المنشور

التنميط والتمصلح من الواقع


نمرّ حالياً بأوقات غريبة، وكأننا نشاهد حلبات من المصارعة الحرة في التصريحات والأخبار المتضاربة من كل جانب. فلو لاحظنا ما يقوله عدد من المسئولين بشأن التصريحات الإيرانية المسيئة للبحرين نلاحظ اختلاف النغمة وتقلبها بين يوم وآخر. والأمر ينطبق على بعض جهات المعارضة التي تتوالى تصريحاتها بشأن القضايا المحلية صعوداً وهبوطاً. وبين هذا وذاك، يلاحظ انتشار ظاهرة السخرية لدى عامة الناس، وهي سخرية مصحوبة بالتوجس والهلع من الأنباء التي تتضارب فيما بينها. نفاجأ أيضاً بتطورات متناقضة من دون سابق إنذارأو تهيئة، وفي كل مرة يبدو أن هناك توقعاً بأن على الناس أن تبدل ذاكرتها بين يوم وآخر، ثم تعيدها، وتستبدلها في اليوم الذي يلي ذلك، وكأن القضايا أصبحت مثل كرة تنس الطاولة التي أصابها عطب وتتجه يمنة ويسرة رغم أنف اللاعبين.

عدد من القوى المخلصة سارعت إلى اقتراح علاجات، بينما سارع آخرون من المتمصلحين للاستهزاء بهم، وذلك في سياق ظاهرة السخرية التي تواكبنا منذ فترة غير قصيرة. وكما ذكرت بالأمس، فإن هناك من يرى أن الأسهل في هذه الفترة”الاختفاء” عن الحدث وترك الأمور تعالج بعضها بعضاً، أملاً في أن تنتهي بنتيجة ما ليعود المختفون بعد ذلك إلى الظهور. والذين يحاولون الاختباء ليسوا فقط من الجانب الأهلي، وإنما هناك وزراء ومسئولون قرّروا الهروب من كل شيء وصمّ آذانهم وإغلاق هواتفهم والبحث عن وسيلة تسليهم وتشغلهم عن مجريات الأمور الحالية.
لعل جانباً من ما يحدث جاء نتيجة للتعامل مع الوضع المحلي خلال السنوات الماضية بـ “نمطية سياسية” مصحوبة بـ «إيديولوجيات أحادية -التوجه»، وهذه النمطية نقرأها في مقابلات وتصريحات المسئولين (ولاسيما تلك التي تنشر في الصحف غير البحرينية)، كما تلاحظها لدى عدد من المتحركين على الساحة وبعض الفاعليات المجتمعية.
نعم، البعض يقول إن الحديث خارج الإطار «النمطي» الذي فرضناه على أنفسنا إنما هو «أحلام وردية»، ولكن لا بأس بالأحلام الوردية إذا كانت هي المخرج الوحيد من «المصارعة الحرة» التي لا تعير اهتماماً للفكر أو المهنية أو الإيجابية في التعامل مع معطيات المشكلات التي كانت بسيطة جداً، ولكنها أصبحت معقدة بسبب أسلوب «التنميط» المتبع حالياً.
ومن المفارقات أن عدداً من اللاعبين المؤثرين في الساحة، وكذلك المؤثرين على بعض دوائر القرار المهمة، يتبعون اتجاهات دينية أساساً، ولكنهم يمارسون السياسة كما لو أنها نوع من «القمار» الذي يلعبه أصحاب المصالح الخاصة. إن التنميط السياسي خلق فرصاً عديدة للمتمصلحين ووفّر فرصاً أخرى للاستهزاء بمن يحاول إصلاح الأوضاع عبر مبادرات حوارية… ولكن هذا كله يجب ألاً يفت من عزم من يخلص لوطنه، لأن الله والضمير الإنساني معه.
 
