المنشور

الوطن في متاهته!

يتابع بقلق كل وطني حريص على مصلحة الكويت «وهي أولاً وأخيرا». هكذا يرى ويعيش الكثيرون في الساحة السياسية البحرينية, التي يصلها «طشار الكويت تارة على الخفيف وتارة بقوة, فنحن لدينا إرث سياسي مشترك, فهناك مقولة تكاد تكون ثابتة مفادها» إن أي تقدم واستقرار في الكويت يعني تقدم واستقرار البحرين. وعلى العكس تماما فكل انتكاسات سياسية واقتصادية في الكويت الشقيق بالضرورة أنها تتحول إلى البحرين فنحن لدينا لفيف من المؤثرات الكويتية وديمقراطيتها منذ زمن حرب أفغانستان, ولله الحمد تصدر لنا الكويت كل حبها الحقيقي فيما يحاول البعض ترشيدنا فكريا وثقافيا بكل ما يقوله الملا عمر كونه «رجلا من خارج العصر «وهو بالفعل رجل خارج العصر طالما يعيش في الكهوف, ونحن دخلنا القرن الواحد والعشرين وتتملكنا ثقافة وهندسة أمكنة ومدن مختلفة, صارت ناطحات السحاب السياسية مجرد كتلة من الرمل والرماد بعد تحويلها إلى مجرد ركام متناثر . ما يصيب الكويت من تراجع في وضعها الداخلي يتحول إلى شظية في الفضاء البحريني «ولكن السياسة لدينا لها في النهاية نكهتها المحلية حتى وان كنا نتوحد بالثوب القصير والطويل والمزركش والسواد القاتل, ليس كأيامنا في حزن عاشوراء التي صارت حالة سياسية. هذه الثقافة» القادمة من ضفتي الخليج إلى البحرين الصغيرة والكويت» المأسورة» بثقافة صحراوية حاولت الحياة الدستورية تشكيل عجينتها في طينة مدنية متطورة, فلعل الجامعات والسيارات الفاخرة والأسهم المغرية تفعل فعلها الاجتماعي, ولكنها فشلت فشلا حقيقيا في تشكيل الدولة الحديثة المكتملة بكل شروطها المعاصرة, ففي فناء خلفية المعمار الكويتي تعيش هناك ثقافة خفية لم تأخذ ملامح الحياة الدستورية والسياسية ( النيابية ) كل بنيتها الفكرية, فقد تلبس النائب «الصغير» في قبة البرلمان بحقوق الحصانة فصار ماردا, وكأنه ينتقم لضآلة حجمه الإنساني والمجتمعي قبل أن يكون نائبا داخل تلك الجدران, فأصبح صوته أثخن من الطبل ولكنه في حقيقة ذاته يدرك إن صوت «الجماعة» هو الذي يحدد صوته, واعتلاء مطالبه فوق حجم رأسه يأتي من هناك, من قرارات «الحزب الخفي» القادر على تصدير مثقفيه المهووسين بالعنف والقتل والتدمير, بل ويفاخرون عندما يأتون البحرين عن أنهم أحفاد سلالة تبيض الانثراكس كبياض فخرنا العلمي وتطورنا العظيم في كل حقول المعرفة . لقد علمتنا الأزمات وانعكاساتها على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية, وكنا في خليجنا المنهك سياسيا والطافح بثروات الله, فسالت الغنائم بين أيدينا ولكننا لم نسعد بتوزيعها فبتنا نتكالب عليها . وكلما خطونا خطوة الحلم نحو الأفضل تداخلت عصي التعطيل من طرفي العجلة فلا نعرف من الذي يوقفها من الأمام ومن الذي يشدها للخلف, وحينما تسقط عربتنا من الوادي نتحول إلى قوى قادرة على توزيع اللوم دون أن نسأل أنفسنا هل قدمنا حلا للمشكلة ؟ هنا يبرز فكرة المتاهات التاريخية الكبرى حيث تموت قدرة العقل ومصالح القلة وسطوة الفرد والطائفة والقبيلة بل والإيديولوجيات الجامدة , كلها تعجز في إفراز حل لإخراجنا من متاهات اللحظة التاريخية . ليس الكويت وحدها دخلت تاريخيا عنق الزجاجة وتعاملت مع أزماتها بخياراتها الأليمة ولكنها «الممكنة والعصية» القادرة على القفز من حلقة النار , وان كانت دائرة الفساد لن تغيب في كلا الجولتين الدستورية وغير الدستورية . تراجعت بلدان عظيمة كألمانيا عندما قادها مهووس كهتلر نحو جنون حلمه وكم كان التاريخ مجحفا مع نفسه مثلما الوطن والناس كذلك . هكذا يضع الإنسان في البحرين يده على قلبه , إذ يخشى انعكاسات المرآة الكويتية على سطح جزيرتنا, والتي لم تقدم فيها ست سنوات من «الصراخ واللغو» البرلماني إلا غبارا وكحلا للعيون وثرثرة تنقلها المجالس إلى مبانٍ وديوانيات !! فمن تم انتخابهم لم يكونوا أبناء ثقافة مجتمعات مدنية متطورة, لكي يتخطوا بعقلانية حواراتهم الجادة وقدرتهم على الكلام النقدي الساخن وإدراك معنى فن المناورة والتنازل, ففي ثقافتنا يشكل النقد نوعا من الاهانة . فهل نحن قادرون على تجاوز فكرة الحوارات النقدية الجادة عن كونها مهمة , ليس في قبة البرلمان وحسب بل وفي كل منظمات المجتمع المدني ومجالات حرية التعبير , فنحن مازلنا نتبادل قبلات المجاملة أو الطعن من الخلف وقادرين على دفن مجلس الأمة والصلاة عليه دستوريا أيضا, والذين بكوا عليه هم أنفسهم الذين دفنوه بعد شل أعضائه . لكم كان الجنرال بوليفار يؤمن بقدسية الدستور الذي سطره ليس لبلده وحسب بل ولكل كولومبيا الكبيرة التي تبعثرت مع حلم الدولة الحديثة فعاش متاهته وحزنه, وزاد حزنه عندما وجد من يخرقون الدستور هم أنفسهم جنرالات الجيش الذين اقسموا باسم الوطن وباسمه, في وقت كانت الانقلابات والحروب الدموية تفتك بكل منطقة ودستور . فهل نستكثر على شافيز حفيد بوليفار أن يمطط في الدستور أو يعطله . التاريخ يتكرر دائما بتناقضاته .
 
صحيفة اخبار الخليج
29 مارس 2009

اقرأ المزيد

لكي تنجح الشراكة المجتمعية!

