المنشور

صراع الدولتين المدنية والدينية في إيران ( 1- 2)


بخلاف التطور الاجتماعي في الدول الإسلامية عرفت إيران تأسيس حكم المذاهب الإمامية للدولة بعد قرون من انتشارها وتعدد صورها، فجاءتْ الدولةُ تتويجاً لهذا التطور، لا أداةً من أدواته، ولهذا فإن المجتمعَ عرف ثنائية السلطتين السياسية والدينية.

وتعبر السلطتان عن هيمنة الإقطاع بأشكالهِ الزراعية والسياسية والدينية، مثل بقية الدول العربية والإسلامية في القرون الوسطى. لكن في ظل إيران كانت السلطةُ الدينيةُ ذاتَ شبكاتٍ اجتماعية مقاتلة على مرِ العصور المكونة لاستقلال (الأمة) الفارسية، فكان (الجوهرُ) هو التضافرُ الشيعي – الفارسي، لا يَغلبُ أحدٌ من عنصريهِ المكونين، بسببِ النمو التاريخي السببي الاجتماعي، لكنه ظهرَ على صعيدِ الوعي وكأنه فعلٌ سماوي، فالتحم نضالُ الأئمةِ ومريديهم على الأرض باستقلالِ شعبٍ ونضاله، وبأعماله وتقدمه، وبرز تناقض بين السلطتين حين بدأ العصرُ الحديث واتجهتْ السلطةُ السياسية لمظاهر الحداثة المختلفة، وأخذت تكونُ لنفسِها ايديولوجيا غيرَ مطابقةٍ لمؤسسات رجال الدين.

كانت بذور التحديث موجودة لدى النادرين من فقهاء الشيعة، فظهرت آراء ديمقراطية لدى بعضهم من بداية القرن العشرين متداخلة مع الثورة المشروطية.
إن الحراكَ السياسي – العسكري للدول أسرع من الحراك الفكري الاجتماعي، وإذا لم تكن ثمة قيادةٌ موحدة لضبطِ إيقاعِ الأمة على الجانبين الرئيسين، نظراً لتضاربِ المصالح بين أقسامِها الإجتماعية، تحدث عملياتُ الصراعِ غير المنضبطة وغير العقلانية.

اتخذتْ الدولةُ البهلوية أساسين لوجودِها السياسي: الأساس الديني المذهبي، والأساس القومي الفارسي القديم. وهي عمليةٌ مزودجةٌ تعبرُ عن هشاشةِ وجودِ الدولةِ القومية وعدم تحضرِها الزمني، وعن ركوبِ العسكريين فوق صهوتِها بسرعةٍ شديدة جرحتْ لحمَها الطري. وظهر ذلك في محاولةِ رضا شاه الملك سنة 1925 بفرضِ الديكورات التحديثية على الناس، وإلزامهم بثياب معينة وخاصة إلزام النساء بملابس (الحداثة) مما سبّب ثورةً دامية!

فكانت الظروفُ مغايرةً بين الأمتين التركية والفارسية، وعملية النقل التحديثية الكارتونية للكاربون الأتاتوركي تلك تعبر عن الهشاشة في وعي جهاز الدولة الفارسي العسكري، ولكن من جهةٍ أخرى تعبرُ عن عاصفةٍ قادمة كاسحة خطيرة، لم تكن الأمةُ الفارسية على مختلف الأصعدة موحدةً تجاهها!

وتصاعد الأساسُ القومي وبرزت له مؤسسات تحديثية، ولم يعد التعليمُ الديني هو التعليم الوحيد كما كان الأمر سابقاً، وتطور التعليم المدني تطوراً واسعاً على حساب التعليم الديني، وأخذت الدولة تنتزعُ العديدَ من سلطات رجال الدين، وتُدخلُ مظاهرَ الحياة الحديثة في الكثير من مظاهر الحياة، وتغلغلت الصناعات والبضائع والمواد الثقافية الأجنبية وخاصة الغربية في المجتمع بشكلٍ واسع.

والدخول (البريء) للسلع ليس مضراً إذا لم يكن تصادمياً مع قوى الإنتاج المحلية، وهو لا يُشعر به في البداية لكن انهمار السلع وتحول إيران إلى سوق بضائعية مفتوحة من دون حمائية اقتصادية أمرٌ مقوض، كذلك فإن السلع الثقافية تقوم بإزاحة موروث عريق، وتجعل المنتجين الثقافيين من دينين وعصريين، مستهلكين مشترين مسلوبين.

إن تحول بلد قديم كبير منتج إلى سوق تابعة للرأسمالية الغربية يؤدي إلى انهيار إنتاجه الحرفي وهو أساسُ اقتصاده القديم، وهو أمرٌ لاحظناه في صرخةِ المثقف الإيراني جلال آل أحمد ضد التغريب، والمقصود بها حماية الإنتاج المحلي بشكليه المادي والثقافي.

