المنشور

في‮ ‬اليوم العالمي‮ ‬لمكافحة الفساد‮.. ‬الفساد طاعون العصر

بالنسبة للكثير من الفاسدين في‮ ‬عالمنا الثالث ودولنا العربية تحديدا مرّ‮ ‬يوم التاسع من ديسمبر وكأنه برد وسلام،‮ ‬دون أن‮ ‬يستشعروا ولو شيئا من الرهبة وحتى لا نقول الخوف،‮ ‬بوجود أدنى محاسبة لهم ولأمثالهم ممن‮ ‬يفترض أن‮ ‬يقدموا للمساءلة والمحاكمات‮. ‬ففي‮ ‬مثل هذا اليوم صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار‮٤٨٥ ‬باعتباره‮ ‬يوما دوليا لمكافحة الفساد والذي‮ ‬جاء تتويجا لمناشدات الكثير من المؤسسات والجهات الأهلية الدولية المعنية بأمر مكافحة الفساد،‮ ‬كما نصت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على منع كافة أشكال الفسادَين المالي‮ ‬والإداري‮ ‬والتحري‮ ‬عنهما‮ – ‬والأهم من ذلك‮ – ‬ملاحقة مرتكبيهما وعلى تجميد وحجز وإرجاع العائدات المتأتية من ممارساتهم الفاسدة تلك،‮ ‬وبحسب الاتفاقية تقوم كل دولة وافقت على تخصيص ذلك اليوم وعلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بوضع وتنفيذ وترسيخ سياسات فعالة منسقة لمجابهة الفساد،‮ ‬وأن تعزز مشاركة المجتمع المدني‮ ‬للقيام بتلك المهمة والتي‮ ‬ربطتها الاتفاقية ربطا موضوعيا بترسيخ مبادئ سيادة القانون وحسن إدارة الشؤون والممتلكات العامة وتحقيق ممارسات الشفافية والنزاهة والمساءلة‮. ‬كما وأكدت الاتفاقية على أن تقوم الدول الموقعة عليها بإرساء وترويج ممارسات فعالة لمنع الفساد،‮ ‬والقيام بتقييم دوري‮ ‬لكافة القوانين والتدابير الإدارية ذات الصلة‮.‬
وقد احتلت قضية مكافحة الفساد في‮ ‬دول العالم الثالث وتحديدا في‮ ‬العديد من دولنا العربية،‮ ‬احتلت مساحات واسعة من الحوارات والنقاشات الدائرة،‮ ‬وذلك بالنظر الى أن مواردنا الوطنية سواء المحدودة منها أو الفائضة إن وجدت‮.. ‬أصبحت عرضة لعمليات نهب منظم ومصادرة لم تتوقف منذ عقود،‮ ‬في‮ ‬ظل تراجع مستويات النزاهة والإفصاح،‮ ‬خاصة مع وجود ذلك الخلل المهول في‮ ‬تخلف أدوات الرقابة والمساءلة التي‮ ‬من المفترض أن تقوم بها البرلمانات والجهات الرقابية ذات الاستقلالية المطلوبة،‮ ‬حيث إن‮ ‬غياب الممارسات الديمقراطية القويمة والفعّالة أصبح‮ ‬يستغل من قبل الجهات النافذة في‮ ‬مواقع صناعة القرار وكذلك في‮ ‬البرلمانات التي‮ ‬أصبحت هي‮ ‬الأخرى مواقع نفوذ لتيارات وجهات وأحزاب وطوائف وفئات بعينها،‮ ‬في‮ ‬تقاسم‮ ‬غير معلن أو مكتوب على الأرجح للأدوار والمصالح بحسب ما تقتضيه سياسات تلك الدول ومصالح الطبقات المسيطرة فيها‮.‬
وفي‮ ‬ظل التأزمات المالية والاقتصادية العالمية الراهنة والتي‮ ‬داهمت الجميع من حكومات وصناع قرار وسياسيين وحقوقيين،
‮ ‬يأتي‮ ‬الحديث عن الفساد والمفسدين مجددا أشد حضورا وتكون آثاره أكثر وقعا وألماً‮ ‬أيضا‮. ‬فبعد سنوات من تراكم الوفرة النفطية التي‮ ‬شكلت بعاوئدها الضخمة ستارا واقياً‮ ‬لغالبية دولنا المعتمدة أساسا على ما توفره تلك السلعة العالمية من عوائد،‮ ‬ها نحن نشهد ومعنا العالم هذه المرة،‮ ‬حجم التراجع المخيف في‮ ‬تلك العوائد التي‮ ‬لم تستطع دولنا وبكل أسف أن تستفيد من وفرتها لتبتدع لاقتصاداتها القومية مداخيل جديدة كتلك التي‮ ‬تستطيع أن توفرها مجالات الصناعة وقنوات الاستثمار والتجارة المتنوعة الأخرى،‮ ‬مما سيجعل معه دولنا لا محالة أكثر انكشافا أمام مواطنيها والعالم،‮ ‬لنكون جميعنا تحت رحمة واقع إقليمي‮ ‬ودولي‮ ‬يتشكل من حولنا بكل مستجداته الاقتصادية والسياسية دون أن تكون لنا القدرة حتى على مجرد إبداء الرأي‮ ‬عوضا عن محاولة التأثير فيه‮.‬
إن حكومات عالمنا الثالث لا تبدي‮ ‬اكتراثاً‮ ‬لدعوات مكافحة الفساد،‮ ‬الذي‮ ‬أصبح معلوما لدى الجميع حجم ما‮ ‬يستنزفه من موارد ومداخيل هائلة نحن في‮ ‬أمس الحاجة لاستعادتها ووضع حد لنزفها الذي‮ ‬لا‮ ‬يراد له أن‮ ‬يتوقف‮. ‬
أمر محيّر حقاً‮… ‬فكيف لا‮ ‬يكلف هؤلاء أنفسهم مجرد عناء الدعوة لوقف النزف المستمر لمواردنا المالية الذي‮ ‬تصادره قوى الفساد؟ وكيف لا تتم المطالبة بتقديم من تعدّوا على المال العام للمحاكم وهم الذين‮ ‬يتنعمون بوجاهاتهم؟‮! ‬وكيف‮ ‬يتم السكوت على استرخاص بيع أصول دولنا لصالح مشاريع الخصخصة التي‮ ‬تتعثر ويتم التراجع عنها حتى لدى من روجوا لها كمشاريع هيمنة على مقدرات وموارد دولنا،‮ ‬وذلك لصالح من‮ ‬يقبضون؟ ثم لماذا‮ ‬يتم تهميش قضية مكافحة الفسادين المالي‮ ‬والإداري‮ ‬من قبل البعض الذين ما انفكوا‮ ‬يشنفون آذاننا ليل نهار بمخاطر الفساد الأخلاقي،‮ ‬والذين استطاب لهم الحال أن‮ ‬يتحدثوا عن مجتمعاتنا وكأنها مواخير لا‮ ‬يوجد فيها إلا هم ملائكة مطهّرين ومؤمنين ودعاة فضيلة‮! ‬متناسين أن الفضيلة لا تتم الا عبر الدعوة والعمل بصدق لتحقيق مبادئ الحكم الصالح ومحاربة الفساد بعقيدة وإيمان راسخين دون مقايضة‮.‬
 
