني بوفاء الدولة لكامل التزاماتها الاجتماعية تجاه الفقراء. الجمعيات والصناديق الخيرية وبعض الوجهاء من التجار ينفقون ملايين الدنانير سنويا كمساعدات للأسر الفقيرة، ويتحدثون عن أهدافهم المعلنة في مكافحة الفقر.
 
وإذ تعكس هذه الحقيقة مستوى لا بأس به من التكافل الاجتماعي، إلا أنها أيضاً لا تخلو،للأسف، من إسهامها في تعميق الطابع الطائفي للعمل الخيري، كما تشكل بالنسبة للاتجاهات الفكرية السياسية الدينية فرصة لتغطية المساحة التي تغيب فيها الدولة عن التزاماتها الاجتماعية واستخدام قنوات ضخ المال بهدف توسيع نفوذها في المجتمع على حساب القوى الديمقراطية الحقيقية التي ينقصها المال.
 
في بداية العام 2006 تحدثت وزيرة التنمية الاجتماعية عن توجهات إيجابية لدعم وتعزيز القطاع التعاوني في الاقتصاد الوطني 4، لكننا عندما نستعرض حال عدد من المهن نرى بأن وضع قطاع كسواق سيارات الأجرة الذي يعيش عليه قرابة 1500 أسرة بحرينية لم يتمكن لحد الآن من تشكيل مؤسسته التعاونية التي ترتقي بأوضاعه المهددة وسط المزاحمة غير العادلة في «السوق المفتوحة». قس على ذلك أوضاع حرف أخرى كالصيادين.
إن تشجيع قيام القطاع التعاوني وتعزيزه يعد من بين المهام الرئيسية في برامج مكافحة الفقر. معدلات البطالة ومستويات الأجور هي الأخرى مرتبطة عضويا بمؤشرات الفقر.
 
وإذا كان خلل إحصاءات ما قبل الإصلاح أنها تحدد البطالة كناتج نسبة البحرينيين العاطلين إلى إجمالي العاملين بمن فيهم غير البحرينيين، فإن خلل إحصاءات ما بعد الإصلاح في أنها تأخذ بعدد المسجلين الباحثين عن عمل، كما هو الحال في الدول المتقدمة. لكن تلك الدول لا تعاني من غياب المعلومات عن القطاع غير المنظم، أو ما يسمى بالمساحة المظلمة في الاقتصاد الوطني، ومن أعداد الباحثين عن عمل في أسواق العمل الخارجية. وكذلك الحال بالنسبة للأجور.
 
ففي حين يجري الحديث عن 300 دينار كحد أدنى واقع الأجور لا يزال دون ذلك بالنسبة للكثيرين رغم ما تحقق من تقدم في بعض مستويات الأجور. وهذا التقدم نسبي قياسا بارتفاع الأجور في الدول الخليجية الشقيقة، ومبهم في ظل غياب معطيات صريحة عن واقع التضخم. ففي حين تعترف البلدان المجاورة بأن معدلات التضخم فيها لم تتجاوز رقم الخانتين فقط، بل ودخلت مراحل مرتفعة من الـ «teen»، فإن إحصاءاتنا لا تزال تقول بأرقام متواضعة من خانة واحدة.
وفي بداية العام الماضي جرى الحديث عن العمل على تشكيل «بنك الفقراء» بالتعاون مع مؤسسة جرامين، وبينما الناس بانتظار هذا البنك نفاجأ بأن الغرض منه قد تحقق.
 
بكلمة، إن إعلان شهادة وفاة الفقر قد تنقلب إلى تستر يحميه من السيف الذي يطارده، ليطارد الفقر الفقير.

[1]www.un.org/millenniumgoals ,
[2]http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=5309
[3] أديب نعنمة، توطين أهداف الأمم المتحدة . مثال البحرين. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يونية 2007
[4] أنظر في ڤلك http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=5309

 
صحيفة الوقت
15 سبتمبر 2008
 
 