لكن لم يكن الصدام بين إيران والاستعمار الغربي كبيراً أو مدمراً كما كان الأمر لدى شعوب أخرى كالجزائر وفيتنام عادت علاقاتها مع الغرب بسهولة نسبياً، فحتى الاحتلال لم تذقه بشكل مؤثر، فلماذا هذه الحدة الكبرى؟! ولماذا هذه الحساسية الكبيرة تجاه الهيمنة الأجنبية؟! علينا أن نقرأ المواد السياسية والفكرية والاجتماعية لنرى هذه الدراما المأساوية.

إن الهشاشة والفجاجة التحديثيتين للشاه الأب لم تكن تقارن بالشاه الابن، فقد تفاقمت سلطته بشكل كبير عبر تدفق فوائض النفط، وغياب أدوات الرقابة، والنمو الهائل لرأسمالية الدولة، التي كانت مجموعات من الشركات الكبرى لعائلة الشاه ولأصدقائها، والمتجهة لإنتاج نفطي احادي مع بذخ واسع وقوى عسكرية هائلة فدخل في مواجهة حادة كبرى ضد ما هو قديم ومتدين في إيران!

صحيفة اخبار الخليج
22 مارس 2010

اقرأ المزيد

«الرباعية».. وساطة سلام وسط طبول حرب

جرت وتبدلت مياه كثيرة في الشرق الأوسط منذ أقر العرب في قمتهم الرابعة عشر في 27 – 82 مارس/ آذار 2002 خطة السلام العربية للتسوية في الشرق الأوسط بمبادرة من ولي العهد السعودي، الملك الحالي عبدالله آل سعود. لأول مرة أجمع العرب على خطة مشتركة للتخاطب مع العالم حول قضاياهم، وأهمها القضية الفلسطينية. غير أن العرب سرعان ما تخلوا عن مبادرتهم بالكامل لصالح مقترحات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش التي قدمها في نفس العام حول التسوية النهائية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة حتى العام .2005 وقد لقيت مقترحات بوش تأييد الرباعي المشكل من أميركا، روسيا، الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي. وفي 30 أبريل/ نيسان طرحت الرباعية ما سمي بخارطة الطريق التي أكدت على التسويات المرحلية وصولا إلى النهائية أيضا حتى العام .2005 وقد وافق عليها الطرف الفلسطيني كلية، أما الإسرائيلي فأيدها عموماً، محتفظا بحق إدخال تعديلاته مع سير المفاوضات. وفي 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2007 طرح الرئيس محمود عباس لأول مرة مطالب الفلسطينيين للتسوية بشكل محدد، وذلك بانسحاب إسرائيل التام من الأراضي المحتلة العام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة بمساحة تغطي 6205 كلم مربع. وتوالت الأحداث حتى مؤتمر أنابوليس الذي اتفق بنتيجته عباس وألمرت على استئناف المفاوضات بينهما على أساس خارطة الطريق. غير أن خارطة الطريق نفسها تلاشت وحلت محل العملية السلمية حروب: فلسطينية – فلسطينية وإسرائيلية – لبنانية وإسرائيلية فلسطينية بدعم أميركي قوي لإسرائيل. ومنذ مجيء الليكود بزعامة ناتانياهو في 31 مارس/ آذار 2009 لم تستأنف مفاوضات السلام رغم الحديث الأميركي عنها.
بدا واضحاً أن الأوضاع الحالية قد أبعدت احتمالات عقد مؤتمر موسكو حول التسوية في الشرق الأوسط الذي كان قد اقترحه منذ العام 2005 الرئيس الروسي ف. بوتين آنذاك من أجل أن تسهم موسكو بثقل في إحداث تغيير إيجابي جدي في مسار عملية السلام. وللعودة إلى فكرة المؤتمر بادرت روسيا إلى دعوة ‘’الرباعية’’ للقاء في موسكو يوم الجمعة الماضية في وقت بدا فيه التوتر في المنطقة على أشده. كانت ممثلة الاتحاد الأوروبي كاترين إيشتون قد وصلت إلى موسكو قادمة من غزة. وحسب كلماتها فإنها تحمل إلى