صحيفة الايام
21 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

‮ ‬قراءة مواطن للرؤية الاقتصادية‮ (٤-٤)‬

كيف‮ ‬يمكننا أن نخلق جيلا قادرا على الابتكار والإنتاجية بعد عقود من الركود وأخلاقية عمل مختلفة وثقافة وبيئة‮ ‬غائبة لمثل تلك القيم؟‮ ‬
هذا السؤال سنناقشه مع مسألة دخل الفرد ووضع الأسرة الملتبس،‮ ‬خاصة وإننا نرغب في‮ ‬الحديث عن تلك الأسرة الشابة التي‮ ‬ستتعايش مع تطورات الرؤية‮ ‬يوما بيوم وتتلمسها سلبا وإيجابا كل لحظة‮. ‬ولكي‮ ‬يولد مجتمع جديد مختلف خلال العقدين القادمين،‮ ‬فإن المشروع الصحي‮ ‬لبناء ذلك المجتمع‮ ‬يقتضي‮ ‬التركيز الجاد على الجيل الفتي‮ ‬من حيث التعلم النوعي‮ ‬والذي‮ ‬سيؤهل البحرين في‮ ‬ريادتها وقدراتها التقنية والفنية والمهنية،‮ ‬خاصة وإننا نود أن نكون مركزا خليجيا لأمور عدة كما ذكرتها الرؤية،‮ ‬كونها مصدرا من مصادر تنويع الدخل والذي‮ ‬من جرائه تتحقق الرفاهية والازدهار‮. ‬لن أقدم توصيات أفضل مما كتبها التربويون أنفسهم وأصحاب العمل والمختصون حول تبديل تلك المناهج التعليمية وتدريب المعلمين والمخرجات وتنشئة الأطفال على قيم وثقافة وطنية وروح علمية لمعنى العمل والإنتاج والابتكار،‮ ‬والتي‮ ‬علينا الانطلاق بها منذ لحظة انطلاق الرؤية،‮ ‬لكي‮ ‬يكون أمامنا جيل شاب‮ ‬يدرك أهدافه ومتطلباته،‮ ‬فليس وظيفة التعليم إخراج متعلمين متبطلين بمؤهلات وتخصصات فائضة،‮ ‬إذ لن تكون الوزارات الحكومية بعد تلك الرؤية المكان الحاضن للتضخم الوظيفي‮   ‬ولعلنا نجد تلك الطروحات جادة في‮ ‬نهجها‮ – ‬وتبقى القضية الأكثر مقلقة هل ستستطيع الأسرة الشابة من متزوجين جدد الإيفاء بمتطلبات المعيشة إذا ما أخذنا بالاعتبار أن دخلهما قارب ‮٠٠٥ ‬دينار للفرد الواحد،‮ ‬وهل ستكون مجزية مع مصاريف عائلة بحرينية تخطت أعدادها الخمسة أفراد‮   ‬وهنا العلة التي‮ ‬لا بد والعمل عليها ثقافيا فلا‮ ‬يمكن أن تصبح الحياة رغيدة ودخل الفرد وعائلته اقل من مصاريفهما في‮ ‬ظل تضخم سنوي‮ ‬يقارب ‮٥ – ‬ومن هنا لا بد من التركيز على توعية المواطن البحريني‮ ‬الجديد الموجهة له الرؤية المستقبلية بحجم العائلة المنشودة،‮ ‬فمهما بحثنا عن تجارب شعوب وبلدان كسنغافورة وغيرها،‮ ‬فان ذلك لن‮ ‬يكون كافيا في‮ ‬بناء مجتمع مزدهر وبوضع معيشي‮ ‬جيد،‮ ‬فالمطلوب من المنظمات المدنية والمؤسسات الدينية والمناهج التعليمية تثبيت فكرة تحديد النسل أو التفكير بحجم عائلة صغيرة حتى وان لم نجرؤ حاليا على مناقشة تحديد أعداد حجم الأسرة البحرينية‮. ‬
ما تكلفه العائلات الكبيرة من مصاريف ونفقات للدولة ربما لن تستطيع حكومات المستقبل الإيفاء بها،‮ ‬وستبقى باستمرار إذا ما واصل الجيل القادم بذهنية التفريخ‮ ‬غير اللازم لأعداد أسرته،‮ ‬حالة الفقر التي‮ ‬تحاول البحرين الخروج من لطختها كدولة خليجية،‮ ‬فالإعانات المستمرة ليست إلا نوعا من الحقن الاصطناعي‮ ‬لإنقاذ الوضع المعيشي‮ ‬للأسرة البحرينية،‮ ‬التي‮ ‬تحتاج أن تدرك ما معنى ترشيد الاستهلاك والإهدار الفائق في‮ ‬حياتها وثقافتها‮. ‬ما تؤكد عليه الرؤية في‮ ‬أكثر من موضع أن المستقبل ليس ورديا‮   ‬دون الإشارة لتلك العبارة‮ – ‬إذا ما استمر المجتمع على هذا المنوال في‮ ‬أسواق عالمية متطورة ومنافسة ومتفوقة،‮ ‬وعلى الشعب البحريني‮ ‬حاليا ومستقبلا إعداد نفسه لمعركة تنموية شديدة وقوية ومكابرة وصعبة لن تحل معضلتها بسهولة،‮ ‬إذا ما تراخينا،‮ ‬وتوهمنا أن مجرد احتجاجات‮ ‬غاضبة واعتصامات عاجلة ستحلها،‮ ‬فكل القضايا المستعصية مستقبليا مرهونة بالعمل والتقدم العالمي‮ ‬وتشابكه اقتصاديا،‮ ‬فليس بالعنتريات تنجز المطالب والحقوق في‮ ‬سوق لا ترحم‮. ‬
الشعوب التي‮ ‬تنظر للبعيد وتستعد للمصائب وتتكيف مع المتغيرات والتقلبات وتأخذ بناصية العلم والعمل المثابر هي‮ ‬وحدها الشعوب التي‮ ‬ستكون مستقرة ومتوازنة مع ظروفها ومحيطها‮. ‬ما طرحته ورقة الرؤية كوثيقة تاريخية من تطلعات وأهداف وتحديات،‮ ‬حددت لنا خلاصة المسار التاريخي‮ ‬للبحرين اقتصاديا،‮ ‬حيث مررنا بمنعطفين كبيرين،‮ ‬هما اقتصاد الغوص أو اقتصاد ما قبل النفط ثم المنعطف الثاني‮ ‬وهو اقتصاد النفط أما المنعطف الثالث والقادم هو اقتصاد ما بعد النفط،‮ ‬والذي‮ ‬ستقع مواجهة تحدياته على عاتق جيل الميثاق فهو وحده الذي‮ ‬سيكون نظامه التعليمي‮ ‬مختلف وثقافته وبيئته مختلفة،‮ ‬ومن أهم تلك الثقافة الجديدة هو التركيز على محور الوطن والمواطن وتربيته على الحريات والحقوق والنقاش الحر الواعي‮ ‬المسؤول،‮ ‬وتعلم ثقافة النقد والمكاشفة والشفافية والنزاهة ومناهضة الفساد وصيانة البيئة والثقافة الوطنية واحترام قيم العمل والإنتاجية والابتكار،‮ ‬مواطن‮ ‬ينتمي‮ ‬لمرحلتنا القادمة ويعي‮ ‬أولوياته وخياراته في‮ ‬محاربة كل ما‮ ‬يهدم ويمزق التماسك الوطني‮ ‬للوطن ويواجه كل بواعث شريرة لنشر الطائفية والقبلية والامتيازات وإرساء دولة القانون واحترام المؤسسات الشرعية وديمومة الأمن والاستقرار الاجتماعيين،‮ ‬والابتعاد عن كل أشكال العنف ومعالجة كل مشاكلنا الصغيرة الكبيرة بالحوار ووضع الحلول الناجعة لها بكل مصداقية وجدية،‮ ‬ولن‮ ‬يتحقق ذلك كله لمجرد أن ورقتنا‮ (‬الرؤية‮) ‬نصوصها جميلة ورائعة وإنما بجعل روح تلك النصوص الميتة شجرة خضراء كالحياة،‮ ‬بجعل جميع أطراف المعادلة متعادلين دائما وراضين عن توزيع ثروتهم ودخلهم الوطني‮. ‬
لقد قدم لنا التاريخ تجارب ودروسا للاقتتال بين الأخوة،‮ ‬بين هابيل وقابيل،‮ ‬وقد ورثنا كل تلك العلاقة والقيم،‮ ‬حتى صار تاريخ الإنسانية إراقة من الدماء لم تتوقف بعد،‮ ‬ونزاعا لم‮ ‬يهدأ إلا قليلا،‮ ‬وعلينا أن نخرج من تلك الدائرة العنيفة وحياة البؤس والفقر والحرمان،‮ ‬فهل تنفعنا تجربة سنغافورة الهادئة؟ أم نحاول المزج بين تراثنا وثقافتنا بثقافات إنسانية متنوعة تستلهم البحرين خلاصة زبدتها المفيدة،‮ ‬فالابتكار العقلاني‮ ‬للتحولات التاريخية للشعوب هو البحث عما هو ممكن كقدرات ذاتية وداخلية ومواءمتها مع شروط خارجية ممكنة‮. ‬وطالما عاش إنسان مرحلة الغوص بإرادة عمل معطاءة في‮ ‬ظروف عمل قاسية للغاية،‮ ‬فإن أجيال النفط الأوائل برهنوا أنهم فنيون ومبدعون في‮ ‬أعمال التابلاين،‮ ‬الذي‮ ‬وصلت أنابيبه حتى الحدود التركية،‮ ‬فان الجيل الحالي‮ ‬والقادم سيكون مبدعا وخلاقا،‮ ‬فكل قيم العمل وإبداعاتها المبتكرة‮ ‬ينتجها النظام المهني‮ ‬والأخلاقي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬لسلوك الناس وعاداتهم وحرصهم على استمرار عيشهم الكريم‮.
 
