المنشور

جمعية للصحف أم للصحافيين؟ (2)

إن كان جميع أعضاء مجلس إدارة جمعية الصحافيين لا يعارضون تعديلات النظام الأساسي للجمعية فلماذا لم يدعوا حتى الآن لعقد جمعية عمومية استثنائية لمناقشة هذه التعديلات رغم مرور أكثر من ستة أشهر على التزامهم بعقدها من خلال توصية ملزمة لمجلس الإدارة من الجمعية العمومية للجمعية؟
مماطلة الجمعية لهذه التعديلات لم تبدأ مع تسلّم الإدارة الحالية وإنما قبل ذلك بكثير، فمع تشكيل نقابة الصحافيين البحرينية (تحت التأسيس) في العام 2002 والتي انضم إليها عدد غير قليل من الصحافيين المطالبين بتعديل النظام الأساسي للجمعية وتوحيد الجسم الصحافي في البحرين تحت مظلة «نقابة مهنية للصحافيين البحرينيين» تم الاتفاق بين الجانبين على الاستعانة بموفق قانوني هو الأستاذ حسن رضي لصياغة نظام أساسي موحد للنقابة المستقبلية وقد تم بالفعل صياغة هذا القانون الذي وافق عليه الطرفان ولكن المشكلة كانت في كيفية وآلية التصديق على هذا القانون من قبل الجمعية العمومية.
وبالرغم من مطالبة أعضاء النقابة لعقد هذه الجمعية العمومية منذ العام 2005 إلا أنها لم تعقد حتى الآن.
تعديلات النظام الأساسي هو مطلب ليس فقط لأعضاء النقابة وإنما لقطاع واسع من الصحافيين، فلماذا لا يفعل مجلس إدارة الجمعية كما فعل مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين عندما قدم للجمعية العمومية مشروع قانون الغرفة، فبالرغم من أن مجلس الإدارة كان متمسكا بهذا المشروع الذي قسم عضوية الغرفة إلى عدة أقسام لم تحظ بموافقة غالبية التجار إلا أن مجلس الإدارة قبل بالتعديلات التي طرحتها الجمعية العمومية وعدل مشروع القانون بما يتوافق مع رغبات الغالبية وبشكل ديمقراطي.
أهم التعديلات المراد إضافتها للنظام الأساسي للجمعية هي عدم السماح لرؤساء تحرير الصحف بالانضمام للجمعية، إذ ليس من المعقول أن يكون صاحب العمل والعامل في نقابة واحدة وذلك لم يحصل أبدا في أية نقابة في العالم، في حين التعديل الآخر يضع ضوابط لمستحقي العضوية في الجمعية، وخصوصا أن العديد من أعضاء الجمعية في الوقت الحالي لا يمكن وصفهم بالمنتمين لمهنة الصحافة.
الانتخابات الأخيرة بيّنت أهمية هذه التعديلات التي ستخضع (في حال إقرارها) رؤساء التحرير والصحافيين الى ضوابط وقوانين موحدة تحول دون تسلط جهة على أخرى، وخصوصا أن منتقدي جمعية الصحافيين يقولون إن وصول رئيس تحرير لرئاسة الجمعية قد يحول دون الوقوف أو الدفاع عن أي صحافي يتم فصله سواء من الصحيفة التي يرأس تحريرها رئيس الجمعية أو أية صحيفة أخرى.
أما فيما يخص ضوابط العضوية فأعضاء مجلس الإدارة يعرفون قبل غيرهم كيف وصلوا إلى هذه المراكز، فقبل الانتخابات بأيام قليلة استنفر المرشحون لإدخال أعضاء جدد للجمعية ولم يكن من المهم إن كانوا ممارسين للمهنة أم لا ليصل عدد الأعضاء في الجمعية لأكثر من 650 عضوا، ومع أن النظام الأساسي الحالي للجمعية يشترط مضيّ ستة أشهر على العضوية ليحق للعضو التصويت في الانتخابات إلا أن جميع المرشحين وباتفاق «باطل» فيما بينهم تغاضوا عن هذا الشرط لكسب المزيد من الأصوات في منافسة غير نزيهة بتاتا.

صحيفة الوسط
20 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

إعادة البناء بين الفشل والنجاح ( 1 – 2)

رغم الضبابيات الايديولوجية في عالم الرأسماليات الحكومية الشرقية فإنها تصل إلى لحظة أزمة عميقة، وتصويرها بأنها ليست رأسمالية، وأنها تمضي في سبيل مختلف عن عالم الرأسمالية هذا كله لا يغير طابع الأزمة ولكنه يطرح تصورات خاطئة وعمليات خداع اجتماعية واسعة.
في الاتحاد السوفيتي كانت عملية إعادة البناء حادة ومكلفة ورهيبة، فالطابع الايديولوجي السائد كان إعادة البناء للاشتراكية، وتفعيلها عبر الديمقراطية ولم يخطرْ في الوعي السائد للطبقة الرأسمالية الحكومية المتنفذة أنه ليس ثمة اشتراكية فيها، ولن تكون هناك ديمقراطية كذلك!
لقد أوضحنا سابقاً كيف كان البناء الاشتراكي البيروقراطي وضخامة دوره النهضوي التصنيعي، وتفكك العلاقة بين البرجوازية الحكومية وبين العمال، وتمظهر ذلك في تيبسِ المنظومات السياسية والإدارية من نفوذ العمال، وزوال الطابع(السوفيتي)، وقد جرى ذلك على مدى تاريخي طويل نسبياً.
كانت مقولاتُ جورباتشوف في إعادةِ البناء ترتكزُ على مجموعةٍ من الأوهام الايديولوجية، التي بدأتْ منذ ثورة أكتوبر(الاشتراكية العظمى)، ومن أهم هذه الأوهام وصول طبقة العمال للحكم وتفردها في النظام، وتذويبُها للطبقاتِ الأخرى، وتصوره لذلك باعتباره حقيقةً موضوعية، في حين ان نظامَ الرأسمالية الحكومية كان هو السائد، حيث تملكتْ طبقةٌ واسعةٌ من الموظفين العسكريين والأمنيين والإداريين الأملاكَ العامةَ وأخضعتها لسيطرتِها الطويلة، من دون رقابة شعبية عميقة، وديمقراطية، وتحولتْ هذه الطبقة إلى طبقات في مجمل الهياكل السياسية للاتحاد السوفيتي، الذي يضم جمهوريات عديدة ذات قوميات مختلفة، فكما هيمنتْ هذه القوى على المركز كذلك هيمنتْ أشكالُها الأخرى على بقيةِ فروع الاتحاد، وكما نخرت القوى البيروقراطيةُ العاصمةَ وجمهوريةَ روسيا الاتحادية نخرتْ بقية الجمهوريات، عبرَ أشكالٍ من الهيمنة على المرافق الحكومية وبتجميدِ الوعي السياسي المعارض والوعي الجماهيري عن قراءة الواقع الموضوعي.
وهكذا فإن شعارات إصلاح النظام السياسي طُرحت على أساس أن النظامَ الاشتراكي سليمٌ وينقصهُ بعضُ الحريات بحيث تؤدي هذه الحريات إلى تفعيلِ الاقتصاد الحكومي ويتم كشف الفساد فيه وتطهيره ويتم إحداث تقدم عميق به، يعزز المكاسب (الاشتراكية) عبر الديمقراطية وبعض حقوق الإنسان المهدورة فيه كالتعبير وحق التجمع والتظاهر.
هذا ما أرادهُ جورباتشوف في نظرةٍ مثالية، مرتكزاً على اعتبار الرأسمالية الحكومية اشتراكية، حققتْ إصلاحاتٍ جوهرية فيما يتعلق بسيادةِ العمال سيادةً كبرى على الحياة السياسية، وإنه لن تستطيع قوى اجتماعية أخرى أن تظهرَ في مواجهة وجودهم الكاسح وهيمنة الايديولوجية الاشتراكية.
كان الوعي البرجوازي الحكومي السائدُ في الحزب الشيوعي السوفيتي، يمتلكُ مقولاتٍ معينةً عن تحققِ الاشتراكية وتضاؤل الصراعِ الطبقي وقيام الملكية العامة بتذويب الطبقات، وعن سيادة المثل الاشتراكية في الاتحاد وهلم جرا من الأوهام.
لكن ما كان متحققاً هو ما ذكرناه سابقاً خاصة سيادة الرأسماليات الحكومية في الاتحاد في هذه الجمهوريات المتعددة، التي اتخذت أشكال الهيمنة القومية بمختلفِ تجلياتِها في تلك الجمهوريات، المرتكزة على مختلف أنواع البيروقراطيات التي نخرتْ الاقتصاد، وعلى قوى الرأسمالية الخاصة المتصاعدة كذلك، وقد ظهرت الرأسمالية فجأة وقارب القطاعُ الخاصُ الروسي القطاعَ الخاص في إيطاليا في بضعِ سنواتٍ من الانقلاب الاجتماعي! وهذا لا ينفي دور القطاعات العامة في التطور التاريخي وفي الأبوية الاجتماعية، لكن كان إدخال الانتخابات في حياة الاتحاد السوفيتي هو انفجار للقوى الشعبية المكبوتة خلال سنين طويلة بمؤسسات القهر، خاصة قوى القوميات المحرومة من القرارات المستقلة في الجمهوريات الأخرى، التي لم تميز بين القهر القومي الروسي والمكاسب النضالية المُحققة، وصعّدت قوى قومية، وقوى فساد سابقة وجديدة، فهذه الجماهير لم تـُتح لها فرصة الاكتشاف السياسي والوعي الديمقراطي. وفجأة زُجتْ في طوفان الانتخابات والانهيار العام!
وبدا واضحاً أن الاتجاه القومي والاتجاه الديني هما السائدان في الوعي العام، وهذا تعبيرٌ عن تباين مستويات التطور بين الجمهوريات وغياب المساواة، وهيمنة القهر البيروقراطي الحكومي المركزي خاصة.
كما أن القرارَ الرئيسي كان قرار المركز وهو جمهورية روسيا الاتحادية التي بنتْ الاتحادَ وسيطرت عليه وجاء الآن الوقت لكي تنفصلَ عنه!