لقاء ‘’الرباعية’’ تفهم ضرورة الإسراع في فك الحصار المضروب حول الفلسطينيين. مساء الخميس بحثت هيلاري كلنتون هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو ‘’الخطوات الملموسة التي يمكن اتخاذها لتحسين ظروف التقدم نحو السلام’’. لم تمض ساعات على حديثها حتى وجه الطيران الإسرائيلي ضربات جوية لما لا يقل عن ستة أهداف في قطاع غزة. وقال المعتدون الإسرائيليون إن هذه الغارة جاءت رداً على القصف الصاروخي للمناطق الجنوبية الإسرائيلية انطلاقاً من أراضي غزة صباح الخميس.
غير أن أصل تصعيد التوتر يعود إلى إعلان الإسرائيليين نيتهم بناء 1600 وحدة سكنية للنازحين اليهود في القدس الشرقية أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي بايدن إلى المنطقة، والتي أكد فيها على ضرورة بدء المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية غير المباشرة. وكان ذلك بمثابة فتيل صاعق أشعل موجة احتجاجات فلسطينية تنذر بانتفاضة قادمة تحاول الشرطة الإسرائيلية قمعها بالقوة. وقد اعتبر الأميركيون هذا الإعلان إهانة لهم، وشبَّه السفير الإسرائيلي في أميركا م. أورين الخلاف الحالي بأزمة العام ,1975 عندما طلب وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر من رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين أن يسحب قواته من شبه جزيرة سيناء. لكن الأميركيين هذه المرة سرعان ما بلعوا ‘’الإهانة’’ بعد تحرك منظمة الإيباك الصهيونية في أميركا. عاد الأميركيون للتأكيد على متانة العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
أدانت الرباعية قرار إسرائيل بالتوسع الاستيطاني واعتداءاتها على غزة وحصارها ضد الفلسطينيين. لكن الواضح هو أن الإسرائيليين لا يريدون تنفيذ مطالب ‘’الرباعية’’ بوقف البناء، وأن التراجع الوحيد الذي يقدمونه هو فقط إصدار وزير الدفاع إيهود بارك عشية لقاء ‘’الرباعية’’ أمره بفك الحصار المضروب على الأراضي الفلسطينية منذ 12 مارس/ آذار الجاري، وإلغاء التحديدات المفروضة على زيارة المسلمين للقدس القديمة.
حاول وزير الخارجية الروسي لافروف إرسال رسالة جدية من موسكو قائلاً ‘’ينص إعلان موسكو بوضوح على عدم جواز أية أعمال انفرادية يمكن أن تؤدي إلى اعتراض اتفاق الأطراف ذاتها حول مسألة الوضع النهائي’’، ‘’نحن على قناعة بأن الجميع في إسرائيل سيسمع وسيفهم هذا على النحو الصحيح’’. كما شدد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على أن المجتمعين في الرباعية أكدوا من جديد عزمهم الاستمرار في التشاور من أجل عقد مؤتمر موسكو للشرق الأوسط في الظرف المناسب تمشيا مع استئناف الطرفين المعنيين المفاوضات المباشرة بينهما. لكنه لم يضرب موعداً محدداً لذلك. وقد أُعطي الإسرائيليون والفلسطينيون مهلة 24 يوماً من أجل استئناف المفاوضات. ودعا البيان كل المجتمع الدولي إلى مساعدة الفلسطينيين في بناء دولتهم المستقلة.
رغم كل انتكاسات عملية السلام يوجد هناك من يساعد العرب على تحسين شروط تفاوضهم شريطة أن يوحد الأخوة الفلسطينيون صفوفهم، وأن يتوحد العرب في موقفهم من جديد، داعمين لأشقائهم الفلسطينيين من أجل انتزاع حقوقهم المشروعة في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم الوطنية المستقلة، ومن أجل إحلال سلام عادل ووطيد في المنطقة.
 