احتفلت وزارة الداخلية في الثامن عشر من شهر مارس الجاري بما أطلقت عليه بيوم الشراكة المجتمعية, وفيه قامت الوزارة بسلسلة من البرامج التي تهدف إلى تعزيز مفهوم الشراكة بين المواطنين والمقيمين ومختلف مؤسسات المجتمع المدني مع رجال الشرطة في حفظ الأمن وتعزيز الطمأنينة والاستقرار المجتمعي لدى الجميع, علاوة على ما أسمته الوزارة بتعميق ثقافة التواصل بين مختلف شرائح ومكونات المجتمع, وجاء برنامج هذا العام تحت شعار «بينكم ومن أجلكم أينما كنتم«, وهو شعار موفق وعميق الدلالات رغم بساطة مفرداته. ونحن إذ نشيد بهذا التوجه الذي نفتقده كثيرا لدى العديد من الجهات الرسمية لدينا, والتي تأخذ برامجها عادة طابعا احتفاليا محضا, لا يرقى حد التفعيل على الأرض, لتبدو وكأنها فعاليات علاقات عامة فقط لا غير! مما يفقدها القدرة على الوصول إلى ضمير وقناعات الناس, حيث لا تجد بعد ذلك ما تستحق من الدعم والمساندة الجماهيرية المطلوبة. ما يدعونا للتأكيد على أهمية تعزيز مفهوم الشراكة المجتمعية هذا, هو ضرورة أن تسعى الإدارات المعنية بوزارة الداخلية, لترسيخ صورة إيجابية مغايرة عن طبيعة عملها ومهماتها الجديدة, للولوج إلى قناعة المواطن والمقيم ومختلف مؤسسات المجتمع بها, عبر طرح فعاليات وبرامج لا تلتزم بتواريخ محددة أو مناسبات احتفالية معينة, وإنما تكون نابعة من فلسفة ورؤية مغايرة تتماشى مع طبيعة ومستجدات المهمات الجديدة المناطة بها, والتي تمثل أهم ركن في عملية البناء الشاملة التي تسعى إليها كل دول العالم الناهضة من دون استثناء. أضف إلى ذلك, فإن وزارة الداخلية بما تحمله من إرث ثقيل, تحتاج لعمل المزيد للتدليل عمليا على توجهاتها الجديدة, والتي يجب أن تكون ذات نفس ومضامين إصلاحية حقيقية, تخضع لمفاهيم وطنية جامعة تكون محل احترام الجميع, وبما يعزز من عوامل الثقة تجاه تلك المؤسسة. وحيث أن هذه الوزارة وبالنظر لطبيعة مسؤولياتها ظلت مرتهنة على الدوام لتلك الصورة النمطية التي تكونت عنها, فإننا نعول مجددا على إشادة مضامين أمنية وطنية إصلاحية عند كل قياداتها, وذلك للإسهام في صياغة عقد مجتمعي جديد يستلهم روح وجوهر عملية الإصلاح وحقوق الإنسان بمفاهيمها الواسعة, والتي أصبحت البحرين ملزمة بتنفيذها بفعل تعهداتها الدولية, حين التعاطي مع مستجدات الشأن الأمني الضاغطة على الجميع, مع ضرورة مغادرة عقلية بعض الممارسات السابقة. فمنذ أكثر من ست سنوات وتحديدا بعد أن تم تعيين الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة على رأس وزارة الداخلية, دخلت وبقية الإخوة أعضاء كتلة النواب الديمقراطيين البرلمانية, في حوارات عدة مع بعض القيادات الأمنية وبحضور الوزير حول متطلبات الواقع الأمني الجديد, وضرورات خلق فلسفة أمنية مختلفة, مع ضرورة أن تنفض عنها بعض ما علق من سلبيات كثيرة نتيجة طبيعة العمل الأمني السابق لعملية الإصلاح, وقد طالبنا بضرورة السعي لخلق مفاهيم راقية ترتقي بالمهمات الأمنية الجديدة, بحيث تستطيع الوزارة بثوبها الجديد أن تُسهم من موقعها في تغيير تلك النظرة السلبية تجاهها, والتي كانت دلائلها بارزة آنذاك بروزاً أكثر تفاؤلا لدينا على الأقل, وطالبنا آنذاك بتغيير شامل في مظاهر وأساليب المعالجات, بحيث تبدأ من تغيير ملابس وعربات وثقافة وفكر رجال الأمن وتحويل السجون لإصلاحيات بدلا مما هي عليه, وباعتقادي أن ما اتخذته الوزارة الجديدة من خطوات, وبالنظر إلى ضغط الأحداث, قد ساهمت إيجابا في تعزيز رصيدها لدى الشارع, ونتمنى من الوزير الذي هو محل احترامنا, ولبقية القيادات الأمنية وهي تسعى نحو تأصيل مبدأ الشراكة المجتمعية ضرورة مراجعة وإصلاح السلبيات التي خدشت بعض ما حققته الوزارة من نجاحات سابقة, ونتمنى عليهم أن يبقوننا متفائلين, حتى تدعم بكل ثقة مفهوم الشراكة الذي يروجون له الآن.
 
صحيفة الايام
29 مارس 2009

اقرأ المزيد

رؤى من اجل وحدة التيار الوطني الديمقراطي


ستظل دعوة “وحدة التيار الديمقراطي ضرورة”، حتى تتحقق على أرضية الواقع المعاش، وتشع أنوارها في كل أنحاء الوطن ومختلف أركانه، وينعم شعبنا البحريني العظيم بحرية توازي عظمته ويسبح في بحور ديمقراطية حقيقية غير منقوصة ولا مثلومة يتم في ظلها فصل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية فصلاً فعلياً وليس مجرد حبر على ورق…
 
ولبلوغ شعبنا العظيم هذا الهدف العظيم، لا بد لنا أن يلتف التيار الديمقراطي حول دعوة الوحدة التي أطلقها نائب الأمين العام لوعد الأستاذ فؤاد سيادي، دونما أية محاولات من شأنها إثارة غبار دراجات الماريشال الألماني روميل ليغطي بذاك الغبار على انهزامه في معركة الصحراء الكبرى، يا رفيقي في وعد… طريقنا أنت تدري صعب  ووعر عسير موت على جانبيه ورغمه، يا رفيقي في وعد وأنا رفيقك في المنبر الديمقراطي التقدمي، سنسير وأيادينا متشابكة مع بعض… ومع بعض سنظل نحفر في الجدار، إما فتحنا ثغرة للنور أو متنا سوياً على وجه الجدار، إلا أني أرى في ظل هذا الطرح الذي أعتقد أنه طرح جديد، ولأنه جديد فهو قابل للأخذ به، ومناقشة وحدة التيار الديمقراطي التقدمي، حيث أرى، ولكن الحق في ان يرى، أنه يسجل مقدمات لانعطافة تاريخية جديدة يجب عدم التفريط فيها، بل أخذها والتعامل معها على اعتبار أنها تمثل نهاية لمرحلة نومة كهفية نامها التيار الديمقراطي وقد آن لهذا التيار أن يصحو منها، في الوقت المناسب الذي بدأ فيه جسم الكيان الرأسمالي يتعفن ويتحلل ليبقى كومة من عظام نخرة، تماماً كما تنبأ عنها أحد منظري المرحلة الرأسمالية،  وقال:
 
“إن الرأسمالية ليست إلا مرحلة من مراحل الظواهر الاجتماعية، التي يتجلى فيها أفظع سيئات ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وعندما تبلغ أوجه عتيِّها في مرحلتها الإمبريالية، وآخر خداعاتها في تطبيق العلاقات مع الحكومات الشبه مستقلة، فيما يسمى ب”النيوكونيالية”…
 
مثل هذه التطورات في مسيرة العلاقات البشرية عبر التحولات التاريخية التي تسجل مفاصل من الوعي أو التخلف يبقى التيار الديمقراطي بما يملكه من قدرة على الوقوف الواعي عند لحظات التحولات، وبمقدار ما يتفاعل مع أحداث التحولات وتثبيت وجوده وحضوره عند مفاصلها يكون قد حافظ على كيانه بأن يكون أو لا يكون بدل أن يبقى مجرد! ” بعرة في خفِّ كبش مدلاة وذاك الكبش يمشي”
 
 من هنا وبسبب تعدد وتعثر محاولات التنسيق أو التعاون أو التكاتف عبر عشرات السنين، على يد غيوم صيف لا تمطر ولا تروي ظمأ عطشان، تفرض الضرورة طرح موضوع التنسيق أو التعاون أو التكاتف والتكامل مع القواعد في التيار الديمقراطي، مع ضرورة تشديد الرقابة على عشاق التزعم ومنعهم من تسجيل بطولاتهم باغتنام الفرص والعمل الانزوائي من خلف الظهور، كما حدث لنا عند صياغة العريضة النخبوية.
 
ومن هنا نطرح البديل الجديد لتحقيق (التكاتف، أو التكافل، أو التعاون، الذي قد تقره القاعدة بعد إعلان تكاملها والتنسيق فيما بينها أو رفضه أو تعديله) أو طرح البديل الأفضل، وفي التالي نسجل البديل الجديد:
 
1-    تشكيل لجان من القاعدة يتميز أعضائها بالنزاهة والصدق والإخلاص لخدمة القضية الوطنية
       العمل على تحقيق المصلحة الوطنية العليا يفهمون النضال على أنه غاية لتحقيق مصالح عامة
      وليس مجرد عملية تكتيكية لتحقيق مصالح ذاتية فأن لم ينجح التكتيك ويأتي ثماره، غير
       المتكتك جلده وقفز لمربع جديد عسى  أن يقع فيه على ضالته الزعامية، ولسان حاله يلهج
       آناء الليل وأطراف النهار ” يا رفاق يا زملاء – دلوني  كرسي الزعامة وين ألاقيه..في المحرق
       أو في المنامة أو في ميدان حمامة المهم أني الآقيه”.
 