الوسط 23 فبراير 2009

اقرأ المزيد

خاتم خاتمي وعجائب الانتخابات الإيرانية

تحدثنا الأسبوع الماضي عن التطور الحلزوني للنظام الذي ولدته الثورة الإيرانية. وعلى مدى الثلاثين عاما الماضية استمر هذا النظام في التطور الذي لايزال في حدود توسيع أو تضييق الأطر التي تسمح بها الحدود المرسومة من قبل مرشد الثورة. وفي عهد الرئيس أحمدي نجاد تميزت حلقة التطور بسعي النخبة، بهدف الاستمرار بالإمساك بالأمور لصالحها، لعدم السماح بمضي الاتجاه القيمي للتطور بخط مستقيم، متصل وصعودي في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما ارتقت البلاد إلى مستويات عالية من التطور التكنولوجي الذي وجد تعبيره في البرنامج النووي الإيراني وبناء القدرات العسكرية الذاتية الكبيرة وفي إطلاق أول قمر صناعي حول الأرض احتفالا بثلاثينية الثورة. وفي هذا كمن التناقض الداخلي لتطور الثورة الإسلامية في هذه المرحلة.
الآن تقف إيران على أعتاب انتخابات رئاسية جديدة ستجري في 12 يونيو/ حزيران المقبل. فإما أن تعمق نتيجتها هذا التناقض وإما أن تسمح بوصل بين ما تحقق على المستوى التقني العلمي وما يجب أن يتحقق على أساسه من تحولات في المجتمع. ذلك سيعتمد على من سيفوز.
انشغال الإيرانيين بموسم عاشوراء والتظاهرات ضد العدوان الإسرائيلي على غزة ومساعي تشكيل جبهة إسلامية ضد إسرائيل جميعها صرفت، إلى حد ملحوظ، أنظار الرأي العام والإعلام عن القضايا السياسية الداخلية المرتبطة بالانتخابات الرئاسية. أما من وراء الكواليس، في اللقاءات الشخصية والمناسبات العائلية وحفلات الزواج وبعدها في مجالس العزاء الحسينية كانت المشاورات وجهود التنسيق حول المرشحين للانتخابات الرئاسية تجري بنشاط.
بقي القليل قبل البدء الرسمي لتسجيل مرشحي الانتخابات الرئاسية. ومع ذلك فقد تأخر جناحا المحافظين والإصلاحيين في تقديم مرشح موحد لكل منهما للانتخابات. وهذا يدل على وجود تعقيدات كثيرة في داخل كل طرف. العمليات الجارية في أوساط المحافظين في الأسابيع الأخيرة تبين التفاف كثير من القوى الرئيسية حول شخص أحمدي نجاد. بينما قبل شهر واحد فقط كان نجاد لا يجد تأييدا سوى في أوساط مؤسسة ‘ريحيه خوش خدمت’، أما باقي الاتجاهات – المحافظون البراغماتيون وحتى التقليديون فكانوا يهاجمونه بشدة ويحاولون إيجاد مرشحين بدائل عنه، حيث جرت تسمية 10 – 21 من السياسيين المعروفين ضمن تحالفات محافظة مختلفة كالمكتب المؤتلف (م. رضائي) وحكومة الوحدة الوطنية (ناتج نوري، رفسنجاني، روحاني) وغيرهما. ولحسم الأمور في داخل معسكر المحافظين لصالح أحمدي نجاد أعرب مرشد الثورة خامنئي بشكل غير مباشر عن دعمه له في كلمة ألقاها في جامعة العلوم والصناعة. وفي الوقت ذاته رمى ببعض التلميحات لغير صالح خاتمي قبل أن يلتقيا فيما بعد. وكذلك فعل قادة الحرس الثوري والباسيج. غير أن ذلك لم يمنع عددا من كبار رجال الدين في قم من أن يعربوا بشكل مكشوف عن موقفهم السلبي تجاه نجاد ومناصريه.
ورغم بعض التوقعات بأنه لو أجريت الانتخابات هذه الأيام لفاز نجاد بلا منازع، إلا أن مؤشرات تطورات الأوضاع تشير إلى تدني سمعته السياسية بسبب الأزمة الضاربة. مدير معهد التكنولوجيات السياسية في موسكو أ. ماكاركين يرى أن الأزمة المالية العالمية قد أصابت الاقتصاد الإيراني بأكثر مما أصابت روسيا، حيث إن إيران تعتمد بشدة على عائدات النفط التي انخفضت أسعارها دراميا خلال نصف العام الأخير. كما أن السياسة غير الرشيدة التي اتبعتها حكومة نجاد في مجال الاقتصاد الجزئي أدت إلى ارتفاع البطالة والتضخم إلى مستويات جدية. وللتغطية لم يكن لدى نجاد سوى تأجيج الخطاب السياسي داخليا وخارجيا. وقد جاء التفاف كثير من المحافظين حوله بداعي قلقهم وتحشدهم لمواجهة احتمال ترشح خاتمي. أما تأخر خاتمي عن ترشيح نفسه فيعود إلى التأجيلات المتكررة للقاء الذي كان ينتظره مع المرشد الأعلى الذي تم في 16 يناير/ كانون الثاني فقط. ورغم كل التعتيم الإعلامي حول ذلك اللقاء، إلا أن صحيفة ‘كيهان’ وحدها نشرت في 18 يناير/ كانون الثاني خبرا بأن القائد أكد موقفه الحيادي في مسألة الانتخابات الرئاسية.
وبمجرد أن أعلن خاتمي نيته ترشيح نفسه حتى اتضح أن دائرة مؤيديه ستكون ليس من غالبية الإصلاحيين فقط، وإنما المجاميع المستقلة المعتدلة أيضا. وقد يجد دعما بين المحافظين البراغماتيين. وكان مرشحان من معسكر الأصوليين (م.ب. غاليباف وم. بورمحمدي) قد أرسلا إشارات عن استعدادهما لعدم الترشح دعما لخاتمي. وبدأت تتسرب الأخبار عن دعم لخاتمي من بعض أنصار رفسنجاني الذين ظهرت خلافاتهم مع نجاد للعلن.
التأخير المستمر في إعلان خاتمي نيته الترشح والدعاية النشطة الموجهة من قبل الرئيس الحالي للنيل من سمعة حركته ‘الثاني من خورداد’ كل ذلك ساهم في خلخلة الاستقرار في صفوف الإصلاحيين وقلص من عدد أنصارهم. لكن ما أن قطع خاتمي الشك باليقين وأعلن بالفعل رغبته في الترشح بعد لقائه بخامنئي حتى شرعت إدارة عملياته في إعداد برنامج التحولات الاقتصادية في البلاد. وبدأ خاتمي يخطف الأضواء.
السيد محمد خاتمي كان رئيس إيران لدورتين. وبسبب الإصلاحات التي أجراها أو وعد بها في ذلك الوقت أطلق عليه ‘غورباتشوف إيران’. وفي آخر فترة حكمه أصبح هدفا لسهام النقد من على يساره ويمينه. بعض أنصاره رأوا فيه متهاونا وغير ثابت على طريق الإصلاحات السياسية. أما خصومه من المحافظين، فعلى العكس، اتهموه بالتواطؤ، وحتى العمالة، مع الغرب. التناقضات بين ما أعلنه وحققه خاتمي أفضت إلى نتيجة لم تكن متوقعة بفوز رئيس بلدية طهران حينها أحمدي نجاد، الذي أتى على ما استطاع خاتمي إنجازه. وولدت إحباطا وعزوفا لدى أوساط واسعة من ‘الليبراليين’ الذين عزفوا عن الاشتراك في العمليات السياسية في طهران خصوصا. وبسبب ذلك حصد المحافظون كل مقاعد البرلمان الثلاثين عن العاصمة طهران، في حين فاز بعضهم بـ 12% من أصوات الناخبين فقط. فهل ستفضي تناقضات فترة نجاد إلى فوز خاتمي ويتحقق الصعود إلى حلقة أخرى من التطور هذه المرة؟ إلى جانب من سيرمي مرشد الثورة بثقله في نهاية المطاف؟ عندها ستقول ‘الديمقراطية الموجهة’ كلمتها الفصل. وقد يكشف خاتم خاتمي عن عجائب صندوق الانتخابات الرئاسية في إيران.
 
صحيفة الوقت
23 فبراير 2009

اقرأ المزيد

تاريخ وراهن اليسار الإيراني (2)