صحيفة الوقت
22 مارس 2010

اقرأ المزيد

فؤاد زكريا

لا يمكن كتابة سيرة النهضة الثقافية والأكاديمية في الكويت في عصرها الذهبي الذي تلى مرحلة الاستقلال وإقرار الدستور، دون الوقوف أمام اسم الدكتور فؤاد زكريا الذي كان علماً من أعلام جامعة الكويت، وممن تركوا بصماتهم القوية في مشروع النشر الثقافي العربي الطموح الذي ميز الكويت حتى اليوم، من خلال الدوريات وسلاسل الكتب التي تصدر عن الجامعة وعن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
في تلك الفترة استقطبت جامعة الكويت نخبة من خيرة الأكاديميين ومفكري التنوير في مصر بشكلٍ رئيسي، وكان اسم أستاذ الفلسفة فؤاد زكريا في مقدمتهم.
لم يكن فؤاد زكريا يُلقن طلبته النصوص الفلسفية، وإنما كان على التفكير الحر يحرضهم ويدربهم، فيبدأ محاضراته مخاطباً طلبته بالقول:»لا تعتقدوا أني أُعلمكم الفلسفة بمعنى المذاهب والمدارس والأفكار التي يزخر بها تاريخها، إنما أُعلمكم التفلسف، فكروا بأنفسكم، قفوا على أقدامكم».
هذا ما ينقله عنه زميله الدكتور عبدالغفار مكاوي، وهو يكتب عنه، ضمن مجموعة من الكتاب والباحثين، احتفوا به في عددٍ من مجلة «إبداع» كرسته للاحتفاء بزكريا الذي يحمل فوق كتفه سنواته الأربع والثمانين، دون أن يفقد يقظة الذهن وحيويته، رغم أن المرض والسن أقعداه عن الكتابة.
وسبق لزكريا أن كتب مرثية للتنوير، تعبيراً عن خيبة أمله لما آلت إليه الأمور في العالم العربي، هو الذي خاض السجالات الفكرية، انتصاراً لحرية العقل، ومن أجل إشاعة الحس النقدي، داعياً لتأسيس لثقافة الحوار الحر القائم على التسامح والاختلاف والاحترام المتبادل للرأي والرأي الآخر.
تمكن فؤاد زكريا من الفلسفة، من تاريخها ومادتها ومناهجها ومدارسها، وهو تمكنٌ لم يبلغه إلا القلة من الأكاديميين في عالمنا العربي، وعلى يديه تخرج العديد من أساتذة الفلسفة في مصر والكويت وسواهما من البلدان العربية، ونجح فيما لم ينجح فيه إلا القلة أيضاً، وهو تلك البساطة الساحرة في لغته، البساطة العميقة، مهما بدا هذا التعبير منطوياً على مفارقةٍ ما.
وهو صدر مقالته في مجلة «الفلسفة والعصر» في عام 1999 عن الوضوح والغموض في الكتابة بمقالة لأحد أساتذة الفلسفة الكبار فحواها: «كل ما يمكن أن يقال على إطلاقه يمكن أن يقال بوضوح»، وفؤاد زكريا في هذا ينبذ ما يدعوه الغموض المتعمد الذي لا ينم، في تقديره، إلا عن عدم إلمام المتحدث بما يتحدث عنه.
فؤاد زكريا المحرض على مرض اسمه الطاعة يهيمن على الأذهان العربية، فيسلب من أصحابها روح السؤال والشك والتمرد، ويعودها على الخنوع والاستكانة والتماثل مع السائد، والذي وضع، بأجرأ واوضح ما يمكن ما وصفت بـ «الصحوة الاسلامية» في ميزان العقل فحاججها بقوة المنطق لا بمنطق القوة، غفا غفوته الأخيرة ورحل عن دنيانا التي ستخلده فيها أعماله، التي لا يعنيها أن تشيع سكينة السكون والجمود، وإنما تشعل الأدمغة بأسئلة المعرفة التي لا ضفاف لها.
 
صحيفة الايام
22 مارس 2010

اقرأ المزيد

الوزير.. والغسيل



 

تابعت البلاد – بشغف – تفاصيل قضية الوزير المتورط في غسيل الأموال، لا تشفياً في الرجل ولا بغضاً لذاته؛ بل لأن الشعب المكتوي بالفساد يتوق لأخبار تبث فيه الأمل.. لاسيما أن السنوات الماضية ضجّت بتصريحات نارية وتلويحات وتنديدات قاسية بالفساد سمعنا منها الجعجعة ولم نرَ الطحين.. ما أدى إلى انحسار الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة الرقابية وجديتها في التعاطي مع تلك القضايا..!

أنباؤنا الخاصة تفيد بأن القضية بدأت بالقبض، في أوقات متباينة، على مجموعة من «صغار مبيضي الأموال» الذين تردد اسم الوزير في اعترافاتهم بوصفه «مسهلاً لعمليات التبييض»، كما انتهت خيوط تحقيقات عدة عنده، ولكن السلطات تمهلت في الأمر لعام كامل اكتفت خلاله بالتصنت والمراقبة والمتابعة. ولكن عملية تبييض كبيرة – تتراوح بين 12 و15 مليوناً – قد سرّعت الوتيرة، لاسيما بعد أن تعاونت أجهزة أمن دولية – وفقاً لوكالة الإنباء الألمانية – مع البحرين في الكشف عن النشاط المشبوه للوزير.

بالطبع، المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. ولكننا في حالات كهذه نفترض أن السلطات الأمنية ترددت – 12 مليون مرة – قبل الإقدام على خطوة كهذه.. وبغض النظر عن ذلك، كم طال الأمر علينا أن نحيّي قسم الجرائم الاقتصادية على يقظته وجهوده.. فعمليات التبييض طغت على السطح بشكل فاحش في الآونة الأخيرة.. وتحوّل كثير من الحفاة إلى أصحاب ثروات بين ليلة وضحاها.. لاسيما بعد أن ضُيّق الخناق في الغرب على الأموال المغسولة فأصبحت دول العالم الثالث قبلة طالبي «الغسيل»..