2-    التأكيد على المطالبة المشتركة لأن يكون لنا دستور عقدي تجتمع عليه مختلف التيارات 
       السياسية وتلتف حوله، من شأنه أن ينهي ما هو حاصل في برلماننا “الخدوج” من
       صراخ اللاذقية.
 
3-   أن يكون الدستور العقدي مكتمل الأركان، ويحقق أهم المرتكزات التي ترسي روح الديمقراطية
      الحقة، والمؤسسة على فصل السلطات الثلاث… (التشريعية، التنفيذية، والقضائية)، وليس كما
      هو الحال الموجود عندنا، حيث تم في ظل الموجود، وفي ظل الإصلاح خلط الماء باللبن، وتم
      تقديمه على أنه رحيق من عطر الورد والريحان والياسمين، وعند تذوقه من قبل الشعب
      اشمأزت نفسه منه، إذ وجده شراب نكره، فلا هو باللبن ولا هو بالماء، وعندما استنكر الشعب
     هذا الغش الفاضح واكتشف أن الغيوم غيوم صيف لا تمطر، ولا  تروي ظمأ عطشان، زمجرت
     الأبواق بأن هناك من يحاول عرقلة مسيرة الإصلاح، قبل أن يثبتوا أن هناك إصلاح حقيقي، تم
     في ظله وقف  انقطاعات الكهرباء، وتوقف السطو على الأراضي العامة، ووضع الرادارات
     لتراقب الأيادي الساطية على المال العام بدل وضع الشوارع تحت مراقبة الرادارات!!؟؟..
 
4-    ضرورة الاتفاق على إسقاط مقولة التعامل في ظل الموجود لما لهذا الطرح من خطورة جمة 
       تؤدي إلى  استلاب الإبداعات لدى الإنسان البحريني المبدع ومنعه من الإبداع  والابتكار، 
       وخلق البديل الأفضل، والانطلاق إلى آفاق حياة جديدة طالما ناضل الشعب البحريني وكافح 
       وضحى من أجل بلوغ غاياتها  العليا والانطلاق في ربوع مساحاتها الرحبة.. إذا أننا نرى مع 
       احترامنا لمن يخالفنا الرأي بشرط أن تخضع مختلف الآراء المتصارعة للنقاش الهادئ بعيداً 
       عن الانفلات والتعصب الأعمى، أن الموجود قد فصل بعناية قصوى لخدمة غايات محدودة، 
       وأن صاحب الموجود لا يمكن أن يسمح لكائن من كان ان يعبث بهذا الموجود ويحرفه عن 
       خدمة الغايات المحدودة، ولا بد من إدراك الحقيقة المستخلصة من العمل في ظل الموجود 
       وهي أن الداعين للعمل في ظل الموجود، لا يمكن أن يصيروا أكثر من عبيد لخدمة صاحب 
       الموجود، وتحقيق مطامعه.
 
 

نشرة التقدمي مارس

اقرأ المزيد

أسباب تدني مستوى التعليم في بلادنا

نشرت جريدة الايام بتاريخ 7 /12/ 2008م خبراً بعنوان أن 70%  من مدارس البحرين تعاني من تدني المستوى الدراسي ، و ذلك بسبب ضعف المناهج واساليب التدريس ، و من ابرز ما جاء في الخبر غياب الدور القيادي  لدى الادارة المدرسية ، خصوصاً المدارس التي تفتقد الرؤية المستقبلية الواضحة في سير عملها وخططها التربوية ، وللعلم أن هذه الدراسة البحثية أجريت على 60 مدرسة فقط من مئات المدارس في البحرين ، والتي لم يشر البحث الى أسماء هذه المدارس أو المحافظة التي تقع فيها المدرسة ، لأننا نشعر بأن هناك مدارس في بعض المحافظات لم تتلق الدعم مثلما هي المدارس في محافظات أخرى.
 
أيضاً هذا البحث قد أجرى على ستين مدرسة فقط، وظهر أن نسبة الضعف الدراسي فيها 70% فماذا لو جرى البحث على 200 مدرسة ؟!.  ثم أن اتهام المدارس بالتقصير بعيدا عن علم الوزارة غير صحيح ،لأن كل ما يجري في المدارس هو تحت رقابة وزارة التربية والتعليم ، حقيقة نحن نؤكد على أن أسباب هذا الضعف الحاصل والذي هو أكثر من ذلك في مدارس المملكة له تاريخ من الإهمال والمبني على أسباب عديدة لا تزال موجودة حتى في فترة الإصلاح السياسي .
 
أولاً. مسألة المحسوبية والطائفية في انتقاء التوظيف ومن كبار الموظفين إن كانوا في الوزارة أو في مجال كوادر التعليم .
 
ثانياُ . مسألة الفساد الإداري المتفشي في الكثير من دوائر القرار بدءً من دوائر التدريس .
 
ثالثاً . ضعف النظرة الوطنية والديمقراطية للعديد من المسئولين وأصحاب النفوذ خصوصاً أصحاب العقلية المحافظة الذين  يدفعون في عدم تطوير المناهج الدراسية ثم الإصرار على مناهج متخلفة لا يستفيد منها الطلاب أثناء تخرجهم ناهيك عن ما تكتنفه هذه المناهج من ضعف في التفكير والإبداع مما ينتج من  أجيال دون المستوى في حقل المعارف والعلوم الإنسانية الحديثة .
 
رابعاً . أيضاً هناك مشاكل أخرى تشكل ضغطاً على الطلبة مثل مسألة تكديس أعداد كبيرة تفوق استيعاب الصف ليصلوا إلى 35 طالب وطالبة وأحياناً أكثر، هذا مما يرهق أكفأ المدرسين في توصيل المعلومات بشكل صحيح للطلاب.
 
خامساً . ضعف  المدارس التي تسير على مناهج مدرس الفصل وهل من المعقول إن مدرسة تستطيع أن تقوم بتدريس كل المواد لطلاب الفصل ، بالرغم من أهمية التخصصات في المواد الدراسية ، وأيضا مسألة تأهل المدرسين بشكل جدي لدفع عجلة التطور في مناهج التدريس .
 
سادساً . مسألة الفصول الخشبية المتناثرة في العديد من المدارس ، هذه الفصول التي لا تحمي من الحرارة في الصيف ولا برد الشتاء ، مما يؤثر على مستوى الطلاب بشكل كبير .
 
سابعاً . أيضاً عدم تجهيز أكثر المدارس بالمختبرات والورش والمعامل التي يجري فيها النشاط التطبيقي والعملي.
 
ثامناً . عدم مراعاة ضعف الطلاب والبحث عن أسباب قصورهم أو تخلفهم وعدم الوقوف عند مشاكلهم ذلك نتيجة حتمية للأعداد القليلة للباحثين الأجتماعيين في المدارس ، بالرغم من أن هناك أعداد من الجامعيين قيد العاطلين ، هنا نؤكد على أن البحث الدوري مهم جداً ذلك من أجل التقييم
والوقوف على مكمن الضعف الدراسي الذي قد حصل ومقدار الأخطاء والقصور والتخلف في مستوى التدريس وأسبابه .
 
لكن في نهاية المطاف ، هل هناك مصداقية من قبل المسئولين للاعتراف بأوجه القصور ومحاسبة المقصرين أو معاقبة من يرتكبون الأخطاء أو الفساد الإداري والمالي التي هي سبب تلك المشاكل في كل المجالات في العديد من المؤسسات والوزارات الحكومية ومنها وزارة التربية والتعليم .
 