اقرأ المزيد

العمالة الخليجية: المستويات

تنقسم العمالة الأجنبية في الخليج إلى مستويات اقتصادية متعددة، فهناك القسم الأكبر وهو العمالة غير الماهرة، وثمة أعداد منه هامشية وليس لها غرض اقتصادي مهم، لكنها توجد بحكم استثمار المتحكمين في الأجهزة لهؤلاء البسطاء، وهناك العمالة الماهرة وقوى الإدارة. كما تنقسم إلى العمالة الوطنية والعمالة الخارجية، وتتمتع العمالة الوطنية بالأفضلية في بعض الدول الخليجية كالكويت وقطر، والإمارات، ومعظمها عمالة إدارية، وعسكرية، فهي من نوعية الموظفين الذين يقومون بمهمات كتابية وعسكرية وأمنية، ولا يعملون بأيديهم، أي أن نسبة (البروليتاريا) متدنية في هذه البلدان، بينما تتصاعد في البحرين والسعودية وعمان. واتساع الأعمال الإدارية بين العمالة الخليجية الوطنية هو جزءٌ من جذور قوى العمل في المنطقة، فكلما قل المواطنون في الدولة المعنية زاد حضورهم في أجهزة الدولة، مثلما تزداد مستوياتهم العليا ثراءً، لتكون حاجزاً اقتصادياً وسياسياً أمام بحر العمال الأجانب، كما يخضع حضور العمال لهوى الدولة السياسي، فإذا تدهورت علاقتها بدولة ما طردت عمالها مثلما حدث بعد غزو الكويت بالنسبة إلى الفلسطينيين خاصة. ولهذا سنرى فيما يلي عملية تقلص العمال العرب في الخليج. وإذا كانت الدول الثلاث المحظوظ سكانها حيث يمثلون أقلية ثرية وسط بحر من الفقر العمالي الأجنبي، فإن ذلك لا ينطبق على الدول الخليجية الأخرى البحرين والسعودية وعمان، أما اليمن فهو خارج الجزيرة العربية سياسياً. إن مسألة الأفضلية القومية لا يجري الالتفات لها في الدول الخليجية فتغدو الجزيرة التي كانت عربيةً خالصةً ذات طابع أجنبي غير عربي متزايد. في دراسة للعمالة في دولة الإمارات المتحدة تبين أن عدد العمالة الأجنبية قد بلغ في القطاع الخاص بنهاية 2006 (194،2) مليون عامل أجنبي فتصل نسبتهم إلى 1،87 من العمالة الأجنبية العاملة في هذا القطاع، في حين يشكل العرب نسبة 10% فقط. ومن بين 276،32 ألفا من المديرين في القطاع الخاص يحوز المديرون الآسيويون 17،809 وظيفة في حين يبلغ عدد المديرين العرب 3،.381 ولم تؤد العلاقاتُ المتناميةُ بين البلدان العربية إلى زيادة العمال العرب في الخليج بل راحت تتراجع، يقول تقرير: (من جهة أخرى، أفاد تقريرُ المنظمة العالمية للهجرة أنه في الوقت الذي تزداد فيه نسبة العمال الأجانب في منطقة الخليج، لوحظ تراجع متواصل في نسبة العمال القادمين من بلدان عربية. وقد تراوحت هذه النسبة ما بين 75% من مجموع اليد العاملة الأجنبية في عام 1975 و31% في عام .1996 وإذا ما أخذنا بلداناً بعينها، فإن الفارقَ في النسبة للفترة نفسها يتراوح ما بين (22% و12%) بالنسبة إلى البحرين، وما بين (80% و33%) بالنسبة إلى الكويت، وما بين (16% و11%) بالنسبة إلى سلطنة عُـمـان، وما بين (33% و21%) بالنسبة إلى قطر، وما بين (19% و30%) بالنسبة إلى العربية السعودية، وما بين (26% و10%) بالنسبة إلى الإمارات العربية المتحدة)، محمد شريف، صحفي عربي في أوروبا، موقع إلكتروني). إن طبيعة تملك النفط السياسي الحكومي البيروقراطي ينعكس على تحديد أقسام العمالة بين يدوية ساحقة وإدارية محدودة، وعلى مصادرها القومية كذلك، فطبيعةُ هذه الملكية غير الصناعية المتجذرة في تربة الخليج، تستدعي نموَ الملكيات الخدمية ذات الدورات الرأسمالية السريعة، خاصةً في العقار والتوظيف المالي والتجارة، مما يترتبُ على ذلك تقلصُ العمالة الماهرة، وانتشار العمالة غير الماهرة، وهذا يفتحُ أبوابَ الأنشطة الهامشية الواسع، كما يحددُ مناطقَ جلبِ العمالةِ من الأرياف وهوامشِ المدن، ومن المناطقِ الرعوية، نظراً لتدني أجورها وضعفِ بنيتها الاجتماعية، فيمكن وضعها في مساكن سيئة ودفع أي أجور لها أو حتى عدم الدفع كما جرى مؤخراً وفجر أحداثاً، ويقود ذلك إلى آثارٍ اجتماعية وسياسية خطيرة كما سنرى لاحقاً. وكما أن آبارَ النفط استدعتْ الصناعات الكيميائية والمعدنية عبر (المساحيق) والطاقة، فكذلك فإن العمالة الموجهة لهذه الصناعات تـُجلب من هذه العمالة اليدوية، فيغدو أغلبُ النشاط الاقتصادي الخليجي يجري بمواد مستوردة وعمالة مستوردة وتـُرحلُ الفوائضُ كذلك إلى جهات بعيدة. كذلك فإن ما يُسمى مشروعات البنية التحتية، التي يتداخلُ فيها المالُ العامُ والمال الخاصُ، ويشيع الفسادُ منها، تغدو أكثر اعتماداً على هذه العمالة اليدوية المتخلفة، فيغدو الكسب متدفقاً من كل الأبواب. وإذا أضفنا أن المساكنَ هي الأخرى تخضعُ للفئات البيروقراطية نفسها فهي التي ملكتْ الأراضي وحولتها إلى فنادق وعمارات سكنية، وهي التي لديها الحقول وزرائبها، والبيوتُ القديمة التي لم تـُوضع في التداول بعد لأسبابٍ تجارية، والتي يتم فيها توظيف العمال بمختلف مستوياتهم حسب مكانتهم في العمل، وأجورهم، لتغدو الإيجارات جزءًا من عملية الاستغلال المتعددة الأشكال. وهكذا فإن عفريتَ النفط الخارجَ من المصباح الصدئ يقولُ لرب العمل السياسي التاجر المالك: (شبيك لبيك عبدك بين إيديك). إن الأعمال اليدوية والهامشية وعمل الخدمة المنزلية وغيرها تصير هي الأعمال المخصصة لأغلبية العمال الأجانب، نظراً لتدني أجورها، ولابتعاد المواطنين عنها في أغلبية البلدان.
 
صحيفة اخبار الخليج
15 سبتمبر 2008

اقرأ المزيد