صحيفة اخبار الخليج
20 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

أيام أحمد الشملان

يستعد المنبر التقدمي لإطلاق مهرجان سياسي – ثقافي – فني في الفترة بين 14- 25 نوفمبر القادم احتفاء برئيسه الفخري، الشخصية الوطنية المرموقة أحمد الشملان، وبرعاية مشكورة من مؤسسات إعلامية مرموقة في البلاد نعبر لها عن عميق امتناننا على تعاونها الكبير. ويشتمل المهرجان الذي ستتوزع فعالياته على مقر “التقدمي” بمدينة عيسى وقاعة الشيخ عيسى بن سلمان بنادي الخريجين على أنشطة متنوعة من ندوات فكرية وأدبية تشارك فيها شخصيات سياسية وإعلامية وثقافية معروفة، وأمسية شعرية يلقي فيها بعض أبرز شعراء البحرين ومثقفيها نصوصاً شعرية من دواوين أحمد الشملان، وحفل موسيقي وغنائي يحييه عدد من أبرز الفنانين والموسيقيين البحرين، ويفتتح المهرجان بمعرض فني تشكيلي لعدد من الفنانين التشكيليين البحرينيين الذين سيعرضون لوحاتهم المستوحاة من سيرة احمد الشملان وحياته الحافلة بالمحطات النضالية والإنسانية. يعكف على التحضير لهذا المهرجان فريق نشط من أعضاء المنبر التقدمي وأصدقائه برئاسة المايسترو خليفة زيمان من أجل أن تكون فعاليات المهرجان على المستوى الذي يليق بشخص احمد الشملان وبدوره المحوري في تاريخ الحركة الوطنية البحرينية المعاصرة باتجاهاتها المختلفة، ومن أجل أن يكون هذا المهرجان تظاهرة للثقافة الديمقراطية في البحرين. تعدد وتنوع فعاليات هذا المهرجان نابعة من تعدد وتنوع اهتمامات احمد الشملان نفسه، فشخصيته الثرية ستضفي ثراءها على الحدث، فقد عرف الشملان بانشغالاته بالسياسة والفكر والقانون والفلسفة والأدب والشعر، وتظهر هذه المساهمات في كتاباته ونتاجاته الشعرية والأدبية التي لا يمكن فصلها، في حال من الأحوال، عن موقفه النضالي الذي طبع حياته منذ صباه حتى اليوم. ومن روائع الصدف أن يتزامن موعد هذا المهرجان مع صدور العمل الموسوعي الكبير الذي عكفت زوجة الشملان ورفيقة دربه الأستاذة فوزية مطر، الكاتبة والتربوية والناشطة النسوية المعروفة، على جمع مادته وكتابتها خلال أربع سنوات من العمل الدؤوب والمثابر، وهو الكتاب الذي تتلهف أعين محبي الشملان والمهتمين بتاريخ الحركة الوطنية البحرينية لمطالعته، وحتى قبل أن نطلع على الكتاب نحن على ثقة من أن صدوره سيقدم إضافة مهمة في التعريف بتاريخ حركتنا الوطنية وليس سيرة أحمد الشملان وحده، لأن الكتابة عن أحمد الشملان مستحيلة دون الكتابة عن تاريخ هذه الحركة. مهرجان”التقدمي” عن أحمد الشملان عمل كبير في الاحتفاء برمز من رموز تاريخنا الذين كانت لهم مساهمتهم الكبيرة في صناعة وتشكيل صورة البحرين الحديثة التي هي منجز جماعي لكل من ناضلوا وعملوا من مواقعهم المختلفة في تكوينها. ثمة أمر مهم آخر في هذا السياق هو أننا، بهذا المهرجان، نريد إبراز وإحياء الدور العظيم الذي لعبه التيار الوطني – الديمقراطي، وأحمد الشملان أحد قادته الكبار كما هو الحال مع الراحل الخالد أحمد الذوادي والمناضل عبد الرحمن النعيمي منّ الله عليه بالشفاء، وغيرهم الكثيرون لإظهار كيف شق هؤلاء الرجال وجميع رفاقهم على مدار عقود درب الحرية والمستقبل الذي عليه سارت أجيال وقدمت تضحيات جسيمة. هذه المسيرة المجيدة يجب أن تظل حاضرة ليس من باب الرغبة في الاحتفاء بها، وهي جديرة بهذا الاحتفاء على كل حال، وإنما للبرهنة أيضاً على أن مستقبل البحرين في أفق الحداثة والتغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية يمر تحديداً عبر الطريق الذي عليه سار الشملان ورفاقه وما يزالون.
 