 
نشرة التقدمي فبراير
  
 

اقرأ المزيد

استفتاء “أخبار الخليج” ومكافحة الطائفية والطائفيين


الاستفتاء الذي أجرته جريدة “أخبار الخليج” المنشور على الصفحة الأولى من الجريدة بتاريخ 28 فبراير 2009م والمعنون بـ “الخطاب الديني متهم بتأجيج الطائفية في البحرين” قد وضع النقاط فوق الحروف.. لكونه قد كشف عن طائفية الكثير من قوى تيار الإسلام السياسي، بقدر ما أماط اللثام عن أفكار إسلامية سعى أصحابها الى سكب الزيت على نار الطائفية والمذهبية.. ولعل تأكيد النسبة المئوية الكبيرة التي مقدارها 86% لـ (6225) من قراء “أخبار الخليج” بقولهم “ان الخطاب الديني بات متهما بتأجيج الطائفية وتكريس الخلاف في المجتمع البحريني”..

هو إعلان المواطنين البت عن مواقفهم الحازمة والحاسمة إزاء أجندة الخطاب الديني لقوى تيار الإسلام السياسي.. بل إعلانهم استياءهم ما يدور من على منابر المساجد والمآتم من خطب حملت أحشاؤها وماهيتها الاصطفافات الطائفية المقيتة نفسها وأمراض الانقسامات المذهبية الموبوءة.
بادئ ذي بدء نفخر بالقول ان نتيجة الاستفتاء التي خرجت بها “أخبار الخليج” بحقائق واضحة الجلاء، جاءت امتدادا لدعوات “هيئة الاتحاد الوطني” و”جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي” و”مؤتمر الحوار الوطني الثاني” و”جمعية العمل الوطني “وعد”، هذه الدعوات جميعها حملت في جوهرها أسمى مبادئ الوحدة الوطنية بترسيخها وتمتينها وصونها والذود عنها، مثلما كافحت النعرات الطائفية والمذهبية.. بل ان هذه قد حفزت ذاكرة المواطنين جميعا إلى الوراء، ما قبل أكثر من سنتين، حينما نشرت جريدة “أخبار الخليج” بتاريخ 12 نوفمبر 2006م خبرا إزاء ما يتعلق بممارسات قوى تيار الاسلام السياسي الملتوية قائلة “ان مؤسسة دينية كبيرة تمارس شتى أنواع الضغوط على بعض المرشحين المستقلين لحملهم على الانسحاب لصالح المرشحين الذين تدعمهم هذه المؤسسة الدينية”.

وبقدر انبعاث الرائحة الطائفية المقيتة من تلك الممارسات الاسلامية وامتعاض الجهات الشعبية ممثلة في مؤسسات المجتمع المدني، الأساليب الغريبة التي تتبناها هذه الجماعات الاسلامية.. فان الجهات الرسمية ممثلة في وزارة العدل والشئون الإسلامية قد أعلنت آنذاك استياءها ايضا بعد ان نفد منها الصبر وطفح بها الكيل لما تقوم به قوى تيار الاسلام السياسي من انتهاكات للدستور وخروق للميثاق الوطني.

جاء ذلك الاستياء على لسان وكيل وزارة العدل قائلا للصحافة المحلية “علماء أبدوا استياءهم من احتكار جماعات سياسية للمنابر وان السنوات الأخيرة التي تزامنت مع حركة الانفتاح شهدت إغراقا وتوسعا في الأطروحات السياسية واستغلالا واضحا لدور العبادة في هذا الشأن”.
ويبقى القول صحيحا انه بقدر ما اعلن الرأيان الشعبي والرسمي بالأمس احتجاجهما واستياءهما من مخالفات وانتهاكات الجماعات الاسلامية على مدار العشرة الأعوام الماضية.. فان تلك الخروق ذاتها التي تمارسها هذه الجماعات قد ازدادت اليوم حدة وتجاوزا مخالفين بذلك المادة الـ (31) من قانون وزارة العدل والشئون الاسلامية التي “تحذر الأئمة والخطباء بإنزال عقوبات واتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين لهذه المادة”.

ويكفي استدلالا بهذا الإطار أن ثمة الكثير من الجماعات الاسلامية ممن اعتلى منها منابر دور العبادة، قد سعوا إلى الطعن في الطوائف الأخرى بأبشع الهجوم السافر، وبالعديد من الاتهامات الباطلة وبكيل أسوأ كلمات الشتائم وتوجيه أقبح الأوصاف، ناهيك عن استغلال هذه الجماعات الاسلامية منابر المساجد من اجل الترويج للمصالح السياسية والدعاية الانتخابية، والاهم من ذلك كله انتهازية هذه الجماعات بشنها حملاتها الشعواء ضد القوى الوطنية والتقدمية المترشحة للانتخابات البرلمانية والبلدية، او من اختلف معها في الفكر والرأي وذلك بأساليب التكفير والتجريح والتجييش والتحشيد.

من هذا المنطلق فقد استوجب تفعيل قوانين وزارة العدل والشئون الاسلامية بصرامة.. وتفعيل قرارات ادارة الأوقاف السنية بجدية بحيث من الضرورة بمكان مكافحة الخطب والتصريحات الطائفية والمذهبية.. وضع حد لكل من تسول له نفسه من الطائفيين والمذهبيين والانقساميين والانشقاقيين الذين يسعون الى بث الفتنة الطائفية.. واذكاء نار المذهبية والفئوية سواء من قوى تيار الاسلام السياسي المتشدد، او غيرها من اعداء الشعب والوطن والديمقراطية والحداثة والتحديث والمرأة.. وذلك من اجل الحفاظ على مبادئ الوحدة الوطنية بوحدة الشعب، وتماسك نسيج المجتمع وتجسيد اللحمة الوطنية، بقدر الذود عن حياض الوطن وصون ركائزه وأركانه وسيادته. 
 



أخبار الخليج 27 مارس 2009

اقرأ المزيد

السودان بحاجة إلى الديمقراطية والسلام


منذ أن أُبعد حزب الأمة السوداني عن الحكم في كل مرة يصل فيها إلى السلطة، تتالت المشكلات والكوارث على السودان.
كانت الطائفة التي يمثلها تمثل شبكة شرايين اجتماعية منتشرة في الشمال خاصة وتحفظ النسيج الوطني السوداني، لكن الحكومات العسكرية المتتالية والحركات الدينية الطائفية والمحافظة رفضت الخيارات البرلمانية وصعدتْ على ظهور الشاحنات العسكرية إلى السلطة.

منذ إبراهيم عبود والعسكريون يحاولون ما لا يقدرون عليه، إخضاع هذا الشعب الطيب والبسيط والصبور والمكافح، وكل مرة يأتي عسكري كبيرٌ ينقلُ البلدَ لأزمة كبيرة ويصعدهُ تلة أخرى مليئة بالنار والدم.

نتذكر إبراهيم عبود وقمعه الشرس، ثم الثورة الشعبية التي أطاحت به وشعارها: اذهبوا أيها العسكر لثكناتكم. لكن العسكريين لم يتعلموا.
إنهم لا يذهبون، فيزداد الاهتراء والتمزق في الخريطة الوطنية. وهذا القفز إلى خشبة المسرح السياسي العالية كانت توفرها الأفكارُ الشمولية القادمة من الدول العربية وتتغلغل بين صغار الضباط الذين يقفزون على مستوياتهم الفكرية البسيطة والفقيرة ودرجاتهم الصغيرة، ليتحولوا إلى حكام لبلد كبير.

إن القفزة العسكرية الانقلابية تمثل أفكار المقامرة بمصائر الناس، وليس هي مثل حزب عريق يراكم التجارب والنضالات ويجعل الشعب يتطور ويغير نفسه، فهي تصعد مغامرين محدودي التبصر بالسياسة لا يعرفون سبل التطور ويقررون قرارات خطرة تلحق أضراراً جسيمة، وربما تكون السلطات السابقة قد سمحت لهم بالصعود وربما سمنتهم بعض الوقت فأكلوها.

