المنشور

جودة التعليم في البحرين.. بصراحة

تابع الشارع والمهتمون بالشأن التعليمي في البحرين ما أعلنته إدارة الجودة بوزارة التربية والتعليم مؤخراً من أرقام وحقائق أقل ما يمكن أن يقال عنها انها مخيفة ومربكة بالفعل، وذلك على إثر نتائج الدراسة التي أجريت على ما مجموعه 60 مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية عامة والتي أظهرت نتائجها أن 70% من تلك المدارس تعاني من ضعف في مستويات التدريس وعدم قدرة إداراتها على التطوير، كذلك أوضحت الدراسة ان ما يزيد على 11 مدرسة من تلك العينة المنتقاة من المدارس قد فشلت في تحقيق أية نتائج بالنسبة للمستوى الأكاديمي للطلبة. وفي البداية لابد لنا من أن نسجل تقديرنا للقائمين على هيئة ضمان الجودة في وزارة التربية والتعليم نظراً للجرأة غير المعهودة في الإعلان عن تلك الأرقام والحقائق وعرضها بشكل شفاف أمام المتابعين والمهتمين، حيث أن ذلك الأمر في حد ذاته يبقى نادر الحدوث لدى معظم وزاراتنا تقريبا، حيث السكوت على العيوب الإدارية والتراجع في الأداء والنتائج تظل سمة رئيسة. فقد كشفت الدراسة التي أرى أنها يجب أن لا تمر على المسؤولين في الوزارة مرور الكرام، أو أن تحفظ أرقامها ونتائجها في آرشيف الوزارة وبين غبار النسيان، وذلك نظراً لخطورة ما أفصحت عنه من مؤشرات جد خطيرة ، أعتقد جازما أنها كارثية بالفعل على مسيرة التعليم في مملكتنا الغالية فيما لو بقي الحال على ما هو عليه، والأهم من ذلك هو أن على المسؤولين في الوزارة أن لا يشعروا بأي حساسية أو حرج جراء كشف تلك الأرقام وحتى مناقشتها بشكل أشمل على المستوى الوطني، بل عليهم أن يسارعوا الى إصلاح ما أفسدته سياسات عقود طويلة من فشل الإدارات والقرارات المتخبطة وغير المدروسة والمناهج البائسة وعجز وزارة التربية والتعليم عن تطوير أساليب عملها والارتقاء بالمناهج والمقررات وتحديث أساليب وطرق التدريس، وكفاءة الطواقم الإدارية والتعليمية في مدارسنا، وربط ذلك باحتياجات عملية التنمية الشاملة في بلادنا. فالموضوع على صلة مباشرة برؤية البحرين الاستراتيجية 2030 التي دشنت مؤخرا، والتي أوضحت وبما يسند الدراسة التي نحن بصددها، وهي أن مخرجات التعليم وجودته تعتبر معوِِقا أساسيا أمام مسيرة التنمية الشاملة في البحرين، والذي على أساسه ستعمل الحكومة في الفترة القادمة على ما يبدو، لاتخاذ خطوات عاجلة لإصلاح مسارات التعليم ومخرجاته، بعد أن تراجعت الى مستويات لا يمكن السكوت عليها، وما الخطوات التي أعلنتها الدولة مؤخرا والتي ابتدأتها بانشاء كلية المعلمين كبديل عصري لما كان موجوداً من قبل تحت مسمى معهد المعلمين، والذي قام كما يعلم الجميع بأداء دور أساسي في فترات انتقالية من عمر مسيرة التعليم في البحرين، إلا أن خطط وزارة التربية والتعليم ومنذ نهاية السبعينيات وحتى اليوم قد شابها الكثير من التخبط والارتجال، وأحيانا المسايرة الشكلية لبعض التجارب الفاشلة في العالم العربي والعالم، ودون أن نستشعر قيام الوزارة بدراسات حقيقية ومتأنية لتلك الخطط على مدى فترات تناوب أكثر من أربعة وزراء على تلك المسيرة الحافلة بالكثير من الاخفاقات والقليل من النجاحات، وهذا ليس تجنيا في حق المسؤلوين في الوزارة، فأنا شخصيا تربطني علاقات جيدة مع آخر أربعة وزراء وأعلم مدى حرصهم وإخلاصهم رغبة في تحقيق إنجازات في مجال التعليم تحديدا، إلا أن ذلك لا ينفي الحقائق الموضوعية التي أفصحت عنها الدراسة الأخيرة وتلك التي أفصحت عنها رؤية البحرين الاقتصادية 2030 وكذلك الدراسات التي نوقشت في ورش وتوصيات ومناقشات مشروع تنظيم سوق العمل وقدمتها شركة مكنزي منذ أكثر من أربع سنوات من الآن.
ويكفينا في هذه العجالة أن نعود الى الدراسة التي نحن بصددها، حيث أرجعت أسباب تلك النتائج الكارثية إلى أسباب عدة، لعل من بينها عدم جودة المناهج الدراسية، وطرق وأساليب التدريس المتبعة، وغياب آليات المتابعة الحقيقية، والأهم من ذلك غياب دور القيادات المدرسية، والتي وصفتها الدراسة أنها تفتقد الرؤية المستقبلية الواضحة لسير عملها كقيادات أكاديمية وإدارية، وعدم معرفتها بالخطط التربوية المتبعة، وربما أسمح لنفسي هنا أن أقول لعدم كفاءة غالبية عناصرها على اعتبار أن تلك القيادات هي في الأصل نتاج صريح لمسار تعليمي مأزوم .
وباعتقادي أن الدراسة يجب أن تطرح بقوة للنقاش المستفيض داخل ورش ومؤتمرات وزارة التربية والتعليم السنوية والفصلية، التي كثيراً ما نسمع عنها دون أن نعرف نتائجها أو حتى فيما يتم الأخذ بتوصياتها، التي هي توصيات نابعة من الجسد التعليمي بكل ما يعتريه من إيجابيات وخبرات وسلبيات ونواقص أيضا، ثم أين هو دور الخبراء والمستشارين المعتمدين في السلك التعليمي، بل أين هي آليات التنفيذ وعملية إصلاح التعليم التي اتخذتها الوزارة على المستوى الإداري وفي مختلف المدارس والمنشآت التعليمية؟ حتى نطمئن الى أن نتائج تلك المؤتمرات والورش يتم الأخذ بها والأهم من ذلك يتم تفعيل معطياتها عملا على إصلاح ما إعوج من توجهات إدارية واكاديمية.
الوجه الآخر في المسألة هو التناقض الصارخ الذي يجب أن يتسع صدر المسؤولين في وزارة التربية والتعليم لسماعه، والذي نتمنى عليهم أن يجيبونا عليه بكل روية ورحابة صدر، حتى نصبح أكثر إقتناعا واطمئنانا، فعلى الرغم مما قدمته الدراسة من حقائق صادمة، جاءت كلمة سعادة وزير التربية والتعليم التي ألقاها خلال مهرجان «البحرين أولاً» ، والتي عدد فيها الكثير من إنجازات الوزارة والتي ذكر خلالها أن البحرين هي الدولة العربية الوحيدة ذات الأداء العالي- كان الله في عون أقل الدول أداًء- كذلك ذكر سعادته بأن طلبة البحرين قد حققوا في العام 2007 تحسناً ملموساً في الامتحانات الدولية في مادتي الرياضيات والعلوم، والمركز الأول خليجياً في المادتين المذكورتين، والمركز 26 في مادة العلوم على المستوى العالمي مجتازة بذلك المتوسط الدولي. هنا يحق لنا التساؤل حول مدى تطابق تلك المعلومات والإنجازات مع ما تعلنه تقارير الوزارة ذاتها من تراجع في جودة التعليم ومخرجاته، علماً أننا بتنا نتطلع إلى رؤية البحرين الاقتصادية2030 والمشاريع التعليمية التي تم تدشينها مؤخرا للنهوض بمستويات التعليم ومخرجاته في مدارسنا وجامعاتنا، وباعتقادنا أن ذلك الطموح ممكن التحقق، شريطة وضع رؤية شاملة لإصلاح التعليم، وربط مخرجاته بمتطلبات عملية التنمية الشاملة، حتى لا نخدع أنفسنا مرتين وحينها يكون الزمن قد تجاوزنا.