كما كان الشاه هو رمز النظام الإقطاعي الملكي السابق كان حزب الشعب الإيراني (توده) رمز هذا النظام على المستوى الشعبي.
إن مقاومة هذا الحزب للنظام الملكي هي طويلة ومليئة بالتضحيات الكبيرة ومريرة وفاشلة كذلك، لعدم وجود رؤية صائبة لديه.
إن تبعية حزب الشعب للإقطاع، تبدو هنا متناقضة وغريبة، فقد كان ينادي بإجراءات ديمقراطية مهمة، وكان مؤيداً لعمليات إصلاح زراعية واقتصادية ولتحرير إيران من الاستعمار الغربي وكان يعتبرُ نفسه ممثلاً للطبقة العاملة.
كان حزب الشعب مثل بقية الأحزاب الشيوعية في المنطقة ينقلُ الأفكارَ السوفيتية، وكان الاتحاد السوفيتي نظامٌ يتجهُ لأزمةٍ عميقة، عبر تضخم آلة الدولة والبيروقراطية وغياب الحريات والتفكير النقدي، وكان هذا نموذجاً لدى الأحزاب الشيوعية، لا يقبلُ النقد كذلك، وبالتالي كان لا يجري نقد هذا النموذج الدكتاتوري، ويجري اعتباره مقدساً وقدوة صالحة للتطبيق في الأقطار الأخرى، وكانت إيران تتمتع بميزة خاصة في عملية النقل هذه، فهي متاخمة جغرافياً للاتحاد السوفيتي وقد شهدت انتفاضات عمالية سياسية مجاورة للحدود وتعرضت هذه الانتفاضات لهزائم ومذابح وتـُركت من دون مساعدة أممية.
وبسبب ذلك تعرض حزب الشعب لقمعٍ طويل وعنيف ووحشي من قبل نظام الشاه، وتعرضَ التنظيم للضعف والتحجر السياسي، وتغلغلتْ فيه البيروقراطية، فلم يعدْ قادراً على الإنتاج الفكري الخلاق، وتقلصتْ جماهيرهُ الباقية على إثر ذلك، والبقية منها مضى يجاورُ جمهورَ الإقطاع الديني المتوسع بشكلٍ كبيرٍ في المدن، الذي جعلَ المظلة الدينية والعبادات الدينية الحاشدة والنامية شكلَ مقاومتهِ ضد نظام الشاه القامع لكل الأحزاب.
وبهذا فإن حزبَ الشعب فقدَ فكرَ الماركسية النقدي والعلماني على جانبين، جانب القيادة المروجة لأفكار الدكتاتورية السوفيتية، وجانب جماهيره الملتصقة بجمهور الإقطاع الديني، وراحتْ تتسربُ إليه فتفقدُ تميزَهَا عبر مراحل.
يقومُ وعي الدكتاتوريةِ السوفيتية على الإلحاد العدمي، أي هو منهجٌ غيرُ جدلي، يُلغي الأديانَ بتعسفٍ بيروقراطي، ويلغي كذلك تاريخَ الجمهورَ الديني وصوته السياسي ويلحقهُ بآلتهِ الشمولية، وعبرَ قرارات القيادات يجري كل شيء.
والالحاد العدمي مثل الإيمان الجامد كلاهما حفاظ على البنية العتيقة المتخلفة للأديان كما تحكمت بها وشكلتها القوى الإقطاعية خلال قرون، أي يجري الحفاظ على طبيعة السلطة المتعالية للدولة ولرب العائلة وعدم تطورهما الديمقراطي. يجري هذا في الدولة والحزب والعائلة كنسيج واحد.
عبر نقلِ مثل هذه الأدلجة البيروقراطية المزعومة كماركسيةٍ، يُهمشُ تاريخُ الإسلام، ويغدو ذلك خاصة عبرَ عمليةِ النقلِ من بلدٍ مسيحي (أرذوكسي)، إلى بلدٍ مسلم شيعي، ملغىً وخارج الاعتبار السياسي، فتحدثُ عملية إلحادٍ عدمية، وبهذا فإن الحزبَ يتهمشُ، ويغدو عاجزاً عن التغلغل بين الجمهور المؤمن، فهو مقموعٌ ويخرجُ نفسَهُ كذلك من التاريخ الديني – الشعبي وإمكانيات تحوله السياسية.
ولا يغدو له ثمة دين إسلامي بل المذهب السائد، فقد تمازج مع الدولة المذهبية وسيادتها الطبقية الاستغلالية، فيندمجُ في شعائرِها، ويركزُ على اقتطاع شعاراتٍ سياسية من المذهب السائد، كدليلٍ على تقدميته، وهذا يقوده إلى الذيلية للإقطاع الديني.
وعلى المستوى السياسي العام تغدو شعاراته مقبولة من قبل الجمهور المضطـهد، فهي ضد دكتاتورية الشاه ومن أجل العدالة وترقية الشعب، ولكنه لا يوسع شعبيته الخاصة، لا يطرحُ فكراً مقبولاً متوسعاً ومتجذراً بشكل مستمر، لأنه غاب عن الفكر، عن إنتاج وعي وطني إيراني ديمقراطي – إسلامي – علماني، ليرتكزَ على جذوره الدينية والإنسانية، ويواجه الإقطاعين السياسي والديني كذلك في مركبٍ واحد.
لقد صار حزباً سياسياً تكتيكياً تقود خطاه الأيامُ العفويةُ والحركة الظاهرة وسذاجة الشعب، فيتذيلُ في خاتمة المطاف للإقطاع المذهبي المحافظ. لا يستثمر العناصر النضالية في هذا المذهب لابعاد الإقطاع عن احتوائه.
ولهذا نجد حزب الشعب في أثناء الثورة الشعبية فقد قدرته على التحليل والتبصر:
(في ظل هذا الوضع كان الانشغال الرئيسي للحزب الشيوعي هو الجري وراء القوى الدينية الرجعية وآية الله لطلب إقامة نوع من “الجمهورية الإسلامية الديمقراطية”، المصدر السابق).
إن عدم النضال منذ البداية من أجل طريق رأسمالي ديمقراطي علماني، يتماثلُ مع عداوة البيروقراطية السوفيتية للديمقراطية ورفضها للتطور الحقيقي، وتموه ذلك بالنضالِ المزعوم من أجل الاشتراكية، ولهذا فإن حزب توده لا يُعبدُ الطريقَ لنضالٍ ديمقراطي واسع النطاق ضد حكم الشاه، بل ينزلقُ تدريجياً للاصطفافِ مع القوى الدكتاتورية الدينية.
هذا الانزلاقُ سيكونُ عبر شعار الجمهورية الإسلامية، وهي ليست جمهورية إسلامية بل مزارع جديدة للإقطاع الديني، ولدكتاتورية جديدة أسوأ من دكتاتورية الشاه، وأكثر دموية، وتعمقُ الارهابَ على نحو هائل، وتغدو شمولية متدخلة في البيوت والعقول، ويغدو بعضُ انفتاح الشاه حلماً!
كان هذا التأييدُ الانتحاري ثمناً لانهيارِ العقلِ اليساري المستقل على المستويين العالمي والوطني، وهذا ليس في إيران فحسب بل في المنطقة عموماً، لقد تكشف فقر هذا (اليسار) الفكري خاصة في تسارع الأحداث وعدم الالتقاط الدقيق لشعيرات التطور مما ساهم في تغذية كوارث جماعية وسياسية جغرافية واسعة.
لقد قاد ذلك إلى قمع هائل للقوى السياسية الإيرانية ووصل هذا إلى استنزاف كبير ودموي للقوى التقنية والاجتماعية المستنيرة ليتشكل طوفان الهجرة للخارج ولتتفجر الحروب والتدخلات ويتمزق العالم الإسلامي.
كان هذا هو ثمن (الثورة الإسلامية) الفادح، نتيجة أعمال القوى السياسية الحكومية الملكية والدينية واليسارية، مجتمعة، ومتصارِعة، لتوجد من إيران في النهاية قنبلة كبرى في المنطقة قد تنفجر في أي لحظة بالمزيد من الكوارث!

صحيفة اخبار الخليج
23 فبراير 2009

اقرأ المزيد

امنحوا الاعتدال فرصة


بعض من ينتقدون مبادرة المنبر التقدمي للحوار الوطني يقولون إن «التقدمي»، بالآليات التي يقترحها لتفعيل مبادرته يتجاوز السلطة التشريعية، وبشكل خاص مجلس النواب، وانه يتصرف كأنه لا يوجد مجلس منتخب من الشعب، عكس ما كان عليه الحال قبل مرحلة ميثاق العمل الوطني.
لم نقل يوما، ولا بصورة من الصور، ولا يوجد في سلوكنا ما يشي بأننا نعمل على تجاوز مجلس النواب، وفي ذروة المقاطعة لهذا المجلس منذ سنوات، كان لدينا نواب فيه، وكنا في قيادة «التقدمي» حريصين على التواصل مع هذا المجلس. بل إننا في ظرف من الظروف أدينا دور الجسر بين الجمعيات الأربع التي قاطعت مجلس 2002 وبين هذا المجلس، حين حملنا ما كانت الجمعيات السياسية قد توافقت عليه من رؤى حول مشروعي قانون الجمعيات والتجمعات إلى مجلسي النواب والشورى معاً.
كنا وما زلنا نعتقد أن أي تفاهم يجري بين الدولة والمجتمع يجب أن يأخذ صفته التشريعية من خلال المجلس الوطني بغرفتيه. هذا مع احتفاظنا بموقفنا حول ضرورة تطوير وتوسيع الصلاحيات التشريعية للمجلس المنتخب، لكن دون المساس بمكانة هذه المؤسسة ودورها، رغم انه لا يوجد لنا تمثيل فيها في الوقت الحاضر، فنحن في نهاية المطاف حريصون على التمسك بأي منجز يتحقق، ونعمل في سبيل تطويره. وليست مصادفة أن المنبر التقدمي توجه بمبادرته إلى مجلسي الشورى والنواب مثلما توجه بها للجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية، وبطبيعة الحال إلى الجهات المعنية في الدولة نفسها، ومن أولى الخطوات التي قمنا بها، ونحن نطرح المبادرة للمجتمع، لقاءنا يوم أمس مع رئيسي الغرفتين المنتخبة والمعينة في المجلس الوطني الأستاذين الفاضلين خليفة الظهراني وعلي الصالح.
قلنا إن مجلس النواب في تركيبته النهائية لا يمثل الخريطة الاجتماعية والسياسية في البلاد كاملة، ولا يجب أن يكون في هذا القول ما يغيظ، فليس فيه مجافاة للحقيقة، فهناك قوى لم يقدر لها التمثيل في هذا المجلس لأسباب مختلفة، ليس هنا محل مناقشتها أو عرضها، ونحن ضمن هذه القوى، لكن ذلك لا ينفي عنها صفة التأثير في الحراك السياسي في البلاد، وفي بعض الحالات بأكثر مما تفعله بعض الكتل النيابية اليوم. فإذا ما سايرنا المنطق الذي يقول إن الكلمة في هذا البلد هي لمجلس النواب وحده، فإننا سنصل إلى خلاصة خطرة مؤداها شطب العديد من الجمعيات السياسية المهمة ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة والعديد من الشخصيات واللوبيات المؤثرة في المجتمع. ولا نحسب أن عاقلاً، أو أي شخص على درجة من الإلمام السياسي يُمكن أن يقبل بهذا القول، ففي ذلك اختزال للمشهد السياسي الثري والمتنوع في هذا البلد ببضع كتل نيابية، قد تختلف مذهبياً ولكنها تتماثل، من حيث الطبيعة الفكرية والأجندات الاجتماعية التي تطرحها لمستقبل البحرين. ثم أن هذه الكتل تملك قابلية التخندق في المواقع القصوى المتقابلة، فلا تعود قادرة على النظر إلى أبعد من هذا التخندق في ظروف الانقسام المذهبي المتفاقم في المجتمع.
مبادرة المنبر التقدمي تمثل اليوم صوت الاعتدال الذي نرى أن من مصلحة الوطن بكل مكوناته الإصغاء له، وللذين، يتوجسون خيفة من هذه المبادرة دون سبب وجيه مقنع، نقول:    