صحيفة الايام
21 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

إنها السياسة لعبة الأمم عبر الزمن

من كان‮ ‬يصدق أن الجنرال ميشال عون الذي‮ ‬رفع لواء تحرير لبنان من الاحتلال السوري‮ ‬عندما كان رئيساً‮ ‬عسكرياً‮ ‬للبنان،‮ ‬والذي‮ ‬وصل الصدام بينه وبين النظام السوري‮ ‬إبان حكم الرئيس السوري‮ ‬الراحل حافظ الأسد إلى حد قيام الطائرات الحربية السورية في‮ ‬عام‮ ‬1992‮ ‬بالإغارة على قصر بعبدا وقصفه لإنهاء حكم الجنرال عون قبل أن‮ ‬يضطر الأخير إلى اللجوء للسفارة الفرنسية في‮ ‬بيروت،‮ ‬ومن ثم الإقامة في‮ ‬المنفى الفرنسي‮ ‬لمدة‮ ‬15‮ ‬عاماً‮ ‬كرسها للهجوم على سوريا ومطالبتها بإنهاء ما أسماه آنذاك الاحتلال السوري‮ ‬للبنان‮ ‬‭-‬‮ ‬من كان‮ ‬يصدق أن هذا الجنرال الذي‮ ‬عرف بصلابة مواقفه السياسية أن‮ ‬يقوم بزيارة دراماتيكية إلى العاصمة السورية دمشق وأن‮ ‬يستقبل فيها بحفاوة بالغة تليق برؤساء الدول؟‮     ‬
ومن كان‮ ‬يصدق أن‮ ‬يتحول أحد ألد أعداء سوريا بين الزعامات اللبنانية إلى أحد أبرز حلفائها في‮ ‬المعسكر الموالي‮ ‬لها والمضاد لمعسكر الموالاة،‮ ‬وهي‮ ‘‬التشكيلة‮’ ‬التي‮ ‬استقر عليها النظام السياسي‮ ‬اللبناني‮ (‬موالاة ومعارضة‮) ‬‭-‬‮ ‬مؤقتاً‮ ‬طبعاً‮ ‬‭-‬‮ ‬والتي‮ ‬أفرزتها عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني‮ ‬السابق رفيق الحريري؟‮..   ‬
ولكنها السياسة وألاعيبها وأعاجيبها التي‮ ‬حيرت كل لبيبٍ‮ ‬وكل حريفٍ‮ ‬وكل هاوٍ‮ ‬وغاوٍ‮ ‬غامر بالاقتراب منها أو حاول‮ ‘‬التقرب‮’ ‬من بعض ميكانيزمات توظيفها كأداة تسيير وإدارة،‮ ‬كليةً‮ ‬كانت أو جزئية،‮ ‬وسواء أكان هذا‮ ‘‬التقرب‮’ ‬عملاً‮ ‬احترافياً‮ ‬متصلاً‮  ‬أو مجرد عمل جزئي‮ ‬جانبي‮ ‬إن شئتم،‮ ‬لغايات مختلفة‮. ‬
فبالأمس فقط فاجأ الرئيس الفرنسي‮ ‬نيكولا سركوزي‮ ‬أقطاب الطبقة السياسية الأوروبية والأمريكية وأوساط مشيختها الفكرية وأوساطها الإعلامية،‮ ‬بالتحول المفاجئ الذي‮ ‬طرأ على موقفه من الإيديولوجية الرأسمالية على إثر اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الطاحنة التي‮ ‬هزت بلدان المركز الرأسمالي‮ ‬أولاً‮ ‬قبل أن تنتقل عدواها في‮ ‬لمح البصر إلى بقية أنحاء وأطراف النظام‮.‬
فبعد أن كان قطباً‮ ‬جديداً‮ ‬صاعداً‮ ‬ومتعصباً‮ ‬بين الزعامات الغربية الكبرى في‮ ‬سماء إيديولوجيتها الرأسمالية بنسختها الإنجلوسكونية المتوحشة،‮ ‬إذ به‮ ‬يتحول إلى أحد أشد المنتقدين لها لحد القول‮ ‘‬بأن زمن السوق الحرة التي‮ ‬تنظم نفسها بنفسها قد ولى،‮ ‬وأقوى وأفضح المطالبين،‮ ‬بناءً‮ ‬على ذلك،‮ ‬بإنشاء نظام مالي‮ ‬واقتصادي‮ ‬عالمي‮ ‬جديد قوامه تعظيم دور الدولة في‮ ‬الاقتصاد ووضع ضوابط صارمة على حركة رؤوس الأموال ذات التوجهات الاستثمارية‮ ‬غير المباشرة‮ (‬أي‮ ‬غير الموجهة للتوظيف في‮ ‬قطاعات الإنتاج وإنما في‮ ‬أسواق المال ومضاربات أسواق العملة وأسواق السلع الآجلة‮)!   ‬
وهذا ما حدث تماماً‮ ‬مع الجنرال ميشيل عون،‮ ‬مع فارق بسيط أن تحوله من النقيض إلى النقيض فيما‮ ‬يتعلق بموقفه من النظام السوري،‮ ‬قد تم بالتدريج‮ (‬بالتقسيط إن شئتم‮)‬،‮ ‬بينما جرى في‮ ‬حالة سركوزي‮ ‬دفعة واحدة‮.‬
طبعاً‮ ‬مثل هذه المواقف المتقلبة لا تروق للغالبية العظمى من الناس سواء أكانوا ممتهنين للسياسة أو أناساً‮ ‬عاديين،‮ ‬بل هي‮ ‬تحظى على الفور باستهجانهم واستنكارهم‮.‬
وقد ذهبت في‮ ‬هذا الصدد مجلة الإيكونومست البريطانية على سبيل المثال،‮ ‬لحد طرح التساؤل عما إذا كان الرئيس سركوزي‮ ‬اشتراكياً‮ ‬أصلاً‮!‬
السياسيون المحترفون فقط‮ ‬يمكن أن‮ ‬يفهموا‮ ‬‭-‬‮ ‬ولا نقول‮ ‬يتفهموا‮ ‬‭-‬‮ ‬مثل هذه‮ ‘‬النقلات الحادة‮’ ‬في‮ ‬مواقف زملائهم وأندادهم في‮ ‬العمل السياسي‮ ‬الاحترافي‮.‬
أما الإيديولوجيون،‮ ‬وبسبب ارتهانهم لمرجعياتهم،‮ ‬سواء أكانت دينية أو عقائدية،‮ ‬التي‮ ‬تسيج منظوماتهم العقلية والمعرفية بسياج متين ورفيع وتحجر على ملكاتهم ومخيلاتهم الفكرية والإبداعية،‮ ‬فإنهم حتماً‮ ‬لن‮ ‬يفهموا مثل هذه‮ ‘‬المراوغات والتشقلبات‮’ ‬السياسية الأبعد ما تكون عن الثوابت والالتزامات المبدئية المتصلة بالموقف العام السائد من القضية المعنية في‮ ‬الظروف التاريخية المحددة،‮ ‬والأقرب زعماً‮ ‬للواقعية التي‮ ‬تتكئ عليها عادةً‮ ‬المدرسة العملية‮ (‬البراغماتية‮) ‬التطبيقية الأمريكية‮.   ‬
الجنرال ميشيل عـون شخصية سياسية مثيرة للجـدل،‮ ‬هذا مما لاشك فيه‮.‬
وقد‮ ‬ينعته بعضهم،‮ ‬من هذه الزاوية،‮ ‬بأنه مزاجي‮ ‬وحاد الطباع،‮ ‬وهما صفتان لا تستقيمان مع مقومات الشخصية المتزنة التي‮ ‬يؤهلها هذا الاتزان لتشرب الممارسة الواقعية،‮ ‬بيد أن هاتين الصفتين،‮ ‬على أهميتهما،‮ ‬لا تكفيان وحدهما للحكم على أهملية الفرد للعمل بمبدأ الواقعية الناجعة،‮ ‬فالجلد والدهاء والمثابرة خواص نوعية لاتستقيم الشخصية السياسية الناجعة بدونها‮. ‬
وهذه خواص متوفرة،‮ ‬على ما نرى،‮ ‬في‮ ‬شخصية الجنرال عون‮.‬
ولعل هذه الصفات هي‮ ‬التي‮ ‘‬أهلته‮’ ‬للوقوف في‮ ‬وجه المرجعية الروحية المسيحية في‮ ‬لبنان،‮ ‬وهي‮ ‬هنا البطريرك مار نصر الله صفير بشأن أسلم الخيارات المتاحة أمام مسيحيي‮ ‬لبنان وأفضل السبل لتعاطيها تحقيقاً‮ ‬لمصالح المسيحيين اللبنانيين بكافة طوائفهم‮.‬
‮ ‬وعملاً‮ ‬بمبدأ‮ ‘‬إذا لم تستطع التغلب عليهم فانضم إليهم‮’ ‬البراغماتي‮ ‬اختار الجنرال عون،‮ ‬على عكس بقية الزعامات المسيحية،‮ ‬الاتئلاف مع حزب الله ومن خلاله مع إيران وسوريا،‮ ‬إذ رأي‮ ‬في‮ ‬مثل هذه الخطوة،‮ ‬نعم المثيرة للجدل،‮ ‬السبيل الوحيد المتاح لحماية الوجود المسيحي‮ ‬في‮ ‬لبنان وحماية مصالحه من المخاطر المحدقة في‮ ‬ظل هذا الزحف المخيف والتمدد الذي‮ ‬لا تخطؤه العين لمصادر قوة التحالف الثلاثي‮ ‬السوري‮ ‬الإيراني‮ ‬‭-‬‮ ‬حزب الله في‮ ‬الساحة اللبنانية على حساب بقية القوى،‮ ‬وذلك على الرغم من الازدهار المؤقت الذي‮ ‬حظيت به حالة القوى المضادة لهذا التحالف وانكفاء الأخير‮ (‬مؤقتاً‮ ‬أيضاً‮) ‬بانسحاب القوات السورية من لبنان في‮ ‬أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني‮ ‬السابق رفيق الحريري،‮ ‬والعدوان الإسرائيلي‮ ‬في‮ ‬تموز‮/‬يوليو‮ ‬2006‮ ‬الذي‮ ‬استهدف تصفية حزب الله عسكرياً‮ ‬بعد تجريده من ورقة حليفه السوري‮ ‬في‮ ‬لبنان،‮ ‬والذي‮ ‬انتهى إلى الفشل الذريع الذي‮ ‬نعرف وأدى إلى تقوية نفوذ التحالف الثلاثي‮.        ‬
أخيراً‮ ‬للتذكير فقط فلعل التذكير‮ ‬ينفع الساسة الغافلين،‮ ‬الهواة منهم كما المحترفين،‮ ‬بأنه ليس في‮ ‬السياسة أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين‮.‬