صحيفة الايام
22 فبراير 2009

اقرأ المزيد

المبادرة.. ضماناتها أين؟


لن تنجح مبادرة للحوار الوطني إلا إذا التقت فيها جميع الأطياف والأطراف على قناعة فكرية مشتركة، وتمكنت من إزاحة لوثة التشكيك بنزاهة هذا الطيف أو مصداقية ذاك الطرف من قاموسها السياسي والأيديولوجي (الرجراج) وتجاوزت أسلوب التأجيج الأيديولوجي (القاصر) الذي استثمره (العافور) الإسلاموي المتطرف، ودرست تفاصيل وحيثيات وجدوى المبادرة من مختلف النواحي وشكلت رؤية تتجاوز حدود (الحماس) الآني والعابر، رؤية تحمل ضماناتها للمدى البعيد دون أن يعكر صفوها طارئ لم يلتفت إلى الوقوف عنده باهتمام حين التقت الأطياف حول الطاولة. 
كل ما نحتاجه ينبغي أن ينطلق من موقع عقلاني مستنير بآراء المستنيرين أولا قبل آراء الذاهبين بعشق لا يضاهى إلى دياجير التخلف والظلامية والانقسامية والإرهاب المنظم والعشوائي الذين يعلنون تأييدهم للمبادرة ويصفقون لها وحين يأزف وقت الحوار يكونون أول المحاربين له والمستميتين من أجل وأده ووأد المبادرة، وما أكثر المبادرات التي وُئدت تحت ذرائع وحجج واهية وكان أول المحرجين فيها والمعزولين من حياضها هم أهل الوعي المستنير الذين لا يزالون يتمتعون بثقة عالية في هذه الأطياف اللاعقلانية.
قبل إطلاق المبادرة ينبغي لملمة أشلاء كل الأطياف و(الطوائف) وطرح المبادرة عليهم من منطلق وعي يقودنا إلى المستقبل، لا من منطلق وعي مطاليبي تقتضيه اللحظة، كما ينبغي (إسكات) الأصوات النشاز التي تردد بين فترة وأخرى تُهمًا و(تلبيخات) ضد طائفة من الطائفتين انطلاقًا من حرصها على المبادرة بينما غرضها الحقيقي (يتبروز) في الدسائس الطائفية التي غرقت فيها ويصعب عليها الخروج من ورطتها الكارثية.
وهنا يبدأ الدور الحقيقي لأهل المبادرة الذين أتاحوا مجالاً واضحًا لمثل هذه الأصوات في مواقعهم دون أن يتوقفوا عندها باهتمام وتأمل، فالمختلف مع المبادرة ليس بالضرورة (خائن) أو (عنصري) أو غير (وطني)، علينا أن نحترم الرؤى الأخرى دون تجريح وإن لم يتفقوا مع المبادرة، وإذا لم نتمكن فما فائدة المبادرة إذا كان الملتفون حولها أصدقاء اللحظة وخصوم الوقت كله؟ ما فائدة المبادرة إذا غضضنا الطرف عن إشكالات الملتفين حولها؟
الموقف بين الطائفتين متوتر سواء كان من هذه الجمعية أو من تلك، في هذا البرلمان أو ذاك البلدي، وعلينا ألا نتورط به، ينبغي أن نذهب لرؤيتنا العقلانية لما يجري دون ابتلاء بتناقضات وخلافات طائفية ربما ستسهم ـ أول ما تسهم ـ  في وأد هذه المبادرة حتى قبل أن تبدأ، وإذا كان هناك من سبيل لهذه المبادرة فهو الذهاب أولا لعلاج هذه (الطامة) كي نتيسر على أول الطريق للحوار بين الأطراف.
كيف تشمل المبادرة من لا يعلن موقفه وبصراحة من (الزعومات) الإيرانية وإساءتها للوطن؟ كيف تشمل المبادرة من يعلن موقفه الآن مع المبادرة ويغادرها بعد لحيظات بإذن من (المرجع) الديني الأعلى؟ كيف تشمل المبادرة من يعلن دفاعه وباستماتة عن كل من يعتقد أن (الحق) بيده هو وبطوعه هو حتى لو كان هذا الحق يحرق الأخضر واليابس من أجل مصالحه هو. 
المؤسف جدًّا أن أمثال هؤلاء لا يزال بعض كتابنا السياسيين (المحنكين) ممن يؤيدون المبادرة (ينفخون) فيهم عبر استخدامهم نفس المفردات والمصطلحات والإدانات التي توجه لمن يختلف مع المبادرة أو لديه شروطه الخاصة أو الموضوعية حتى يقبل الانضمام إلى فريق المبادرة الوطني، ومثل هؤلاء الكتاب هم بحاجة أيضًا إلى من يوجههم إلى هذه الطامة من قبل أهل المبادرة، إذ لا ينبغي أن يتحول موقع أهل المبادرة فسحة لمثل هذه الكتابات مقابل إطراء المبادرة أو مدحها.
المبادرة مهمة جدًّا، ولكن الأهم هو المسعى التقدمي أولاً وأخيرًا..
 