            امنحوا الاعتدال فرصة. 

 



الأيام 23 فبراير 2009
 

اقرأ المزيد

مبادرة الحوار الوطني… كيف نبدأ فيها؟


في الأوساط الساسية والشعبية يدور الحديث في الوقت الحالي عن المبادرة التي طرحتها جمعية المنبر الوطني التقدمي لقيام حوار وطني شامل للخروج من الحالة الراكدة التي تهيمن على المجتمع حاليا، ونزع فتيل الاحتقان الذي نعيشه، بعد ذلك تبعتها الكتلة البرلمانية لجمعية الوفاق الوطني بطرح مبادرة مماثلة من خلال المجلس النيابي، وطلبت مناقشة تلك المبادرة وتبنيها من قبل البرلمان، وطلبت كذلك دعم الكتل البرلمانية الأخرى لها، وساندتها في ذلك كتلة المنبر الوطني الإسلامي.
لن نتطرق إلى محتوى مبادرة جمعية المنبر، فذلك حق تمتلكه الجمعية، ولا نرغب في تجاوز ذلك الحق، سواء كان المحتوى كما هو مطلوب، أو أن هناك أمورًا بحاجة إلى التطوير أو الإضافة أو الإلغاء، ولكن أي مبادرة تهدف إلى الوصول إلى حالة مجتمعية مرضية ومطلوبة بحاجة إلى الدعم من قبل الآخرين. من هنا، نأمل في ألا نرى تسابقا في طرح المبادرات المختلفة، ومن قبل أطراف متعددة لنفس الهدف خوفا من تضارب المصالح في تلك المبادرات، وليس في المبادرات نفسها، فلا نظن بأن محتوى المبادرات المختلفة يمكن أن يتضارب أو يختلف بصورة كبيرة. ولكي تلقى مبادرة الإخوة في المنبر التقدمي أو الوفاق الإسلامي بعض النجاح، لا بد من تزامنها مع بعض الأمور التي يمكن إيجازها بصورة شديدة نظرا لصغر المساحة المتوافرة لهذا المقال، التي منها:
أولا: من الضروري أن تكون لدينا مبادرة واحدة تقود عملية الحوار الوطني المطلوب، وتكون الأفكار أو المبادرات الأخرى روافد للمبادرة الرئيسية أو جزءا منها، أما أن نجد مبادرات متعددة وحوارات مختلفة بشأن مبادرات متعددة، فإن ذلك سيكون تشتيتًا للجهد والوقت، ويخلق نوعا من التضارب وزرع بذرة للخلاف، لسنا بحاجة لها في الوقت الراهن.
ثانيا: من المهم أن يسعى أصحاب المبادرة إلى خلق نوع مطلوب من الهدوء والأمن الاجتماعي يعطي الأرضية الصالحة والمناسبة للحوار الوطني المطلوب، ويعطي المجال المفتوح لأصحاب المبادرة لإجراء الاتصالات المطلوبة.
ثالثا: على أصحاب المبادرة إبعادها عن التكتلات التي خلقت نوعا من التفتت أو الشروخ في الحالة السياسية والاجتماعية، والقيام بالاتصالات اللازمة بصورة شاملة مع الأطراف المختلفة، ثم الدعوة إلى لقاء عام يضم الجميع.
رابعا: في الحوار الوطني، سيكون الهدف والغاية هو الوصول إلى توافق بشأن جميع أو على الأقل جل القضايا الخلافية والملفات الوطنية التي بسببها وصلنا إلى الحالة التي نحن فيها اليوم، وطرح الملفات دفعة واحدة وبصورة شاملة قد يدق المسمار في نعش المبادرة بمجرد طرحها أو بدء الحوار فيها، بالتالي فإن هناك بعض الملفات يمكن الالتقاء أو الحوار بشأنها، وبالتالي التوافق على حلول معينة بخصوصها، ثم تطرح الملفات الأخرى بعدها، وبعد أن وضعت تلك الملفات الأرضية المناسبة للحوار الشامل، أما أن نصر على مناقشة القضايا الخلافية الشديدة منذ البداية، فلا أعتقد بأن ذلك يمثل البداية الصحيحة لأي حوار.
الحوار في أي قضية من المهم أن يبدأ وهو لن يبدأ بما يعيقه أو ينهيه من بدايته، بل بما يقويه ويعين المبادرين على مواصلة التحاور.
خامسا: الطرف المهم في الحوار هو النظام السياسي أو “الحكومة”، فالخلاف ليس بين الأطراف السياسية المتمثلة في الجهة الشعبية، بل هو بين النظام وبعض الأطراف في الحالة السياسية المجتمعية، لذلك لا بد من قناعة تتواجد لدى النظام السياسي تدفع به للدخول في الحوار المطلوب، ولكي توجد تلك القناعة لا بد من توافر الثقة المتبادلة، وتلك الثقة لن تأتي باستمرار العنف في المجتمع، فهي سلسلة متعاقبة من المطالب من الضروري توافرها لكي نبدأ الحوار.
تلك أمور أرجو أن يعذرني الإخوة أصحاب المبادرة في طرحها منذ البداية، ولكنها نقط أرى – من وجهة نظري على الأقل – ضرورة توافرها لكي نصل إلى أرضية صالحة ومناسبة للحوار، والأهم من ذلك للوصول إلى توافق من خلال ذلك الحوار. والله من وراء القصد.
 