نريد أن نكون متفائلين، وسنزعم أن السابقة الجريئة باستجواب وزير وتفتيش مسكنه ومكتبه هي أول الغيث.. وسنرفع الأكف متضرعين أن تطال الخطوات المقبلة ذوي الدماء الزرقاء أيضاً.. «فشفط الأموال» لا يقل خطراً عن غسلها.. وأخطر أنواع الفساد هي المتعلقة بخطف اللقمات من أفواه الشعب لصالح فئة محدودة.. في البحرين تم السطو على أراضٍ وسواحل وأموال عامة نريد أن نسمع – يوماً – عن استهداف سارقيها.. ولكي لا نوصف بالجشع نريد – على الأقل – أن نسمع عن استعادة ما أخذوه ولو «بالطيب وحب الخشوم»!

مشكلتنا الأم في المملكة اليوم أن الفساد اكتسب مقبولية اجتماعية.. الصحافة تطرح – بالتلميح والتصريح – قضايا يومياً، تقرير الرقابة المالية السنوي – رغم طرحه الخجول – يطرح مؤشرات تستدعي التمحيص. النواب يقعون كثيراً على مكامن فساد.. وعليه فبؤر الفساد – كما ترون – مفضوحة، ولكن القبضة الحديد تطال الصغار دوناً عن الكبار.. في البلاد هناك 3 شرايين تنزف مالاً عاماً.. النفط الذي لا يقف أحد على حجم مبيعاته وحجم رفده لخزينة الدولة.. والأراضي التي تسحب من هذا وتمنح إلى ذاك وتُسجّل وتقسّم وتباع من دون ضوابط، والمناقصات الحكومية التي هي بئر لا قرار له.. في الأمس القريب سمعنا وزير المالية يقول مخاطباً النواب «لا يوجد من يحمي الفساد، وأي نائب لديه دليل على فساد فلنذهب معاً إلى التحقيقات ونقدم الأدلة ضده للنيابة العامة».. مشكلتنا اليتيمة مع هذا التصريح أنه ألقى بمسؤولية الإثبات على العوام.. في بقاع عدة من العالم تستطيع – بكبسة زر – التحرّي عن بيانات شخص وسجلاته الإجرامية ووظيفته وممتلكاته التجارية والعقارية وغيرها.. أما في البحرين فكل شيء ولا وسيلة رسمية لمعرفة عنوان شخص – ناهيك عن بياناته الشخصية والمالية.. وذلك للأسف يسري حتى على الإعلاميين النواب الذين تمنع عنهم حتى كشوف بأسماء موظفي الوزارات!

المُراد..

نريد أن نقول «ما قصرتوا» إنما كرروها وعلّوا وتيرتها.. البحرين سجّلت تراجعاً في مؤشر الشفافية للعام ,2009 وهناك حالة من التذمر الشعبي من شيوع لتجاوزات والإفلات المستمر من العقاب.. وإن كانت تحقيقاتكم أعطتكم خيوطاً للوزير.. فهناك مئات الخيوط التي توصلكم إلى سواه.. إنْ كنتم راغبين..

الوقت 21 مارس 2010

اقرأ المزيد

عاشق السكسفون… يرحل دون سكسفون


رن جرس الهاتف وكان على الخط أحد الرفاق من جبهة التحرير وقال بصوت متهدج دون مقدمات: «عبدالله هل تسمعني؟ مجيد مرهون عطاك عمره، والدفن في مقبرة المنامة بعد صلاة العصر».

انتهت المكالمة. ولا أعرف كيف مر الوقت منذ الثانية عشرة والنصف حتى وجدت نفسي وحشودا من الناس في المقبرة، ربما معظمهم من رفاق مجيد مرهون، وعدد ربما يوازيهم من فريج «سنككي» مسقط رأسه.

في البحرين استطاعت جبهة التحرير الوطني البحرانية، أن تستقطب الفئات المعدمة والمسحوقة مثل العمال في شركات الإنشاء والبناء، والنفط، وكان مرهون أحد هؤلاء العمال، إذ يعمل ميكانيكيا تحت التدريب في المدرسة التابعة للشركة «بابكو». كان بوب هو رئيس قسم الاستخبارات (C.I.D) وهو الذي يقود عملية المداهمات لبيوت المطلوبين للقبض عليهم. كما حصل للأخ رفيق الدرب الطويل المناضل أحمد الشملان، وشاكر عقاب، وراشد القطان في أبريل/ نيسان 1965 في فريج البوخميس بالمحرق، حيث كانوا يختبئون في ذاك البيت (المخبأ).

وهو الذي جاء إلى بيتنا في التاسع من ذلك الشهر ومعه عدد من المخبرين وكسروا الباب لأنني أحكمته من الداخل بـ (الدنجل) وجذوع النخل، وتمكنت من الهرب عبر سطوح منازل الجيران.