الوطن 21 فبراير 2009
 

اقرأ المزيد

المنطقة وقد انزلقت إلى غياهب التطرف


بانتخابهم لأحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في يوم العاشر من فبراير الجاري، فإن الإسرائيليين قد يكونون قرروا الجنوح ببلادهم نحو أقصى اليمين؛ وكأن ائتلافهم الحكومي السابق صاحب محرقة غزة الأخيرة لا يرضي غرورهم ويلبي رغباتهم ومطامعهم. 
فقد أعطى الناخبون الإسرائيليون أصواتهم إلى حزب ‘كديما’ الذي أسسه أرييل شارون بعد انفصاله عن حزب الليكود، فجاء في المرتبة الأولى في عدد المقاعد وحصل على 28 مقعداً من أصل 120 مقعداً من إجمالي عدد مقاعد الكنيست الإسرائيلي، وإلى حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو الذي حل ثانياً بفارق مقعد واحد فقط خلف حزب ‘كديما’، وإلى حزب ‘إسرائيل بيتنا’ بزعامة افيغدور ليبرمان الذي حل ثالثاً بخمسة عشر مقعداً، مزيحاً بذلك حزب العمل الذي لم يتمكن سوى من الحصول على 13 مقعداً.  
وإذا أضفنا إلى ذلك انتخاب الإسرائيليين لثلاثة وثلاثين نائباً متديناً يمثلون ثلاثة أحزاب دينية صرفة هي شاس الذي حصل على 11 مقعداً، ويهدوت هتوراة (5 مقاعد)، والبيت اليهودي (3 مقاعد)، إضافة إلى 4 نواب من حزب الاتحاد القومي اليميني المتطرف.
وباعتبار أن حزب ‘كديما’ هو حزب قومي يميني متطرف بنفحات دينية إقصائية يكفي أن يكون مؤسسه شارون الغني تاريخه الدموي عن التعريف، والذي لم يخرج من الليكود قبل بضع سنوات لا لشئ إلا لأنه اختلف مع الدوغمائي نتنياهو فيما يخص قطاع غزة، حيث ارتأى شارون أنه من الأفضل لإسرائيل الانسحاب من غزة وتركها فريسة لصراعاتها الداخلية ولمأزقها الجيوسياسي بينما تمسك بها نتنياهو.  
نقول بهذا الاعتبار فإننا لو جمعنا عدد مقاعد الأحزاب اليمينية المتطرفة التي ستهيمن على الكنيست الإسرائيلي الجديد: 28 مقعداً لكديما + 27 لليكود + 15 لإسرائيل بيتنا + 11 لشاس + 5 ليهدوت هتوارة + 3 للبيت اليهودي + 4 للاتحاد القومي اليميني، فإن إجمالي عدد مقاعد الكنيست التي حصدها اليمين الإسرائيلي المتطرف يبلغ 93 مقعداً، أي أنه صار يسيطر على 5,77٪ من مقاعد الكنيست، تاركاً 27 مقعداً فقط لبقية الأحزب منها 15 مقعداً للأحزاب العربية و17 مقعداً لحزب العمل وحزب ميريتس اليساري.   
بهذا المعنى يكون المجتمع الإسرائيلي قد حزم أمره وقرر ركوب موجة التطرف التي كانت بلدان منطقة الشرق الأوسط قد صعدتها طوراً بعد طور منذ قيام الثورة في إيران قبل 30 عاماً وانفجار الظاهرة ‘الجهادية’ الأفغانية وتطاير شراراتها وشررها على امتداد الكرة الأرضية.
وبهذا يكون الإسرائيليون قد أكملوا حلقات مشروع إنهاض العصبيات الدينية المتطرفة وتسخيرها لخدمة وتحقيق غايات مذهبية وطائفية وقومية عنصرية، ولكن ليس من دون خلفيات اقتصادية مصلحية بطبيعة الحال لكل أولئك الحاملين لمشاعل نفرة العصبيات بالغة الغلو والتطرف.
الأحزاب الإسرائيلية التي أتينا على ذكرها عاليه والمؤسسة على اللاهوت اليهودي الدوغمائي، هي من جنس الأحزاب الأقصائية والإلغائية الكاملة. فحزب ‘إسرائيل بيتنا’ يطبق نفس نظرية المحافظين الجدد في الولايات المتحدة: من ليس معنا فهو ضدنا، وبناء عليه فإن عقاب عدم الولاء لإسرائيل (ويقصد بذلك عرب إسرائيل الذين لم ينزحوا عنها في عام 1948 حين قيام الدولة العبرية) هو سحب المواطنة.    
ولا تختلف بقية الأحزاب الدينية الأخرى كثيراً عن إسرائيل بيتنا في طروحاتها الإلغائية. فهي بهذا المعنى تقترب من أنماط المنظمات الفاشية الضاربة عرض الحائط بمبدأ التعايش السلمي واحترام حقوق الآخر وكافة القواعد والمواثيق التي أجمعت عليها وأقرتها الأسرة الدولية.
وهكذا فإن هذا التدافع الحاصل في المنطقة، الجانح نحو التطرف الديني، وهذا الانفلات الغزير والعشوائي للعصبيات من مختلف الأشكال والأنواع، قد أوديا بالدولة المدنية، كتنظيم مؤسساتي حداثي، في منطقة الشرق الأوسط، إلى مهاوي الذوبان والاضمحلال تحت وطء الزحف المتجاسر لرموز ومقومات الدولة الدينية، وتحت سمع وبصر مؤسسة الدولة المدنية التي لم تتحرك للحيلولة دون تمادي وتفادي هذا التمدد الآخذ في الاستفحال يوماً بعد يوم، وإنما اكتفت بالفرجة وربما التماهي مع وقائعه الجارية بسلاسة متسربلة في ثنايا حياة مجتمعاتها.      
لما كان ذلك فإن صعود الدولة الدينية في غير بقعة من بقاع هذه المنطقة الحافلة بشتى المتناقضات، صار حقيقة ماثلة لا يمكن نكرانها أو التهوين من أمرها.
ومما لاشك فيه أن ذلك التجلي الصارخ والقبيح للأيديولوجية الصهيونية في أعلى درجاتها الإقصائية القطعية البغيضة، والذي جسدته نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، سوف يؤدي إلى إطلاق المزيد من سموم العصبيات القروسطية الغابرة ولكن النافرة بشدة في أوقات الذروة التي لا تكاد، على أية حال، تنقطع عن الإيقاع ‘الطبيعي’ لسيرورة الحياة المجتمعية الشرق أوسطية!  
هي صدمة أخرى جديدة بلاشك لمعسكر الاعتدال العربي الذي ظل يحاول الاستفادة من الهامش الضئيل جداً لنزعات العقلانية المتوزعة بشحة هنا وهناك، لدفع المنطقة بعيداً عن كرة اللهب وتقريبها من مناخات لا تجافي الصفاء وتسمح بتحقيق اختراق إعجازي في جدار الخوف المتحفز أبداً.  
ما العمل؟
العمل المطلوب لصد الهجمة الضروس للدولة الدينية في المنطقة، كثير، وقد لا يتسع المجال هنا للتداول بشأنه. ولكن وفيما يتعلق بالعضد والمدد الكبير الذي تلقته قبل بضعة أيام عناصر وكوامن دفع هذه العملية التاريخية الارتدادية من صوب الناخب الإسرائيلي الذي اختار تصعيد الموقف إلى ذراه الشاهقة، والذي سوف يدفع بالأوضاع في المنطقة إلى مزيد من التعقيد ويضيف إلى أعبائها أربع سنوات عجاف أخرى، فليس أمام الدولة العربية من خيار سوى التحلي برباطة الجأش والحكمة لعدم تمكين الطغمة الجديدة الحاكمة في تل أبيب من استدراجها وتوريطها في مزيد من المغامرات المدمرة. 
نعلم أن زيارات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين سوف تستمر وتزداد إلى المنطقة على نفس المنوال، وقد تسجل وزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة السيدة هيلاري كلينتون رقماً قياسياً في عدد هذه الزيارات وذلك خلال فترة الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما. وهي جهود لن تتجاوز حدود العلاقات العامة ومحاولة تسجيل نقاط سياسية للتباهي بها انتخابياً فيما بعد،فلا أحد من كل هؤلاء في وارد إجبار إسرائيل على تطبيق قرار واحد من قرارات هيئة الأمم. وعلى ذلك نحن لسنا مضطرين للتعامل بجدية مع مبادراتهم واقتراحاتهم بشأن المشكل الشرق أوسطي، وإنما علينا مسايرة تلك المبادرات التي لا تنتهي من دون التعويل على جعجعتها، والاستعاضة عن ذلك بالانصراف خلال هذه الفترة (السنوات الأربع العجاف) نحو بناء القدرات (Capacity Building)، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بما يشمل ذلك إعادة بناء ما خلفته الأزمة الاقتصادية من أضرار على الاقتصادات والمجتمعات العربية. 
 