البلاد 21 فبراير 2009

اقرأ المزيد

الاستثنائيات..«إذا كان هاذي أولها».؟؟


عندما كنا نؤاخذ النواب ونعتب عليهم لطول إجازاتهم الطويلة كان البعض منهم «يزعل» علينا بشدة فيما وعدنا البعض الآخر منهم بتخريجة الجلسات الاستثنائية بوصفها تعويضا لحق الناخب على النائب في المهدور من وقت طويل في الإجازات فتعشمنا خيرا وقلنا لننتظر مع المنتظرين. ولكننا فوجئنا وذهلنا حقيقة من عدم اكتمال النصاب في الجلسة الاستثنائية الأخيرة التي كان من المفترض انعقادها وكنا نأمل ان تكون تطبيقاً عملياً وايفاءً بالوعد الذي قطعه النواب على أنفسهم بتعويض الوقت الضائع في العطلات والإجازات بالجلسات الاستثنائية.. ولكن خاب الرجاء وخذلنا النواب الذين تغيبوا وللأسف كان بعض الغائبين والمتغيبين ممن رفعوا شعار الجلسات الاستثنائية بوصفها الحل وطالبوا بها في تصريحات نارية وحماسية ليتضح لنا مع غيابهم عن استثنائية الخميس أنها مجرد تصريحات انتخابية لكسب الناخبين الغاضبين فعلا من طول الإجازات الطويلة بما عطل التشريع والمشاريع لاسيما في ظل التركيبة البرلمانية الفاقعة التي أفرزتها انتخابات 2006 ولكن «كما تكونوا يولى عليكم» وهذه إرادة الناخب ولعلنا نقول هنا ما قالت به أمثالنا الشعبية «خبز خبزتيه اكليه» والمصيبة اننا سنخبز هذا الخبز ونفس الخبز في انتخابات 2010 طالما ظلت ذهنيتنا الانتخابية محكومة بذات النفس.. نقول هذا الكلام ونحن نعلم اننا لا نتعلم من تجاربنا.. وهذه حقيقة الحقائق العربية. المشكلة ان الناخب لا يريد ان يزعل النائب.. ولكن النائب كل مرة يزعل الناخب حتى في ابسط الوعود لا يفي بالتزاماته ومن الواضح ان «الربع» النواب يعشقون الإجازات على قاعدة «من يعاف الراحة» خصوصا اذا كانت مدفوعة الأجر والمشكلة الثانية ان المجلس لم يطبق حتى الان على النواب المتغيبين «قانون الخصم» الذي تخوله للمجلس اللائحة الداخلية على العضو المتغيب بغير اذن او إجازة. ويبدو ان الخصم لا يصيب «الناس اللي فوق» بحسب تعبير المسرحي الراحل نعمان عاشور والسؤال كيف يطبق المجلس الجزاء على نفسه في المفترض ان جهة محايدة تطبق القانون فالأمر الطبيعي في الحالة العربية عدم تطبيق الجزاء على الذات وان كنا ننتظر ان يفاجئنا نائب من النواب المتغيبين بلا عذر أو إذن ويطالب علنا وفعلا ان يطبق الخصم عليه.. على كل هو مجرد اقتراح انتخابي دعائي لو حسبها البعض بنظرة بعيدة لكن «المال عديل الروح» هكذا قالت لنا الحكمة العربية المأثورة والاثيرة في نفوس الجميع خصوصا نوابنا العرب الذين قد يطبقون الجزاءات على الدولة على الحكومة على الوزراء على الشركات او المؤسسات.. ولكن عندما تلامس الجزاءات حدودهم قالوا لها بصوت واحد «حدج»!! يعني «خط احمر» خصوصا وان الخطوط الحمراء زادت وفاضت وكل واحد صار خطاً أحمر.. ولنا في ذلك حديث سيطول… وكان الله في العون حتى بتنا نخشى ان إشارات المرور لا تشتغل ولا تعمل الا بلون وبخط واحد احمر.. تالي عاد فجج..!! المشكل اليوم ان كل شيء قد تسيس او بالأدق قد سيسوه  والكاتب الذي يبحث عن استقلالية يصبح هدفاً وصيدا سهلا لجماعات التسييس فهو مرة متآمر ومرة عميل ومرة يقبض بالدينار ومرة يقبض بالدولار بحيث يحاصرون بالتسيس ملاحظاته ونقده وكتاباته وهو أسلوب قديم تم تجديده وتم رواجه مع رواج ظاهرة التسيس التي سيطرت على الأذهان والوجدان العربية بحيث أصبحت المجاملات السياسية هي السائدة بين جماعات التسييس وعلى طريقة اسكت عني واسكت عنك ضاعت أمور كثيرة كان بالإمكان معالجتها مبكرا ومنها غياب النواب……………
 
الأيام 22 فبراير 2009

اقرأ المزيد

مستشار السوء… وتجربة البحرين!


ينقل لي صديق موثوق مطلع على بواطن الأمور أنّ أحد مستشاري السوء المقربين من بعض مراكز القرار حاول في الآونة الأخيرة ترويج فكرة خبيثة حول إمكانية تكرار تجربة الانقلاب مرة ثالثة على الدستور، وذلك بالاقتداء بما حدث في البحرين خلال الأعوام من 1975 حتى 2001 كمثال على إمكانية فرض حالة العمل خارج إطار الدستور فترة طويلة من الوقت من دون حدوث أي مشكلات!
ويبدو أنّ مستشار السوء، الذي يروّج المثال البحريني ويحاول تسويقه ليتكرر في الكويت، يغفل إما عن جهل مطبق مع أنّه متعلم، أو عن سوء نيّة مغرضة مع علمه بحقائق الأمر، ما رافق تلك الحقبة السوداء من تاريخ البحرين المسماة هناك بـ«حقبة قانون أمن الدولة» من اضطرابات وقلاقل وصدامات دامية في أعقاب حلّ البرلمان المنتخب الذي يحمل اسم «المجلس الوطني» في 26 أغسطس من العام 1975 استمرت طوال ربع قرن من الزمان إلى أن قيض اللّه للبحرين عاهلها الحالي الملك الشاب حمد بن عيسى، الذي بادر بعد استلامه مقاليد الحكم إلى إجراء مصالحة وطنية تاريخية أنهت ذلك الوضع الاستثنائي الشاذ، حيث بدأت البحرين مرحلة جديدة، هي مرحلة الميثاق، قد تكون لها تحدياتها ومشكلاتها وتعقيداتها وتناقضاتها ونواقصها، ولكنها بالتأكيد مرحلة تختلف جذرياً وبما لا يقاس عما كانت عليه حال البحرين خلال “حقبة قانون أمن الدولة”.
فخلال تلك الحقبة السوداء سقط في معارك المطالبة بعودة الدستور وإلغاء قانون أمن الدولة أكثر من ثمانين شهيداً بحرينياً، وجرى اعتقال الآلاف من المواطنين، وتعرض نحو 7000 منهم وفق الحالات المسجلة للتعذيب، وأُبعد ونُفي عن البحرين نحو 600 مواطن بحريني، ومع ذلك فقد واصلت الحركات التقدمية والوطنية والإسلامية تحركاتها، التي تهدأ حيناً وتعود بشدة أقوى مما كانت حيناً آخر، وذلك للمطالبة بإعادة العمل بالدستور، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وعودة المبعدين، وإلغاء قانون أمن الدولة.
وفي النهاية أدرك الحكم في البحرين خطورة مواصلة السير في ذلك الطريق المسدود، فبادر الملك حمد في بداية عهده إلى تخفيف الاحتقان أولاً، بإطلاق سراح المعتقلين، والسماح بعودة المنفيين والمبعدين خارج البحرين إلى وطنهم، وبعدها بدأ اتصالاته وأجرى مشاوراته مع القوى السياسية المعارضة من أجل التوصل إلى مصالحة وطنية تنهي تلك الحقبة السوداء وتحاول إزالة آثارها.
هذه بعض الحقائق التاريخية لما شهدته البحرين خلال حقبة أمن الدولة التي حاول مستشار السوء عندنا إخفاءها وطمسها لترويج مثاله الخادع لإمكانية الاقتداء بتجربة البحرين في تعطيل العمل بالدستور فترات طويلة من دون أي مشكلات!
ناهيك عن أمر آخر يتجاهله مستشار السوء عن عمد أو ربما عن جهل على الرغم من أنّه شخص متعلم، وهو أنّ ظروف البحرين تختلف كثيراً عن ظروف الكويت، وإن تشابهت في أمور أخرى، فدستورنا الصادر في العام 1962 مضى عليه الآن أكثر من 46 عاماً، وجرت محاولتان بائستان للانقلاب عليه في العامين 1976 و1986 وفشلتا فشلاً ذريعاً، حيث أصبح الدستور خطاً أحمر في ضمائر الكويتيين… أما في البحرين فقد جرى الانقلاب على الدستور في العام 1975 بعد مرور أقل من عامين فقط على العمل بذلك الدستور، إذ لم يستقر العمل به سنوات طويلة مثلما استقر العمل في الكويت بدستور 1962، وهذا فارق أساسي بين حالي دستوري البلدين.
أخيراً، لا أملك إلا الدعاء بأن يحفظ اللّه الكويت من شرور النصائح الخبيثة والجاهلة لمستشار السوء وأمثاله!  
 