صحيفة الوطن
20 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

نعم منتظر الزيدي‮ ‬بطل

نعم منتظر الزيدي‮ ‬بطل،‮ ‬ليس لأنه قذف حذائه في‮ ‬وجه الرئيس الأمريكي‮ ‬جورج بوش،‮ ‬ولا لأنه تجرأ على فعل ذلك،‮ ‬وليس لأنه‮ ‬يكتم‮ ‬غضباً‮ ‬وحقداً‮ ‬وقهراً‮ ‬فجرهم دون سابق إنذار في‮ ‬وجه بوش،‮ ‬ولكن لأنه أدرك في‮ ‬لحظة وامضة أنه لا‮ ‬يستحق أن‮ ‬يحيا من عاش وسط الجبناء،‮ ‬ولأنه أيقن في‮ ‬لحظة أن بوش البطل الأمريكي‮ ‬من شأنه أن‮ ‬يصنع على حين‮ ‬غرة بطلاً‮ ‬محبوباً‮ ‬ومعشوقاً‮!!‬
نعم منتظر الزيدي‮ ‬بطل،‮ ‬لأنه تمكن من لم شمل الفرقاء بسرعة نووية لا‮ ‬يمكن للخيال تصورها،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن لعقله ولخياله أن‮ ‬يتصوراها،‮ ‬ولأنه أدرك أن بوش وحده من‮ ‬يسمح له عقله تصور ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحدث بعد رميه بالحذاء‮!!‬
نعم منتظر الزيدي‮ ‬بطل،‮ ‬ليس لأنه لجأ في‮ ‬لحظة مقاومته إلى حذائه بدلاً‮ ‬عن قلمه،‮ ‬وليس لأنه استعاض بغضبه وانفعاله عن سؤاله واستفساره،‮ ‬ولكن لأنه أدرك في‮ ‬لحظة وامضة كما أدرك‮ ‬غيرها،‮ ‬أنه لم ولن‮ ‬يسمعه أحد إذا لم‮ ‬يلجأ لحذائه،‮ ‬ولم ولن‮ ‬يدافع عنه أحد إذا لم‮ ‬يتكلم بـ(حذائه‮)!!‬
نعم منتظر الزيدي‮ ‬بطل،‮ ‬ليس لأنه‮ ‬يدرك ذلك،‮ ‬وليس لأنه‮ ‬يريد ذلك،‮ ‬وليس لأنه‮ ‬يقتدي‮ ‬بتشي‮ ‬غيفاراً،‮ ‬ولكن لأن أغلب من‮ ‬يناصرونه ويؤيدون سلوكه البطولي‮ ‬يدركون ضعفهم وجبنهم،‮ ‬ويدركون أن في‮ ‬بعض المناصرة والتأييد ترميم لهياكلهم المهترئة،‮ ‬ولأن منتظر الزيدي‮ ‬هو من سيكون في‮ ‬مقدمة الركب وهم سيمضون خلفه كلهم‮ ‬ينتعلون حذائه الذي‮ ‬قذفه في‮ ‬وجه بوش‮!!‬
نعم منتظر الزيدي‮ ‬بطل،‮ ‬ليس لأنه سيقاد إلى السجن محفوفاً‮ ‬بالرفض والاستنكار،‮ ‬وليس لأن الجماهير العربية ستهتف باسمه من الأقصى إلى الأقصى،‮ ‬وليس لأنه سيمنح أوسمة ونياشين شرفية وتقديرية نظير جرأته وموقفه البطولي،‮ ‬لكن لأنه سيظل‮ ‬يلعن فيه اليوم الذي‮ ‬قاده إلى مثل هذا السلوك في‮ ‬ظل صمت‮ (‬الأبطال‮) ‬الذين أعلنوا بطولته بعد إقدامه على هذه الفعلة‮!!‬
نعم منتظر الزيدي‮ ‬بطل،‮ ‬ليس لأنه فقد ثقته فيمن حوله،‮ ‬وليس لأنه سجل موقفاً‮ ‬لم‮ ‬يجرؤ على فعله أحد،‮ ‬ولكن لأن الرئيس الأمريكي‮ ‬بوش عزز ثقته بنفسه عندما استقبل حذائه وتحسست الأحزاب العربية أحذيتها بمجرد خروجها من بوابة‮ (‬المؤتمر‮) ‬الصحافي‮!!‬     