الوطن 21 فبراير 2009

اقرأ المزيد

الالتزامات المتبادلة في مبادرة “التقدمي”

 


في ندوة جمعتني مع الأخوين الشيخ علي سلمان أمين عام جمعية “الوفاق” وإبراهيم شريف أمين عام جمعية “وعد” في الملتقى الثقافي الأهلي بمناسبة الذكرى الثامنة لميثاق العمل الوطني، وقدمت فيه عرضاً لمبادئ ومنطلقات مبادرة الحوار الوطني التي دعا إليها المنبر التقدمي، استنكر أحد الحضور كيف تنص المبادرة على إطلاق سراح الموقوفين، مع أنهم أصبحوا في عهدة القضاء.
وردي أن أهم صفة يمكن أن تطلق على مبادرة المنبر التقدمي الداعية لإطلاق آلية حوار في المجتمع هي صفة التوازن، فعلى الذي يرغب في الحكم عليها أن يقرأ بنودها متكاملة، لا أن يكتفي بقراءة بند واحد فقط، ويٌغفل بقية البنود، وفيما يتصل بمسالة القضاء فان موقفنا كان وسيظل هو الدعوة لأن يكون القضاء حكماً في القضايا المختلفة، وتوفير شروط النظر العادل في هذه القضايا، وفي مقدمتها توفير الضمانات القانونية للمتهمين وحمايتهم من الأذى النفسي والجسدي.
لكن مبادرة المنبر التقدمي ليس هدفها الرئيسي إطلاق سراح المعتقلين، وإنما إغلاق الملف الأمني كلية عبر آلية حوار متفق عليها بين الدولة والمجتمع، فتقديرنا أن إطلاق سراحهم دون تسوية الأمور الأخرى لن يحل المشكلة، وبالتالي ستكون هناك اعتقالات أخرى لهم أو لسواهم، ومثله أيضاً لن يحل المشكلة إصدار أحكام ضدهم، طالما ظللنا نراوح في الدائرة نفسها.
مبادرتنا تطلب التزامات متبادلة من القوى السياسية والمجتمعية من جهة، ومن الدولة من جهة أخرى، بل أن حجم ما تطلبه من التزامات من الأولى يكاد يكون أكثر من الثانية، حرصاً منا على أن يكون مفهوماً أننا نريد التغلب على أية أسباب تدفع الدولة لتغليب الخيار الأمني.
المبادرة تطلب من القوى السياسية والمجتمعية احترام النظام السياسي في البلاد الذي ينص عليه ميثاق العمل الوطني والمادة رقم 1 من دستور مملكة البحرين، وتدعو إلى ترشيد الخطاب السياسي واحترام هيبة الدولة ورموزها والبعد عن الإساءة إليها، ونبذ مظاهر العنف كافة من حرق وتفجيرات والاعتداء على رجال الأمن، والتأكيد على سلمية العمل السياسي والالتزام بالقواعد والأطر القانونية المنظمة له، ووقف خطابات التحريض والتخوين والتشكيك في الولاء الوطني للمواطنين على أساس انتمائهم المذهبي والطائفي كافة.
بالمقابل تدعو المبادرة الدولة إلى ضمان فتح حوار بينها وبين القوى المجتمعية والسياسية حول الملفات موضوع الخلاف، وإطلاق سراح الموقوفين والمعتقلين ووقف وسائل التعذيب والإكراه واحترام الضمانات القانونية للمتهمين إثناء التحقيق، كما تدعو إلى نبذ الاستخدام المفرط  للقوة من قبل رجال الأمن أثناء تفريق التجمعات.
هذا التوازن الذي تتسم به المبادرة يجعل منها قاعدة مقبولة للتحاور مع الأطراف المختلفة في المجتمع، لأنها صيغت بروحية تجعلها قابلة للتحاور حولها، وبالتأكيد فإنها قابلة للتعديل والإضافة وفق ما يجري التوافق عليه إثناء الحوار الذي اقترحنا أن تتولاه مع الدولة لجنة مصغرة من شخصيات مشهود لها بالكفاءة والخبرة والصدقية لدى الجميع.
 
19 فبراير 2009

اقرأ المزيد

دعوة الحوار والمبادرة اللاصفرية


الدعوة المبادرة التي أطلقتها جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي الأسبوع الماضي تحمل في طياتها كثيراً من الدلالات التي ينبغي إنصافها والوقوف عندها مليا شعبا وحكومة، أفرادا ومؤسسات، فالمبادرة في حقيقتها دعوة صادقة عاقلة، تلتزم بالروح الوطنية وتسعى من أجلها. ومما عزز هذه الدعوة هو تبني صحيفة «الوسط» ورئيس تحريرها منصور الجمري لها.

ومن هنا نستطيع أن نحدد دلالات دعوة الحوار في النقاط التالية:

   – إن عقلاء وحكماء هذا الوطن يسعون جادين لإزالة كل التوترات والاحتقانات الأمنية والسياسية
     عبر الحوار الهادف الجدي، وإن صرختهم هذه لهي دليل على حكمتهم.

   – إن ثمة أصوات لا همّ لها إلا تحقيق مصالحها وإثارة الغوغاء، تسعى جاهدة لتعكير صفو البلاد
     وتشويه هذه  الدعوة وحرفها عن وجهتها التي وجهت إليها.

   – إن هناك عدم توافق واضح بين الدولة والشعب، وربما تصل إلى حد عدم الثقة بين الطرفين؛
     ما يعني أن الآذان صماء وكل ينعق في خرابة، ولا حل إلا في الحوار.