عالم اليوم  19/02/2009
 
 

اقرأ المزيد

الاقتصاد العالمي‮ .. ‬أداء أسوأ من المتوقع في‮ ‬عام‮ ‬2009

حتى صندوق النقد الدولي‮ ‬الذي‮ ‬ظهر قزماً‮ ‬أمام عِظَم وهول الأزمة المالية/الاقتصادية التي‮ ‬ضربت الاقتصاد العالمي‮ ‬في‮ ‬الربع الأخير من العام الماضي،‮ ‬غير قادر على تشخيص وتقييم عمق الأزمة،‮ ‬فهو قدم قبل شهرين تقييماً‮ ‬لأداء الاقتصاد العالمي‮ ‬خلال عام‮ ‬‭,‬2009‮ ‬وإذا به اليوم‮ ‬يعيد النظر في‮ ‬تقييمه بعد أن اكتشف أن الأزمة أعمق من توقعاته‮.‬
فبعد أن توقع في‮ ‬نوفمبر‮ (‬تشرين الثاني‮) ‬الماضي‮ ‬انخفاض نمو الاقتصاد العالمي‮ ‬إلى‮ ‬2‭,‬2٪‮ (‬مقابل‮ ‬4٪‮ ‬في‮ ‬العام الماضي‮)‬،‮ ‬ها هو‮ ‬يوم الأربعاء‮ ‬28‮ ‬يناير‮ (‬كانون الثاني‮) ‬2009‮ ‬يعيد النظر في‮ ‬تقييمه ويتوقع نمو الاقتصاد العالمي‮ ‬بنسبة نصف في‮ ‬المائة فقط‮.‬
والسبب،‮ ‬حسبما هو ظاهر،‮ ‬أن خبراء الصندوق قد قللوا من الآثار العميقة للأزمة على الاقتصاد الحقيقي‮ ‬في‮ ‬كل من الولايات المتحدة وبلدان منطقة اليورو وبريطانيا واليابان،‮ ‬حيث اتضح لهم فيما بعد أن حجم الأزمة‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتسبب في‮ ‬تراجع نمو الاقتصاد الأمريكي‮ ‬بواقع‮ ‬6‭,‬1٪‮ ‬والاقتصاد الأوروبي‮ ‬بواقع‮ ‬2٪‮. ‬فيما سيتراجع نمو الاقتصاد البريطاني‮ ‬بنسبة كبيرة قدرها‮ ‬8‭,‬2٪‮ ‬والاقتصاد الياباني‮ ‬بنسبة‮ ‬6‭,‬2٪‮.‬
والذي‮ ‬فرق أن الثلاثة شهور الأخيرة من عام‮ ‬2008‮ ‬المنتهي‮ ‬كانت فترة عصيبة على الاقتصاد العالمي،‮ ‬وتحديداً‮ ‬الاقتصاد الحقيقي،‮ ‬حيث تراجع الإنتاج والتجارة العالميين بصورة دراماتيكية‮.‬
وقد أوصلت هذه الانهيارات المتوالية عامل الثقة‮ ‬‭(‬confidence‭)‬‮ ‬في‮ ‬الاقتصادات ومستقبلها،‮ ‬إلى الحضيض،‮ ‬وصار القطاع المالي‮ ‬عنوان انعدام هذه الثقة‮. ‬فإذا لم‮ ‬يستعد هذا القطاع نشاطه ووظائفه المعتادة،‮ ‬فإن الوضع سيبقى‮ ‬يراوح مكانه إلى أن تستعيد آلياً‮ ‬النمو في‮ ‬الاقتصاد الحقيقي‮ (‬خصوصاً‮ ‬دالة الطلب‮) ‬حيويتها من جديد وتقنع الجميع بالالتحاق بدورتها‮.‬
واللافت في‮ ‬هذه الأزمة تمثُّلها التام لكيفية حدوث الزلازل الأرضية،‮ ‬حيث تكون قوة الزلزال‮ (‬على مقياس ريختر‮) ‬أعلى في‮ ‬مركز حدوث الزلزال منها في‮ ‬الأطراف المجاورة لمركز الزلزال،‮ ‬فتكون الأضرار المادية والبشرية التي‮ ‬يخلفها الزلزال في‮ ‬المركز أكثر بكثير من تلك التي‮ ‬تتعرض لها المناطق المحاذية والمجاورة لمركز حدوث الزلزال‮.‬
ففي‮ ‬حين أحالت الأزمة بلدان المركز الذي‮ ‬اندلعت فيه وتحديداً‮ ‬الولايات المتحدة وبلدان أوروبا واليابان،‮ ‬النمو الموجب في‮ ‬الفترة السابقة لاندلاع الأزمة إلى نمو سالب على النحو المبين أعلاه،‮ ‬فإن وقع هذه الأزمة على البلدان التي‮ ‬تأثرت بها عن بعد،‮ ‬كان أقل وطأة‮. ‬صحيح أن النمو في‮ ‬هذه المناطق سوف‮ ‬يتراجع بصورة حادة عما كان عليه قبل الأزمة‮. ‬إلا أنه سيظل محتفظاً‮ ‬بحالته الإيجابية‮. ‬حيث سينخفض معدل نمو الاقتصاد الصيني‮ ‬إلى‮ ‬7‭,‬6٪‮ ‬هذا العام بعد أن كان حقق ضعف هذا الرقم قبل سنتين‮. ‬ولسوف‮ ‬يبلغ‮ ‬معدل نمو الاقتصادات الصاعدة‮ ‬3‭,‬3٪‮ ‬هذا العام و5٪‮ ‬في‮ ‬العام القادم‮. ‬كما أن الاقتصاد الصيني‮ ‬سوف‮ ‬يعاود رفع وتيرة نموه إلى‮ ‬8٪‮ ‬اعتباراً‮ ‬من العام القادم‮.‬
ومعلومٌ‮ ‬أن معظم بلدان الاقتصادات الناهضة‮ ‬ينتمي‮ ‬إلى مجموعة النمو الآسيوية زائداً‮ ‬الصين والهند وروسيا،‮ ‬وهي‮ ‬ذات الدول التي‮ ‬تعرضت لإعصار مالي‮ ‬مدمر في‮ ‬عام‮ ‬1997‮ (‬بالنسبة للمجموعة الأولى‮) ‬وفي‮ ‬عام‮ ‬1998‮ (‬بالنسبة لروسيا‮) ‬‭-‬‮ ‬أن هذه الدول لاشك قد تعلمت من دروس تلك الأزمة فعملت على مراكمة احتياطيات نقدية ضخمة لاستخدامها في‮ ‘‬اليوم الأسود‮’. ‬ولذلك جاءت الأزمة أقل حدةً‮ ‬على اقتصاداتها من الاقتصادات الغربية‮ (‬والاقتصاد الياباني‮ ‬الذي‮ ‬قلَّدها كما هو دأبه منذ انطلاقة نهضته التنموية‮) ‬التي‮ ‬استهانت بقواعد النظام الرأسمالي‮ ‬نفسه وتحولت إلى كازينوهات للمقامرة بما‮ ‬يفوق الفوائض الاقتصادية للاقتصاد الحقيقي‮.‬
أما الاقتصادات الخليجية التي‮ ‬أبهرت بأدائها في‮ ‬السنوات العشر الأخيرة‮ (‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬الخمس منها الأخيرة‮)‬،‮ ‬وكالات التصنيف الدولية وبيوت الخبرة والتحليل الدولية،‮ ‬بفضل أسعار النفط التي‮ ‬ظلت محلقة عالياً‮ ‬خلال هذه الفترة،‮ ‬فإنها بدأت تستشعر أولى تداعيات وآثار الأزمة بعد الانحسار الكبير في‮ ‬إيراداتها النفطية نتيجة للانهيار التاريخي‮ ‬لأسعار النفط،‮ ‬متمثلة في‮ ‬تراجع معدلات النمو المتوقعة للعامين الماضي‮ ‬والجاري،‮ ‬وانكشاف مؤسسات إدارة السياسة النقدية أمام ضغط‮ ‘‬تخشُّب‮’ ‬السيولة في‮ ‬النظام المصرفي‮ ‬بعد الخسائر التاريخية التي‮ ‬مني‮ ‬بها عدد‮ ‬غير معروف‮ (‬حتى الآن‮) ‬من وحدات النظام المالي‮ ‬والمصرفي،‮ ‬وتدهور سوق العقار‮ (‬الذي‮ ‬اتخذ شكل هبوط ارتطامي‮ ‬في‮ ‬بعض الحالات‮)‬،‮ ‬ظهور مؤشرات ما‮ ‬يمكن أن نسميه مجازاً‮ ‬بالإعسار الاستثماري،‮ ‬وبدء ظهور معاناة أسواق العمل بعد انتقال الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي‮. ‬ويقال إن حوالي‮ ‬10٪‮ ‬من المشاريع الإنشائية والعمرانية الخليجية المقدر إجماليها بحوالي‮ ‬ثلاثة تريليون دولار،‮ ‬واقع تحت تأثير الأزمة‮. ‬فهنالك نقص حاد في‮ ‬السيولة في‮ ‬كل مكان ما قد‮ ‬يعني‮ ‬تعليق تنفيذ هذه المشاريع،‮ ‬ليس في‮ ‬كافة دول التعاون وإنما في‮ ‬أكثر اقتصاداتها تأثراً‮ ‬بالأزمة نتيجة التوسعات المفرطة وغير المنضبطة‮.‬
ومع ذلك فإن تأثيرات الأزمة على اقتصادات بلدان المنطقة أقل وطأة بلا شك من تأثيراتها على اقتصادات الدول المتقدمة وعدد من الاقتصادات في‮ ‬أمريكا اللاتينية وآسيا‮. ‬فلازال القطاع المصرفي‮ ‬هنا صامداً‮ ‬أمام العاصفة رغم الأضرار المتفاوتة التي‮ ‬لحقت بوحداته هنا وهناك،‮ ‬ولم تتحول إشاعات الانهيار والإفلاس إلى واقع حتى الآن على الأقل‮.‬
بل إن الوضع الراهن ربما انطوى على فرصة مواتية للدول الخليجية،‮ ‬وهي‮ ‬دول تصنف على أنها دول تنموية أي‮ ‬أن حكوماتها وأجهزتها التنفيذية هي‮ ‬التي‮ ‬تقود مشاريع التنمية فيما‮ ‬يرافقها في‮ ‬المهمة القطاع الخاص،‮ ‬لكي‮ ‬تشرع في‮ ‬تنفيذ مزيد من مشاريع البنية الأساسية مستفيدة من التراجع الكبير في‮ ‬أسعار المواد الخام والمدخلات الصناعية والإنشائية الأخرى‮.‬
ومع ذلك فإننا نعتقد أنه ما لم تتحسن أسعار النفط لتصل عند حد نقطة التعادل على الأقل وهي‮ ‬60‮ ‬دولاراً‮ ‬للبرميل خلال النصف الثاني‮ ‬من العام الجاري،‮ ‬فإن من‮ ‬غير المتصور حدوث انفراج في‮ ‬أزمة السيولة و‮’‬الاختناقات‮’ ‬التي‮ ‬يكابدها النظام المصرفي‮ ‬الخليجي.