صحيفة الايام
20 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

أسرة الأدباء (4) وفترة 72 – 75

في ربيع الانفراج والحريات النسبية قياسا، بما قبلها، سيشهد الشارع البحريني حراكا جديدا مختلفا في نوعيته، فالبحرين الدستورية والمستقلة حديثا مقبلة على عيد الميلاد الأول للانتخابات التشريعية في تاريخ البحرين المعاصر. في هذا الربيع ستكون أغاني البلابل الشابة نضجت أكثر من فترة التأسيس، فلكل تراكم ثقافي وتجربة حياتية وعمرية أهميتها حتى وان بدت قليلة وقصيرة، فان مؤثراتها تصبح ملحوظة. فقد برزت الفعاليات الثقافية والسياسية في هذه الفترة، والتي -دون المدح أو التمجيد- كانت من أخصب مراحل الانتاج والحيوية الثقافية، وكأن المبدعين الشباب بطموحهم يتمنون معانقة الكون والنجوم البعيدة، فماذا قدمت الحرية للكلمة وما الذي قدمته الكلمة للحرية؟ هذا السؤال تلاقح بشكل ملموس في بنية الفضاء البحريني الجديد، بحيث بتنا، نركض من مكان إلى مكان، ونقرأ الجديد المتدفق في سوق البحرين، فإذا ما كانت مكتبة العروبة للقاص خلف احمد خلف، ما بين عامي 1967-1969 ستضع على رفوفها كل الإصدارات الماركسية والتقدمية، وطبعا لم تكن مكتبة إبراهيم عبيد بعيدة عن تلك الحالة، فان سنوات الانتخابات ستنجب مكتبة النجمة -القصيرة في عمرها- تتويجا ومكملا لأختها مكتبة العروبة، وفي ذات المرحلة ستولد دار الغد ومكتبتها للشاعر علي خليفة، فكان على أدباء وكتاب المرحلة تلك، التعامل مع كل هذه الأنواع من الكتابات اليسارية والماركسية والتقدمية في الأدب والسياسة والفكر، على أساس ان العالم يومها منقسم بكل وضوح، بين اليسار واليمين، والرجعية والتقدمية، والفن والأدب الملتزم وغير الملتزم، وهذه بحاجة لمناقشة مستفيضة على ضوء المرحلة وتداول مقولة »الالتزام« بشكل خاطئ، تارة بشكل ماركسي ووجودي ولوكاشي، وتارة عبثي وبهيمي ولا معقول ولا منتمي، كما هو كولن ويلسن. كل هذه المناهل والمناهج ربما كانت أعمق من مدارك مستويات شابة متلهفة على المتنوع دون حدود، مهتمة بالكم على حساب الكيف، وهذه من صلب طبيعة المرحلة المتحولة ثقافيا وسياسيا في البحرين. السنوات الأربع تلك عالقة كحلم جميل، رايات حمراء في المحرق وصوت الشاعر والسياسي احمد الشملان يلعلع في يوم الاحتفاء بعيد العمال، فهل هذه المناخات اليومية قادرة على لجم وعزلة الحركة الثقافية والإبداعية الشابة ودفعها لخانة الانحسار والمراقبة والتفرج أم الانخراط والمشاركة؟ نجافي الحقيقة التاريخية فيما لو أردنا دفن رؤوسنا عن تلك الأحداث خارج سياقها التاريخي، كمن يسأل سؤالا أحمق في حينها للحركة الشابة أيهما أهم للإنسان اليد اليمني أم الرجل اليسرى؟ الحركة الوطنية أو الأدبية، الإبداع خارج المعركة أو داخلها؟. هكذا تفاعلت الظاهرتان الثقافية والسياسية مع اللحظة، وقدم مناخ البحرين الجديد للمبدعين فرصة تاريخية ذهبية في التنفيس والتعبير والتحليق لما هو ابعد من حدود الوطن وذاكرته. لا يوجد ناقد أو سياسي يفصل الشروط التاريخية والظروف المرحلية هذه عن نتاجاتها الإبداعية ومخاض البلاد وتقلباتها، محاولا الربط بين العناصر جميعا وتأثير بعضها البعض. قدمت لنا هذه الفترة أعمالا قصصية وشعرية كثيرة، من أين يجيء الحزن للهاشمي 72، إضاءة لذاكرة الوطن 73 وعطش النخيل 74 لعلي خليفة، خروج رأس الحسين لقاسم حداد 72، الرعد في مواسم القحط للشرقاوي 75، عذابات ابن ماجد ليعقوب المحرقي 74 وأحلام الغبشة لإبراهيم بوهندي 75، وسعيد العويناتي في قصائده مثل حلم، ظلال من الذاكرة، الطريق المؤدي إلى المهرجان، إليك أيها الوطن إليك أيتها الحبيبة، حديث صريح مع بحر الخليج، لحظة تأمل في الذاكرة والفرسان الثلاثة وغيرها، والتي ستشكل مادة ديوانه (1976) الذي سيولد مع مرحلة التوتر والانتكاسة الدستورية، بينما في عالم القصة ولدت نتاجات جديدة لكل من محمد الماجد في مجموعته »الرحيل إلى مدن الفرح« طباعة دار الغد 47/75، وموت صاحب العربة 72 ونحن نحب الشمس75 لمحمد عبدالملك، عبدالله خليفة ولحن الشتاء في 75 والحلم وجوه أخرى 75 لخلف احمد خلف وأمين صالح في هنا الوردة والصادرة عام 73، هذه الحيوية الشعرية والقصصية والثقافية، وقد كان المسرح رائدها ملمحا من ملامح المرحلة، كل تلك العناوين تؤكد تفاعل كتاب الأسرة مع البيئة السياسية والثقافية والاجتماعية في البحرين، فنحن لا يمكن فصل ذاكرة علي خليفة يومها عن ذاكرة قصيدته »كان الفتى سلطان« الذي مات في مصنع الموت، وكان حديث البلاد، إلى جانب كون الشاب من حيهم، وقصائد أخرى كقادم في الزمن الاتي وذاكرة البلاد مضاءة. ومن يتوقف تجاه تلك القصائد وعناوينها المكشوفة والفاضحة والجريئة -دون استثناء- للأدباء الشباب والمرحلة، سيراها تضج بالغضب والاحتجاج والثورة والحلم والاضاءات البعيدة القادمة من عمق الذاكرة، ولن تكون تلك الذاكرة إلا ذلك الشعب وتاريخ العذاب والمرارة والمعاناة والحلم واليقظة في استعادة الوطن، وهو في حالة استلاب والحرية وهي في حالة سجن طويل وإنسان مطارد. يومها كان عبدالحميد قائد وزملاؤه في حلتهم واضحين فهو في عاشق في زمن العطش، يقول لنا بأنه »لا يكتب إلا للشرفاء وفقراء العالم« بقوله : حين طلبت الخبز الأبيض للفقراء ربطوني في أشجار الشوك الأخضر، ضغطوني فوق الوجه الظامئ، خاصمني الأوغاد.. خانتني المدن الملعونة، فعرفت الأبيض من الأسود. هل شاعر مثل القائد يعتقل في فترة المسيرة العمالية 72 بسبب الإضراب في طيران الخليج، في مرحلة اتسمت بكثرة الإضرابات، بإمكانها أن تجعل من أصوات الأسرة سلبية وصامتة ومراقبة؟ سنجافي الحقيقة مرات بأن نطلب من شاعر مصلوب أن يهادن أو ينسى تلك البيئة السياسية الجديدة، التي حملت من المتناقضات معا، ففي هذه الفترة هناك مناخ الانفراج والحيوية والفرح المشوب بالحذر، وهناك ظلال الملاحقات والتهديد والإشارات الموحية بالعودة للوراء، وستجد الأسرة نفسها بغالبية أعضائها يتحسسون أن العيون تترصدهم وتلاحقهم، وقراءة واحدة لتلك المرحلة 72-75 تكفي لتلمس تلك الثنائية المعلقة بين الفرح والظلال الكئيبة، كما هو الأسود والأبيض عند القائد، وستصبح مفردة المغني المطارد المرموز له في النص، ليست إلا رأس ذلك الشاعر الخارج من »المدن الخائنة«. إنها مرحلة خصبة نقلتنا من ركود وخمول ما بعد مرحلة الهيئة إلى حيوية سنوات ما بعد مرحلة انتفاضة مارس 65-75، ذلك العقد في النصف الثاني من القرن المنصرم، كان أكثر حراكا وتقلبا وتناقضا من حياة البحرين.
 