  – اللافت أن الحكومة إلى الآن لم تبد أي رد فعل تجاه هذه الدعوة وكأنها لا تعنيها.

  – إن الحكومة لا تملك حلا سوى الحل الأمني، فهي تريد فرض هيبتها عن طريق القوة والقوة فقط.

  – إن من دعا إلى الحوار يدرك تماماً أن كل طرف لابد أن تحفظ هيبته، أي بأن تكون المباراة بين
    الطرفين لا صفرية؛ بمعنى أن لا خاسر بينهما.

المطلوب الآن من جميع المخلصين لهذا الوطن أن يلتفوا حول هذه الدعوة، وأن تتحول إلى مبادرة تحمل أجندة وبرامج طويلة المدى لتكون مرنة وقابلة للاستمرار، وأن يدرك الجميع أن هذه الدعوة ليس فيها استثناء إلا من اتخذ لنفسه سبيلا آخر، فلا يمكن أن تتحول الساحة بين حين وآخر إلى بؤرة توتر، ونقطة ساخنة بين الشعب والحكومة، وكلنا يدرك مصير هذه السخونة والتوتر. ولا ننسى أن هذه الدعوة موجهة بالدرجة الأساس إلى الحكومة التي بيدها السلطة، وبيدها المبادرة بأخذ زمام الأمور إلى ما فيه صلاح الوطن والمواطن وهو شعارها، وهي جديرة بحمله، فمن هنا يمكننا أن نعيش أجمل الأيام التي لم نعشها بعد.
 
الوسط 18 فبراير 2009
 
 

اقرأ المزيد

ذرائع عملية القلب المفتوح

 


سواء كانت المنبر الديمقراطي، أو غيرها من الجمعيات أو الفعاليات السياسية، كانت صاحبة المبادرة في أهمية إجراء حوار وطني، فإن هذه الدعوة بحد ذاتها كانت بمثابة تعليق الجرس في رقبة الوضع البحريني الراهن الذي بدأ بالفعل يغصّ بنفسه وبتفاعلاته التي أدت إلى انحشار الكربون في مجاريه، وإصابته بتصلب الشرايين الوطنية، نتيجة تصلب المواقف التي باتت تطوح بها «الصقور» في أكثر من هيئة وتجمع وجمعية.
فالناظر إلى حال حراكنا الوطني في السنوات القليلة الماضية، وخصوصاً بعدما انفك التحالف الرباعي الذي كان رافضاً للتعاطي مع السلطة التشريعية والانتخابات البرلمانية؛ سيجد أن الفرق بات واضحاً جداً في انعكاسه على الشارع. فلقد كانت المعارضة الذاهبة إلى الاعتدال هي من يقود شريحة واسعة من الرأي العام المحلي، وكان في مقدورها – مع كثير من الجهد وبعض الإخفاقات أيضاً – أن تلجم الحركات المتطرفة المثيرة للفوضى والأفعال العقيمة في الشارع. ولكن ما إنْ دخلت هذه القوى التجربة البرلمانية لترى إلى أي مدى يمكنها التأثير في الطرح العام، وكيف سيكون الوضع في الداخل بعدما رأت كيف كان في الخارج؛ حتى تسيّد الصقور برامج المعارضة، وتراجعت الثقة في الذين كانوا معارضين من ذي قبل بشكل أكثر صراحة من الآن في ظن كثير من الناس.
لقد قادتنا الأزمات والمشكلات والخطابات المتوترة والموتورة أحياناً من جانب، والحلول العقيمة إضافة إلى النهايات المسدودة والتعامي والتصامم عن المشكلات، واعتبار أن كل مطلب هو مقدمة لمشكلة، بدلاً من القول إن كل مشكلة تم السكوت عنها تأتي بمطالب، وتنتهي بيأس، واليأس لا حدّ متوقعاً لكيفية تمثله.. هذان الموقفان المتناقضان منذ عشرات السنين قد آن لهما الانتهاء، وآن للحكومة أن تأتي إلى طاولة الحوار من دون مواقف مسبقة، وللمعارضة أن تتقاطر إلى الطاولة نفسها من غير تشنجات وتصيّد، وذلك من أجل إجراء عملية «القلب المفتوح» لتسييل ما علق في الشرايين من «كوليسترول» السنوات الماضية التي لم يجرِ فيها أبداً التعاطي المباشر ما بين الطرفين حتى يتم تنظيف الملفات أولاً بأول بدل أن تنتفخ إلى هذا الحد الذي لا يُعلم من أن يمكن أن يبدأ الحوار وتبدأ المعالجة.
ونحن لانزال في ذكريات ميثاق العمل الوطني من خلال دورته الثامنة، نستعيد كثيراً من الذكريات التي طافت بتلك الفترة، فلا نتذكر حواراً وطنياً شاملاً وجاداً وذاهباً إلى ما هو أبعد من طرح «ورقة» أو مداخلة أو مجاملة. ربما لا يعلق في الذاكرة إلا لقاءات متفرقة، وأنواع من التجمعات التي يقول كلٌّ قولته، ويعبر عما في نفسه، ويحمل هموم جماعته السياسية أو المذهبية أو المناطقية، وجلس ماسحاً العرق المتصبب عن جبينه، ملتفتاً لأصحابه يسألهم إنْ أحسن الطرح أم لا، ولكن لم نشهد برامج عمل جادة وحقيقية، وتتحول من النظرية إلى التطبيق الجاد المتواصل والممنهج، في سبيل تقديم الملفات واحداً تلو الآخر، والسعي من أجل بسط سيادة الروح الوطنية العامة التي يقف عندها الجميع من دون خلاف في أسسها العامة، ومن دون جدال عليها.
لن يكون من الصعب اليوم أن تلتقي الجمعيات السياسية الفاعلة والأقل فاعلية في حوار وطني، والأمل أن تستجيب الحكومة أيضاً إلى هذا الحوار، فهي جزء أصيل من هذا الوطني، وركن متين من أركان التفاعل الوطني مع مجمل القضايا، بلا إلزام ولا تقريع ولا محاسبات ولا تهويل ولا تخوين ولا تعميم ولا أجندات خفية وأخرى علنية ولا مجاملات ولا رفع عتب ولا وضع العصي في العجلات ولا تعالي ولا صبغ للوجوه ولا تسويد لها ولا عقد الماضي ولا توجسات الراهن ولا يأس من المستقبل ولا عيون حمراء ولا هراوات غليظة ولا بيانات جاهزة.. فالذهاب إلى الحوار الوطني من دون الحكومة سيكون ناقصاً، والذهاب مع الحكومة بملفات يحملها الطرفان جاهزة لرفعها فوق أسنة الحوار ومتى ما انعطفت الطرق وتعقدت المواقف، سيكون حواراً فاشلاً، وردود فعله سترسم في الشارع مباشرة، استمراراً لما كان في السابق.
عملية القلب المفتوح تحتاج – إلى جانب الشجاعة – كثيراً من النوايا الصادقة، والاعتراف بأننا جميعاً (في المعارضة الوطنية والجمعيات السياسية والسلطة التنفيذية) نعبر ممراً يضيق بنا كلما تقدمنا خطوة إلى الأمام زمنياً، ونعترف بأنا قد بلغنا مرحلة عدم القدرة على المرور جميعاً كتفاً بكتف في هذا الممر، وهذا ما يؤدي إلى انتهاج سياسة «نفسي نفسي» التي يتقدم فيها من له قوة وصوت أعلى على الآخرين من دون الأخذ في الحسبان الشراكة الوطنية، وهذا ما سيجعل الوطن يتراجع قبالة الحسابات الفئوية.
 