وفي عام الانتفاضة المجيدة (1965) احتجاجا على شركة النفط لتسريحها الدفعة الأولى (400 عامل)، وتم الإجهاز على الانتفاضة باعتقال ما لا يقل عن (2500) مواطن من كل أنحاء البحرين، مدنها وقراها، وكان الاسم الأبرز في حملة الاعتقالات هو الضابط الإنجليزي المعروف بـ (بوب)، الذي كان يتحدّث بصوتٍ عالٍ وسخرية وتحدٍ قائلا: «البحرين ما فيها رجال».

في 12 مارس/ آذار 1966، دوى انفجار عند دوار القلعة في سيارة من طراز هلمن وكان الضحية هو بوب. وبعدها ببضع دقائق دوى انفجارا آخر استهدف جلادا آخر من جنسية عربية يدعى (أ. م).

بعد ستة أشهر من انطلاق انتفاضة مارس 65 تم فرز المعتقلين الذين قارب عددهم 2500، وتم تصنيفهم وإطلاق سراح معظمهم. وبقينا 35 معتقلا في جزيرة جدا موزعين على سجن بيت الدولة، والسجن الرئيسي لزنازن الجنوبية وجبل السعودية.

شاكر عقاب كان في زنزانة العقاب رقم 1 والتي قضى معظم فترة سجنه فيها لنشاطه خلال انتفاضة مارس ومسئوليته مع عدد من عناصر الحركة عن إحراق 21 حافلة من حافلات شركة النفط وهي متوقفة ليلا في «كبون» الشركة (مطعم ديري كوين بالقفول حاليا). ولكون زنزانته قريبة من «اللنكر» (المطبخ والخباز)، فقد كان مصدر الأخبار القادمة من القلعة والديرة، وكان يسربها لبقية السجناء السياسيين، بطريقة الدندنة والغناء، بحيث لا يفهمها رجال الشرطة الذين لا يجيدون العربية.
في صباح ربيعي جميل نشم رائحته عبر كوة الزنزانة في جزيرة جدا، سمعت من خلف زنزانتي رقم (2) جلبة صوت قيود السجين جاسي، فقد تعودنا على تمييز (مشية) بعض الجنائيين من صوت القيد. اقترب للزنزانة من الخلف وأحدث جلبة، فتسلقت الزنزانة بشكل عرضي باستخدام حبل حتى بلغت السقف، فقال بصوت تملأه الغبطة والفرح: «بوب حطو له قنبلة في سيارته وانفجرت فيه هذا الصباح»، وغادر مسرعا وهو يجلجل بقيوده. لم أتمالك نفسي من وقع الخبر فانخرط بي الحبل إلى أسفل الزنزانة ووقعت على الأرض.

الكلام بين السجناء كان ممنوعا، والحصول على الأقلام والأوراق من رابع المستحيلات، ولذلك حفرنا ثقوبا بين الزنزانات العشر لنتواصل عبرها. وسرعان ما نزلت للثقب الذي يوصلنا بالزنزانة رقم (3)، دققت الدقات الأربع المتفق عليها وأجابني الطرف الآخر! ولما أبلغته الخبر وإذا بصرخة قوية تنطلق كأن عقربا لدغت عبد الرحمن جكنم، الذي نسي نفسه في غمرة الفرح.

تنبه الشرطي للصراخ الصادر من الزنزانة فهرول باتجاهها، وفتح كوة الزنزانة وسط الباب، وسأله بعربية مكسرة: «إيش فيه أنت صرخ»، فأجابه جكنم: «بطني يعورني»، ووضع يده على بطنه ليمثل دور الألم. فانطلت الحيلة على الشرطي وفتح له الباب فهرول جكنم إلى الحمام، وفي الطريق أخذ يبث الخبر على بقية الزنزانات.
عندما حان وقت صلاة الظهر، كان أحمد الشملان يرفع الأذان، وكنت أنوب عنه أحيانا، لكنه في ذلك اليوم بعد أنهى الشملان الأذان ختمه بالآية الكريمة: «وما ربك بغافلٍ عن ما يفعل الظالمون».

في حديث خاص جدا مع مجيد مرهون في سجن جدا العام 1976، بعدما أفلت من الموت بينما استشهد يومها كل من محمد غلوم بوجيري وسعيد العويناتي، ثم أوقفوا التعذيب وقال إيان هندرسون لي قرب الزنزانة التي استشهد فيها محمد غلوم:  ( over  The Case Is   ( ” لقد انتهت القضية “، وأضاف: «سوف ننقلك إلى جدا لكي تتعافى مما أنت فيه».

في ليلة من ليالي سجن جدا، تسلل مجيد مرهون حتى حاذى سياج سجن بيت الدولة وجلس القرفصاء، وأشعل سيجارته، وانكب في حديث لم ينتهِ إلا يوم نقلنا بصورة مفاجئة من سجن جدا إلى سجن جو الجديد.