والأفكار الانقلابية المشبعة بالبهارات القومية الزائفة كان يُلاحظ لدى التيارات الوطنية السودانية عمليات تغلغلها في الساحة السياسية، ونشرها بالأموال، وقد عبرتْ تلك التيارات منذ الستينيات عن خشيتها من هذين التسلل والفرض لهذه الأفكار، التي كانت إحدى الشخصيات التي تجسدت بها كالدكتاتور السابق جعفر النميري، الذي قام بإنجازات دموية كبيرة، والذي قفز هو الآخر على حزب الأمة وعلى الانتخابات والدستور، ثم أراد أن يعجن التيارات السودانية كلها في عجينة واحدة، ملغياً الاختلافات الفكرية والسياسية، وأنشأ ما سُمي الاتحاد الاشتراكي، وقد فرضه بالقوة، وساعده تصاعد دور الحكومات الشمولية في مصر وليبيا خاصة.

كانت نتائج الأفكار الشمولية (القومية) انها بدأت تمزيق خريطة السودان. كان السودانيون شعباً ذا عفوية سياسية وطنية متوحدة، لكن الأطروحات القومية والدينية المتعصبة، جعلت الجنوبيين المسيحيين يشعرون بالخوف من نزعات الشمال الجديدة، خاصة أنهم عاشوا الاضطهاد أكثر من غيرهم على مدى التاريخ.

وكلما ازدادت قبضة الشمال العسكرية تفكك السودان، وهو أمرٌ على النقيض من الشعارات التوحيدية التي تتفجر مع كل بلاغ عسكري من الخرطوم، وكان الشعب ليس بحاجة إلى البلاغات بل إلى السكك الحديدية والأعمال والتجارة والمساواة بين أقاليمه وقومياته وأديانه.

وزادت الحركاتُ المتاجرة في الإسلام الثقافةَ الشمولية العسكرية غنىً دمويا، وتفكيكا لخريطة البلاد التي كان يوحدها الرعاة والفلاحون ورجال الدين الشعبيون والقبائل والعساكر البسطاء، ولم تكن بحاجةٍ إلى الدبابات من أجل ذلك، كما أن هذه الحركات المتاجرة في الدين زادت أهل الجنوب والمناطق المخلتفة، خوفاً فحملوا السلاح، ثم انتشرت النار في بقية الأقاليم.

كلما جاء فصيل عسكري وعد الشعب بالكثير من الانجازات والتغييرات، وقد جاء العسكر في الفترة الأخيرة فكانوا تتويجاً لذلك التاريخ المكفهر.
تصارع العسكريون الدينيون الحاكمون فيما بينهم وراح كلُ قسم يزايد على الآخر فيما يقدمه من مكاسب للشعب، وتصارعوا مع قوى الأقاليم المنفرطة من السيطرة الحكومية، وراحوا يجمعون خيرات النفط من دون إصلاحات معيشية بسيطة للجمهور.

الحل هو أن يتركَ العسكرُ الحكمَ، ويعود الحكم المدني، ويُزال استغلال الإسلام للتجارة السياسية، وتجرى انتخابات ديمقراطية على ما كان يجري من انتخابات في السودان في عصره الديمقراطي الشفاف البسيط قبل عهود العسكر، مع إجراء التطورات الضرورية بعد كل هذه التحولات والكوارث.

بطبيعة الحال لن يحدث ذلك ولن يخرج العسكر وهم الضباط الكبار في الواقع وليس الجنود المساكين الذين يسوقونهم لمعارك لا دخل لهم فيها.
كانت “إنجازات” حكومات العسكر كثيرة على أهل السودان؛ فقد صار الإقليم الغني سلة العرب الغذائية محلاً للمجاعات، وتشرد كثيرٌ من سكانه، وافتقروا أشد الفقر، وتصارعوا أحزاباً وأدياناً ومناطق، وسمحوا بالتدخلات الأجنبية من كل حدب وصوب، وبكل لون وطريقة.
ستكون هي النتيجة الأخيرة من هذا الفصل حين يعترف العسكريون بعجزهم وينسحبون تاركين لأهل السياسة الوطنية تدبر أمر السودان من أجل إصلاحه وإعادته إلى طريق الديمقراطية والسلام. 

 
أخبار الخليج 27 مارس 2009

اقرأ المزيد

درس من الكويت..!


الذين تابعوا بدقة مجريات المشهد السياسي في الكويت والتي توجت بحل مجلس الأمة, وهو لم يقضِ من عمره سنة واحدة, يدركون بسهولة اذا أمعنوا في مبررات الحل وردود الفعل, أن ثمة ما هو جدير بالنسبة لنا هنا في البحرين أن نجعله موضع تأمل ومراجعة.

بالنسبة لمبررات الحل سواء التي عرضها سمو أمير دولة الكويت, أو تلك التي تم تداولها من قبل قوى سياسية كويتية عديدة, هذه المبررات تستوقفنا:

– ممارسات النواب تجاوزت كل الحدود وأضحت سبيلاً إلى الاستفزاز وسبباً في إذكاء الفتنة.
– خلل متفاقم شاب العمل البرلماني وانتهك الدستور والقانون, وتجاوز حدود السلطات.
– تبارى النواب في مماحكات وممارسات محمومة هددت الوطن والشعب.
– ممارسات برلمانية مؤسفة شوهت معاني الحرية والديمقراطية وأفسدت التعاون المأمول بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
– تدني لغة الحوار بين النواب وأعضاء السلطة التنفيذية على نحو غير مسبوق.
– خلق المجلس أجواء من التوتر والتناحر والفوضى والمزايدات التي صبر عليها المواطنون طويلاً.
– مارس تعسفاً وتشكيكاً وتصعيداً وقدحاً بذمم الناس واخلاقهم.
– استخدام الاستجوابات والتهديد بتقديمها خروجاً عن مقاصد الدستور.
– لم يحقق إنجازاً في ظل أجواء مشحونة بالشد والتوتر والتعسف والتشكيك والترهيب عطلت مشاريع تنموية كبرى.
– تحويل قبة البرلمان إلى ساحة للجدل العقيم والخلافات وافتعال الأزمات.

تلك هي المبررات, أما ردود الفعل فإن أهم ما يلفت النظر فيها هو شبه الإجماع في الرأي على تأييد حل البرلمان, بل ان تاريخ الكويت السياسي الحديث وفقاً لآراء كتاب وسياسيين كثر لم يشهد إجماعاً في الرأي كهذا الذي حدث, والذي أجمع على سوء أداء وممارسات أعضاء مجلس الأمة الكويتي المنحل, والاتفاق على أنه ذهب غير مأسوف عليه, بل واللافت أن حل المجلس كان محل رضى حتى من بعض أعضاء المجلس أنفسهم من زاوية أنهم «كانوا يشعرون بأن ممارسات البعض قد تعدت اطارها المقبول لتدخل في مماحكات وممارسات محمومة أثارت صواعق سياسية وطائفية هددت سلامة الوطن واستقراره ووحدة أبنائه, وعرضوا شعباً بأكمله للخطر الذي ليس وراءه خطر».