صحيفة الايام
20 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

العملة الخليجية.. فرص وتهديدات

وموضوعنا قيد الكتابة تجتمع في مسقط لجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي. وسيدرس الاجتماع رؤية قطر الشقيقة في تفعيل دور المجلس اقتصاديا ومحاضر اللجان الاقتصادية المتخصصة. وأكثر ما يثير الارتياح هو تركز تصريحات الأمين العام ومسؤولين ماليين خليجيين على التمسك بالوحدة النقدية وإعلان تشكيل مجلس نقدي خليجي بحلول يناير/ كانون الثاني .2010
وطبيعي أن المحللين الاقتصاديين في المنطقة والعالم سيتناولون نتائج هذا اللقاء في ظرفه المهم. ومن بين كل مسائل الوحدة النقدية سيكون الأكثر إثارة للقلق ليس الإجماع الخليجي عليها (فلا شك أنه حاصل يوماً)، بل الجوهر الاقتصادي – المالي والسياسي السيادي للعملة الخليجية. ولن يغيب عن بال أي حصيف أن الحديث يدور هنا، ومجددا، عن علاقة عملتنا الموعودة بالدولار. هل سيظل هو قابلتها القانونية كما تشي بعض التصريحات، أم كما قال محافظ البنك المركزي الكويتي بأن ‘الكويت لا ترى أي فائدة في ربط عملتها مرة أخرى بالدولار الأميركي’؟
من خلال علاقة أغلب عملاتنا الخليجية به تصعب على البعض رؤية الخط التاريخي الحرج الذي يقترب منه الدولار. في الأسبوعين الماضيين انقطعتُ عن الكتابة إذ كنت في موسكو. وفي يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول هبط سعر صرف الدولار هناك فجأة إلى ما دون 30 روبلا. حدث ذلك إثر خبر صغير نشرته The Independent البريطانية عن أن الدول الخليجية وروسيا والصين واليابان وفرنسا دخلت في مفاوضات حول استبدال الدولار في مبيعات النفط. وقد سارع مسؤولون خليجيون وأجانب (المجتمعون في قمة صندوق النقد الدولي في أسطنبول) إلى نفي الخبر كلية أو مواربة. غير أن الدولار لم يتمكن من استعادة خسائره التي تزايدت في اليوم نفسه، خصوصاً وأن الخبر توافق مع آخر مفاده أن قادة دول مجموعة BRIC قد اتفقوا على التخلي عن الدولار. فالمسألة لا تكمن في ذات الحدثين بقدر ما أنهما جاءا في سياق تفاقم عملية الهروب الكبير للمستثمرين عن الدولار نظراً للتكهنات المتزايدة حول ضعفه أو حتى انهياره المحتم. فهذه الشكوك تحوم في الأسواق منذ بداية العام الجاري، حيث أطلق الرئيس أوباما العنان لماكينة طباعة الدولارات في عمليات إصدار إضافية.
وكالة رويترز تحدثت عن تفاصيل أكثر: نية البلدان الأوروآسيوية استبدال الدولار في التسع سنوات المقبلة بسلة عملات تتشكل من الين، اليوان، واليورو، الذهب إضافة إلى العملة الخليجية المقبلة. هذا الانحدار الدرامي للدولار فتح شهية المستثمرين لإظهار نواياهم للاستثمار في الأسواق الناشئة. وهذا، إضافة إلى انخفاض الدولار، دفع على الفور بأسعار المواد الخام للأعلى. ففي ذلك اليوم زاد سعر برميل النفط عن 71 د/ب، ثم تواصل الارتفاع ليبلغ 78 د/ب يوم الجمعة. أسعار النحاس المستقبلية ارتفعت في بورصة لندن من 5920 إلى 6046 د/ك. أما بعض المستثمرين فاختار الأصول التي اجتازت الاختبار دائما، أي الذهب الذي ارتفعت أسعاره 18 دولارا لتصل في NYMEX إلى 1036.6 دولار للأونصة، ويتوقع محللون أن تضرب رقماً قياسياً مع بداية العام المقبل لتصل إلى 1100 دولار، وإلى 1500 دولار العام ,2011 بينما سيرتفع سعر النفط إلى 100 د/ب حسب محللي Bank of America – Merrill Lynch.
من المحللين من لا يزال يردد بأن تقلص الموجودات الدولارية ليس إلا ظاهرة مؤقتة، وأن الاتجاه لن يلبث وينعكس بمجرد أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع سعر الفائدة. وبين هذين الاتجاهين فإن المسلَّم به هو أن الهستيريا تزداد بشأن مصير الدولار كعملة احتياطي نقدية عالمية. وكل نداءات السلطات الأميركية للثقة بالدولار القوي لم تعد تغير في اصطفاف القوى الناشئ في أسواق المال. هاهو المحلل السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والاستراتيجي الرئيسي حالياً في مصرف باركليز ستيفبن إنجلاندر يقول ‘أصبحت المصارف المركزية تتخذ مواقف أكثر جدية وعملية في تنويع احتياطاتها بدلا من اقتصارها على مجرد الأحاديث. ويبدو أنها بالفعل أصبحت تتخلى عن الدولار’ ويدلل بأنه في حين شكل ثقل الدولار في الاحتياطات النقدية الجديدة للمصارف العالمية منذ العام 1999 نسبة 63%، فإن الصورة انقلبت على العكس تماماً لتصبح 37% في الربع الثاني من العام الجاري.. ‘أما في الربع الثالث فواضح أن هذا الاتجاه سيتسارع’.
من أجل دعم صادراتها ستظل أميركا، من دون مجاهرة، تبارك انخفاض عملتها حتى القدر الذي لا يثير ذعر مستثمرين جدد. أما عملتنا الخليجية فليست بحاجة إلى الانخفاض، بل الارتفاع. ببساطة، لأن أسواق صادراتنا الأساسية هي دائماً أسواق البائع، لا المشتري.
 