صحيفة الوطن
 22 فبراير 2009

اقرأ المزيد

تاريخ وراهن اليسار الإيراني (1)

لكي نعرف إشكاليات اليسار الإيراني الراهن لابد لنا من رؤية تطور اليسار في الماضي، وكيف تشكل في مرحلة الانتقال التي لاتزال مستمرة وضارية وجارية في إيران من الإقطاع إلى الرأسمالية. لقد حاول نظامُ الشاه تحقيق قفزة في العلاقات الرأسمالية خاصة خلال ما سُمي الثورة البيضاء. لقد قـدر عدد عمال الصناعة بأربعة ملايين عامل في سبعينيات القرن العشرين. كانت إيران قوة نفطية عالمية كذلك: «إيران هي رابع أكبر منتج للنفط. وسنة 1976 أنتجت 295 مليون طن من النفط، (أي 10% من الإنتاج العالمي«. والإصلاح الزراعي الذي قام به الشاه باعتباره ثورة بيضاء كان أغرب إصلاح زراعي، فقد أدى إلى تقوية الإقطاعين السياسي والديني: «كان الشاه يحاول لعب دور ملك مطلق على شاكلة الأنظمة الملكية الإيرانية القديمة. وفي الوقت نفسه كان يحاول عصرنة اقتصاد البلد. وطبق «إصلاحا «زراعيا« من أجل اكتساب قاعدة دعم لنظامه. أدى هذا «الإصلاح الزراعي« إلى إثراء النبلاء والملاكين العقاريين المتغيبين الذين سيطروا على إيران. حققوا ثروات هائلة كتعويض، الشيء الذي استثمروه في الصناعة. كانت الفكرة هي تحويل النبلاء إلى طبقة رأسمالية، إلى طبقة سائدة على النموذج الغربي«، (الثورة الإيرانية، بقلم تيد غرانت، كاتب ألماني، ومن موقع إلكتروني). إن النظام الشاهنشاهي هو نظام إقطاعي بشكل عام، ولكنه يوسع العمليات الرأسمالية في المستوى التجاري، في حين إنه يقبض على المورد الرئيسي وهو النفط، وهو ما يجعل النظام الإقطاعي قويا، فحقولُ النفط ليست سوى مزارع على الطريقة العباسية، ودخولها هي خراجٌ عصري، حتى عملية الإصلاح الزراعي أدت إلى توسع الفئات الإقطاعية وإثرائها، وقامت بإجراءاتٍ خطرةٍ على المستوى الاجتماعي العام فضربتْ بعضَ أملاك رجال الدين الريفية، وأدت إلى هجرةٍ واسعة من الريف للمدن، فقام النظامُ بتوحيد الإقطاع الديني والفلاحين والعامة في المدن الكبرى، وحشدها ضده في مراكز قيادته المدنية. على المستوى الفكري قادتْ هذه الهجراتُ والضرباتُ إلى خفوتِ الأفكار التنويرية والديمقراطية، ويُلاحظ ذلك في تراجع حضور المنظمات التي رافقت حركة مصدق كالجبهة الوطنية، مما خلق مناخاً محافظاً كبيراً على المدن، وقد نقل الفلاحون المقتلعون من أرضهم عاداتهم الدينية إليها، فشهدت طهران صعوداً واسعاً للمنظمات الدينية المحافظة خاصة العبادية منها، التي تغدو احتفالات جماهيرية واسعة عبر المناسبات الشيعية، ولكن هذه تعرضت للحصار في بعض الفترات. وعلى المستوى الفقهي فإن الإقطاع الديني المضروب في الريف أو المهجر لم يقمْ بإعادة النظر في الإرث الديني التقليدي المستورد من القرون السابقة، فقد عارضَ الإصلاحَ الزراعي بشكلٍ مطلقٍ وحاسم، ولم يميزْ هنا بين مصادرة الأراضي الإقطاعية وإعطاء الفلاحين بعض الاراضي، وبين عمليات التعويضات الكبيرة للملاك، فتناولها بشكلٍ عام، واعتبرها ضمن الاعتداء على الملكية الخاصة المقدسة. كان هذا يشير ضمناً إلى تأييده البنية الإقطاعية خاصة على مستوى الزراعة، وهو الجانبُ المرئي الظاهري الواضح، ولكن على مستوى غير المرئي وغير الواضح، كان هذا يعني دعم النظام التقليدي الماضوي المتخلف. لم تجد هذه العمليات التحديثية التمزيقية للمجتمع الإيراني من الغرب المسيطر أي استنكار أو نقد، بل اُعتبرت عملا عظيما تحديثيا من قبل الشاه، وكان ما سُمي الاستعمار الأنجلو – أمريكي في ذلك الوقت، يعتبر الشاه قوة تحديثية مساندة للغرب في المنطقة، نظراً لسيطرة الجانبين على النفط وتوزيعه في الأسواق، ولو كان هذا قد استند إلى تخفيض قوة الشاه العسكرية والبيروقراطية المتصاعدة، وتمت إجراءات في المؤسسة الملكية باتجاه الديمقراطية وتوزيع فوائض النفط الهائلة على محاربة الفقر ونشر الثقافة الحديثة، لكان ذلك مهما على مستوى تطور المنطقة ككل واستقرارها، لكن ذلك لم يحدث. كان تضخيم آلة النظام العسكرية تلك فوق بلد فقير أمي، أكثر الأخطاء جسامة وتهوراً في عملية تبعية إيران للغرب الاستعماري وقتذاك، وهو الميراثُ الذي سوف يتبناه النظامُ الدكتاتوري الديني ويوسعهُ على حساب الشعب الفقير نفسه. وبدلاً من أن يقومَ الشاهُ برسملةِ إيران وتحديثها وسع الإقطاعَ السياسي الذي يرأسه، كما انه قوى الإقطاع الديني الذي أرادَ البطشَ به. لقد ضخم الآلة الحربية و«البوليسية« للنظام وجوّع الشعب، وتغدو مسألة استرجاع المجد القومي الفارسي التي كان مهووساً بها، شكلا ايديولوجيا لجعل آلة الدولة جبارة وذات توسع إقليمي، سيكون دائماً ضد المجال العربي، وهذا ما سوف يتابعه الإقطاعُ الديني وقد استولى على آلة الدولة نفسها وأضافَ إليها آلة المذهب المسيّسة لصالح استغلاله. فهذا التوسع العابر للحدود يتضمن رؤية غير عصرية فهي رؤية لا تؤسسها برجوازية تحديثية ديمقراطية بل إقطاع سياسي باطشٌ يرتكزُ في فهمهِ التوسعي على أمجاد الأكاسرة، وهو تاريخ دموي قديم تعبرُ عملية تكرارهِ واستنساخهِ بشكلٍ عصري عن العلاقات الاستبدادية الشرقية العتيقة التوسعية، لكنه هنا يجرى بشكلِ إقطاعٍ سياسي، وفيما بعد وعبر سيطرة المذهبيين الشموليين سوف يجرى ذلك بشكل ديني، وفي كلا الجانبين نرى القومية الفارسية الشوفينية غير التحديثية، التي لم تجر لها عمليات فكرية وسياسية عميقة ديمقراطية.