الوقت 18 فبراير 2009

اقرأ المزيد

لكي تنجح مبادرة «التقدمي»


يسألنا الكثير من أصدقائنا ومن المهتمين والمتابعين للشأن العام عن مدى تفاؤلنا في حظوظ مبادرة المنبر التقدمي لإطلاق حوار وطني في النجاح, ومثل هذا السؤال وُجه لي كذلك في المؤتمر الصحافي الذي أعلنا فيه المبادرة. ولا أعني هنا طبعا أصحاب الآراء التي تتطير من مجرد سماع كلمة حوار, وتنظر إليها على أنها رجس من عمل الشيطان, لأن هؤلاء لا يطيبُ لهم العيش إلا في الجو المشحون, وإنما أعني أولئك الذي يرغبون في أعماقهم أن تنجح هذه المبادرة, ولكنهم لا يخفون تشاؤمهم من إمكانية ذلك, حكماً من الانطباع الذي يمكن أن يصلوا إليه من ظاهر الأشياء.
في حديثٍ سابق قلت إن مبادرة من هذا النوع في حاجة إلى تهيئة الظروف الملائمة لإنجاحها, وهذا ما يدأب عليه المنبر التقدمي الآن, من خلال اتصالاته مع مختلف القوى والشخصيات والمؤسسات ذات الصلة بموضوع المبادرة. وقد حدث تطور ايجابي باتفاق الجمعيات الست على دعمها لهذه المبادرة, باعتبارها الصيغة المقبولة, في إطارها العام بإعلان المبادئ, وبآلية التنفيذ اللذين تقترحهما, لتكون قاعدة حوار وطني خلاق بين الدولة والمجتمع, يهدف في نهاية المطاف إلى إشاعة مناخ الثقة في العلاقة بين الطرفين, ونزع عوامل الاحتقان السياسي والأمني, والتمسك بروح ونصوص ميثاق العمل الوطني الذي نقل البلاد من حال إلى حال.
ونحن بطبيعة الحوار لا نتوجه بهذه المبادرة إلى المعارضة وحدها, وإنما إلى مكونات المجتمع البحريني جميعها, وهذا حرصنا على إظهاره عند إطلاق دعوتنا للحوار وعند صوغنا لمبادئ المبادرة, ونحن على يقين من أن الروح التي صيغت بها هذه البنود تستجيب لتطلعات ومواقف الغالبية الساحقة من فئات المجتمع البحريني.
للمبادرة, في تقديرنا, حظوظ طيبة في النجاح, ولكن من أجل بلوغ ذلك يجب تأمين شروط هذا النجاح, وفي مقدمتها تحقيق التفاف حولها من قبل كل المخلصين والحريصين على مصلحة الوطن, بصرف النظر عن مواقعهم ومواقفهم وقناعاتهم السياسية, وفي تقديرنا أن مثل هذا الالتفاف سيخلق رأياً عاماً مُحبذا للحوار, بما يفتح آفاقاً جديدة لتطور العمل السياسي للبلاد في اتجاه تعزيز الشراكة الناضجة بين الدولة والمجتمع, وإضفاء الطابع المتحضر على العلاقة بينهما, من المواقع المختلفة, بحيث يُحفظ للدولة مهابتها ومكانتها وللمعارضة حقها في أن تعارض وتحتج وتنتقد بالوسائل القانونية, مع مواصلة النضال من أجل أن تكون هذه الوسائل تستجيب للمعايير المرعية في عالم اليوم بضمان حرية التعبير والتنظيم الحزبي والنقابي.. الخ. لدينا في هذا الوطن من التجارب المُرة خلال عقود ما يكفي من العظات والعبر, التي يجب أن تحمل الجميع على إدراك أن طريق الحوار وحده, الذي خبرنا أوجهه عند انطلاقة المشروع الإصلاحي لجلالة الملك, هو الطريق الذي يأخذ ببلدنا وشعبنا إلى بر الأمان. وهذا ما نعول عليه, ولسنا في هذا التعويل وحيدين.
 
الأيام 18 فبراير 2009

اقرأ المزيد

الطرح الوهمي المتطرف


لم يكن مستغرباً أن تصل الأوضاع الحالية إلى ما وصلت إليه من تأزيم في العلاقات بين أطراف فاعلة في الدولة والمجتمع بسبب تحشيد «إيديولوجي» اعتمد الأوهام أساساً لتحليل طبيعة الوضع والعلاقات في البحرين. وهذا التحليل المعتمد على الأوهام لا يوجد لدى بعض فئات المعارضة فحسب، وإنما أيضاً
-ومع بالغ الأسف- يوجد لدى فئات محسوبة على السلطة، وهي تطرح تحليلات مركبة تركيباً قسرياً على الواقع البحريني.
الخطورة في البحرين لا يمكن أن تنبع من شعب أصيل، ولا يمكن -مهما حاول البعض أن يغير التاريخ- أن يلصق الشبهات مستغلاً أي تحولات أو أحداث إقليمية هنا أو هناك. نعم لدينا مشكلات داخلية، وإذا أردنا معالجتها داخلياً فإن الطريق سهل، شريطة أن ننفتح على إمكانات الوصول لبعضنا بعضاً، بدلاً من تشييد جدران الوهم السميكة، أو تكثير قضبان السجون، أو تحشيد الكتابات المتطرفة التي تحاول ربط مجريات الأوضاع الداخلية بما يدور حالياً على المستوى الإقليمي أو العالمي.
الطرح المتطرف قد «يستحلي» لمن يمارسه حالياً وقد يواصل عليه، ولكنه لن يستطيع الاستمرار في تبسيط الأمور عبر تلوين الناس بأوهام اصطنعتها إيديولوجيات مرعوبة. إننا في بلد صغير وشعبه الأصلي ينتمي إلى جذور معروفة لا تحتاج إلى شهادات من أحد، وهذا الشعب يتكون من فئات عدة، تفاهمت وتعايشت وتنوعت وأعطت البحرين بُعدها الحضاري، وأي مساس بأية فئة من فئات الشعب يعتبر مساساً مباشراً بحضارة البحرين الممتدة من دلمون حتى الآن. إن من الأفضل أن نسعى لكبح جماح أصحاب الخطاب المتطرف من الاتجاهات المحسوبة على المعارضة وتلك المحسوبة على السلطة والتي كثّرت من خطابها الوهمي مؤخراً بصورة أكبر من ذي قبل.
ليس هناك مشروع لتغيير هوية البحرين، والذين حافظوا على عروبة البحرين وعلى نظامها معروفون في وثائق التاريخ وفي وثائق الأمم المتحدة ومحفورة أسماؤهم في الأحداث التي عايشناها في البحرين. ولذلك فإن أية محاولة من أي طرف لتلبيس أهل البحرين بشيء ليس منهم في شيء، إنما يبذرون لأنفسهم ثماراً خاسرة مقدماً، ولعلهم لا يلتفتون الآن لأنهم يطربون لبعض ما يقولون. إن شعب البحرين لديه تجربة ثابتة على الأرض، والتجربة خير برهان. أما التحليلات النظرية القائمة على تركيب الأوهام فهي ليست مجربة.
 