تلك خلاصة المبررات وخلاصة ردود الأفعال وعلينا أمام هذه الخلاصات أن نتوقف هنيئة وأن نبحث بشيء من سعة الأفق في القاسم المشترك بين هذا الذي حدث في الكويت وما يحدث هنا في البحرين على صعيد الممارسة النيابية, ومع التسليم بأهمية ذلك فإن المقاربات والمقارنات والتقييمات والتأملات والمنزلقات والخيبات والانتكاسات التي يمكن الاستفاضة فيها من جميع النواحي, تضعنا أمام مشهد مماثل في تجربتنا البرلمانية, بمعنى أن الحيثيات التي طرحت هناك في الكويت والتي أدت إلى ما أدت هي ذاتها التي أثيرت ولا تزال تثار حول أداء وممارسات ومواقف الغالبية العظمى من أعضاء مجلسنا النيابي الذين يمارسون كل ما يؤدي إلى تردي العمل السياسي وخلقوا حالة فيها من عوامل التوجس والقلق والتجاذبات والخصومات والنزاعات ما لا يمكن أن يخفى على أحد, وهي حالة المؤسف فيها أنها أدت الى تبني كثير من المواطنين إلى ذات القناعات التي تبلورت في الكويت حيال أداء المجلس النيابي, وما تلك النعرات الطائفية والمذهبية واللعب على أوتار الانقسامات والحساسيات الطائفية والمذهبية في كل شأن من شؤون الوطن والعباد, وجعل كل قضية ومشكلة عرضة لمنطق تلك الحسابات والاعتبارات وإخضاعها للتجاذبات والخصومات والنزاعات إلا إفراز لواقع حال مجلسنا النيابي, وكم كنا نتمنى أن يشعر كل نائب بأنه مؤتمن على كل الوطن بكل طوائفه, وليس على طائفة أو مذهب, أو قبيلة أو منطقة من دون سواها, وربما هي مملة جردة الأمثلة التي يمكن إيرادها في هذا الخصوص, ولعله من المفيد كعينة.. مجرد عينة أن نذكر بما يستحق الإشارة إليه والتنويه به ومنها طأفنة استجوابات بعض الوزراء, والاصطفافات الطائفية الراهنة حول ما بات يعرف بحمى طلبات رفع حصانات بعض النواب والتي نرى بأنها أدت إلى حرب فريدة في نوعها وفي دوافعها, هي معلومة للجميع ولا ننسى المشروعات الإسكانية التي يصر بعض النواب إقحامها في دهاليز الطائفية والمذهبية والمناطقية, حتى مشروع المنازل الآيلة للسقوط لم يسلم من المحاولة, تلك مجرد عينة, واذا كانت النتيجة في الكويت أدت إلى ما أدت إليه, فإن ذلك لا يجب أن يغيب عن أذهان نوابنا لعلهم يستوعبون الدرس الكويتي الذي يوصف بأنه يقدم نموذجاً حكيماً في ادارة الأزمات.. لعل ذلك يجعل نوابنا أحرص على عدم نقل عدوى نتيجة أزمة التجربة الكويتية للبحرين. 



 
الأيام 27 مارس 2009

اقرأ المزيد

التوأمان العالم وأنيس.. والجيل الرسالي (3 – 3)

لا تقاس عظمة الفرد بما يقدم عنه من شهادات بذلك في المرثيات التي تدبج بعد مماته فحسب، بل الأهم من ذلك بما يقدم عنه من شهادات نزيهة موضوعية صادقة خلال حياته من مختلف الرموز والقوى التي تختلف معه في الفكر، ولا تقاس عظمة المسيرات الجنائزية بحجم اعدادها فحسب، بل بتنوع الرموز والشخصيات السائرين فيها.. وهكذا فالقاهرة التي شهدت اعظم مسيرة جنائزية عربية خلف زعيم عربي متمثلة في جنازة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر (سبتمبر 1970) حيث سار خلفه أكثر من خمسة ملايين فرد، والقاهرة ذاتها التي شهدت اضخم مسيرة جنائزية تسير خلف فنان عربي ممثلة في جنازة فنانة العرب الكبرى ام كلثوم (1975) حيث سار خلفها ما لا يقل عن مليوني شخص، هي نفسها التي شهدت أول مسيرة جنائزية سياسية فريدة من نوعها ألا هي جنازة واحد من أكبر وأشهر الشيوعيين العرب منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين المفكر محمود أمين العالم، حيث سار خلفها في يناير الماضي رموز كبيرة من مختلف ألوان الطيف السياسية والحزبية والثقافية والنقابية والدينية، ومن ضمنهم على وجه الخصوص المرشد العام للإخوان المسلمين، الحزب الذي نذر نفسه في كل الأقطار العربية، لا مصر وحدها، لمحاربة واستئصال الشيوعية من المجتمعات العربية.
هو الذي، العالم، تولى مناصب علمية وثقافية واعلامية مرموقة في عهد عبدالناصر بعد ان فصله من الجامعة ثم سجنه خمس سنوات (1959 – 1964)، ثم فرض عليه السادات بدوره النفي القسري، لكنه حصل في عهد مبارك على جائزة الدولة التقديرية عام 1998، وهكذا حظي العالم بكل ذلك التقدير الرسمي المعنوي في فترات مختلفة مثلما حظي بعسف الدولة تجاهه دونما أن يتزحزج قيد أنملة عن موقعه كمعارض يساري واقعي معتدل.. وان كان حليفا لعبدالناصر منذ عام 1965 حتى رحيله المفاجئ الفاجع عام .1970
وانت لئن اردت ان تعرف قيمة ومكانة اي كاتب أو مثقف كبير، فما عليك الا ان تسمع او تقرأ ما يقوله عنه المختلفون معه في الفكر والتيار السياسي الذي ينتمي اليه ولو بشيء من التجرد، وذلك حينما يقدمون شهاداتهم الموضوعية لوجه الله والحقيقة، بعيدا عن الاهواء ومنزلقات التعصب الحزبي او السياسي او الديني وغير ذلك من النزوات السياسية والدينية والطائفية والتي تدفع من يقع اسيرا لأي منها او كلها مجتمعة إما لكتم شهادته وحجبها عن الكاتب المتميز او المثقف المعطاء او المفكر المنتج الذي يختلف معه في الانتماء الفكري او المواقف السياسية، وهذا اضعف الايمان، وإما لا يتورع عن مهاجمته وتشويه مواقفه لمجرد انه لا ينتمي معه الى تيار فكري واحد مشترك، او لمجرد ان هذا الكاتب او المثقف او المفكر اختلف معه في مواقف سياسية عديدة او انتقد لمرة أو لمرات ما يراه غير صحيح من مواقف صدرت من قبل القوى السياسية التي قررت هي أو رموزها معاقبته بحجب الشهادة الموضوعية في حقه ككاتب او كمثقف او كمفكر سواء خلال حياته أم بعد مماته وذلك برميه بما انزل الله به من سلطان من تشويه وافتراء لمواقفه وتحليلاته وتجريده من اي عطاءات او ايجابيات تحسب موضوعيا له بصرف النظر عن انتمائه الفكري او الديني.
وهكذا فالذين اجمعوا على ما يشكله محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس من قيمة فكرية وسياسية وعلمية وثقافية كبيرة لم يقتصروا على لفيف سياسي من مختلف ألوان الطيف السياسي فحسب، بل لفيف آخر من مختلف ألوان الطيف في الثقافة والأدب، ناهيك عن المجال العلمي الذي تخصص فيه كل منهما، حيث أنيس كان قد تخصص في “الرياضيات” ونبغ فيها، والعالم تخصص في “الفلسفة” ونبغ فيها، علاوة على اقرار النقاد العرب بريادتيهما بعدئذ في حقل النقد الادبي، وان لم يتفرغا ويكرسا حياتهما الثقافية لهذا الحقل كثيرا بقدر تفريغ وتكريس جل حياتهما للعمل الفكري والنضالي السياسي الحركي.
كان المفكر العالم على وجه الخصوص واحدا من ندرة من المفكرين العرب المتميزين الذين هم انفسهم يجمعون على استحقاقه لقب “مفكر” ويليق به بكل موضوعية، رغم انه لم ينل “الدكتوراه” ولم يسع الى هذا اللقب أبدا، كما سعى الى تلك الشهادة والى ذلك اللقب ادعياء كثيرون لقبوا أنفسهم بلقب “مفكر” دونما ان يستحقوه، واصروا على تزيين وزخرفة اسمائهم به في ذيل كتاباتهم، وهم لم يقدموا عشر ما قدمه أي واحد من تلك الندرة العظيمة من المفكرين العرب الذين يشكل العالم واحدا منهم.
ولربما يعد رحيل التوأمين العالم وأنيس مؤخرا من أكثر الخسارات فداحة التي لحقت بالساحتين السياسية والثقافية العربيتين خلال السنوات القليلة الماضية حيث غيّب الموت خلالها عن دنيانا كوكبة عريضة من المفكرين والمثقفين والمبدعين والعلماء العرب، دع عنك من رحلوا عنا على امتداد نحو ربع قرن تقريبا.
الاكاديمي المصري محسن خضر لفتته هذه الظاهرة الفاجعة لكثرة من رحلوا من تلك الكوكبة المصرية التي لمعت في مجالات مختلفة بدءا منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي وذلك على إثر رحيل المبدع السينمائي الكبير يوسف شاهين والمؤرخ رؤوف عباس والمثقف المفكر عبدالوهاب المسيري والناقد سامي خشبة والناشط الحقوقي احمد عبدالله رزة (أحد رواد الحركة الطلابية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات) والكاتب فتحي عبدالفتاح ورجاء النقاش وأحمد عباس صالح وعلي الراعي وعبدالعزيز حمودة وسمير سرحان. وصف الكاتب رحيل مثل هؤلاء تباعا وغيرهم كثيرون خلال السنوات القليلة الماضية بأنه بمثابة تآكل للجيل الطليعي الرسالي التنويري المقاوم والمهموم بقضايا الوطن والأمة والانسان (محسن خضر، عن تآكل جيل المثقفين الرسالي،الحياة 10/9/2008).
والواقع ان هذا التآكل كما أسماه الكاتب المصري خضر، أو الانقراض على الأدق ظاهرة لا تقتصر على مصر وحدها كما لفت نظره، بل هي ظاهرة أحسبها تنطبق على كل البلدان العربية بلا استثناء، فأنت فتش معي في أسماء كل من تعرفهم من رموز وقمم ابداعية وفكرية ونضالية كبيرة في كل تلك الاقطار فلن تجد من تبقى منهم اليوم سوى القلة، بعضهم مازال ينافح مقاوما امراض الشيخوخة او شبحها القادم ليستنفد ما تبقى لديه من طاقة ذهنية وجسدية في العطاء، وبعضهم اعتكف على نفسه ليطويه النسيان، وبعضه الآخر لفه النسيان بفعل مداهمة تلك الامراض له وبفعل ما يواجهه من تهميش ممنهج.
يخلص الاكاديمي المصري خضر الى أن رحيل تلك الكوكبة من جيل الطليعة والرواد “المصريين”، ونضيف اليه: “وغيرهم من العرب”، يؤذن بمصير قاتم ينتظر الثقافة المصرية والعربية وذلك في ظل ما اسماه عطب مولدات الوعي والاستنارة المعاصرة، سواء على المستوى الرسمي ام على مستوى التنشئة الاجتماعية، بما في ذلك انهيار النظام التعليمي الرسمي بتفاقم فساده، والتسطيح الاعلامي، والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني والاحزاب، وتعطيل دور النقابات وتهميش الكفاءات واختيار فئة “أهل الثقة” في مراكز وقيادات مختلف حقول العلم والثقافة والابداع والمعرفة، دع عنك الجهاز الاداري العام حتى لو كانت مسطحة، وابعاد او تهميش فئة “أهل الكفاءة”، ان لم يكن محاربتها بمختلف الوسائل الممكنة، ونحن نشاطره تماما في هذا القلق من المصير النهضوي القاتم المقبل، ذلك بأنك لو تتبعت اجيال رواد النهضة العربية الحديثة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ستجد على الأقل ثمة ملمحا متصلا بين جيل ازف رحيله وجيل آخر ازف حلوله محله من حملة مشاعل التنوير والنضال بين كل نصف قرن وآخر، لكن هذا ما لا يبدو الآن في الأفق الراهن مع انقراض جيل الرواد الخمسيني، اي الذين برزت انطلاقتهم الريادية تباعا منذ النصف الثاني للقرن الآفل.. وحيث لم يتبق سوى فئة قليلة محدودة من الجيل المخضرم الذي ولد في الخمسينيات ومازالت تلك الفئة تنافح للقيام بدورها في ظروف راهنة موضوعية وذاتية معقدة بالغة القسوة والتحبيط، ولربما انقرضت بالتلاشي او الموت البطيء قبل ان يأزف أوان رحيلها الطبيعي!