صحيفة الوطن
20 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

الولدُ الطائفي

هي ليست ظاهرة صعبة الفهم لكنها كوميدية غرائبية، وتتحول في بعض الحالات إلى مآس، فبعضُ هؤلاء الذين يريدون تصدرَ المسرح التاريخي، وركوبَ الغليان السياسي، لأغراضٍ ذاتية، ينقصهم العتاد والعدة الفكرية لمهمام صعبة خارقة مثل هذه.
وكان العامة يقولون؛ (الثوب الطويل يتعك)، أو يرددون (رحم اللهُ من عرفَ قدرَ نفسه)، وكل هذا من حصافة التفكير العامي الشعبي، الذي يبني تقدمَهُ السياسي على الصبرِ والحكمةِ ومعرفة ما هو ممكن وعدم الخنوع والذل والنضال المستمر حتى لو كان صغيراً وتراكمه مر عسير.
هذا هو الميراث الذي كرسه التقدميون البحرينيون فالتحموا بالناس العاديين طويلاً، على مستوى السياسة وعلى مستوى الفكر.
لكن المتضخمين التحموا بالهياكل الاستبدادية والمحافظة الدينية والحياة الشوارعية، وهو ميراثٌ هائل غير مرئي يتغلغل نسيجه في الأحزاب والتفكير العام فيوجد تلك الشخصيات المنتفخة والمحدودة الوعي. وقد بدأ ذلك منذ أن كانوا في الكتاتيب والمآتم والمساجد والخلايا، فكانوا يستمعون ويتلقون من دون تفحص كبير الموادَ التي تـُبث في أدمغتهم المحدودة، وكانوا ينفعلون بقوة ويتشكل فهمهم السياسي على أرضية الحماس الشديد وخاصة الاكثار من الصراخ والشتائم الحادة للخصوم السياسيين والاجتماعيين، وهو أمرٌ يشير إلى طبيعة الوعي الطائفي الذي يقسمُ الناسَ إما إلى مؤمنين وإما كفار حتى بين جماعات المسلمين.
وتبدو مسألة (الفرقة الناجية) أو المنصورة أو الذاهبة وحدها للجنة، مسألة متجذرة حادة لديهم. وهو تعبيرٌ أخروي عن سيل اللعاب الدنيوي للاستيلاء على الثروات.
وهذا الوعي لا يلقي نظراً متفحصاً على الظروف والإمكانيات السياسية الحقيقية، بطبيعة هذا التضخم والحدة ولهذا يتحول القائدُ الفذ والأستاذ الجامعي والعامل الأمي إلى شخصية بلهوانية صاخبة، ذات نمطٍ موحدٍ من الادراك، الذي لا ادراك عميقا فيه، بل هو تأججُ عواطف وغضب شديد وكراهية كبرى.
فهنا في هذا الغضب الكاسح الماحق لا تسأل عن الأستاذ أو القائد أو العامل فقد صاروا شيئاً واحداً، كذلك لا تسأل عن الوعي الديني المحافظ أو الوعي الديمقراطي العلماني، أو القومي أو الوطني، فكلها التبستْ وضاعت، وتاهتْ، فلا يتحركُ هنا سوى الولد الصغير الذي اندمج في الشعائر وبكى وصرخ، فإذا كانت الوطنية مفيدة تسلق مواسيرها، وإذا كانت الطائفية محركة ارتفعَ فوق موجاتها صارخاً شاتماً، وإذا كانت (الديمقراطية) جيدة مشى فوق سجادها ملتقطاً الذهبَ الذي صارَ عنده مثل الحلويات التي طالما اندفع إليها.
بطبيعة الحال فإن أوضاع الناس المادية الصعبة أو المتردية تجعل الغضبَ ضرورياً، والنقدَ واجباً، والصراخ أحياناً مهماً لسحب طاقات البخار الداخلية، لكن مثل هذا البخار لا ينضجُ أرزاً في السياسة.
ولكن كيف صار خريج الجامعات مثل أولاد الحارات الشتامين بالبذاءات المستمرة؟! هنا تغدو المسألة تهريجاً مضحكاً، وفي ذات الوقت مأساة مؤلمة.
فالولدُ الذي كان يضربُ الخبازين النائمين، ويسرق دكاكين الفقراء، صار قائداً، وعليه أن يقود الجماهير للحرية، وليس في عدتهِ سوى التسلق والصراخ وإطلاق الشتائم، التي تبدو أحياناً بأشكال علمية زائفة، يرتبُ الأحداثَ كيفما يريد ويعلي من شأن الجماعات الطائفية التي تغدو هي ذروة التاريخ الوطني.
فهو لا يريد مشياً سياسياً عقلانياً، وليست لديه صفات الصبر وإعادة الناس للوحدة النضالية التي فقدوها بسبب العسف والتسلق الطائفي الانتهازي الطويل، بل يريد أن يكون على صدارة المسرح فهو الزعيم الخالد.
كما كان في سنوات ماضية عدواً لدوداً للتقدميين، ويريد زوال هؤلاء الحاقدين على الأمة العربية المجيدة أو على الطائفة المنصورة، وامتلأ كرها ضارياً لهذه الأفكار فصار ذلك مرضاً سرياً متوارياً قوياً لم تحوله السنون، ويصبح هذا (النموذج الرمز) في أيام أخرى وطنياً أو قومياً أو تقدمياً حسب أسعار البورصة السياسية، ثم كان مستقره الأخير في الطائفية، هنا وجدَ نفسَهُ مثلما بدأ ولداً صغيراً شتاماً حاقداً على (الآخر)، وتبخرت كلُ أسمال (البدلات) السياسية التي لبسها وخدع الناس بها.
عاد إلى الحارات التي كان يضربُ فيها الناسَ بالحصى، وكأن تاريخ النار قد امتد منذ الثورات الأولى التي لم يعرف فيها سوى الصراخ والحرائق للأشياء، ولم يستطع أن يكون نضالاً بناءً مهما على الأرض، الذي كونه التقدميون التوحيديون عبر تراكم النضالات الصغيرة التي كان يسخر منها، فوجدَ نفسَهُ فجأة يستفيد منها ويلتحق بها، ولكن الكراهية الداخلية القوية في ذاته لم تزل، فحتى إذا أدبرت الدنيا عن التقدميين بعنف وإغراء الأشياء، عاد إلى جلده الطائفي منتفخاً يدقُ طبولَ الحرب ضد الوطنيين والتقدميين.
توحدتْ لغاتُ البذاءات والكراهية والعمى السياسي والمجاعة الفكرية لدى أنماط الولد الطائفي، عمرهُ الآن خمسون أو ستون سنة، ولم يزل صبياً يقذف الناس بالحجارة، ويضع قدماً عند اليسار وقدماً عند اليمين، يناصر العمال ويقبض من الرأسماليين، يحاضر عن العلمانية ويخطبُ ود الطائفية حبيبته الأولى والأخيرة، يدعي العقلانية ويؤجج الصبيانية السياسية، يتحدثُ عن العلوم ويكرس الخرافات وأصحابها، يتظاهر بالرهبنة الثورية وهو أرستقراطي كاره للشعب، يدعي حب الوطن وهو لا يحب إلا الحارة التي عاش فيها، لا يكتب عن الوطن إلا إذا كان نقداً له، يعيش بيننا ويكرهنا.
يتماثل الولدُ الطائفي في مستوياته المختلفة، فهو إذا كان شوارعياً سيعتمد الرسائل القصيرة والألفاظ المتدنية، زاعماً نضالاً لا يملكه وشهامة متوارية تحت خوف متأصل، وإدعاءً وطنياً على جسد غير وطني.
وإذا كان متعلماً فإنه لن يؤمن بالطريق الوطني التوحيدي، فهو بلهوان سياسي دأب على طرق المغامرات والارتكاز على من هو قوي، حتى ولو كان سيئاً وخطراً، تهمه الغايات التي ترفعه لا الوسائل التي تدمر الوحدة والعقلانية، وقد رأى كيف كان النضال الوطني التقدمي هو الطريق الصحيح لكنه يرفضه لأنه لا يستطيع أن يسير فيه طويلاً.
لم يتعلم الولد الطائفي من كل العقود النضالية التي مرت، لم يراكم وعياً ويوسع معرفته بالواقع الموضوعي، ومن هنا فسوف يظل ولداً حتى في شيخوخته وهو يهذي بشتائم المناضلين والمضحين.

صحيفة اخبار الخليج
20 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

أم العروس

هل حدث أن تراكمت أمامك عقدة من المهام والواجبات عليك فكها وإنجازها في‮ ‬فترة زمنية قصيرة أو محدودة،‮ ‬خاصةً‮ ‬إذا كانت هذه المهام‮ ‬غير قابلة للتأجيل ومرتبطة بمواعيد لا‮ ‬يد لك فيها ولا تستطيع تأجيلها إلى حين؟‮!‬ هل شعرت ساعتها بالحيرة الشديدة من أين تبدأ،‮ ‬وأية مهمة تسعى لإنجازها قبل سواها حتى‮ ‬يتهيأ لك التفرغ‮ ‬للثانية والثالثة،‮ ‬وهلا لاحظت أنك لن تجد الحل بيسرٍ‮ ‬وسهولة،‮ ‬وداهمك الشعور بأن جبلاً‮ ‬ثقيلاً‮ ‬من الأعباء‮ ‬يكبس على أنفاسك،‮ ‬وأن الحرج من الذين وعدتهم بانجاز ما عليك من مهام‮ ‬يبلغ‮ ‬مداه،‮ ‬وكلما هاتفك أحدهم سائلاً‮ ‬بحثت له عن عذر‮.  ‬ والتأخير عن إنجاز عمل مطلوب وإن كان تقصيراً،‮ ‬فليس هو التقصير بعينه،‮ ‬أظن أن التقصير أشمل وأوسع وأبعد مدى،‮ ‬لكن أن‮ » ‬ينزنق‮ « ‬أحدنا لأنه أخر عمل اليوم إلى الغد فذلك أبسط شأناً‮ ‬وأهون أثراً،‮ ‬خاصةً‮ ‬حين تحار ما هو عمل اليوم بالضبط وما هو عمل الغد،‮ ‬وحين‮ ‬يتداخل عمل الأمس واليوم والغد في‮ ‬دائرة واحدة لا تدري‮ ‬أيا منهما أسبق وأيا منهما هو التالي‮ ‬وما بعد التالي‮.‬ لكن لكي‮ ‬لا نتوه في‮ ‬متاهة من التنظير والوعظ في‮ ‬الأخلاق الحميدة دعونا في‮ ‬موضوع المهام المتراكمة التي‮ ‬نحاصر بواجب انجازها في‮ ‬وقت ضيق،‮ ‬فلا نملك إلى ذلك سبيلا‮.  ‬حينها تجد أحدنا‮ ‬يفعل أي‮ ‬شيء لكنه لا‮ ‬يقترب أبداً‮ ‬من المهام الماثلة أمامه ومطلوب منه إنجازها‮.  ‬ ‮ ‬إنها سيكولوجيا الهرب من عقدة المهام،‮ ‬فترى الواحد الذي‮ ‬يكره الرياضة والمشي‮ ‬يلتمس لنفسه عذراً‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يذهب للمشي،‮ ‬كأنه واحد من كبار المشاءين الذين عرفتهم أروقة المذاهب الفلسفية في‮ ‬اليونان القديمة،‮ ‬وذاك الذي‮ ‬بينه وبين التلفزيون ثأر فلا‮ ‬يخطر في‮ ‬باله أبداً‮ ‬الاقتراب من شاشته،‮ ‬يصبح في‮ ‬طرفة عين مدمن مشاهدة للشاشة الفضية‮.. ‬وقس على ذلك من المهام الوهمية التي‮ ‬نخترعها لأنفسنا كي‮ ‬لا نواجه بما هو مطلوب منا‮. ‬ ساعتها نبدو بحق وحقيق كأم العروس فاضية ومشغولة‮. ‬والحكمة الشعبية التي‮ ‬صاغت هذا القول إنما كانت تنطلق من التجربة الحية التي‮ ‬لا تحتمل الخطأ‮.  ‬حين نجد أم العروس،‮ ‬يوم عرس ابنتها،‮ ‬وهي‮ ‬تذرع المكان جيئة وذهاباً‮ ‬وتحدث جلبة وضجيجاً‮ ‬لكنها لا تفعل أي‮ ‬شيء‮.  ‬ كل مهام العرس‮ ‬يقوم بها مساعدون ومساعدات،‮ ‬لكن من‮ ‬يظهر في‮ ‬الواجهة هي‮ ‬أم العروس التي‮ ‬لكثافة حضورها في‮ ‬ذلك اليوم قادرة على خلق انطباع بأنها الوحيدة المشغولة،‮ ‬أو أن كل المهام واقعة على عاتقها‮.‬ يشفع لأم العروس أنها بالفعل أم العروس،‮ ‬أم الفتاة التي‮ ‬نحن بصدد حفل زواجها،‮ ‬لكن التعبير الذي‮ ‬ذهب مثلاً‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬أم العروس ذاتها،‮ ‬إنما‮ ‬يعني‮ ‬ذلك النفر من الناس الذين‮ ‬يحدثون الجلبة الكبيرة،‮ ‬الضوضاء فتظن أنهم في‮ ‬طليعة العاملين،‮ ‬لكنهم في‮ ‬الواقع لا‮ ‬يعملون شيئا‮.‬
 