صحيفة الوقت
19 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

إعادة البناء الوطني

لكل رأسمالية حكومية شرقية توجه وطني بطبيعة تنافسيتها مع الرأسماليات الغربية المسيطرة على السوق الداخلية خاصة، وتلعب الفئات الوسطى الصغيرة دور المنظم لهذه الأبنية في كثير من الدول، وأي دور ريادي وطني لها يتم بالتحالف أو بالتعاون مع العمال. وحتى لو كانت الأنظمة ناشئة فإن حراكَ الفئات الوسطى والعمال المشترك يفرضُ تحولاً وطنياً في أغلب البلدان ومن أهم مظاهره نشوء الرأسماليات الحكومية، التي تتكونُ لها مساراتٌ تاريخيةٌ مختلفة حسب البلدان. وبعد التطورات التاريخية فإن الانفصالَ بين هذه القوى السكانية وقمم الحكومات يغدو حتمياً.
فهناك تضخمٌ في الثروات الفوقية، وانفصالاتٌ عن خرائط السكان، وتباعدٌ بين المركز السياسي الحكومي الكبير المسيطر وبين الأقاليم والمناطق.
وفيما كان الحراك في مرحلةِ تأسيس الرأسماليات الحكومية يتسمُ بالتضامن الوطني الواسع بهذه الدرجة أو تلك، فإن الاضطرابات الاجتماعية تعقب هذه الفترة حين تحدث المشكلات السابقة الذكر.
نريدُ أن نركزَ هنا في طبيعة القوى القائدة لهذه العملية، فالفئاتُ الوسطى الصغيرة والعمال كانت دائماً منتجةً للحراكِ السياسي، وعلى الأفكارِ الموضوعية والتكوينات السياسية المقاربة للنسيج السكاني الوطني، وعلى مدى التعاون بينها تحدث عمليات التقدم الوطنية الكبيرة.
إن تشكل الرأسماليات الحكومية الذي يتسم بطابع شمولي غالباً، ينشأ من أفكار شمولية: قومية، ويسارية، ودينية، وتصوغها جماعاتٌ من البرجوازية الصغيرة، التي تجمع بين الثقافة والعمل، وترتبطُ بالقوى العليا والجمهور الفقير معاً، وفي مرحلةِ البناء الوطني لإقامة تلك الرأسماليات الحكومية، يتشدد هذا الوعي في آرائهِ بغرضِ تجميع أكبر عدد من السكان ومن قوى العمل والفوائض الاقتصادية.
وفي مرحلة التحول الراهن لأنظمة الرأسماليات الحكومية الشرقية يبدو التناقض واضحاً بين الرغبة في التغيير والعجز عن تنفيذه. فهذه الأنظمة تجذرت في ملكيات بيروقراطية مليئة بالفساد، وفي أشكال من الإنتاج المتخلف، أي الاعتماد أساساً على تصدير المواد الخام المتنوعة، وهي في حالة تناقض مع مستويات الإنتاج العالمية المتطورة وسهم العمل الصاعد باتجاه قوى العمل العلمية.
هنا تغدو قوى التغيير: الفئات الوسطى الصغيرة منتجة الوعي، والعمال قوى التنفيذ، في حالات من التفكك والصراعات والغياب عن الإنتاج السياسي الفاعل.
إن أي بناء وطني تحولي كبير يعتمد في هذه الأنظمة على مواقف القوى الاجتماعية الكبيرة: الرأسمالية الحكومية، والرأسمالية الخاصة، والعمال. وهي كلها أشكالٌ لقوى العمل المتراكمة أو الحية.
وتغدو قوى البرجوازية الصغيرة منتجة الثقافة والمسارات السياسية في أثناء عملية تفكك الرأسمالية الحكومية، ونمو الرأسمالية الخاصة بعد عهود الشمولية، مشتتة الاتجاهات، في هذا البرزخ الاجتماعي المعقد. ففئاتٌ منها تسعى للاستفادة من التحول لمصالحها الخاصة، عبر الرأسماليتين السابقتي الذكر، وفئاتٌ تردد المعزوفات القديمة وتبحث عن روافع اجتماعية فقيرة تحملها تذاكر التضحيات، وثمة أجسام صغيرة تحاول تحليل الأزمة وإيجاد مخرج موضوعي ديمقراطي وطني لها.
إن النمو الكبير للقطاعات الخاصة وضخامة الفساد الحكومي وبحثه عن عمليات إنقاذ، تجعل الليبرالية – الحكومية كبيرة الصوت، وهو تيارٌ يرفع شعارات الليبرالية بدون حسم كلي، وفي عمليات تناغم بين فئات معينة والجسم الاقتصادي الحكومي والجسم الرأسمالي الخاص.
إن تضخم الرأسمالية الحكومية يعني تلك العمليات التفكيكية للوعي الوطني وللأقاليم وحدوث أخاديد كبيرة في مستويات المعيشة بين الأغنياء والفقراء. وهو أمرٌ يصعدُ أشكالَ الوعي السابقة خاصة المذهبية السياسية، التي تُحدثُ عمليات تفكيكيةٍ أعمق. فتستفيدُ هنا فئاتٌ أخرى من البرجوازية الصغيرة في عمليات الصعود الاجتماعية. وهناك سيناريوهات أكثر فظاعةً فيما نراه من حروبٍ أهلية في دولٍ عديدة كالعراق واليمن والسودان وغيرها. ومع طول الأزمة بشكلٍ سياسي وعدم حلها فإنها تنتقلُ بعد هذا إلى الشكل العنيف.
تتآكل حلقاتُ التحالف الاجتماعية بين قوتي التغيير، البرجوازية الصغيرة والعمال، مع انجرافِ الفئاتِ الأولى لمصالحها الخاصة أو لخطط غير واقعية في الحياة السياسية، ولعدم فهم عمليات تفكك الرأسماليات الحكومية، كذلك فإن إنجرار عمال المناطق المتخلفة والمغبونة إلى أشكال الوعي الدينية أو القومية المتعصبة، يقود ذلك إلى تخلخل وعجز عملية إعادة البناء، وتستمر حالات التفكيك في الجسم السياسي العام، خاصة مع عدم وجود قوى رأسمالية خاصة ذات إنتاج وطني كبير.
وعلى مدى ظهور رأسمالية حكومية ديمقراطية منتجة فوق الجسم الوطني ككل، وعلى مدى وطنية الرأسمالية الخاصة وإنتاجيتها المتجذرة في العمال المحليين والصناعات الحديثة، وعلى نضالية العمال في إيجاد ذلك وفي برمجته سياسياً، تتوقف إعادة البناء الوطنية العميقة.
وفيما يبدو ان الرأسمالية الحكومية هي الأكبر لكن هي في حالة تحلل مستمرة، وستظهر ذات يوم وقد أفلست، فيما كبرت الرأسمالية الخاصة، ولكنها لا تقبل بالمحاسبة الديمقراطية وتحتفظ بالعامة كهياكل خاوية أو مظهرية، ويتجلى ذلك في غياب وسائل الجرد الدقيقة، وبقاء أشكال استبدادية سلطوية مستمرة، وفي ترحيل الأموال.

صحيفة اخبار الخليج
19 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

عن أي تمييز يدور الحديث


بالنسبة لمن هم في جيلنا، ممن مروا بالتربية السياسية التي مررنا بها، فان مفردة التمييز حين كانت ترد في خطابنا السياسي لم تكن هذه المفردة تثير الحساسيات التي تثيرها اليوم، لأننا كنا ننطلق من النظرة إلى التمييز نظرة اجتماعية وسياسية أشمل.
 
كان التمييز الطبقي يحتل مكان الصدارة في تفكيرنا وفهمنا للأمور، وكنا، تفريعاً على ذلك، ننظر إلى أشكال التمييز الأخرى على أنها تجليات لهذا التمييز الطبقي الذي نعده الرئيسي والجوهري.
من حيث الجوهر فان هذه النظرة تظل صائبة وتحتفظ بحيويتها وراهنيتها، بل أنها تشكل عاصماً لنا جميعاً من الوقوع في متاهات الفُرقة المتعددة‘ إن نحن أغفلنا  أن جوهر ما يحكم التناقض في المجتمع، بما في ذلك في مجتمعنا هو تناقض اجتماعي في المقام الأول محركه  شهوة المقتدرين والمتنفذين في مراكمة الثروة، حتى لو تم ذلك بصورة غير شرعية.
 
وحين يتصل الأمر بمراكمة هذه الثروة فان رجل الأعمال الشيعي لن يختلف في شيء عن رجل الأعمال السني في الحرص على ذلك، وفي توسل الطرق نفسها في بلوغ هدفه، وفي التعاطي مع الأجراء الذين يوظفهم.
 
هذه المفردة تثير الحساسيات التي تثيرها في الأذهان حين ينصرف تأويلها إلى مضمون واحد هو الرائج اليوم للأسف والمقصود به التمييز ذو الأبعاد الطائفية. لذلك علينا ألا نندهش حين يُواجه قولاً “شيعياً” بتمييز واقع على الشيعة بطرحٍ مضاد، سني هذه المرة، فحواه أن وضع الكادح السني ليس بأحسن حال من وضع الكادح الشيعي، بل ويمكن للأمر أن يذهب في ظل الفزعة الطائفية الراهنة إلى قولٍ بأن الدولة أو بعض أجهزتها تمارس نوعاً من” المحاباة” للشيعة على حساب السنة.
 
علينا أن نتوقع أيضا سماع قول يسمي وزارات بعينها تكاد تكون حكرا في بنيتها الوظيفية على الشيعة إزاء وزارات أخرى تكاد تكون حكرا على السنة.هذا النقاش يمكن أن يتفرع بدوره عن أسئلة أخرى لك أن تسمعها هنا وهناك: هل أهمية وزارة مثل وزارة الصحة تضاهي أهمية وزارة مثل الدفاع أو الداخلية. ولكن هذا النقاش يجب رده إلى أصله: لماذا يكون لنا مثل هذا”التقسيم” أصلاً؟
 
وعودة إلى فكرة التمييز أو مفردته، فلعل البعد الاجتماعي أو الطبقي، رغم انه الجوهري والأساسي، ربما لا يحيط بكل مظاهر التمييز، إذا ما عدنا إلى ذاك التفريق المنهجي بين ما تعارف على تسميته بالبنية التحتية والبنية الفوقية، فأشكال الوعي الراسخة في هذه الأخيرة يمكن أن تلقي بآثارها القوية على البنية الاجتماعية أو التحتية، ولأن البنية الفوقية تنطوي على التمايزات الطائفية والاثنية والقبلية والجندرية فهي تفعل فعلها في تشكيل مفهوم التمييز.
يظل أن نتذكر أن التمييز مفهوم شامل، سيكون من الخطأ حصره في البعد الطائفي: هناك التمييز ضد المرأة، وهناك التمييز ضد المناطق، وهناك التمييز بين من يملكون وبين من يبيعون قوة عملهم ليعيشوا.
 
ولكي نحرر هذا المفهوم من حساسيته الطائفية، يجب أن نضعه في إطاره الشامل.
 

اقرأ المزيد

المساعــدات المعـززة‮ ‬لمواقـــــــع الفســــــــاد

نعم هي‮ ‬مفارقة تلك التي‮ ‬كشف عنها مؤخراً،‮ ‬سليل شيتي‮ ‬مدير حملة ألفية الأمم المتحدة والتي‮ ‬تناول فيها حجم ما أنفقته الدول الغنية على الدول الفقيرة خلال نصف القرن الماضي‮. ‬إذ أوضح أن الدول الرأسمالية المتقدمة قدمت مساعدات للتنمية بلغت‮ ‬2‮ ‬تريليون دولار،‮ ‬على مدى نصف القرن الأخير،‮ ‬بينما قدمت حكومات هذه البلدان في‮ ‬عام واحد فقط‮ ‬18‮ ‬تريليون دولار لمساعدة مصارفها ومؤسساتها المالية‮!.‬
وهو محق بلاشك فيما ذهب إليه بأن من المستحيل على حكومات الدول الغنية أن تدعي‮ ‬افتقار العالم إلى المال لإعانة‮ ‬50‮ ‬ألف إنسان‮ ‬يموتون من الفقر المدقع‮ ‬يومياً‮.‬
بدوره تناول بان كي‮ ‬مون أمين عام الأمم المتحدة هذه القضية في‮ ‬خطابه الذي‮ ‬ألقاه أمام اجتماع الجمعية العامة‮ ‬يوم‮ ‬26‮ ‬يونيه الماضي‮ ‬الذي‮ ‬كُرِّس لمناقشة الأزمة الاقتصادية العالمية،‮ ‬وإن بشكل دبلوماسي،‮ ‬حيث ذكر أنه‮ ‘‬إذا كان العالم قادراً‮ ‬على حشد أكثر من‮ ‬18‮ ‬تريليون دولار لانتشال القطاع المالي،‮ ‬فإنه بالتأكيد قادر أيضاً‮ ‬على حشد ما هو أكثر من ذلك للوفاء بالتزاماته التي‮ ‬كانت تعهد بها تجاه أفريقيا‮’. ‬وكان‮ ‬يشير بذلك إلى المساعدات التي‮ ‬كانت تعهدت بها الدول السبع الكبرى في‮ ‬قمتها في‮ ‬غلينايغيل بأسكوتلندا عام‮ ‬‭,‬2005‮ ‬والتي‮ ‬لم‮ ‬يتم الالتزام بها،‮ ‬إذ سجلت تلك المساعدات عجزاً‮ ‬يصل إلى‮ ‬20‮ ‬مليار دولار‮. ‬هكذا هي‮ ‬أصول التفاوض،‮ ‬التحشيد والتعبئة وتسليط أكبر قدر ممكن من الأضواء على القضية المراد تثبيتها على رأس أولويات الأجندة العالمية‮.‬
ويمكن القول إن اللوبي‮ ‬الأممي‮ ‬الذي‮ ‬حشد من أجل أفريقيا طوال المداولات واللقاءات التي‮ ‬رُتّبت قبل قمة الثمان الكبار في‮ ‬إيطاليا،‮ ‬قد نجح بامتياز واقتدار في‮ ‬تحقيق هدفه‮. ‬حيث اضطر كبار نادي‮ ‬الأغنياء في‮ ‬العالم خلال قمتهم التي‮ ‬عقدوها في‮ ‬لاكويلا بإيطاليا خلال الفترة من الثامن إلى العاشر من‮ ‬يوليو الجاري،‮ ‬إلى إقرار حزمة مساعدات لأفريقيا بقيمة‮ ‬5‭,‬16‮ ‬مليار دولار ستقدم على مدار‮ ‬3‮ ‬سنوات من أجل إنهاض القطاع الزراعي‮ ‬في‮ ‬القارة‮.‬
ومع أن هذا المبلغ‮ ‬يعكس مدى بخل الدول الرأسمالية الكبرى الغنية تجاه الدول الفقيرة التي‮ ‬كانت‮ ‬يوماً‮ ‬ما كنزاً‮ ‬مفتوحاً‮ ‬لهم‮ ‬يغرفون ما‮ ‬يشاؤون من ثروات باطن أراضيها ومحصول أراضيها الزراعية،‮ ‬إلا أنه‮ ‬يعد مكسباً‮ ‬انتُزِع منها انتزاعاً‮.‬
على أننا لو وضعنا هذا المكسب في‮ ‬إطاره الموضوعي‮ ‬فإنه في‮ ‬المحصلة سيضمحل إلى حده الأدنى نظراً‮ ‬لأن جل ذلك المبلغ‮ ‬سيذهب هباءً‮ ‬بعد أن تبتلعه أسفنجة الفساد المالي‮ ‬التي‮ ‬أحالت معظم دول القارة الأفريقية إلى مجرد أشباه دول ليس فيها من مقومات الدولة الحديثة سوى العلم والنشيد الوطني‮ ‬والعملة الرديئة والعضوية الشرفية في‮ ‬هياكل النظام الدولي‮.‬
الإعلام البريطاني‮ ‬الموالي‮ ‬يركز حملاته الهجومية اليومية على روبرت موغابي‮ ‬رئيس زيمبابوي‮ ‬باعتباره دكتاتوراً‮ ‬أفلس باقتصاد بلاده ووضع شعبه أمام شبح المجاعة‮. ‬هذا فقط لأنه تعدى على المصالح البريطانية في‮ ‬زيمبابوي،‮ ‬ولو لم‮ ‬يفعل ذلك فإنه سيبقى صديقاً‮ ‬كباقي‮ ‬الأنظمة الشبيهة له في‮ ‬القارة السمراء وفي‮ ‬غيرها من المناطق‮.‬
فرنسا وحدها ترعى عديداً‮ ‬من الأنظمة الأوتوقراطية في‮ ‬القارة الأفريقية،‮ ‬وهي‮ ‬لازالت تمارس دور‮ ‘‬المستعمر الظل‮’ ‬الذي‮ ‬يمتلك قواعد عسكرية ويتمتع بامتيازات في‮ ‬الصناعات الاستخراجية لا نظير لها،‮ ‬خصوصاً‮ ‬لشركتها النفطية الوطنية‮ ‘‬توتال‮’ ‬وفي‮ ‬الإنتاج الزراعي،‮ ‬وهنالك قصص عن علاقات‮ ‬غير طبيعية بين المخابرات الفرنسية وبعض أوساط قطاع الأعمال الفرنسية وعدد من رؤساء الدول الأفارقة تصل تفاصيلها لحد تحكم فرنسا ليس في‮ ‬الصفقات المعقودة وبحسب وإنما في‮ ‬السياسات الاقتصادية والنقدية المعتمدة‮.‬
منتهى القول،‮ ‬إن المساعدات المالية المقرة للدول الأفريقية إذا ما تم تسليمها عبر القنوات الرسمية الحالية فإنها لن تعمل سوى على تعزيز مواقع الفساد والفاسدين في‮ ‬بلدان القارة المنكوبة بحكم‮ ‘‬أبنائها‮’.‬
لذا آن الأوان لكي‮ ‬تتوقف الأسرة الدولية عن تقديم الدعم للدول الفاسدة ومساعدة حكامها على إدامة إفقار بلدانها وشعوبها‮. ‬ولابد من إنشاء آلية دولية تضمن توجيه المساعدات إلى الأوجه الاتفاقية الموجهة نحو بناء البنى التحتية والبنية التعليمية والصحية وإنشاء وحدات وأنشطة اقتصادية تتسم بالاستدامة وتستوعب قوة العمل المؤهلة والنشطة اقتصاديا.
 
صحيفة الوطن
18 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

تعميق الإصلاح القضائي

للإنصاف والأمانة الموضوعية ليست مملكة البحرين هي الدولة العربية الوحيدة التي سلطتها وجهازها القضائيان بحاجة اليوم الى التجديد والاصلاح، بل كل الدول العربية بلا استثناء باتت تعوزها هذه المهمة الملحة وإن بدرجات متفاوتة، ولربما جاءت البحرين أفضل من غيرها نسبيا في المشكلات والاشكاليات المرتبطة بإصلاح المؤسسة القضائية، وما ينطبق على الدول العربية من حيث الحاجة الملحة إلى إصلاح القضاء ينسحب على دول العالم الثالث السائرة في بدايات طريق النمو الديمقراطي والتنمية السياسية الاصلاحية الحديثة.
مناسبة هذه المقدمة التي نسوقها هي الحدث القضائي التاريخي، بكل ما في الكلمة من معنى، الذي شهدته مملكة البحرين خلال الاسبوع الماضي والمتمثل في الحكم الذي أصدرته المحكمة الكبرى بتبرئة جميع المتهمين الموقوفين التسعة عشر من تهمة قتل الشرطي الشاب المغدور ماجد أصغر في حادث انفجار وحرق سيارة الشرطة بقرية كرزكان التي كان المغدور الضحية يستقلها أثناء تأدية واجبه بصحبة رفيقين له فيها وذلك في التاسع من ابريل من عام 2008م. فلم يسبق في تاريخ القضاء البحريني، ورغم ما يتمتع به من استقلالية ونزاهة لا تقارنان بالعديد من السلطات القضائية في الانظمة الشمولية بالعالمين العربي والاسلامي، ان أصدر حكما في قضية جنائية خطيرة ذات أبعاد سياسية واجتماعية حساسة بهذا التجرد والموضوعية والنزاهة والاستقلالية التامة كالحكم الذي أصدرته المحكمة المذكورة التي برأت الموقوفين جميعا واطلاق سراحهم فورا، وذلك بعد مرور ما يقرب من عام ونصف العام على سجنهم.
والاهم من ذلك ان المحكمة لم تتوان في اثباتها أن لا سلطان عليها في حكمها سوى ضميرها المهني عن الجهر من دون أدنى مراوغة بحيثياتها الموضوعية النزيهة الشجاعة التي دفعتها لاصدار هذا الحكم، وعلى الاخص ما ساقته في حيثياتها من وجود “تجاوزات” شابت العملية التحقيقية مع المتهمين تتنافى مع الدستور والقانون البحرينيين ولا تستقيم بأي حال من الاحوال مع شعارات المشروع الاصلاحي وما تتمتع به مملكة البحرين في هذا الصدد من سمعة طيبة كبيرة في الديمقراطية وحقوق الانسان، دع عنك سائر الحيثيات التاريخية المهمة الاخرى التي ساقتها المحكمة ذاتها، ومنها افادات الطب الشرعي وما وقع فيه شاهدا الاثبات من تناقض، سواء أكان مقصودا أم عفويا، فلا دخل للمحكمة في ذلك، وانكار المتهمين جميعهم التهمة وعدم الاعتراف بذنبهم فيها ومن ثم انتفاء أهم أركان الادلة وسيدها ألا هو “الاعتراف”، هذا الى جانب الحيثيات الاخرى التي نشرتها صحافتنا المحلية في اليوم التالي من صدور ذلك الحكم القضائي التاريخي المشهود.
ويمكن القول ان المؤسسة القضائية البحرينية بصدور هذا الحكم نالت سمعة جديدة تعزز سمعتها في النزاهة والتجرد والاستقلالية، ذلك بأن حكما قضائيا في قضية جنائية ذات أبعاد سياسية اجتماعية وبتلك الحيثيات الجريئة المعلنة في تبرئة المتهمين هو من الاحكام القضائية النادرة جدا في كل دولنا العربية منذ بناء الدولة العربية الحديثة في البلدان العربية بعد نيل استقلالاتها، وما عانته وتعانيه هذه الدولة العربية من سمعة مشوهة مزمنة في مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وتأكيد وترسيخ مبدأ استقلالية السلطة القضائية.
واذا كان يحق لمملكة البحرين ولسلطتها القضائية ان تفتخرا بصدور مثل هذه الاحكام القضائية التي تعكس وتؤكد استقلالية ونزاهة الاخيرة مما يعزز ويضيف لسمعة المملكة دوليا في مصداقية تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وتمتع كل منها باستقلاليتها الحقيقية، فإن هذه القضية لا ينبغي ان تغفلنا بأي حال من الاحوال عن الحاجة الى زيادة وتعميق العملية الاصلاحية الشاملة في مؤسستنا القضائية التي تعد الاعرق في دول مجلس التعاون، من دون التقليل مما تم احرازه حتى الآن من منجزات اصلاحية فيها. ذلك بأن العملية الاصلاحية في المؤسسة القضائية في أي دولة من دول العالم، مهما قطعت شوطا كبيرا من التطور والنضج الديمقراطيين، هي عملية تراكمية لا تكتمل ولا تنتفي الحاجة اليها في أي مرحلة تاريخية، كبرت هذه الحاجة ام صغرت.
فاليوم فإن تعميق وزيادة اصلاح المؤسسة القضائية لم يعودا مقصورين على القضايا الامنية والسياسية من حيث ان الاصلاح هو مهمة آنية شاملة وحاجة ملحة طال اهمالها بل تشمل مختلف القضايا والمحاكم والتشريعات المتصلة بقضايا المرأة وقضايا الصحفيين والنزاعات التجارية.. الخ، فكل الفئات ذات العلاقة بمثل تلك القضايا والمحاكم والتشريعات تنادي بهذه الحاجة الملحة لتطوير وتعميق اصلاح مؤسستنا القضائية لتتواكب مع روح العصر ومع شعارات المشروع الاصلاحي.
ولنا فيما أعلنه العاهل المغربي محمد السادس في مناسبة يوم العرش من خطة جديدة لإصلاح القضاء “لضمان استقلاله وتحديث منظومته وتأهيل مكوناته وتحصين ممارساته” – على حد تعبير العاهل نفسه – خير قدوة في ذلك، ولاسيما ان جلالة الملك سبق ان نوه اثناء زيارته للمغرب في الصيف الماضي بالتجربة المغربية الاصلاحية ذاتها، ومنها انجاز مدونة المرأة، واعتبر ما مفاده ان تجربة هذه الدولة الشقيقة مثال للحكم الرشيد الصالح والمملكة الدستورية الديمقراطية العصرية.

صحيفة اخبار الخليج
18 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد

تعريف العلمانية (3 – 3)

ليست العلمانية سوى صراع سياسي لتوجيه الموارد الاقتصادية، أما القضاء على الأديان فهو هدف غير حقيقي وغير متحقق، أو خرافة تم الترويج لها لأسبابٍ سياسيةٍ كذلك.
وإذا لاحظنا نشوء العلمانية في الغرب فإن الهجومَ الواسعَ ضد المسيحية الذي تفجر في عصر الأنوار، كان صراعا اقتصاديا بدرجةٍ أساسية ضد ملاك الأرض الكبار، الذين كان منهم رجالُ دينٍ متنفذون وحكام، وقاوم هؤلاء صعود الملكيات الحديثة والمصانع واحتكروا الأرض وأغلبية المنتجين من الفلاحين، فلجأت الطبقة الوسطى الصاعدة الفرنسية خاصة المحتاجة إلى هذه الموارد والقوى العاملة الرخيصة، إلى الهجوم السابق الذكر على المسيحية، وتمت العودة لثقافة اليونان الديمقراطية والوثنية، وتصاعدت موجةُ الالحاد، وحين سيطرت الطبقات الوسطى على الحكم فإن سياساتها تجاه الدين خضعت لأهدافها الاقتصادية والاجتماعية المتبدلة في كل مرحلة، وفي كل بلد، فضخامة موارد الكنيسة الريفية الفرنسية استدعت هجوما تنويريا وإبعادا للدين عن التعليم في المدارس، ثم وجدت حكومات محافظة تالية أهمية عودة تدريس الدين.
لا تستطيع أي طبقة تحديثية أن تلغي الدين، وما المناوشات التي تجرى سوى عملية تشذيب معينة في الوضع الاقتصادي، تقود لسيولة الموارد وتوجيهها، فالعلاقات الاجتماعية التي يُضفى عليها طابع ديني جامد بحاجة إلى التحول، وتعديل رؤية المرأة والفلاح والفوائد المصرفية التي تـُجمد حركتها في النصوص الدينية التقليدية، فتستدعي فهما دينيا جديدا أو إبعادا للدين التقليدي عن السيطرة السياسية.
ولهذا فإن العلاقات بين الطبقات الوسطى الغربية والأديان تُستعاد مرة أخرى عبر تحولات سياسية وفكرية جديدة، كما أن مثقفي هذه الطبقات الطليعيين يحفرون لمستويات أبعد، فالمصانعُ بحاجةٍ إلى تطوير تقني مستمر، ولابد للعلوم الطبيعية خاصة أن تنطلق بلا قيود، ولهذا فإن العوالمَ الفكرية المصوغة في الكتب المقدسة تتبدل، فلا تعود الأرض مركز الكون، ويُفهم الإنسان بصور أخرى وكذلك الفضاء والتاريخ الخ.
لكن الأديان ليست مرتبطة بالعلوم فقط بل بعلاقات الإنسان الاجتماعية للأغلبيات الشعبية كذلك، وهذه لا تتبدل بمعدلات التطور الاقتصادية، كما أن قهر الطبقة الوسطى والعلاقات الاقتصادية الرأسمالية تجعل من الأديان ضرورة وانتماء مشتركا وعزاء في جحيم الرأسمالية.
وهكذا فإن العالم الإسلامي لم يواجه مثل هذه الثورات الاقتصادية الغربية، أو إعادة توزيع السكان والطبقات وأشكال الوعي بصورة جذرية، وظلت الفئاتُ الوسطى مهمشة، وذات تصنيع ضعيف، لا يستدعي ثورةً جذرية في الريف والتعليم، كما أنها تستخدم الدين التقليدي عموماً لتجذير مصالحها، ولهذا غدت ضعيفة علمانيا، ولم يكن علماء الدين ذوي سيطرات اقتصادية كبيرة على الموارد والعاملين، بل كانت الصراعات تتوجه للمؤسسات السياسية والحكومات، فغلب الصراع السياسي على الصراع ضد الفهم التقليدي للدين. ولهذا فإن معركة العلمانية ظلت ذات طابع ثقافي، وظل التعريف الأول لها، باعتبارها حركة علمية عربية أكثر منها حركة دنيوية معادية للدين والأخروية، خاصة أن مسائل العيش الدنيوي المبهج وكراهية الرهبنة سائدة بين المسلمين، إلا من بعض القطاعات المتشددة.
كما أن تصاعد دور الحكومات في الاقتصاد وسيطرتها على أغلبية الدخول جعل المعارك معها بصفة خاصة، وغدا التبشير السياسي هو الأكثر قوة في الحياة الفكرية.

صحيفة اخبار الخليج
18 اكتوبر 2009

اقرأ المزيد