صحيفة اخبار الخليج
22 فبراير 2009

اقرأ المزيد

الابتزاز الإيراني

لابد للمراقب من أن يطرح السؤال عن مدى الفارق بين التطلعات الإمبراطورية للنظام البهلوي المنهار، وبين السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي نشأت في أعقاب سقوطه؟ حكماً من الطريقة غير المسؤولة التي تتصرف بها طهران تجاه جارة صغيرة لها هي البحرين، يمكن القول أن لا فرق أبداً، بل يمكن الذهاب أبعد في القول بأن محمد رضا بهلوي قبل في حينه بالقرار الدولي حول عروبة واستقلال البحرين، ووافق على إغلاق مطالبته بضم البحرين. لكن القادة الإيرانيين الحاليين يعاودن فتح هذا الملف بطريقة نزقة، لا تخلو من الاستخفاف بقواعد القانون الدولي، وبما استقر عليه الحال من الاعتراف بحدود الدول وسيادتها على أراضيها، وحق شعبها في اختيار النظام السياسي الذي يراه مناسباً له دون إملاء أو ضغط من الخارج. فبين الحين والآخر يُطلق مسؤولون إيرانيون أو قريبون من مواقع صنع القرار في طهران دعاوى تمس سيادة البحرين واستقلالها، بالزعم بتابعية هذا البلد العربي المستقل لإيران، وفي هذه المرة جاء الادعاء على لسان شخص يوصف بأنه مقرب من المرشد الأعلى ومن الدائرة التي تصنع القرار في طهران الذي ذهب بعيدا في القول بأن البحرين هي المحافظة الرابعة عشرة في ايران! عروبة البحرين حقيقة تاريخية ثابتة لكل من يعرفون التاريخ جيدا، والشيعة العرب يعيشون في هذا البلد قبل أن تتحول إيران ذاتها إلى التشيع في عهد الدولة الصفوية بقرون طويلة. الإشارة إلى هذه الحقيقة ضرورية لتفنيد ما تعده إيران مستنداً لها في إعلاناتها التي تمس سيادة البحرين، اتكاء على كون مذهب الدولة في طهران شيعياً. وسيادة البحرين واستقلالها وعروبتها أمور حُسمت بقرار دولي بعد أن أوفدت الأمم المتحدة مبعوثها الذي استطلع آراء البحرينيين في مستقبل بلادهم بعد إنهاء الحماية البريطانية. فكان أن عاد هذا المبعوث بتقرير أكد فيه رغبة قادة الرأي العام من مختلف الفئات والطوائف والتوجهات والتحدرات العرقية في أن تصبح البحرين دولةً عربيةً مستقلةً ذات سيادة على أراضيها وقرارها الوطني، ووفق هذا جرى الاعتراف باستقلال البلاد التي أصبحت من يومها عضوا في هيئة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. ليس غريباً، بعد ذلك، أن نفهم حالة الاستياء الشعبي والرسمي الواسع في البحرين من هذا التصريح، فالبحرينيون يمكن أن يختلفوا مع حكومتهم في مسألة أو أخرى، ولكن حين يمس الأمر استقلال الوطن فان البحرين الرسمية والشعبية كلها موحدة للدفاع عنه. والبحرين في هذا الموقف ليست وحيدة، فقد وقف معها الأخوة والأشقاء في المحيطين الخليجي والعربي، لا بل وعلى المستوى الدولي كذلك. من الصعب بالنسبة لنا في دول مجلس التعاون الخليجي أن نفهم السياسة الخارجية إزاءنا، ففي الوقت الذي تمد فيه حكومات وشعوب هذه المنطقة لإيران داعية إياها إلى التعاون والتفاهم على الأمن المشترك لدول المنطقة على قاعدة حسن الجوار، تصر هي على إرسال المزيد من الإشارات السلبية. فإضافة إلى استمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، وإحداث تغييرات على الأمر الواقع في هذه الجزر، مسببة بذلك المزيد من التوتر في العلاقات الإيرانية – الخليجية، فإنها جعلت من التلويح بتبعية البحرين إليها ورقة ابتزاز دائمة. الأوان قد حان لكي يتبصر القادة الإيرانيون جدياً في تبعات ما يفعلون. 

صحيفة الايام
22 فبراير 2009

اقرأ المزيد