صحيفة الايام
20 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

حول علاوة‮ »‬الغلاء‮«‬

مع ان التوجه العام‮ ‬يقضي‮ ‬باستمرار ترشيد الانفاق واعادة النظر في‮ ‬الاولويات وخاصة في‮ ‬ظل الازمة المالية العالمية الراهنة الا اننا لا نزال نتساءل عن مصير علاوة‮ »‬الغلاء‮« ‬التي‮ ‬لم تدرج في‮ ‬الموازنة العامة للعامين القادمين ولا نزال نطالب مجلس النواب بايضاح هذه المسألة‮.‬
ان مغزى هذا الكلام واضح‮.. ‬رغم محدودية هذه العلاوة التي‮ ‬بالفعل لا تتناسب وحجم الارتفاع الجنوني‮ ‬للاسعار وتدهور المستوى المعيشي‮ ‬للفئات الاجتماعية الفقيرة الا انها‮ »‬ولحد ما‮« ‬قد تخفف من اعباء تكاليف الحياة الباهظة التي‮ ‬لا بد لها من اجراءات اقتصادية تدعم بالدرجة الاولى زيادة مستوى الدخول وتحد من معدلات التضخم وارتفاع الاسعار‮.‬
الرئيس التنفيذي‮ ‬لمجلس التنمية الاقتصادية اكد بان هدف المجلس هو تحسين الوضع الاقتصادي‮ ‬ورفع المستوى المعيشي‮ ‬للمواطنين واكد ايضاً‮ ‬انه لا توجد لدى الدولة اية توجهات لفرض ضرائب على المواطنين الى هنا لا نشك ابداً‮ ‬في‮ ‬هذه التطمينات ومع هذا‮ ‬يمكننا القول‮: ‬ان الواقع المعيشي‮ ‬اليوم‮ ‬يفرض علينا مواجهة تحدياتنا الاقتصادية كما‮ ‬يفرض علينا ايضا التعامل مع الغلاء باجراءات اقتصادية واضحة فلا‮ ‬يمكن من دون تحريك الاجور وتوسيع مظلة الدعم الحكومي‮ ‬للسلع الاساسية كي‮ ‬يستفيد منها ذوو الدخل المحدود وتحسين مستوى الدخول ومضاعفة علاوة‮ »‬الغلاء‮« ‬لتصبح‮ (٠٠١) ‬دينار على الاقل ان تكون تلك الاجراءات فاعلة‮.‬
حقيقة كنا ولا نزال نتوقع من مجلس النواب ان‮ ‬يزداد تفاعله مع هذه العلاوة وخصوصاً‮ ‬ان تصريحات النواب منذ بداية الانعقاد الثالث كانت تصب في‮ ‬هذا الاتجاه اي‮ ‬اتجاه ادراج هذه العلاوة ضمن الموازنة القادمة للدولة ولكن ومع اقتراب نهاية العام الحالي‮ ‬لا ندري‮ ‬لماذا خفت صوت النواب وغابت كل هذه التصريحات وبالتالي‮ ‬لا‮ ‬يدري‮ ‬المواطن الواقع بين فكي‮ ‬الغلاء وكماشة القروض ان كانت هذه العلاوة ستستمر ام لا؟
ومن هنا نعود ونكرر لا تزال علاوة‮ »‬الغلاء‮« ‬المجهولة تتصدر الاسئلة للحكومة والنواب ومن هنا ايضا نقول‮: ‬كان من المنتظر في‮ ‬اعقاب الازمة المالية العالمية الحالية ان‮ ‬يناقش النواب تأثيرات هذه الازمة على مجمل الاوضاع الاقتصادية والمعيشية وخاصة ان التأثيرات المباشرة وغير المباشرة سوف تتضرر منها برامج التنمية ليس في‮ ‬البحرين فقط وانما كذلك دول الخليج الاخرى ولا شك ان اهم تداعياتها تكمن في‮ ‬ارتفاع نسبة البطالة التي‮ ‬حولت في‮ ‬الدول الاوروبية وخاصة اليونان منها الازمة المالية الى ازمة امنية وكان من المنتظر ايضاً‮ ‬ان‮ ‬يناقش النواب هذه العلاوة كأولوية لا‮ ‬يمكن الرهان عليها باي‮ ‬شكل من الاشكال ولكن ليس كل ما‮ ‬يتمناه المرء‮ ‬يدركه وهذا ما‮ ‬يجعل الاغلبية من ذوي‮ ‬الدخل المحدود عرضة لمخاوف كثيرة ناتجة عن احتمال انقطاعها مع نهاية السنة الحالية‮.‬

صحيفة الايام
20 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

حكايات من تاريخنا(68)