صحيفة اخبار الخليج
26 مارس 2009

اقرأ المزيد

رأسمالية رثة.. عمالة رثة

ليست هناك جذور قوية للرأسمالية والتطورات التجارية والصناعية في المنطقة الخليجية، وقد انتقلت من وكالات ودكاكين إلى ناطحات سحاب، ومن استيراد محدود إلى استيراد شامل.
في هذا الانتقال الذي استغرق أقل من قرن، لم يكن للتجار والصناعيين والمقاولين قواعد اقتصادية حديثة وعقلانية متجذرة، وانتقلوا من مجتمعات بدوية – قروية إلى الارتباط بمراكز الرأسمالية العالمية الكبرى والمناطقية الآسيوية العملاقة، من دون أن تكون المنطقة محضرة تحضيراً مطولاً لهذه النقلة العاصفة.
فليس ثمة شيء من الانسجام في الأبنية الاقتصادية العامة، ولا في البنية التحتية، فالعمالة من بقاع الأرض كافة، وهي في تضاد مع العمالة المحلية، والعمالة المحلية موجهة في أغلبها للوزارات والجندية، وقليل منها متوجه للمصانع.
وبمجموعها هي عاملة أقل من مستوى العصر، وأقل من المستوى المطلوب في العمل والإنتاج.
والكثير منها رث، لا يصلح للعمل والاستخدام في الجوانب التي حشر فيها. فهناك اصرار على جلب عمالة رثة، متخلفة، ناقلة لشتى الأمراض.
ونجد أن أغلبية العمالة قادمة من مناطق غير متطورة، بل متدهورة في عيشها وانتاجها وحياتها، فكيف يمكن أن تفيد مجتمعات تريد أن تنمو بل تتطلع إلى إحداث قفزة تجعلها في طليعة دول المنطقة؟
البلدان التي تأتي منها هذه العمالة في حالة انهيار كبلدان الحبشة واليمن وجنوب الهند وسيرلانكا وبنجلاديش وغيرها من البلدان التي شهدت كوارث الحروب والانتقالات التاريخية غير المتوزانة وفيها عاميات فقيرة تريد أي فرصة للعيش والانتقال.
وهناك مناطق في بلدان متخصصة في نقل الارهاب ومن خلال منظورات دينية، وتوضع مع عمال من بلدان أخرى تحلل كل شيء.
فلا توجد أي خطة ولا تنسيق ولا دراسات بل نقل مستمر لهذه السيول البشرية وقذفها في الأزقة والمعامل والحفريات.
وكان القصد من التركيز على هذه البلدان وسفر الوزراء والمقاولين والاقتصاديين إليها هو جلب مثل هذه العمالة الرثة، الرخيصة، التي لا تقدم تطوراً على صعيد العمل المتطور والتقنيات وتمثل مشكلات في انتقالها وعيشها وفي مستوى مهاراتها.
السبب الأول والأخير هو تفاهة الأجور التي تـُدفع إليها، وعدم وجود قوى تدافع عنها، وتحترم إنسانيتها. فحتى نقابات معينة ترفض عضوية هؤلاء العمال وتمنع أن يصعد أعضاؤها في سلم النقابات وكأنهم ليسوا بشراً.
أما أن يكون لهم رأي سياسي في مناطقهم وظروفهم وفي المساكن التي يُلقون فيها وفي البضائع الغالية التي يشترونها والأدوية التي لا يعثرون عليها.. فلا يمكن أن تنبس ببنت شفة هنا.
مليارات كدسها المسؤولون وأصحاب الأعمال والموظفون الكبار، ومالكو الفنادق الكبرى والشركات العملاقة والمصانع، ثم يقومون بجلب هذه الجحافل من البؤساء لينشروها في الخليج، بين المصانع والمكاتب والفنادق، لتقوم بأي شيء، ولتجيء بأي فائض، ولتسكن في أي بيوت، وأي شقق رثة تتكدس فيها من دون مقومات الحياة البشرية والنظافة.
عمارات عملاقة وبنوك ذات مظاهر خلابة ثم عواصم مليئة بهذه الجحافل تتكلم بشتى اللغات، كأنها أبراج بابل جديدة مخصصة لانتزاع النقود. تعمل في ظروف قاسية، في ظهيرة الخليج الحارقة، تنقل أمراضها ومشكلاتها من دون رقابات فعالة.
احتفظوا لها بالأحياء القديمة، حارات العز القديمة الشائخة، وأنزلوها بها. فراحوا يزيدونها رثاثة ووساخة وشيخوخة. لا تعرف هذه العمالات كيف تسوق فيصدمون المارة. يركبون سيارات حديثة ولم يحصلوا على رخص قيادة في بلدانهم. لا يعرفون ما هي الصحة ويملأون الطرق بالقذارة. يتاجرون بأي شيء، يعملون طوال اليوم، عمالٌ ومرضى، قطعُ نقودٍ صغيرة يتسلمونها فيعملون بأي شيء، يهربون من الأعمال ليلتحقوا بأعمال أخرى في كل لحظة، يحيلون الفنادق إلى حصالات، يحيلون الأسواق العريقة إلى أسواق رثة، نتنة، لا يعثرون على أدوات صحية، لا يتسبحون، ينشرون ثيابهم المغسولة المليئة ببقع الزيت والبقايا في الطرق والأحواش الصغيرة وفي الشرفات المزدحمة، ينامون قرب السلندرات المليئة غازاً، يأكلون اسوأ الأغذية، فليس لديهم سوى الدهون والنشويات المحدودة بالعناصر الطبيعية المفيدة، يمرضون ويتجهون لمستشفيات مليئة غير قادرة على العلاجات الدقيقة.
إلى متى لا يتم ضبط هذه العمالات؟ ولماذا يسمح لها العمل بأي شروط لـتــُقذف في الأسواق لتعمل في الجزارة، في الفلاحة، في الحمل، في تنظيف، أي شيء!؟
لا نجد أي حملات تفتيش على بيوتها مثلما تتم الحملات المكثفة على الفنادق، وكأن أصحاب الفيز والشركات فوق مستوى القانون.
ولا تتأثر ولا تتضرر الجماعات الثرية التي تعيش في مناطقها المستقلة بهذه الحشود المتدفقة دوماً، فمن يتأثر هم الفقراء والعامة التي تعيش معها هذه العمالة الرثة، التي تتحول إلى ضارية ومزاحمة، فترفع الإيجارات، والأسعار، وتوسع البطالة، خاصة في قدرة هذه العمالات على التحايل وجلب أسرها ونثرها في البلد المغمض، بل تصل المزاحمة إلى مواقف السيارات، والتحكم في الأزقة، والدروب، وفي السيطرة على الدكاكين!
إنها عمالات فقيرة رثة، ولكنها كذلك تتطلع للتجذر والسيطرة والامتداد، وما أسرع ما ينتقل بعضهم من المسكنة إلى الهيمنة والتعالي! ويبدون بمنتهى الضعف أولاً وسرعان ما يسيطرون على الأمكنة والأسواق، فتتفجر الصراعات والشجارات.
ودائماً يجابه المسئولون والمتنفذون هذه العمالات بـ (الرحمة) وليس بالشدة اللازمة القانونية، فدائماً لديهم بأن المواطنين هم المخطئون، وهم الذين يعتدون على هؤلاء العمال المهاجرين، وقد يكون ذلك موجوداً، لكن الحالة التغلغلية لهذه العمالة الأجنبية والنمو على حساب العاملين المواطنين، والتسيب في الرقابة من قبل الأجهزة، كل هذه تقلب الصورة وتجعل العكس هو الصحيح!
أصبحت هناك قطاعات مهمة من المواطنين والأجانب مستفيدة من المهاجرين الفقراء ولا تريد لهذا الوضع المتردي أن يقف وأن يصحح.