الوسط 18 فبراير 2009

اقرأ المزيد

دعوة التقدمي.. هل هناك من يسمع؟!


بالفعل كم نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نستمع لبعضنا بعضا بل أن نطيل الإصغاء بحب, توخياً لمزيد من الفهم المشترك بين مكونات مجتمعنا البحريني المسالم وصاحب التاريخ النضالي المرصع بالتضحيات الجسام من أجل غد أفضل لأجيالنا القادمة, التي أضحت في زحمة التنافر الحاد الدائرة في مجتمعنا تحملنا مسؤولية الحفاظ على ما تحقق وأنجز بعرق ومكابدة أبناء شعبنا جميعا. وفي ظل عودة تطاير الشرر إلى أجواء بلادنا, بعد أن توَهمنا أننا قد تجاوزنا ذلك إلى غير رجعة طيلة السنوات الثمان الأخيرة, وهي عمر تجربة الانفتاح السياسي التي دشنها شعبنا تحت قيادة جلالة ملك البلاد حفظه الله. وفي ظل حالة الخوف من عودة أجواء أمن الدولة ومصادرة الحريات, كم نحن بحاجة إلى أن تسود لغة العقل والموضوعية والوئام وإعادة التلاحم الوطني الذي بتنا نفتقدها بشكل كبير كل يوم وكل حين, جراء ما يمور به مجتمعنا البحريني من ارتدادات وحالات خصومة وتشنج وانفلات, نعلم أنها ليست إيجابية على الإطلاق, لكنها يجب أن تفهم على أنها إفرازات ممكنة الحدوث في أي مجتمع يمر بتحولات تاريخية على طريق تحقيق دولة المؤسسات والقانون, خاصة وهو ينتقل من مراحل صراع اجتماعي مريرة وأجواء من عدم الثقة, إلى حيث إعادة الاعتبار تدريجيا على الأقل لمجمل الثوابت والقيم السوية التي ترنو لها كل المجتمعات الحية على طريق تقدمها الحضاري المنشود, وانطلاقا من هذا الفهم يمكن؛ بل يجب التعاطي معها من قبل الجميع حكومة ومعارضة ومعنيين بالشأن العام, وبحسب مسؤولياتهم التضامنية في بناء وإشادة مجتمع أكثر تلاحما, وله بالفعل رسالة إنسانية وحضارية تنبع في الأساس من تقاليده وتجارب شعبه بحلوِها ومرٍها.
من هنا فقد جاءت الدعوة الصادقة التي أعلنها المنبر التقدمي بصفته امتدادا أمينا لتاريخ نضالي حافل بالتضحيات والإسهام الوطني نحو تحقيق طموحات هذا الشعب وأمانيه في العيش بكرامة وحرية وعدالة والتي هي ليست جهود وساطة كما حاول البعض أن يقول لنا ذلك, والتي نجزم أنها ممكنة التحقق واقعا, إذا ما استوعب الجميع مسؤولياتهم الوطنية بعيدا عن كل مضامين وخطاب التسعير المذهبي والأيديولوجي والحزبي والطائفي والقبلي, الذي تريد له بعض القوى الطارئة والدخيلة والمهيمنة والمتطفلة أن يسود عبر خطاب متخلف لا ينتمي لهذا الوطن وتاريخه, حيث يرمي لإعاقة أي نهج للإصلاح والتقدم لوطن يستحق منا كل الحرص والمثابرة لإشادة بنائه, الذي يجب أن يكون مزيجا من كل ذلك التنوع الخلاق بين كافة مكوناته الاجتماعية والسياسية المتعددة.
كل ذلك الزخم التاريخي الذي رمت إليه مبادرة التقدمي الوطنية, يجب أن لا يُضيَع في زحمة التكالب على المصالح الآنية والطارئة التي تنشدها انتهازية تلك القوى, التي لم تعرف الوطن يوما إلا من خلال مصالحها الضيقة ضيق أفقها, فهي لم تقرأ بأمانة أبداً تاريخه المضيء, وبات عليها أن تتعلم من تجارب شعوب وأمم أخرى كيف أضاعت تلك الانتهازية المفرطة وذلك النهج الموغل في الجهل والانعزالية والنهم والرغبات الجشعة, وتلك النزوات المغامرة والمكابرة والمتعالية أوطانا وشعوبا بأكملها, حيث يصعب بعدها العودة إلى مسار الوطن المنشود وجادة الطريق المؤدي نحو التقدم والازدهار.
تلك كانت فحوى توجه التقدمي بالدعوة لمبادرة وطنية شاملة لمنع تدهور الأوضاع أكثر فأكثر, والتي أبانت خطوطها العامة ما لا يمكن الاختلاف حوله وخلق آلية حوار وطني تكون كفيلة بحلحلة الملفات العالقة بين مؤسسة الحكم وكافة القوى السياسية دون استثناء أو إقصاء, سواء لتلك القوى الممثلة في البرلمان أو غير الممثلة فيه حاليا, وذلك بغرض خلق تفاهمات مشتركة بين الجميع, حيث يجب أن لا يلزمها الإطار التقليدي الممثل بالجمعيات السياسية والحكومة فقط, بل أيضا تستقطب حولها تلك الشخصيات والرموز الوطنية التي تمتلك من المصداقية وقوة التأثير والإخلاص, ما يشفع لها أن تكون أمينة في الدفع بنهج العمل السياسي السلمي غير المتشنج والسوي الذي تكون غايته الوطن وشعبه, بعيدا حتى عن حسابات السياسة ونزوات بعض الساسة, وتلك ليست بدعة أبداً. فتجربة صياغة ميثاق العمل الوطني الذي دشنت معه البحرين تاريخا جديدا يحق لها أن تفاخر به لا زالت ماثلة أمامنا ونعتبرها وساما على صدورنا جميعا, نحن الذين تعاهدنا على التشارك في قيادة سفينة الوطن إلى حيث تبحر الآن رغم ما يعترضها من صعوبات ومعوقات, والتي علينا أن نفهمها بصبر ونضج وسعة أفق ضمن سياقها التاريخي والموضوعي, تلك التجربة التي بإمكاننا أن نبني عليها بأمانة ومسؤولية, دون خوف أو وجل من أي طرف كان, طالما كان القاسم المشترك هو الوطن ومستقبله, فبقدر إسهامنا في عملية البناء والشراكة الحقيقية المقرونة بدوافع الطموح في بناء مجتمع محصن قدر الإمكان ضد نوازع الفرقة والتباعد والخصومة, ويعرف كيف يتعاطى مع قضاياه بلغة وممارسات حضارية وآليات عمل قادرة على الاستجابة بصدق لمقتضيات عملية الصراع الاجتماعي فيه, إبعادا لأي غبن أو فرز أو تباعد غير محمود بين جميع مكوناته, بحيث يصبح ممكنًا بعد ذلك التقليل من مخاوف المرجفين وشكوك المتشككين وريبة المرتابين.
وانطلاقا من هذا الفهم المتسامي فوق الأهواء والمصالح الضيقة, جاء التجاوب والاحتفاء الشعبي والإعلامي اللافت الذي حظيت به ولازالت مبادرة المنبر التقدمي بالدعوة لمبادرة وطنية شاملة تستطيع أن تلملم ما بعثرته حالات الخصومة والفرقة والتباعد, والتي أملتها شروط قوى وجهات لا تضمر خيرا لهذا الوطن وأهله, جاءت لتعبر عن هواجس القلق التي بدأت إرهاصاته تلامس عقول وضمائر كل الغيورين على مستقبل هذا الوطن, وهي لذلك حَرية بأن تلقى تجاوبا رسميا وشعبيا ونخبويا أكبر, بدلا من الصمت وعدم الاكتراث وحتى التسقيط أحيانا من قبل البعض, بحيث يصبح الجميع أمام مسئولياته دون نكوص أو تهَرب أو تخندق عند حدود المصالح والطوائف والمواقع والعشائر على حساب الوطن ومصالحه العليا, التي كم اقسمنا مراراً وتكراراً على صيانتها, إبعادا لهذا الوطن عن ما ينتابه من منغصات وقلاقل نعلم أنه لن تحلها تلك الاثارات غير المسؤولة أو المناكفات المرتجلة وغير الناضجة, فهذا الوطن سيبقى لنا جميعا فلنحتضنه برفق ومحبة, وأولى بمن هم في مواقع القرار والمسئولية ورجاحة العقل أن يبرهنوا على عدم العودة به مجددا بعد أن تجاوزنا معا حواجز الخوف والقهر والتشظي, التي لا يريد عاقل أن نعود إليها أو أن نجر إلى تخومها… تلك كانت مضامين دعوة التقدمي التاريخية للحوار ووقف تدهور أوضاعنا الداخلية, في وقت عزت فيه الدعوات الصادقة وتعالت فيه نزوات الطارئين المرضى ونزق المتآمرين الذين استهواهم حرق الأخضر واليابس على أرض وطننا … فهل هناك من يسمع ؟!