* ذاكرة الماحوز
لربما من حسن الحظ ان نجد في المؤلفات الحديثة المتخصصة في تأريخ عدد من مناطق ومدن وقرى البحرين على أيدي بعض ابنائها الشغوفين بتاريخ وتراث مناطقهم التي ولدوا على ترابها وترعرعوا بين ربوعها ومرابعها شيئا مما يعوضنا عن غياب التدوين المفصل لتراث وتاريخ بلادنا، وان كانت معظم هذه المؤلفات تفتقر الى المنهجية العلمية في البحث وطريقة تدوين تاريخ المنطقة على نحو علمي موضوعي. إذ يغلب على غالبيتها العظمى طابع عدم التوثيق، وغلبة الاعتماد في تدوين تاريخ وتراث المنطقة من خلال الحوارات والاحاديث مع شيوخ المنطقة المعمرين، وطغيان الطابع العاطفي في تناول العديد من موضوعاتها، فضلا عن ان جل تلك المؤلفات ينصرف الى التركيز على الجانب التراثي – الديني على حساب الجوانب الثقافية والتراثية الحضارية الاخرى التي تشتهر بها المنطقة او المدينة او القرية. ولعل من المؤلفات الاخيرة الصادرة في هذا الشأن «ذاكرة الماحوز« للصديق العاشق لتراث وطنه عبدالله حسن عمران الذي أهداني نسخة منه وقت صدوره في خريف العام الماضي 2007م، إلا انني لم أتمكن من قراءته للأسف، إلا مؤخرا، بسبب انشغالي بالكتابة السياسية الصحفية اليومية المنتظمة، ناهيك عن بعض البحوث والدراسات السياسية التي تنشر لي في بعض الدوريات السياسية العربية، فضلا عن انشغالي الوظيفي اليومي، وانشغالاتي العائلية، علاوة على اهتماماتي الثقافية والتثقيفية الذاتية الاخرى. وبالتالي فله المعذرة على هذا التأخر الخارج عن الارادة في تناول عرض وتحليل هذا الكتاب القيم الهام الممتع في وقت مبكر من غداة صدوره. ويمكن القول ان كتاب الصديق عبدالله عمران هو واحد من اهم الكتب التي صدرت حتى الآن والتي تخصصت في تدوين تاريخ وتراث مدن وقرى البحرين، وانه تمكن الى حد كبير من تلافي العديد من الهفوات والكتابات الارتجالية غير المنهجية التي ميزت الكتب السابقة، ولاسيما ان المؤلف عمران استعان مقدما في كتابة تاريخ «الماحوز« ببعض الاساتذة البحاثة المتخصصين او المهتمين بكتابة التاريخ والتراث، كالدكتور سالم النويدري، والدكتور عبدعلي حبيل، والاستاذ علي أكبر بوشهري، والملا محمد جعفر العرب، والمرحوم الملا محمد علي الناصري، والدكتور عبدالقادر فيدوح، وغيرهم. هذا الى جانب بعض شيوخ القرية من كبار السن او اصحاب الذاكرة الحية. ومن حجم الكتاب (300 صفحة) ومصادر مادته العديدة يبدو جليا حجم الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في تدوين تراث وتاريخ هذه المنطقة البحرينية المهمة وتراثها، ولاسيما ان الكتاب يزخر بالعديد من الصور التاريخية القديمة النادرة. ومن أبرز الموضوعات التي تناولها المؤلف في «ذاكرة الماحوز«: الوصف المعماري لأشهر مقام في البحرين، ألا هو مبنى مقام الشيخ ميثم البحراني الفيلسوف والعلامة اللغوي والديني المعروف، والشيخ أحمد بن صالح بن طعان، والشيخ جعفر أبوالمكارم، والقبور الخارجية الثلاثة، والشيخ سليمان الماحوزي، وأبرز رجال الدين والفكر الذين حملوا لقب «الماحوزي«، وبعض عوائل الماحوز، ومساجد القرية، ومآتمها، وصندوقها الخيري، ومجالسها، والرياضة فيها، وعدد من اصحاب المهن والحرف المشهورين فيها. ولعل ما يميز الكتاب انه لم يترك حتى تدوين اسماء أشهر مزارعها وغابات نخيلها التي يقبع على مساحاتها الواسعة اليوم أرقى الفيلل والعمارات والبيوت الحديثة، وجميع هذه المزارع كان يأتي ريها من عين «ام شعوم« الشهيرة. وقد دون المؤلف في جدول لهذا الغرض مسميات ما لا يقل عن 33 مزرعة، حدد مواقعها الجغرافية. ومن هذه المزارع «ام خجان« و«الحلال« و«الجنابة« و«السعيدية« و«أبوشعيب« و«أبوغزال«. الى ان ينتهي الى مزرعة «المخرجة«. قلت ان ما يميز هذا الكتاب القيم هو تمكنه من تفادي الكثير من الهفوات الارتجالية والعاطفية التي ميزت معظم كتب تاريخ القرى التي صدرت سابقا. والصديق المؤلف عمران هو واحد من اكثر مثقفي شعبنا عشقا لتراث وتاريخ وطنه بالرغم من أن تخصصه العلمي الأصلي هو الهندسة المدنية بينما وظيفته مهندس بوزارة الاشغال، فإنني ارى ثمة ملاحظات فنية ومنهجية، لكن إذ يصعب تناولها جميعها تفصيلا في هذه العجالة في هذا الحيز الضيق من هذا العمود اليومي، فإنني سأحاول تناول ابرزها بشكل موجز سريع: 1- كان يستحسن، في تقديري، ان تكون السيرة الذاتية للمؤلف في الصفحات الأخيرة من الكتاب وليس في الغلاف الخلفي للكتاب. 2- لا ارى ثمة داعيا من وجهة نظري، ان لم أكن مخطئا، للتمهيد الاستطرادي الطويل الذي تناول فيه المؤلف عطاء البحرين عبر العصور بدءا من العصر الدلموني وانتهاء بالعصر الاسلامي. 3- كان يفضل ان تأتي هوامش موضوعات الكتاب إما مع نهاية كل فصل او موضوع، وإما في نهاية الكتاب. كما ان العديد من هذه الهوامش جاءت بنفس البنط البارز المطبوع لنصوص الكتاب حتى بدت كأنها من صلب موضوعات الكتاب الاساسية (انظر على سبيل المثال هوامش موضوع «موقع الماحوز« من ص 19 الى ص 25). كما ان معظم صور الكتاب تخللت على نحو بارز بأحجام كبيرة نصوص فصول الكتاب، وليت لو تم وضع معظمها في الصفحات الاخيرة. 4- بهذا المعنى الذي اشرنا اليه في الملاحظة الآنفة الذكر، فان المؤلف او مرشديه لم يعنوا بما فيه الكفاية لتبويب موضوعات وفصول الكتاب ترتيبا بحثيا علميا. 5- لم يخل هذا الكتاب القيم المفيد، رغم تمكن صاحبه من تلافي هفوات المؤلفين السابقين في تدوين تاريخ مناطقهم من طغيان ايضا المادة الدينية التراثية، كسائر الكتب السابقة، رغم أهميتها، على سائر مواد موضوعات التاريخ والتراث الاخرى الخاصة بالمنطقة. وكنت أتمنى لو أن المؤلف الصديق عمران، وبحكم تخصصه في الهندسة المدنية، لو أكثر من الاهتمام العمراني والفني التراثي للقرية، فضلا عن التراث الهندسي المدني البحريني والعربي بوجه عام على صعيد اهتماماته الشخصية وعشقه للتراث. مهما يكن فإن هذه الملاحظات الفنية والمنهجية الشكلية العابرة لا تقلل ابدا من أهمية الكتاب وقيمته العلمية الفائقة، أو التقليل مما بذله مؤلفه من جهود مضنية طويلة في جمع مادته ومصادره ثم كتابته. وإذ نشد بقوة على يد الأخ عبدالله عمران على هذا الكتاب الشائق الممتع المفيد ونهنئه عليه، فإننا نتمنى له التوفيق والنجاح نحو اصدار المزيد من المؤلفات والبحوث التراثية القيمة.