مجيد مرهون تحدث كثيرا عن الفن والسياسة والأدب، وعن قاموسه الموسيقي الذي كان يكتبه بخط جميل في دفاتر زرقاء (100 ورقة)، أودعها عندي لمدة أسبوع، قرأتها وأبديت رأيي في بعضها. كانت جهدا مضنيا عكف عليه سنوات طويلة، لاحظت درجة التدقيق والتصحيح التي مر بها قبل أن يدونه بصورة شبه نهائية. وحين أطلق سراحه جاءني بنفس الدفاتر وطلب مني عرضها على إدارة الصحيفة التي كنت أعمل بها، ووافق مدير الإنتاج وتحمس لطباعتها، إلا أن الإدارة العليا رفضت الفكرة متعللة بكبر حجم الكتاب، وربما لأسباب سياسية. هذا الكتاب (القاموس الموسيقي) الذي طبع بعد أن حفيت قدماه، وكان حلمه الأجمل.

كان لدى مجيد مرهون احتفال سنوي خاص، ففي صباح كل يوم 12/3 يحمل معه عددا من (اللمبات) التالفة كونه مسئولا عن كهرباء الجزيرة، ويختلي بنفسه في أحد الجبال، وحين تدق الساعة 7:40 صباحا يقوم برمي (اللمبات) فتنكسر، محدثة صوتا يطرب له مجيد، وذلك احتفاء بصباح ذلك اليوم الذي نشرت فيه جبهة التحرير الوطني بيانا عنوانه: «لا يفل الحديد إلا الحديد»، ولعل الأخوة في المنبر الديمقراطي يحتفظون به في أرشيفهم، فنرجو أن ينشروه لكي يتعرف شعب البحرين على جزء من تاريخ نضاله أيام العسر والشدائد.

خاتمة

غادرنا مجيد مرهون، عازف السكسفون، كما أسماه القاص البحريني محمد عبدالملك، صاحب كتاب «موت صاحب العربة». مرهون… ذاك العامل ذو الشعر الأجعد والعينين المفتوحتين كعيني الذئب، الذي التقطته جبهة التحرير الوطني من فريج سنككي. الشاب الذي زرع القنبلة للجلاد بوب، الذي قال «البحرين ما فيها رجال»، فردّ عليه بفعله أن في البحرين رجالا، وأسفر التفجير عن إصابته بكسر بليغ في عموده الفقري ورجليه، وأصبح مقعدا يعاني لسنوات، حتى انتهى الجلاد إلى القبر.


طوبى لك يا عاشق السكسفون… يا مجيد مرهون
 
الوسط 21 مارس 2010م

اقرأ المزيد

قريـة المـوت

كان لجمعية الشبيبة البحرينية شرف تبني ملف تلوث قرية المعامير ضمن حملتها البيئية “نريدها للجميع”. كان ذلك في العام 2006 حين تحدث وفد من  أهالي القرية عن واقعة حدثت في أبريل/ نيسان 2005 عندما تسرب غاز صناعي، لم يعرف مصدره حتى الآن. بعد خمس سنوات من الليلة السوداء كما يصفها أهالي المعامير، تكررت حادثة انتشار الغازات لأربع مرات على مدى شهر، ولم يتم التعرف على مصدر انتشار الغازات حتى الآن.

أجهزة الإدارة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية لرصد الملوثات الجوية لم تقبض على الغاز المتسرب، ولم تسمِ مصدراً لتلك الغازات، أكدت بأنها تسعى للتوصل للحقيقة وإنها عاكفة على الدراسة وأن المواطن وراحته نصب عين الإدارة، إلا أن الحقيقة لم تأتِ.

ما يقهر أهالي قرية المعامير هي تلك اللامبالاة التي يواجهونها من الجهات الرسمية سواء كانت تنفيذية أو تشريعية. على المستوى التشريعي فإن البرلمان الأول (2002) شكل لجنة تحقيق في حادثة انتشار الغازات حينها، وأصدر نحو 24 توصية إلى مختلف الجهات الحكومية المعنية ولم تنفذ تلك التوصيات بالجدية المطلوبة. صدرت توجيهات من رئاسة مجلس الوزراء قبل خمس سنوات وقبل عدة أيام كلا التوجيهين كان يصب في التوصل لمعرفة مصدر الغازات واتخاذ الإجراءات اللازمة لعدم تكرار مثل هذه التسربات، إلا أن تلك التوجيهات أيضا قوبلت بآذن صماء.

يؤكد أهالي المعامير أن قضية تسرب الغازات لم تكن قضية الألفية الثالثة بل إن أصولها ضاربة وتعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، منذ أن ضربت شركة نفط البحرين (بابكو) أول وتد لزراعة أنابيبها قبالة الساحل وهو الأمر الذي أدى إلى (تفقير) عائلات البحارة.