الأيام 18 فبراير 2009

اقرأ المزيد

مبادرة «التقدمــي»


نشأ تفاعل ايجابي, سياسي وإعلامي, مع المبادرة التي أطلقها المنبر التقدمي منذ أكثر من أسبوعين, وأعلن في مؤتمر صحفي أمس الأول عن إطارها التفصيلي الذي جاء على شكل إعلان مبادئ بالتزامات متبادلة بين القوى السياسية والمجتمعية من جهة والدولة من جهة أخرى, فضلاً عن آلية لتفعيل المبادرة.
وطبيعي أن تتوجه عيون وقلوب العقلاء من القوم نحو هذا الخطاب الذي يدعو إليه المنبر التقدمي, بديلاً لمناخ التشنج والتصعيد المتبادل, لأن الهدف في نهاية المطاف هو تأمين أقصى ما يمكن من استقرار سياسي وأمني في البلاد, ليجري الانصراف نحو مهام البناء الديمقراطي, مع ما يترتب على ذلك من استحقاقات متبادلة على الدولة وعلى مختلف القوى السياسية الناشطة.
نحن ننطلق من أن ثقافة سياسية جديدة نشأت في البلاد بعد ميثاق العمل الوطني لها مفرداتها الجديدة وآلياتها التي لم تكن قائمة قبل ذلك, وكان ينبغي البناء على ذلك ليس فقط من أجل الحفاظ عليه ومنع أي شكل من أشكال التراجع أو الارتداد عما تحقق من مكتسبات, وإنما أيضاً السعي لتطويرها وتعزيزها. لم تسر الأمور دائما في هذا المجرى المنشود, وقد تحدثنا عن ذلك كثيرا في الفترة الأخيرة وعبرنا عنه في ديباجة مبادرتنا, ونحن ندعو لاستثمار التحول الذي حدث في موقف القوى السياسية التي قاطعت انتخابات 2002, وفي مقدمتها جمعية الوفاق, في اتجاه إشاعة مناخ من الثقة, لن يتحقق إلا عبر السعي لحل أمور كثيرة ما زالت معلقة, وبحاجة إلى حل, بدل توظيف الأغلبية النيابية في المجلس المنتخب لإعاقة نجاح أي ملف طرحته الوفاق وسواها من القوى السياسية غير الممثلة في المجلس.
جوهر المطالبات بالإصلاح السياسي سيظل ثابتاً بطبيعة الحال, لكن أشكال هذه المطالبات هي ما يجب أن تتغير تبعاً لتغير الظروف, وهذا ما تصر بعض القوى الناشطة على تجاهله, فهي تريد أن تدير الأمور في الشارع كما لو كنا في التسعينات أو الثمانينات, وهي لا ترى في التحولات التي جرت في البلاد, بما فيها مقادير الحريات المتاحة, بما فيها النشاط السياسي, تحت مظلة القانون, إلا محاولة لتمييع النضال واحتوائه, وفي ذلك فإنها تستخف بكل ما تحقق, كثمرة للنضال الطويل الذي خاضه شعبنا بمختلف تياراته وقدم في سبيله التضحيات.
مثل هذا التفكير, إذا قابلته المعالجات الأمنية من قبل الدولة, سيدفع إلى دوامات من التوتير لن تنتهي, وبتقديرنا انه ليس في مصلحة الحركة الوطنية أن يجري الدفع بالبلد نحو هذه الخيارات, لأن عواقبها سترتد على الجميع. مبادرتنا هي دعوة إلى التمسك بروح ميثاق العمل الوطني ونصوصه, والى العودة للجو المتفائل الذي ساد البحرين بانطلاقة المشروع الإصلاحي, وتغليب منطق الحوار, وهو منطق يقود, إذا ما نحن اتبعناه, إلى بلوغ توافقات وتسويات, ما أمس حاجة الوطن إليها.

الأيام 17 فبراير 2009

اقرأ المزيد