صحيفة اخبار الخليج
26 مارس 2009

اقرأ المزيد

كلمة حول القضاء


المنبر التقدمي في مبادرته للحوار الوطني يدعو إلى حلول سياسية للوضع المحتقن في البلاد، ويقدر أن الحل الأمني أدى وسيؤدي إلى تداعيات ستزيد من تفاقم الأمور.

والتعاطي الأمني جُرب في البحرين وجُرب في بلدان أخرى فلم يؤدِ إلى حل المشاكل التي تقود إلى الاحتجاجات، لأن المنطق يقول بأن عين الصواب هو احتواء الظروف والبيئات التي تدفع لمثل هذا النوع من الاحتجاجات على النحو الذي شرحنا جانباً منه في مقال الأمس. 

 ألا اننا نود أن نسجل كلمة تقدير للقضاء البحريني على الطريقة التي تعاطى بها مع القضية المنظورة أمامه والمعروفة بقضية الحجيرة في جلسة المحكمة الأخيرة.

ونأمل أن تسير المحكمة في جلساتها القادمة على الإيقاع الذي سارت به جلسة أمس الأول، في التعاطي الايجابي مع مطالب هيئة الدفاع وفي مقدمتها إنهاء السجن الانفرادي للمتهمين، بالنظر إلى معاناة المتهمين النفسية البليغة الناجمة عن ذلك، وكذلك بإعادة التحقيق في القضية من قبل المحكمة، فضلاً عن التحقيق في دعاوى التعذيب الذي يقول المتهمون أنهم تعرضوا إليه لحملهم على الإدلاء باعترافات.

لقد تمكن المتهمون أمس الأول من الإدلاء بمواقفهم أمام هيئة المحكمة، وبحضور ممثلين  لهيئات حقوقية دولية ومحلية وممثلي الصحافة المحلية وبعض الدبلوماسيين، حيث أشاروا إلى أنهم معتقلون في قضية رأي.

وهذا يشير إلى الأهمية التي توليها الجهات التي حضرت للقضية المنظورة، واهتمامها بمدى التزام القضاء البحريني بالمعايير الضرورية الواجب توافرها في محاكمة من هذا النوع.

وأمر يدعو للتقدير أن المحكمة أظهرت في تلك الجلسة حرصاً على الالتزام بالشفافية، وفق ما قاله بعض الحقوقيون الأجانب الذين حضروا الجلسة.

يظل أن المتعين الآن هو التنفيذ الفوري لقرارات المحكمة وخاصة لجهة إنهاء السجن الانفرادي والاستجابة لطلب الدفاع في إعادة التحقيق مع المتهمين، بالنظر لما أثارته هيئة الدفاع عن عدم حيادية النيابة العامة إثناء التحقيق الذي على أساسه كيفت القضية المنظورة، إضافة إلى النظر في ما أثاره المتهمون ومحاميهم عن تعرضهم للتعذيب الجسدي والإيذاء النفسي لحملهم على أقوال ليست صحيحة.

ثقتنا في القضاء قوية، وأملنا أن تكون هذه الثقة في محلها، فاستقلالية القضاء وبعده عن الضغوط من قبل أية جهة شرطان ضروريان لإعمال العدالة وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وخلق حالة من الاطمئنان في المجتمع إلى أن القضاء سيكون في نهاية المطاف سداً لأي تعد على حقوق المتهمين وكرامتهم، بالمقدار الذي سيكون فيه حارساً على تنفيذ القانون دون أن يخشى في الحق لومة لائم.

إذا سار قضاؤنا في هذا الاتجاه، وله سوابق حميدة في هذا المجال منذ بدأت الإصلاحات السياسية، يمكن له أن يكون عاملاً من عوامل إزالة الاحتقانات الموجودة في البلد، والدفع في اتجاه تطبيع الوضع.

كلمتنا هذه في حق القضاء لا تغير من قناعتنا في أننا بحاجة إلى معالجة شاملة للإشكالات القائمة في البلد، لن تنبني إلا على أساس حوار وطني يؤدي إلى مخارج متفق عليها من الحال التي نحن فيها اليوم، تغلق الملف الأمني، وتُغلب الحلول السياسية على صورة تفاهمات حول الإشكالات  موضع الجدل.

اقرأ المزيد