صحيفة اخبار الخليج
18 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

ماضي العمل السياسي ومستقبله

إذا كانت الوطنية البحرينية خلال القرن العشرين تمت بأداة وعي سياسي قومي وتقدمي وإسلامي علماني، فإنها تتكرس الآن بقوة في الوعي العلماني الديمقراطي التحديثي. لقد قام التجارُ والشيوخ والفلاحون والعمال اليدويون والمثقفون بدورهم في بلورة هذه الوطنية في زمن الموجات السائدة في القرنين التاسع عشر والعشرين، لكن في زمنية القرن الحادي والعشرين تحتاج هذه الوطنية إلى عقليات جديدة أكثر عمقاً وأقوى انتماءً للوطن. إن الاتجاه الليبرالي الذي ظهر من بين التجار في عقود القرن العشرين الأولى والذي كان محملاً بتقليدية كبيرة، ولم ينم صلات تحويلية مع العاملين، ولم ينشئ ثقافة ديمقراطية، ما لبث أن اتحد بالاتجاه القومي الشمولي الذي ظهر في البحرين على شكل مغامرات حادة وحماس عاطفي. وهكذا فإن الخسارة كانت مزدوجة: ضعف في الليبرالية وعدم تأصلها، ودخولها في الحركة القومية التي ظلت شعارية لم تنتج قراءة معمقة للواقع. وكانت الحركة الماركسية أقرب للبلد بحكم قراءتها للواقع المحلي، وتركيزها على البحرين حرية وثقافة ديمقراطية، ولم تتأذ كثيراً من القولبة السوفيتية لأنها ظلت في مهمات التحرير الوطني ونشر الثقافة التنويرية. وحين أفقدتها الضربات الأمنية والسياسية حضورها تماهت بعضُ عناصرها مع الحركات المذهبية السياسية المعارضة من دون أن تحافظ على استقلالها الفكري وتقرأ هذه التجربة المذهبية بعمقها المتوجه لتقسيم المنطقة وتقسيم البلد وتعميق الانقسام بين المسلمين. وتوجهت قواعدُ الحركات اليسارية التي ذابت مع عدم وجود مراكز تأصيلية وطنية للفكر إلى التشتت ومقاربة الاتجاهات المذهبية وملاحقة الشؤون اليومية البسيطة المحدودة. وزايد بعضُ من ركب موجات الحركات الليبرالية والقومية واليسارية في الانتماء للحركات المذهبية السياسية وتعمية دروبها التائهة ودفعها نحو المزيد من المغالاة والتطرف، مثلما فعل تجاه الحركات السابقة، بدلاً من تصويب خطواتها وتحذيرها من المغامرات والارتباطات الخارجية ومتابعة أجندات إقليمية خطرة. ونجد هؤلاء قلة نادرة لكنهم قادرون على تكريس الانقسام وخلق الصراعات الداخلية بين القوى الوطنية، بسبب تضخمهم الذاتي وعدم مشاركتهم في النضال الحزبي اليومي خلال العقود السابقة، وعدم دفعهم لضرائبه في المعتقلات، وعدم ممارستهم الكتابة التحليلية والنقدية للعمل السياسي البحريني خلال كل السنوات السابقة. ومن هنا تأتي مغالاتهم وتحريضهم للحركات المذهبية للمزيد من التطرف والانفصال عن حركة العصر الديمقراطية العلمانية دفعاً لها لزقاق مسدود تـُدمر فيه، وقد يكون هذا بحسن نية وقد يكون بسوء نية، لكن هذا يعبر عن التمسك بخيار الحركة المذهبية المتطرفة للصدام مع النظام إلى غايته القصوى. من دون أن يقبلوا تحليل مثل هذه المواقف، وكيف أن الجمهور البحريني بأغلبيته راح ينفصلُ عنهم، ولا يقبل الدخول في هذه الأعمال القصوى، الذي يدلُ تمحورُها على فئةٍ قليلة، ولجوئها لأساليب حادة، إلى دخولها هذا المأزق. ولكن قبل كل شيء فإن هذا الزقاق المسدود الذي دخلته كان دخوله منذ البداية، عبر تكوين تجمعات مذهبية غير وطنية، واستيراد تجارب وتنظيمات من الخارج، وقيام هؤلاء المثقفين الدينيين بالنفخ والتحريض العاطفي الشديد في العاملين والبسطاء المحرومين. وإذا كان العبور من الشاطئ الإيراني للشاطئ العربي قد جرى لحركات قديمة مناضلة، في زمن العصر الوسيط الديني، إلا أن هذا الانتقال الذي جرى في العصر الحديث جرى في عصر قومي حديث، حيث أخذ العرب بالتحسس مما يُنقل من الشاطئ الإيراني، فتفجرت حساسيتان قومية عربية، وقومية فارسية، ومذهبية سنية ومذهبية شيعية. وإذا أخذنا حتى الحركة الماركسية البحرينية التي ظهرت في الخمسينيات من تأثير بعض المثقفين والعمال الإيرانيين، إلا أن هذه الحركة رفضت التبعية لإيران والتماهي في تجربتها، واندمجت في الوطنية البحرينية التي راحت هي التي تحدد خطوات تطورها. ومن هنا فإن الدهشة كبيرة من قيام تلك العناصر النادرة (القومية) والشديدة التعصب للعروبة وللسنة فيما مضى، باحتضان مثل هذه التوجهات المذهبية المتطرفة، التي بدأت التيارات المذهبية بالابتعاد عن غلوها، رغم أنها لم تترك معارضتها، التي تزداد إيجابية كلما التحمت بخطوط النضال البحرينية، وتخلت عن مرجعياتها المذهبية السياسية المستوردة. ولكن هذا السياق المتدهور لهكذا وعي بين تلك القلة النادرة التي راهنت على أقصى صدام مذهبي مع النظام، الذي بررتهُ بإيجاد دستور ديمقراطي كامل، وبتشكيل مجتمع آخر، لكنها في المجرى الحقيقي لهذه الأهداف(العظيمة) تقوم بتأسيس مجتمع طائفي سياسي وتريد هيمنة طائفية معينة، كذلك تقوم بالانعزال المستمر عن مجرى النضال الديمقراطي الوطني حتى تغدو أفعالها مجرد ضربات عنف طائشة، وكتابات هزيلة، لا تحفر في تجربة البلد الوطنية، بل تبرر الحركات المذهبية وبرامجها لتقسيم البحرين. كذلك فإن خبرات العقود الطويلة من النضال الليبرالي والقومي واليساري سرعان ما نستها، إذا كانت قد وعتها، مما يدل على تلك الانعزالية الاجتماعية وعدم الاحتكاك بالحراك الوطني الساخن، بسبب رؤيتها التأملية الباردة، وانتهازيتها المتدنية. ولهذا نجد أكثر المتحمسين لمثل هذه الشعارات ممن انعزل عن مجرى النضال الوطني العام الذي يبدأ بالظهور، وراح يقدم أوامره ويطالب بالعودة الدائمة للكتالوج الطائفي. أو تراهم يظهرون من أوساط معينة تريد استمرار الصراعات الطائفية، واستمرار موجات التدخل بين الشاطئين الإيراني والعربي، لعدم نسيانهم الثارات القديمة، أو بسبب سذاجتهم السياسية، التي ترى ان كل ما نبع من طائفتنا هو الصحيح. ومثل تلك العناصر المنعزلة المروجة لهذا ترتكز على بطء التغييرات الاجتماعية الإيجابية وكون القوى الغنية لها برنامجها الذي لا يأبه بالمشكلات الشعبية الحادة، أو يعتمد على الحراك العفوي من دون خطط دقيقة لضرب الفقر والبطالة في البلد. إن العديد من القوى السياسية المشاركة في العمل السياسي ما لم تأخذ مسائل إلغاء الطائفية السياسية والاجتماعية، ورفع مستوى حياة الجمهور المعيشية وتطوير الثقافة الجماهيرية باتجاه التنوير، بعين الاعتبار لكن على مدى طويل، فلا يمكن أن تتحقق التغيرات المأمولة بين عشية وضحاها، وهي تحتاج إلى إصطفاف وطني.

صحيفة اخبار الخليج
18 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

الكفاءة في‮ ‬قانون العمل

في‮ ‬مشروع قانون العمل الموجود حالياً‮ ‬عند لجنة الخدمات النيابية،‮ ‬يعطي‮ ‬المشروع صاحب العمل حق التخلص من العامل وفصله إذا‮ (‬نقصت كفاءته‮).‬
هذا الحق،‮ ‬وافقت عليه‮ ‬غرفة تجارة وصناعة البحرين،‮ ‬بل ودافعت عنه في‮ ‬الحلقة الحوارية التي‮ ‬نظمها المنبر التقدمي،‮ ‬وشارك فيها ممثلون عن الغرفة وعن وزارة العمل،‮ ‬فيما تغيب مجلس التنمية الاقتصادية،‮ ‬على الرغم ان وجوده كان سيثري‮ ‬النقاش،‮ ‬لأنه المعني‮ ‬في‮ ‬تعديلات وحذف أضفاها على مشروع القانون،‮ ‬تسببت في‮ ‬جدل طويل‮.‬
من الطبيعي‮ ‬ان تثير هذه المادة القانونية مخاوف العامل،‮ ‬في‮ ‬وقت ستريح كثيراً‮ ‬صاحب العمل،‮ ‬إذ لم‮ ‬يحدد القانون طبيعة كفاءة العامل،‮ ‬ومن‮ ‬يحدد نقصانها،‮ ‬إذاً‮ ‬فهي‮ ‬مادة‮ (‬مطاطة‮) ‬تمكن صاحب العمل من استغلالها لفصل أي‮ ‬عامل بحجة‮ (‬نقص الكفاءة‮).‬
تمرير هذه المادة القانونية،‮ ‬تعني‮ ‬ضرباً‮ ‬لكل التطمينات التي‮ ‬توردها وزارة العمل بان حق العامل البحريني‮ ‬مصان حتى في‮ ‬عملية التسريح،‮ ‬فالفصل‮ ‬يكون للعامل الأجنبي‮ ‬ثم العربي‮ ‬ثم المواطن‮.‬
لن تكون هناك قيمة حقيقية لهذه التطمينات،‮ ‬لأن صاحب العمل لن‮ ‬يتردد في‮ ‬فصل الأكثر أجراً‮ ‬لتقليل مصاريف دخله،‮ ‬لأن العامل الأجنبي‮ ‬خصوصاً‮ ‬الآسيوي‮ ‬هو الأقل راتباً،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فإن البحريني‮ ‬سيكون عرضة للفصل وبشكل قانوني‮ ‬لأن كفاءته نقصت‮.‬
المشاركون في‮ ‬الحلقة الحوارية قدموا أفكاراً‮ ‬ومرئيات عديدة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬دفع بالنائب د‮. ‬عبدعلي‮ ‬محمد حسن الذي‮ ‬كان‮ ‬يمثل لجنة الخدمات النيابية في‮ ‬جمعية الوفاق،‮ ‬ان‮ ‬يطلب من المشاركين تسليم الوفاق تلك المرئيات والملاحظات،‮ ‬وهذا أمر جيد،‮ ‬ولكنه جاء متأخراً،‮ ‬فمشروع القانون تم عرضه أصلاً‮ ‬على المجلس النيابي،‮ ‬ولكن رئيس اللجنة طلب سحبه من الجلسة لمزيداً‮ ‬من الدراسة،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬ان اللجنة انتهت من‮ ‬غالبية مواد المشروع وتبقى عليه القليل لمراجعة بعض الأمور المختلف عليها‮.‬
ما أثارته الحلقة الحوارية هو ان كثيراً‮ ‬من المواد تحتاج الى أعادة نظر،‮ ‬هذا فضلاً‮ ‬عن حذف المواد التي‮ ‬تؤكد حق المواطن العامل‮.‬

صحيفة الايام
18 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد