المنشور

تعدديتنا النافية للتنوع

لا يمكن أن نغفل، في حال الحراك السياسي الظاهر في مجتمعنا البحريني اليوم، أن هناك أشكالاً من التعددية الاجتماعية وحتى السياسية دفعت بها إلى السطح الديناميكية التي تشكلت في البحرين بعد التغييرات التي جاءت مع المشروع الإصلاحي.
فهناك جمعيات سياسية مختلفة المشارب والألوان، متعددة في حجم العضوية، ومتفاوتة في مدى الفعالية في الحراك الدائر، ولكن من يستحوذ على صدارة المشهد، هي جمعيات الإسلام السياسي، وهي جمعيات ربما لا تتوفر على بنى تنظيمية ذات تقاليد وتماسك مثل تلك التي تتوفر عليها التنظيمات اليسارية والوطنية، ولكن ضرورات الاستقطاب المذهبي والطائفي المهيمن في المجتمع اليوم، مكّن هذه الجمعيات بشقيها، السني والشيعي، أن تنال ما هي عليه من حضور، إذا ما حسبنا آليات التعضيد المختلفة التي تساعد على ذلك ، وهذا كله على حساب القوى ذات المشارب الفكرية والسياسية المختلفة، وفي مقدمتها قوى التيار الوطني الديمقراطي.
في الظاهر فان التعددية قائمة، دون أن نشغل أنفسنا هنا بالنقاش، فيما إذا كانت هذه التعددية صحية أو مرضية، لأنها، في نهاية المطاف تعبر عن واقع موضوعي قائم لا سبيل لنفيه في مجتمعٍ ثنائي المذهبية، كما هو حال المجتمع البحريني، وهي ثنائية تضرب عميقاً في التاريخ، ولا سبيل لنفيها، فالخلاف بيننا وبين من نعدهم طائفيين لا يكمنُ هنا، وإنما في حقيقة أننا لا نريد من هذه المسألة أن تكون شاغل المجتمع، والمستحوذ على تفكير أبنائه، فنحن نُغلب على ذلك قيم التسامح والتعايش ونُعظم من المشتركات والمُوَحِدات والجَامِعات على حساب المُفرقات والمُشَتِتات.
لكن هذه التعددية الظاهرية تنفي ما هو أهم منها، وهو التنوع الموجود في المجتمع، القائم في كل طائفة من طائفتيه، فليس كل السنة منضوين تحت راية جمعيات الإسلام السياسي السنية أو موافقين على برامجها، والعكس صحيح أيضاً، فليس كل الشيعة منضوين تحت راية الجمعيات السياسية الشيعية أو موافقين على برامجها أو أطروحاتها.
هناك مقدار كبير من التنوع في صفوف السنة ومقدار من التنوع لا يقل عنه في صفوف الشيعة، ولا يكفي أن نبتهج بالتعددية الظاهرية ونقدمها على أنها انتصار لفكرة الديمقراطية، فهي، في بعض أوجهها على الأقل، نفي لفكرة الديمقراطية، حين يسعى مريدوها لإخضاع أبناء كل طائفة مجتمعين لمزاجٍ واحد، فكري وسياسي، قامعين ما في داخل الطائفة الواحدة من تنوع بالقسر المعنوي، الذي يحمل في طياته بذور العنف تجاه الرأي الآخر.
ومن المُهم، في هذا السياق، الإشارة إلى أن هذا التنوع في المجتمع، داخل كل طائفة على حدة، هو نفسه العامل المُوحد في المجتمع، هو المُكَون للوحدة الأفقية التي تجمع الجميع، والنافي للانقسام العمودي الذي ترعاه الطائفية والمذهبية وتعززه وتحميه ابتغاء لمصالح هيمنة المستفيدين من هذا الانقسام في المواقع المختلفة، سواء كانوا داخل الدولة أوفي المجتمع على حدٍ سواء.
من أجل أن يكون تطور المجتمع صحياً، معافى، علينا أن نعلي من شأن هذا التنوع، ونبرزه ونسلط الضوء عليه، وندافع عن حقه في التمثيل في مختلف المجالات، فهذا التنوع العابر للطوائف هو وجدان المجتمع ودينامو تطوره، أما التعددية المذهبية حين تصبح شغلاً شاغلاً فهي النافيـة لهذا التطور والمعيقة له.
 
صحيفة الايام
18 فبراير 2010

اقرأ المزيد

الإسـكان قضـية ثانويـة!!

إن من أولويات مهام المملكة المتمثلة في مجلس الوزراء ومجلسي الشورى والنواب هو إيجاد حل جذري للمشكلة الإسكانية في المملكة، وكيفية الوصول لحل للطلبات الإسكانية المتكدسة في وزارة الإسكان، وبحسب الإحصائية الأخيرة للوزارة أن هناك أكثر من 45 ألف طلب مع دخول العام 2010 وسوف يرتفع هذا العدد إذا لم يتم إيجاد الحل المناسب لكي لا تتفاقم المشكلة والأزمة الإسكانية. 

 إننا نسمع ونقرأ بشكل يومي في الصحف المحلية والإعلام المرئي والمسموع بمشاكل المواطنين التي تكسر القلب وتدمع العين، هناك عائلات تفترش العراء وأخرى تنام في وسط المطابخ ودورات المياه، فهل يعقل بأننا نرى هكذا صور مؤلمة ومحزنة ونحن نواكب عصر التطور والتقدم بمرور عشر سنوات مضيئة لجلالة الملك؟؟ و هل يعقل بأن نرى طلبات إسكانية متكدسة تعود لعام 1992 وأصحابها قد أصبحوا أجداداً وأن نرى حصول المملكة على جوائز عديدة ومتقدمة بين الدول المشاركة  في استخدم الحكومة الالكترونية؟؟

وهل يعقل بأن نرى جميع أفراد بعض العائلات البحرينية ينامون في غرفة واحدة، ومن ناحية أخرى نرى تشييد الأبراج السكنية الرأسمالية وناطحات السحاب والمدن التجارية البرجوازية؟؟ هل يعقل بأن نرى بيوت ومنازل تتهاوى على ساكنيها مدرجة تحت مشروع الآيلة للدمار ونرى حصول المملكة على جوائز عديدة في التعمير والتطوير؟؟، هل يعقل بأن نرى من أولويات الحكومة والمجلس النيابي محاولة إيجاد حلول للمشكلة الإسكانية بعدم تكدسها ومن جهة أخرى نرى أحد النواب الأفاضل يطل علينا بتصريح لأحدى الصحف المحلية بأن مشكلة الإسكان هي مشكلة ثانوية وليست أساسية! 

 إذاً ما هي القضايا الأساسية يا سعادة النائب ؟!

هل التغني بإشعال نار الطائفية وتفرقة الشعب الواحد يعد من القضايا الأساسية لديك، هل بث سموم التفرقة والتعدي على المقدسات والرموز الإسلامية يعد من القضايا الأساسية لديك، هل إثارة المشاكل والفوضى ورفضك للمسيرات الجماهيرية يعد من القضايا الأساسية لديك،  هل وهل وهل؟؟

كثير من المشاكل التي افتعلتها في عمر المجلس النيابي في الدورة الماضية والدورة الحالية مع انك على علم ويقين بأنك منبوذ من الطائفتين الكريمتين، كثير هي أحلامك في تفرقة الشعب الواحد ومنع الشعائر الإسلامية لدى أحدى الطوائف الوطنية!، كثير هي أحلامك هو إرجاع المملكة إلى مرحلة القبائل المشاعية البدائية ورعي الأغنام والإقطاعية! ، كثير هي أحلامك بأن ترشح نفسك في دوائر انتخابية أنت منبوذ فيها وتصرح بأنك سوف تفوز رغم انف الإرادة الشعبية في الاقتراع السري!، كثير هي أحلامك بأن تنقلب الكثافة العددية السكانية إلى مجنسين لا يعرفون عن المملكة أي شيء سوى اسمها!، كثير هي أحلامك بأن تنشر صورك في دائرتك الانتخابية لتوهم زوار المنطقة بأنك محبوب من الجميع ، وغريب هو أن تنسب أن من وضع هذه الصور لأهالي دائرتك المساكين التي أصبحت أنت عاله عليهم. 

 سعادة النائب المحترم مع كل أحلامك التي لم ولن تتحقق لابد أن تراجع نفسك وسياستك التي أثبتت فشلها، هل سألت نفسك ماهي إنجازاتك خلال المجلس؟؟؟ وما هي ردة فعل ناخبيك؟! عليك الاستعداد لاختيار شعار آخر للانتخابات القادمة غير الرقص على لحن الطائفية والتغني على وتر الفرقة لأنهما قد أصبحا من الشعارات المستهلكة، يجب عليك اختيار قناع جديد (ممكيج) بأصباغ جديدة لتتمكن من حشد الناخبين لمقرك الانتخابي وخداع الناخبين أصحاب النفوس الضعيفة.                 
 


 

اقرأ المزيد

في رثاء «الماركسي» الذي رفض أن يحكم الهند


خسرت الهند في منتصف يناير المنصرم رمزا من رموزها التاريخية الكبيرة ممن هيمنوا طويلا على المشهد السياسي الداخلي، هو السياسي الماركسي “جوتي باسو” الذي رحل عن 95 عاما بعدما حفر اسمه في تاريخ ولاية “البنغال الغربية”، بل في تاريخ الهند بأسرها كأحد أطول رؤساء حكوماتها المحلية بقاء في السلطة، وأكثرهم وهجا و حضورا وإنجازا.

على إن الأهمية التي جسدها الراحل، لم يتأت من هذا وحده أو من شعبيته ونجاحاته المتتالية على مدى نصف قرن في الإنتخابات المحلية والعامة ، وإنما أيضا من حقيقة إيمانه بالديمقراطية الهندية، وبالتالي عمله من خلال الأطر الديمقراطية لتحقيق أجندته الماركسية، وذلك بمعنى عدم لجوئه للأساليب العنيفة والقهرية للإستيلاء على السلطة والبقاء فيها، على نحو ما فعله أقرانه الماركسيون في الصين والاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية والهند الصينية والشرق الأوسط. بل أن الراحل كشف للعالم أجمع عن زهده في حكم الهند حينما طلبت منه جبهة الأحزاب اليسارية في عام 1996 تولي رئاسة الحكومة الهندية كضمان لتماسكها، وكوسيلة لنيل دعم الجماهير الكادحة.

والمعروف أن الراحل كان قد قرر في نوفمبر 2000 بمحض اختياره ترك السلطة كرئيس وزراء شيوعي منتخب ديمقراطيا لولاية “البنغال الغربية”، بل آثر بالتزامن أن يعتزل الحياة السياسية، واضعا بذلك حدا لصفة التصقت باسمه هي “أقدم رؤساء الحكومات الشيوعية في العالم”.

وقتذاك أثار هذا الحدث ضجة إعلامية وردود أفعال متباينة، إنطلاقا مما كان للرجل من نفوذ وتأثير وتاريخ حافل. فعلى مدى عقود طويلة من الزمن في حقبة ما قبل الإستقلال كان “باسو” رمزا وطنيا ومحرضا جماهيريا وطاقة تعبوية ومحاربا عنيدا من أجل الحرية والعدالة الإجتماعية، ثم صار في حقبة ما بعد الإستقلال إداريا ناجحا ومعارضا شجاعا ومشرعا حكيما وحزبيا قادرا على تكييف معتقداته الماركسية مع الواقع المحلي الهندي. وظل هكذا حتى في أوج ضعفه الجسدي والإيديولوجي الناجمين عن تقدمه في العمر، وعن إنهيار الدولة الشيوعية الأم في موسكو، على التوالي.

ويمكن القول إن تاريخ الرجل الحافل وثقافته الواسعة وتجاربه الطويلة هي التي مكنته من مواجهة الصعاب دائما بنجاح، فيما كان أصدقاؤه وخصومه يسقطون تباعا. ويمكن القول أيضا أن غيابه اليوم عن المشهد السياسي لا يعني موت حزبه أو موت الشيوعية في الهند، لأن الأخيرة ليست حزبا برجوازيا أو وراثيا أو قمعيا، وإنما حزب يؤمن بالأساليب الديمقراطية والإقتراع الحر في إختيار قيادته. وهذا تحديدا ما ردده “باسو” بنفسه وقت إعتزاله أي حينما كان حزب “بهاراتيا جاناتا” القومي اليميني يحكم الهند ويروج لقرب أفول اليسار في عموم البلاد، حيث سجل عنه قوله: “أقول للذين يروجون لفكرة أن الشيوعية قد ماتت، أن الذي مات هو تجارب معينة، وليس الشيوعية كفكر ومنهج.

وكان هذا الكلام موجها أيضا لحزب المؤتمر (أكبر أحزاب البلاد التاريخية وصانع إستقلالها) لأنه تعامل منذ فجر الإستقلال مع “باسو” كخصم لا يمكن الإتفاق معه إلا في جزئية صغيرة من سياساته هي تلك المتعلقة بالتصدي لبرامج اليمينيين الساعين لتخريب وجه البلاد التعددي العلماني.

في سيرة “باسو” الذاتية نجد أنه ولد لأسرة متوسطة الحال كان ربها طبيبا منحدرا من منطقة تقع حاليا في بنغلاديش،. ونشأ وتلقى علومه الأولى في كلكتا قبل أن يلتحق في 1925 بكلية “سانت زيفيير” لدراسة القانون. وفي 1935 رحل إلى بريطانيا لمواصلة تعليمه العالي، مثلما فعل قريناه جواهر لال نهرو ومحمد علي جناح، حيث إلتحق هناك بجامعة لندن، متتلمذا على يد كبار فلاسفة الماركسية الإنجليز، الأمر الذي ساعده على التعرف على الأفكار والنظريات الماركسية. تلك الأفكار التي عشقها فجعلته يغير خططه للعودة إلى الهند لمزاولة المحاماة. على ان ظروف الحرب العالمية الثانية لم تترك للرجل خيارا سوى العودة الى بلاده في 1940 ليلتحق فورا بالحزب الشيوعي الهندي. وسرعان ما إستطاع أن يلفت النظر إلى مواهبه القيادية والخطابية والتنظيمية التي كان قد صقلها بالعمل في صفوف إتحادات الطلبة في لندن ، فإختاره الشيوعيون الهنود في أول مؤتمر قانوني لهم في 1943 كممثل للحزب في البنغال.

في 1944 وبطلب من قيادة حزبه أسس “باسو” أول نقابة لعمال سكة حديد البنغال –آسام بغرض الدفاع عن حقوقهم. وحينما أجريت أول إنتخابات تشريعية محلية في البنغال في 1946، خاضها “باسو” وإستطاع أن ينجح فيها ويلحق هزيمة نكراء بخصمه، مرشح حزب المؤتمر “همايون كبير”. لكن الحزب الشيوعي الهندي تم حظره بعد ذلك، فلجأ إلى العمل السري الذي تخللته فترات من الإعتقال والسجن.

في الخمسينات عاد إسم “باسو” ليدوي بين الجماهير كمحرض ومنسق وقائد للاحتجاجات والمظاهرات الشعبية، مثل مظاهرات 1953 المنددة بإرتفاع الأسعار، ومظاهرات المعلمين في 1954 لتحسين الأجور، ومظاهرات الإحتجاج ضد مشروع دمج ولايتي البنغال وبيهار في 1956.
أما أول فوز له بمقعد برلماني فقد كان في سنة 1953 التي أرخت لأول انتخابات عامة في الهند المستقلة، حيث نجح في انتزاع مقعد عن دائرة شمال كلكتا، من منافس إقطاعي شرس هو “روي تشودري” مرشح حزب المؤتمر.

ومنذ عام 1967 الذي وضع حدا لإنفراد حزب المؤتمر بحكم ولاية البنغال الغربية، وبالتالي إضطراره للدخول في تحالفات سياسية لإدارتها، ظل الحزب الشيوعي الهندي الماركسي بقيادة “باسو” رقما صعبا في جميع التحالفات، إلى أن جاءت إنتخابات العام 1977 التي إستطاع فيها الرجل وحلفاؤه اليساريون أن يحققوا أغلبية برلمانية أتاحت لهم حكم البنغال بإنفراد. ومذاك، وعلى مدى السنوات الثلاث والعشرين التالية إحتفظ بالسلطة المحلية دون إنقطاع.

وأثناء هذه الحقبة الطويلة، بكل تحولاتها الداخلية والخارجية، لعب “باسو” دورا مؤثرا لجهة تحسين أحوال مواطنيه المعيشية مع التمسك بقواعد الديمقراطية ومبادئ العلمانية وسلطة القانون، حتى قيل أنه لو لم يقم بأي إنجاز لكفاه بروز ولايته كأكثر الولايات الهندية خلوا من الفساد السياسي.

ويذكر البنغاليون بالعرفان ما أحدثه “باسو” في أريافهم من إصلاحات، كان لها الفضل الأكبر في تحسين الإنتاج الزراعي نوعا وكما من بعد سنوات من الكساد في ظل حكومات حزب المؤتمر المحلية، وكيف أن ولايتهم تحت قيادته تمكنت في الثمانينات والتسعينات من أن تحقق معدلات نمو زراعي عالية بين 17 ولاية من ولايات الهند الأكثر سكانا، وأن تصبح هي و “كيرالا” من أكثر الولايات لجهة تراجع معدلات الفقر والأمية في الأرياف.

إلى ذلك، إستطاع “باسو” أن يقدم أفضل النماذج على مستوى الولايات الهندية لجهة الإستقرار والوئام (لم تحدث في ولايته أية مصادمات طائفية او عرقية كتلك التي حدثت في ولايات أخرى بسبب حادثتي إغتيال السيدة أنديرا غاندي في 1984، وهدم المسجد البابري في 1992) ثم لجهة حيوية وتمثيل المؤسسات الديمقراطية (دشن مشروعا شاملا للديمقراطية اللامركزية، فكانت هناك إنتخابات على مستوى جميع المجالس المحلية كل خمس سنوات منذ 1978، وفي جميع هذه الإنتخابات كانت أغلبية المقاعد من نصيب الفقراء المحرومين من الجاه والمال والنفوذ، مما دلل على نزاهة أساليب الوصول إلى المجالس المنتخبة). وقد أدت هذه التجربة الناجحة إلى قيام المشرعين الهنود بتبنيها وتعميمها عبر إجراء تعديلين دستوريين.

وعلى الصعيد الصناعي نجحت قيادة “باسو” نسبيا في إخراج ولايته من عثراتها عبر فتح أبوابها منذ 1994 أمام الإستثمارات الأجنبية، لكن مع توخي الحذر كيلا تتأثر مصالح الفقراء بسلبيات الخصخصة.

وأخيرا، فسيذكر التاريخ للراحل جهوده الكبيرة على مستوى الهند للتصدي للمشاريع الهادفة إلى تحويل الوطن إلى دولة أحادية الثقافة. حيث لم يتردد (بالرغم من تواضع قوة اليسار داخل البرلمان الإتحادي في أواخر التسعينات، وبالرغم من تمثيل تياره لأقلية لغوية وثقافية) في قيادة جبهة برلمانية مترابطة للدفاع عن الدعامات الرئيسية الثلاث التي قامت عليها الهند الحديثة (الديمقراطية والعلمانية والفيدرالية) في مواجهة مشاريع القوى اليمينية.

 
الأيام  14 فبراير 2009

اقرأ المزيد

(القوقعة) أو كيف يتمُ سحل الإنسان؟

رواية السينمائي السوري (مصطفى خليفة) هي من الأعمال الإبداعية العارية، هي من دون تزويق ورتوش، من دون إعادة إنتاج، فهو يقطع الواقع بلحمه ودمه ويضعه على الورق الأبيض ولايزال القلب يتقلب ويتفجرُ (ويطرطشُ) بأعضائهِ فوق وجهك ولايزال الدم نافورة تضربكَ بقوة على جلدك، لتسأل أين كنت؟ كيف كنت تعيش في هذا العالم؟ كيف امتدت يدك إليه؟!
بلا شك إن اثنتي عشرة سنة في سجن رهيب لا علاقة له بالبشرية والمشاعر وكل هذه الحضارة التي زعمنا وجودها. المؤلف يضعُ قطعَ اللحمِ الساخنةِ المتفجرةِ بالصيحاتِ أمامكَ ويمضي لموقفٍ آخر ولا الدهس يتوقف، ولا الجثث تنسحب وتتوارى، بل عليك أن تلتقطها بيدك وتشم روائحها وتذعر في يقظتك قبل أحلامك وأنت تمسكها في مقعدك وفراشك وسوف تطاردك ما حييت!
إن سرده عادي بلا جمال خارجي، يرسمُ كلّ يومٍ بحدثهِ المميز، ويقتطعُ من ذلك الزمن الاثني عشري لمحاتٍ تطولُ أو تقصرُ حسب موقعها من حفلاتِ الزار الوحشية المُخصّصة لسحلِ الأجساد، إنه يجعل الواقع المصور بحد ذاته فناً، لأن تصوير الواقع بعد أن تنزعَ قشرتَهُ الخارجيةَ وتصورُ لحمَهُ الداخلي، يغدو بحد ذاته ذروة الإبداع الحقيقي.
القادم من الخارج، المثقف النظيف، ابن الأوادم المهم، المرفه، صادقَ معارضاً في الخارج، تنادما كثيراً في باريس بلد النور والحرية، قذفَ بعضَ الكلمات عن زعيم الدولة، كلمات ساخرة من تلك التي تـُقال كثيراً خاصةً حين تتفككُ نوابضُ العقل الأعلى الحكومي، فاصطادتهُ العيونُ والآذانُ التي لا تغفل عن شاردةٍ وواردة بين الأرض والسماء، فكتبت تقريراً ألقاه أسفل الجحيم، تسلمه الأمن، دخل في قنواته الداخلية فضاع. فقد كانت هناك حملةٌ لاعتقالِ الإخوان المسلمين، ولكن هذا الفنانَ المخرجَ مسيحي، وجاءَ في أثناء فيضانِ اعتقالِ الاخوان، فُحشر معهم وحشرٌ مع الناس عيد، ودخلَ في المواسير الحديديةِ الناريةِ للسجنِ مثل أي خنفساء، ضاعتْ بين الجداول والكلمات، فمضى معهم في شاحناتٍ للصحراء، يتبولون أثناء السير على حديد الشاحنة، وأيديهم مقيدة وراء ظهورهم، ثم راحوا يُقذفون في ممراتِ سجنٍ صحراوي، تنهشهم العصي تأتي من أي مكان، وهذا أثرٌ حضاري جاء من دولة الوحدة، ويكدسون في غرفٍ كل منهم يلاصق الآخر. وكل ما تحدث الراوي به إنه مسيحي لا علاقة له بالمسلمين كما أنه ملحد كذلك لا يؤمنُ بالأديان قالها أثناء الضرب على قدميه متذاكياً بأن الحملةَ ليست ضد أصحاب الأديان والاعتقادات الأخرى، فتعاورهُ الضربُ من كل جهة بشكل أقوى لأنه من المسيحيين ثم لأنه ملحد كذلك، وعاشَ في حصار مع زملائهِ السجناء المتدينين الذين قدموا لأسبابٍ مثل وضع قنبلة في مطعم وهلم جرا، إلا من بعضٍ من إنسانيين بينهم، يغدقون عليه الحب ويساعدونه ويتعرضون بسببِ ذلك لضرب الحراس وغضب زملائهم، وهم في الغالب أطباء لم يشاركوا في عمليات قتل المواطنين.
هذا السجنُ هو عمليةُ سلخٍ لجلد البشرية، هو عمل الاهانة والاذلال والتحطيم في كلِ وقت حتى الدهس الأخير، ولأي ردِ فعلٍ: حاجب يرتفع، أو صوت يعلو، أو مشي غير مستقيم، أو مرض جلدي يُصاب به المعتقل، أو مطالبة بخبز يابس، أو عدم النوم. وكل شيء يعرضُ المعتقل للجلد والعقاب الذي يدورُ في الساحة، كأن يشربَ من البالوعة، مثل العقيد المعارض الذي طُلب منه أن يشربَ من البول حتى يَبلَ ظمأَهُ، وأجبرهُ عدةُ حراسٍ ولكنه قاومهم حتى قُتل. عمليات القتل تجرى ببساطة شديدة، قد تُوضعُ كلمةٌ على سيارة ضابط كبير مثل(سوف ننتقم من أعمالك)، فيتوجه للسجن ويقتل مجموعة بعدةِ طلقاتٍ، ورؤوسهم متوجهة للجدران!
يجمعون كل حثالةٍ من أجل تعذيب المعتقلين، فهناك(البلديات)، وهي ثلة من سمادة المجتمع تقوم بالمهمات القذرة:( هم الجنود السجناء الفارون من الخدمة العسكرية، والجنود الذين يرتكبون جرائم القتل، الاغتصاب، السرقة، ومدمنو المخدرات… كل الجنود المجرمين، حثالة الجيش، يقضون فترة عقوبتهم في السجون العسكرية، في مثل هذا السجن، مهمتهم التنظيف وتوزيع الطعام وغيره من الأعمال… من هنا جاء اسم البلديات، هؤلاء في السجن الصحراوي لهم مهمات أخرى) وهذه المهمات الأخرى مثل قلع العيون أو شي الأجساد حسب طابع الحفلات المقامة أو الضرب حتى الموت.
الرواية مليئة بمثل هذه التفاصيل الوحشية، ومحاولة سحل الإنسان كلياً، لكن الشخصية تحاول البقاء، والتلصص عما يجرى من ثقب في السجن، وتستمر لا تعترف ولا تدون شهادةَ استسلام، بحسب ما يقول الراوي، ولا ندري تماماً كيف يستطيع أن يصمدَ في كلِ أشكالِ التعذيب حتى بعد اثنتي عشرة سنة حين يتم التوسط له لكي يخرج فخاله (شيوعي) وتابع للنظام وصار وزيراً؟!

صحيفة اخبار الخليج
17 فبراير 2010

اقرأ المزيد

بين دفتي كتاب

سُئل النحات مايكل أنجلو يوماً عما يفعله لكي يبدع أعمالاً بديعة بهذا الشكل، فأجاب: الأمر بسيط جداً. عندما أنظر إلى كتلة الرخام أرى التمثال الذي بداخلها. لا يبقى أمامي سوى إخراجه من هناك بإزالة الزوائد عنه.
قال المعلم: “كل منا مرصود لإبداع عمل فني هو مركز حياتنا. ورغم كل محاولاتنا لإخفائه عن أنفسنا نعرف إلى أي حد يشكل شرطاً لسعادتنا. هذا العمل الفني مدفون عموماً تحت أعوام من الخوف والشعور بالذنب والتردد. لكننا إذا قررنا إزالة تلك الشوائب، ولم نشك بقدراتها، نستطيع القيام بالمهمة الموكلة إلينا. إنها الطريقة لعيش حياة مشرفة”.
هذه حكاية أولى. وإليكم حكاية ثانية: سأل التلميذ معلمه: “كيف نعرف ما هي أفضل طريقة للتصرف في الحياة؟”.. لم يجب المعلم وإنما اقترح على تلميذه أن يصنع طاولة. عندما أصبحت الطاولة شبه جاهزة لم يبق سوى تثبيت لوح السطح بالمسامير. اعتاد التلميذ على إدخال المسامير بثلاث ضربات بالضبط، لكن المسمار الأخير قاوم أكثر، فاضطر إلى توجيه ضربة إضافية. تغلغل المسمار أكثر مما يجب، فانشق الخشب.
هنا قال المعلم: “يدك معتادة على ثلاث ضربات بالمطرقة، عندما تُوجه العادة الفعل يفقد معناه، مما يسبب الأضرار في النهاية. كل فعلٍ فريد، والسر الوحيد الذي يجب معرفته هو التالي: لا تدع العادة توجه أفعالك أبداً”.
هذه وسواها من الحكايات الجميلة المليئة بالدلالات والخبرات والحكم ترد في كتاب اسمه “مكتوب”. فكرة هذا الكتاب انبثقت من طلبٍ قدمه للكاتب أحد أصدقائه. طلب منه أن يجمع بين دفتي الكتاب ما يراه مناسباً من التعاليم التي تعلمها في الحياة، والحكايات التي نقلها له أصدقاء أو أناس تركوا له رسالة لا تُنسى رغم أنه لم يلتق بهم أكثر من مرة، بالإضافة إلى قصص تنتمي إلى التراث الروحي للإنسانية.
كاد الكاتب أن يعدل المشروع الذي اقترحه عليه صديقه بسبب مشاغله وسفراته الكثيرة، مع ذلك كانت الإشارات تحثه على الاستمرار، كأن تصله رسالة من قارئ، كأن يورد صديق تعليقاً، ويطلعه آخر على صفحات مقتطعة رتبها في حاملة أوراقه. مع الوقت اعتاد الكاتب أن يكتب بطريقة موضوعية ومباشرة، ولإعادة قراءة نصوصٍ أجل دوماً قراءتها قراءة ثانية، وشيئاً فشيئاً بات يجد في كل ما يجري حوله سبباً لكتابة الكتاب. تذكر أنه عندما كان طفلاً قرأ كتاباً بعنوان “مكتوب”، وفكر: “ربما علي أن أفعل الشيء نفسه”.
يروي الكاتب حكاية عن رجل عاش في القرن التاسع عشر، ورأى في منامه طيفاً يدعوه لأن يبني بيتاً من كسرات الآنية. أخذ الرجل يجمع قطع البلاط والصحون والتحف والزجاجات المكسورة. أكد سكان الجوار أن هذا الرجل مجنون، لكن سياحاً اكتشفوا بيته لاحقاً، وتحدثوا عنه لمن حولهم، أصبح الرجل محط الأنظار، لكنه استمر في البناء، وفي الثالثة والتسعين من عمره، وضع آخر كسرة زجاج لديه.. ومات. مثل هذا الرجل فعل الكاتب: رتب قطعاً من حياته: مواقف عاشها، مقاطع من كتب لم ينسها، أفكار حول عصره وأحلام جيله لكي يقيم منها بناءه الروحي.
نسيت أن أذكر أن مؤلف هذا الكتاب لم يكن سوى باولو كويلهو، مؤلف “الخيميائي”.
 
صحيفة الايام
17 فبراير 2010

اقرأ المزيد

يوميات الثورة الخضراء (3- 3)

أن تظهرَ حركة ثورية جماهيرية وسط رأسمالية دولة شرقية شمولية هي مسألةٌ تاريخيةٌ فريدة، خاصة مع جمع هذه الدولة لتراثٍ نضالي شعبي قريب، وقوى عسكرية بوليسية هائلة، وشبكةٍ دينية جماهيرية محافظة تتغلغلُ في كلِ شرايين المجتمع.
لكن بسببِ واقعيةِ الحركةِ الإصلاحية وطرحها أهدافا سياسية ممكنة التحقيق، وعدم غلوها في طرحِ مسألة هدم النظام، وعدم تطرف مرشد الجمهورية في التصدي لها، ومحاولته جمع الصفوف، فكل هذه الأسباب جعلت المختلفين لا يقطعون الجسورَ بينهم كلية، وجعلت المناضلين للتغيير ينتهزون مناسبات النظام وتاريخه الثوري السابق ويوظفونها للتغيير الجديد.
ومن الناحية الذاتية كان انقطاعهم عن المرشد وتركه للقوى العسكرية تحيطُ به، وعدم طرحهم أهداف التحول بوضوحٍ ومباشرة، وتخندقهم في مسألة تصحيح نتائج الانتخابات ورفض الرئيس نجاد في ولايته الثانية (المزورة)، وتحويل الاحتجاجات الثورية في الانتخابات والتصويت عليها وحساب الأصوات وغير هذا من أهداف ووسائل تقنية محضة مقطوعة عن جذور الصراع الاجتماعي، أمورٌ جعلت الجمهور في بلبلة سياسية، واختلافات وفي حماس حاد كذلك. لكن كان هذا هو الممكن الوحيد لعملية تغيير سياسي جديد!
إن زعماء الإصلاح الذين قال عنهم المرشد: (إنهم ابناء النظام)، كانوا فعلاً من المستفيدين من النظام وامتيازاته، ولم يجادلوا المرشد في الأهداف السياسية والاجتماعية التي يريدون تطبيقها، فلم يحدثوا التراكم السياسي النوعي الذي يميزهم عن المتشددين، وجادلهم المرشد في المسألة الفنية وهي التصويت وحسابه ولم يعرف لهم برنامجاً مغايراً! مما يشير كذلك إلى صعوبة النمو الديمقراطي في نظام بتلك المواصفات السابقة.
وفي أثناء الصراعات الحادة كان يجرى التركيز في التصويت، وتظهرُ تلميحاتٌ خافتةٌ لأهدافٍ أخرى، وكل هذا يجرى من أجل التغيير المنتظر في إعادة النظر في هيمنة القطاع العام على الاقتصاد، وهو أمرٌ سيجعلُ ذاتَ الطبقةِ هي التي تحكمُ مع إجراءِ تغييراتٍ على الفئة المهيمنة، لا على الطبقة السائدة، فُتستبدلُ بالفئة العسكرية الفئة السياسية – الاقتصادية، ويصعد تجار البازار، ويتغير العديد من جوانب النظام الديني المحافظ!
وهذا كله يجرى إذًا لخطة موسوي، وبدا هو القادر على قيادة النظام وإجراء التغييرات فيه، وهذا لا يعني ان الحرس الثوري لا يستطيع أن يعيدَ تشكيلِ نفسه لمثل هذا النظام الجديد، ويكرسَ صناعاتٍ سلمية وحربية وسلعا تُباع في الأسواق، لكن مستوى التصنيع الإيراني العسكري ليس في المستوى الروسي أو في مستوى التصنيع الصيني السلمي، وهنا الإشكالية لشعبٍ مسلم محافظ لم يتطور لمثل هذه الرأسمالية العامة – الخاصة المتطورة بمستوى الصين أو روسيا، لكنه من جهة أخرى يمتلك تراثاً احتجاجياً نضالياً قوياً!
وقد رأينا المطاردات العنيفة لقوى النظام وتغلغلها في البيوت وضربها الناس، والقيام بالاعتقالات الواسعة، وضرب حريات التعبير والتنظيم، وحراك الإصلاحيين بكل السبل داخل حراك المحافظين، وتنظيم النظام المظاهرات الرسمية وتصعيد العقوبات، ولكن من دون فائدة، فالأزمة متشبثة بعظام النظام، ومع هذا فإن قادة الإصلاح يكررون باستمرار العبارات العامة نفسها ويرفضون المساومة مع ذلك النظام(المجرد) الذي يختلفون معه. لقد تم الهجوم الشخصي على قيادات الإصلاح والمنع للكتب والمحاضرات كما حدث لزوجة حسين موسوي التي تقول عن القضية بذات الشكل العام:
(ونفت رهنورد في حوار اجراه معها موقع “روز اون لاين” المعارض الشائعات التي راجت حول احتمال حدوث مساومة خلف الكواليس بين المعارضة والحكومة الايرانية وقالت: “إننا سنجعل من صدورنا دروعا لتلقي الرصاص، وإننا مستعدون لأي اعتداء أو عملية اغتيال”).
إنها عملياتٌ معارضةٌ اجتماعية وسياسية ماهرة تكتيكياً على مختلف الأصعدة، على صعيدي الحكم والناس، لتمرير مشروع نصف حداثي، ويحافظ على البناء الديني العام، لكنه يزيح كابوساً سياسياً حربياً عن المنطقة.
ولكن السؤال المستمر هل ينجح من دون انضمام قيادات عسكرية إليه؟ وماذا تكون طبيعة هذه القيادات، وكيف يمكن الجمع بين المشروع العسكري والحداثة والديمقراطية في إيران؟ هذا سؤالٌ سوف تجيبُ عليه الفترة القادمة.

صحيفة اخبار الخليج
15 فبراير 2010

اقرأ المزيد

في المسألة الديمقراطية

ليست المرة الأولى التي يجري فيها الحديث عن واقع ان التجارب الانتخابية في غير بلد عربي لا تؤهل القوى المدنية والتحديثية إلى مواقع التمثيل الشعبي. وهي ظاهرة واضحة في البلدان التي ولجت طريق التحول نحو الديمقراطية وأجرت انتخابات بلدية ونيابية انطوت على قدر معقول من النزاهة، حيث إن القوى المحافظة والتي تبدو في الكثير من أطروحاتها على «يمين» الأنظمة الحاكمة هي من يكون له حصة الأسد في هذه الانتخابات بالصورة التي تجعل من توصف بـ “القوى الحديثة” خارج مؤسسات التمثيل الشعبي.
يمكن أن تثار في هذا السياق أسئلة عديدة أخرى من نوع: كيف يمكن التعاطي مع العملية الديمقراطية إذا كانت ستدفع إلى صدارة المشهد السياسي قوى غير ديمقراطية، أو فلنقل قوى تستخدم الديمقراطية مطية لهذا الصعود، وهو أمر قابل لنقاش معمق شريطة ألا يذهب نحو منحى رفض الديمقراطية ذاتها كقيمة إنسانية وكأسلوب في الحكم وفي الأداء السياسي.
إن آلية الديمقراطية ذاتها هي ما يسمح باحتواء مخاطر معاداة الديمقراطية من داخلها، وطالما كانت القوى التي توصف برامجها بالمحافظة أو الرجعية خارج اللعبة الديمقراطية فالأرجح أن هذا يعطي مواقفها رواجاً وجاذبية، خاصة حين تظهر بمظهر الضحية، لكن الاندماج في العمل السياسي من خلال أدوات الديمقراطية، وفي مقدمتها الترشيح والانتخاب للمجالس المحلية والبرلمانية جدير بأن يعقلن خطاب هذه القوى ويدفعه أكثر فأكثر نحو الوسطية والاعتدال.
ولنا في التجربة التركية خير مثال، فتركيا اليوم تحكم من قبل حزب إسلامي ولكنه يحظى بالتقدير داخل وخارج البلاد لأنه يراعي حقائق الوضع السياسي الداخلي والدولي ويتعاطى معه بمرونة وتبصر، ويطور خطابه وأداءه على ضوء إدراك التعقيدات الكثيرة المحيطة بالعمل السياسي.
يبقى أن عجز القوى المدنية أو التحديثية عن أن تجد لها مكاناً في مواقع التمثيل الشعبي هو في الغالب من أعراض هذه المرحلة الانتقالية، لأن أية موجة لابد أن تأخذ مداها كاملاً، ولكي يحدث ذلك عليها أن تضع برامجها على محك التطبيق القرين بأن يكشف محدودية الكثير من هذه البرامج وانسداد أفقها، مما يؤهل قوى الحداثة والمستقبل لأن تحضر نفسها بوصفها بديلاً ديمقراطياً، يقارع عبر الوسائل الديمقراطية ليبرهن أنه قادر على أن يكون فعلاً هو البديل، ليس عبر التعالي على المجتمع وإنما بالمزيد من الانخراط فيه.
وهذا يتطلب بدرجة أساسية تبني القضايا الحيوية للناس، من خلال الدفاع عن حقوقها في حياة حرة كريمة، بإعادة الاعتبار للخطاب المطلبي الذي يتوجه لكل الفئات والطوائف، ويوحد المجتمع كله إزاء قضية عامة مشتركة، كما كان حال نضال الحركة الشعبية يوم كان الناس جميعاً يتوحدون على هذا النوع من القضايا، وعلى هذا النوع من العمل المطلبي العام الذي يعني الجميع، ويشمل الجميع ويتوجه نحو الجميع، وإلى هذا النوع من العمل بالذات تكرست التقاليد الحميدة في تراثنا الوطني الديمقراطي العابر للطوائف وللفئات، الذي يُعلي من شأن القضايا الاجتماعية المشتركة، ويبرز البعد الاجتماعي – المعيشي اليومي الحيوي للناس.
وهذا يعني ضرورة ربط قضية الإصلاح السياسي بقضية الإصلاح الاقتصادي – الاجتماعي، فغاية المشاركة السياسية المنشودة يجب أن تكون إسعاد الناس وتلبية احتياجاتهم.
 
صحيفة الايام
15 فبراير 2010

اقرأ المزيد

يوميات الثورة الخضراء الإيرانية (2)

إن الطابع السلمي والهدف السياسي المحدود لم يمنعا من تفاقم القمع ضد زعماء الحركة الإصلاحية في إيران، وضد الحركة الشعبية.
إن الطابع السلمي استدعى شعار الثورة الخضراء، فهي ليست دموية، لكن استخدام كلمة حركة يبين الأهداف المحدودة، ويشير إلى تغير بناء اجتماعي محدد، وهو ما لم يطرحوهُ كبرنامجٍ واضح، وعلينا أن نبحثَ عنهُ ونكتشفه. وهم ركزوا في الحركة الخضراء لا في الثورة الخضراء، وهو كما قلنا هدف تصعيد القطاع الخاص والحريات المصاحبة لمضمونه.
هو صراعٌ بين جناحي طبقةٍ مسيطرةٍ وليس هو صراعٌ بين طبقةٍ حاكمة ومحكومة، أو بين أغنياء وفقراء، هو صراعٌ بين سيطرةٍ متشددة على السلطة وبين أهدافٍ غير متشددة، بين قطاع عام بيروقراطي، وقطاع خاص مُـقزم، لكن اللغةَ السياسية المعلنة لم تـُظهرْ ذلك بوضوح، لأن هذا الوضوحَ يُخسرُها الطبقات الشعبية المتضررة من صعودِ القطاع الخاص، ومن هنا تتظاهر جماهيرُ القطاع العام، جماهير عمال وموظفي الوزارات، تحت التنظيم الحكومي الدقيق المراقب ضد المتآمرين والمنافقين.
يبين موسوي طبيعةَ الحركة الخضراء بشكلٍ تعميمي قائلاً:
“أعتقد انه من الضروري أن نؤكد انه لدينا في الحركة الخضراء هوية إسلامية ووطنية ونعارض أي هيمنة أجنبية. نحن أوفياء للدستور”، نافياً بذلك أن تكون المعارضة لنتيجة الانتخابات الرئاسية، “تحولت إلى حملةٍ لقلبِ النظام”، الوكالات.
إن المطالبةَ بتغييرِ نتائج الانتخابات كهدفٍ رئيسي للحركة لا يتوجه إلى أهدافٍ أبعدَ من ذلك، رغم الفاعلية الشعبية ورغم مطالب الطبقات الاجتماعية الأخرى التي ساندتْ هذا الجناح من الطبقة الحاكمة.
علينا أن نرى ذلك من دون إسقاطات وتمنيات، فموسوي تحديداً يتوجه لاستمرار النظام “الاشتراكي” الذي يتصوره ولكن مع بعض التحولات الكبيرة التي رافقت زمن إبعاده واختمرت لديه. لقد كان الخيار الروسي “الاشتراكي” في بالهِ حين وسّعَ القطاعَ العام توسعة كبيرة، افادت العمال والفقراء وأفادت بشكل أكبر الرأسمالية الحكومية البيروقراطية التي غدت عسكرية.
وهذا جزءٌ من مسارِ القومياتِ الكبرى في الشرق المشحونة بالشموخ وبرغبةِ الوصولِ إلى مستوى الغرب كالأمتين الروسية والصينية.
في أثناء الأحداث تتكشفُ السببياتُ الغائرةُ للصراعاتِ الاجتماعية المعقدةِ في إيران، فالقطاعُ الخاصُ (البازار) لم يعدْ مشاركا قويا لدعم موسوي، بعد الضربات التي وجهها موسوي له أثناء حكومته، والتي دعت رفسنجاني للصراع معه والعمل على إزاحته كما أسلفنا.
في أثناء العزلة زار موسوي جمهورية “الصين الشعبية” وكانت الزيارة الوحيدة التي قامَ بها للعالم الخارجي، وعملَ مؤسسةً للدراسات تقومُ بأبحاثٍ عميقةٍ في ذات الوقت. في أثناء الحملة الانتخابية طرحَ أولِ مرة في حياته مسألة دعم القطاع الخاص وتوسيعه.
يصفُ التقريرُ الصحفي السابقُ ذكره توجه موسوي بالصورة التالية:
“هو عودة للقديم والحرس القديم من قبل الإصلاحيين لأن موسوي وفي للقديم، حيث شكلتْ قيمُ الثورة وولاية الفقيه وتعاليم اليسار الإسلامي في سياقها التاريخي رأيه ومواقفه السياسية، فهو رغم سكوته الذي استمر خمسة عشر عاماً انتقدَ اقتصادَ السوق والاقتصاد الحر، كما أنه اهتم خلال هذه السنوات بإنشاءِ مركزِ دراساتٍ وبحوث يعمل في نقد الحداثة، مستفيداً من التجربة الصينية في زيارته للصين، وهي الدولة الوحيدة التي زارها”.
إن ما تطرحهُ الكثير من قوى الحداثة حول موسوي واتجاهه للاقتصاد الحر على الطريقة الغربية غير دقيق، ولم تطرح القوى الإصلاحية أي نقد للمشروع النووي الإيراني، ولم تتخلْ عن الوجهة القومية الفارسية الصلبة، فإذاً ما هو الخلاف؟
إن الخلاف هو في مسألة توسيع القطاع الخاص من قبل الإصلاحيين خاصة موسوي الذي صعد إلى الانتخابات الرئاسية بسبب خبرته في إنشاء الاقتصاد والقطاع “العام”، وإحداث بنية جديدة تجري فيها مشاركة واسعة بين القطاعين العام والخاص. إن المركزيةَ الكبيرة للقطاع العام لم تعد مفيدة بل صارت مضرة بنمو الاقتصاد الإيراني وتوسعه وتحوله إلى قوة اقتصادية مناطقية كبيرة. كذلك يبدو ان ثمة اتجاها سلميا هنا، يظهر فقط في الشعارات الجماهيرية التي تدعو إلى عدم الصرف على الحركات المسلحة في الخارج. لكن ليس ثمة برنامج معين للتخلي عن العسكرة تماماً أو عن المشروع النووي وهو أمرٌ يبدو في السكوت كذلك عن الترحيب بالتعاطف الغربي مع النضال الأخضر هذا. وبهذا فإن القوى الليبرالية – الحكومية، ورموزها رفسنجاني وخاتمي وغيرهما أيدت انتصاره في الانتخابات، بعد أن كانت تعارضه كرئيس وزراء، نظراً لهذه التوليفة المنتظرة بين القطاعين، وبين القومية والحرية، بين نظام ولاية الفقه وبين التعايش السلمي مع الغرب والشرق، في حين يمثل نجاد الوجه الحاد الأقصى لهذا كله.
لكن دخول القطاع الخاص سيكون دائماً عبر خضوعه لأهداف القطاع العام، ولابد أن تجرى في عملية هذا التحول تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة كذلك، بأن يحدث انفتاح وبعض الحريات في نظام ولاية الفقيه، أي أن يكون رئيس الجمهورية الأخضر مختلفاً بعض الشيء عن رئيس الجمهورية العسكري المحافظ، ولا يمكن توسعة القطاع الخاص من دون الحريات والانفتاح وهو ما يمثل إضعافاً للتشدد الديني.
إن الاهتمام بالتجربة الصينية الجامعة بين القطاعين العام والخاص في نظام شمولي من قبل موسوي ليس إذاً مصادفة.

صحيفة اخبار الخليج
14 فبراير 2010

اقرأ المزيد

إنقاذ طيران الخليج.. ما العمل؟!

لا شك أن القرارات الرسمية التي تم الإعلان عنها مؤخرا والمتعلقة بإنقاذ ناقلتنا الوطنية، تعتبر في حد ذاتها خطوة هامة بل ومصيرية أيضا بالنسبة لمستقبل شركة بحجم ومكانة ورمزية شركة طيران الخليج وذلك بالنظر إلى أهمية الشركة لاقتصادنا الوطني، وما يجعلها هامة ومصيرية أكثر هو ربطها بمستقبل وحقوق الموظفين والعاملين في الشركة، حيث كان ذلك واضحا من خلال توجيهات صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس التنمية الاقتصادية بالدعوة لإنقاذ الشركة وحماية الموظفين والعاملين فيها وذلك انفاذا لتوجيهات عليا من قبل جلالة الملك. وبقدر ما تسعدني تلك الخطوات المتسارعة لإنقاذ الشركة، فان الضرورة تحتم على الدولة ضرورة مراجعة كافة السياسات التي حكمت أداء ومسيرة طيران الخليج طيلة أكثر من ستين عاما من تاريخها الحافل بالانجازات والإخفاقات، وهي كثيرة، فواقع الحال يخبرنا أن أي مشروع يرتجى منه إعادة بناء ناقلتنا الوطنية بعد ما مرت به من نكسات ومصاعب، لابد له أن يدرس جيدا من كافة جوانبه، فالشركة التي توظف ما يربو من 5000 عامل وموظف جلهم من البحرينيين، هي صرح مكين في بنية اقتصادنا الوطني، وتسهم بحسب رئيسها التنفيذي السيد سامر المجالي بنحو 800 مليون دولار سنويا في الاقتصاد الوطني، يجب أن لا تخضع عملية بنائها المأمولة استنادا لقرارات سياسية فقط، رغم أنها مطلوبة في هذه المرحلة العصيبة من تاريخها، وفي ظل أوضاع اقتصادية ومالية عالمية بالغة السوء، والأهم هو أن تخضع خطوات وبرامج إعادة البناء هذه لمعايير شفافة واضحة، مختلفة عن كافة المعايير والإجراءات المجربة من قبل مجالس إدارة وإدارات تنفيذية تعاقبت على الشركة لعقود طويلة، ولم تزدها إلا تراجعا ومديونية عالية هي اليوم عبء ثقيل على الدولة واقتصادها، ولها انعكاسات مباشرة على الموظفين وأسرهم، وهنا نقول إن مجرد الحديث عن الإخلاص لم يعد معيارا ناجزا، لشركة أصبحت تستنزف ما يربو على المليار دينار سنويا من خزينة الدولة، وتخوض منافسة محتدمة مع شركات خرجت معظمها من عباءتها، مما يحتم ضرورة التفكير في إداراتها بشكل مغاير، ولكنه يجب أن يقوم على قواعد راسخة من الكفاءة والمهنية والحرفية والنزاهة، وذلك كفيل بإيصالها للربحية، وان يتحقق لها الاستقرار وللعاملين فيها الأمان والطمأنينة، مما يعني معه الإقرار أن من مجرد رصد الميزانيات الضخمة لوحده حتما لن يكون كافيا، إذا لم يقرن ذلك بخطط تكفل استدامة النجاح، بحيث توضع كافة اشتراطات النجاح والنزاهة والجودة والتوسع أو حتى الانكماش المدروس سلفا في كل خطوة وسياسة وقرار مستقبلي يتم اتخاذه.
انه لمن المفيد حقًا أن تتم مراجعة تلك السياسات التي أوصلت الشركة إلى ما هي عليه، ليس بدافع تحقيق المساءلة وقد فات أوانها بعد تعاقب العقود والأزمان، وبعد سنوات من الضياع لشركة كانت يوما عنوانا لاقتصادنا الوطني وحتى للاقتصاد الخليجي برمته، ولكننا لن نبكي على اللبن المسكوب كعادة من يجترون الفشل لأنهم لا يتقنون طريق النجاح، فطريق النجاح بات معروفا وبالإمكان أن يسلك، شريطة الابتعاد بالشركة عن كل ما لازمها من فساد ونهب وتدمير عبر حقب مختلفة من تاريخها، ونضع أيدينا مع الحكومة ومجلس التنمية الاقتصادية لإنقاذ هذا الصرح الوطني، لإعادة بناءه على أسس أكثر فاعلية ونجاح، ليسهم في دفع عجلة التنمية مع بقية مؤسساتنا الوطنية الأخرى، ونرجو أن يكون ما يتم تداوله من تسريبات حول التوجه لخصخصة الشركة مستقبلا أمرا مرفوضا، فليس من الحكمة أبدا العمل على إصلاح أوضاع الشركة توخيا لخصخصتها لاحقا، بل أن يتم التمسك بالشركة لتكون داعما رئيسا لعجلة التنمية على أسس وتوجهات وطنية مخلصة، دون أن نسمح البتة بأن تكون كما كانت سابقا بقرة حلوب، وهناك الكثير من البدائل الممكن دراستها عوضا عن الخصخصة، لا يتسع المجال هنا لذكرها، فطيران الخليج يجب أن تكون موردا ماليا مهما، بالإضافة إلى ما تقدمه من إسهام وقيم مضافة للاقتصاد الوطني، عبر تحريك العديد من المؤسسات والأنشطة الاقتصادية والتجارية، ولن يتم ذلك إلا عبر التوظيف الأمثل للكفاءات والخبرات التراكمية التي أنتجتها الشركة وصناعة الطيران في العالم، وقد آن لها أن توضع في مكانها المناسب لتوظف توظيفا منتجا ومسئولا في خدمة أهداف عملية إعادة بناء هذا الصرح الوطني الهام.
 
صحيفة الايام
14 فبراير 2010

اقرأ المزيد

ذكـرى تتجـدد

أعظم ذكرى تلك التي تتعرض للبداية والتأسيس وهي ذات معانٍ كبيرة والتي انبثقت منها قوةً تمددت عبر التاريخ والجغرافيا ولم يتمكنوا من إجهاضها.
أين لنا ذلك الشخص الذي حضر الأيام الأولى للتأسيس حتى يروي لنا ويسجل ما نحن متعطشون لمعرفته. إن 15 فبراير الذي يتجدد كل عام ونحن في ذكراه الخامسة والخمسين لم نكن قادرين في السنوات الماضية على الاحتفال به إلا باسم عيد الحب في مجموعات قليلة إلى أن أصبح بإمكاننا الوصول إلى مرحلة الاحتفال بحرية وعلانية, إنه يتجدد كل عام يحمل لنا وللأجيال كيف أن فئة مناضلة استطاعت رغم القمع والاضطهاد والتخلف الاجتماعي أن تضع ذلك الأساس البسيط الذي امتد خلايا في كل الأنحاء. صحيح أن فئات عديدة لم تقوَ على مواصلة الطريق بفعل الإرهاب والملاحقة إلا أن فئات أخرى كانت تستلم الراية وتواصل العبور عبر الزمن وهذا بفعل الفكر الصائب الذي امتدت جذوره داخل الأرض.
 
يقال أن هندرسون أقام حفلاً عام 1969 بمناسبة ما أسماه القضاء على جبهة التحرير ولكن هل انتهت مهمته تلك؟ أبدا، ظل يصارع هو وجهازه أعواماً طويلة أثمرت لجبهة التحرير جماهيرية واسعة فأين ما تمد بصرك تلاقي فعلها في المجتمع، ففي مجال الصحة تجد أطباء تعلموا في الخارج في زمن لم يكن هؤلاء يملكون القدرة على تعليم أنفسهم وهذا مجرد مثل فهناك المحاماة وغيرها من مهن كثيرة حتى الذين لم يحصلوا على شهادات عادوا وفي جعبتهم مستوى ثقافي ميز فيهم وعي ومعرفة بشؤون الحياة .
 
قدمت الجبهة طوال سنوات النضال التضحيات الكثيرة واستشهد من رجالها تحت التعذيب أشخاص أصبحوا رموزاً لهذا الشعب إلى جانب من سُطرت أسماؤهم كشهداء في تاريخ البحرين.
في أزماننا الكثيرة كانت تتعرض الجبهة إلى ضربات موجعة، لكن العمل السياسي يستمر، فالقواعد تعمل بشكل طبيعي، ففي عام 1969 قيل إن الجبهة أصيبت 
  
  بضربات كثيرة على كافة مستوياتها بما فيها الموجودة في المنطقة الشرقية من السعودية ومن بعدها الموجودة داخل البحرين، لكن العمل كان متواصلاً، وكنا نتصرف وكأن الجبهة لم يصبها الأذى وعندما جاءت انتخابات المجلس الوطني أصيبت السلطة بالهلع لأن هؤلاء الذين أُجهز عليهم كما تظن السلطة؛ يتصرفون وكأن ما حدث من الأمور العرضية. وعلمتنا الأحداث بأن كل شي متوقع ولهذا لم نُصدم، وبالعكس، فكثير ممن التحقوا بنا نبهتهم هذه الضربات والاعتقالات، طلبوا المشاركة.
 ولأن التثقيف والتثقيف الذاتي أساسي داخل الاجتماعات، فإن كثيرين وجدوا أن الجبهة ليست فقط منظمة سرية، لكنها مدرسة حزبية في العمل السياسي وكانوا يرونها مدرسة يتعلمون فيها. وعندما نزلنا الانتخابات أكدنا على إننا منظمة تريد الخير للوطن وأن السلطة كلما استجابت لمطالبنا كان هذا أفضل للمجتمع.

عندما نتذكر شهداء الوطن لا ننسى مئات بل الآلاف الذين دخلوا السجون والذين تضرروا نفسياً وجسدياً سواء كانوا من مناضلي الجبهة أو من العناصر الوطنية الأخرى، وإن مطالباتهم المستمرة كان حصيلتها هذه المعاناة التي نلمسها في وجوه وأجساد الكثيرين.

ما الذي يدعو سلطة قوية وجهاز مخابرات يديره ضباط بريطانيون يستمدون قوتهم من قوة دولتهم، ما الذي يدعوهم إلى نفي شباب في العشرين من أعمارهم إلى جانب أشخاص أكبر منهم سناً عام 1969 لولا إنهم يعرفون أن قوة الجبهة في تمسك رجالها وشبابها بمواقفهم وبأفكارهم و ببرنامج عملهم التنظيمي المعلن.

لم نجد الفرصة للاحتفال في السابق بسبب القمع المتصل والمتواصل وعندما حدث التغيير وحلت الفرصة وجدنا أنفسنا في وضع لم نكن نتمناه، فالتيارات التي سيطرت على الساحة السياسية ليس في البحرين فقط بل في أنحاء العالم هي تيارات رجعية ونحن الآن أمام تحدِ جديد ينبع من الفكر. فكر متخلف يخدع الجماهير ويسيطر على عواطفها ويندفع بها إلى لا شيء، وقسم كبير منه متحالف مع السلطة. وهذا لا ينسينا أبداً أن السلطة وإن تخلت في الظاهر عن أسلوبها القديم فهي تمارسه بأساليب كثيرة وقد تعود إليه بين فترة وأخرى.

إن انتقالنا إلى العمل العلني هو مفخرة تلك التضحيات وإن كنا لم نعطيه الزخم المطلوب حتى الآن .

اقرأ المزيد