تظهر على السطح عند مناقشة غازات المعامير جدلية نقل المصنع أم نقل الأهالي، ففي الوقت الحالي بالطبع يصعب نقل المصانع الكبيرة، والمضحك المبكي أن الأهالي ذاتهم لا يطالبون الآن بنقل المصانع الكبيرة بل يطالبون بنقل الأهالي التي تجاور منازلهم أسوار المصانع ويطالبون بوقف الزحف الصناعي ويطالبون بنقل المصانع الملوثة الصغيرة.

أما لهذه القرية من خلاص؟. إذا كان المال محل تهديد فلا تساوي حياة البشر “فلساً”. 


لكم منا أهالي المعامير خالص العزاء.

اقرأ المزيد

صراع مكتوب له أن‮ ‬يمتد ويطول

ارتبطت الكشوفات الجغرافية العظمى‮ ‘‬اكتشاف رأس الرجاء الصالح على‮ ‬يد البرتغالي‮ ‬فاسكو دي‮ ‬غاما،‮ ‬واكتشاف أمريكا على‮ ‬يد الأسباني‮ ‬من أصل إيطالي‮ ‬كريستوفر كولومبوس،‮ ‬وقارة أستراليا على‮ ‬يد الإنجليزي‮ ‬كوك وغيرها من الاكتشافات الجغرافية‮’‬،‮ ‬ارتبطت بسعي‮ ‬الطبقات الجديدة التي‮ ‬أحاطت آنذاك بالملكيات المتبرجزة المتأثرة بصعود الرأسمالية الفتية،‮ ‬للبحث عن تعظيم الثروات والملكيات والحيازات خارج نطاق عوالمها وأسواقها التي‮ ‬لم تعد فضاءاتها وطاقاتها الاستيعابية تتناسب مع طموحات الرأسماليات الصاعدة في‮ ‬القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر‮.‬
على ذلك فإن ما تسمى بالكشوفات الجغرافية ما هي‮ ‬في‮ ‬التحليل الأخير سوى الوجه الآخر للاستعمار الحديث الذي‮ ‬شكل،‮ ‬بحد ذاته،‮ ‬مفصلاً‮ ‬هاماً‮ ‬في‮ ‬الحقب التاريخية،‮ ‬التطورية،‮ ‬للمجتمعات العالمية المعاصرة،‮ ‬حيث انطلقت الدول الأوروبية التي‮ ‬شهدت أولى الثورات البرجوازية‮ (‬هولندا وإنجلترا وأسبانيا وفرنسا‮) ‬لتوسيع رقعة أسواقها والاستيلاء على طرق إمدادات جديدة‮ ‬غزيرة المخزون من المواد الخام لصناعاتها الناشئة‮.‬
فلا‮ ‬غرو أن تترافق الحملات الاستعمارية التي‮ ‬قامت الدول الاستعمارية الأوروبية في‮ ‬دول القارة الآسيوية والأفريقية،‮ ‬مع إنشاء أولى الشركات العابرة للقارات مثل الشركة الهولندية الشرقية وشركة الهند الشرقية البريطانية منطقة الشرق الأوسط وتحديداً‮ ‬المنطقة العربية هي‮ ‬إحدى المناطق التي‮ ‬شكلت إغراءً‮ ‬دائماً‮ ‬ومطمعاً‮ ‬للمغامرين والطموحات التوسعية الرأسمالية،‮ ‬لما تتمتع به من ثروات طبيعية هيدروكربونية ومعدنية وموقع استراتيجي‮ ‬يصل الشرق بالغرب سواء لجهة خطوط التجارة العالمية أو خطوط إمدادات وتمركز واتصال الجيوش‮. ‬فكان استعمار بلدان هذه المنطقة في‮ ‬القرنين التاسع عشر والعشرين سبيلاً‮ ‬لاستغلال واستثمار هذه الثروات والامتيازات بأشكال وصور مختلفة انطوت على ارتكاب جرائم وحشية وتدبير دسائس ومؤامرات لازالت بلدان المنطقة تعاني‮ ‬منها وتدفع أثمانها باهظة‮.‬
يأتي‮ ‬في‮ ‬مقدمة هذه المؤامرات والجرائم وأعظمها خطباً،‮ ‬اتفاقية سايكس بيكو السرية بين بريطانيا وفرنسا التي‮ ‬وقعها عن بريطانيا مارك سايكس ووقعها عن فرنسا فرانسوا جورج بيكو في‮ ‬عام‮ ‬1916‮ ‬وتم بموجبها تحديد وتقاسم مناطق النفوذ في‮ ‬العالم العربي‮ ‬بين الدولتين إثر تهاوي‮ ‬الدولة العثمانية في‮ ‬أعقاب الحرب العالمية الأولى،‮ ‬حيث كانت المنطقة العربية خاضعة لسيطرة الدولة العثمانية‮.‬
وبموجب الاتفاقية حصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي‮ ‬للهلال الخصيب‮ (‬سوريا ولبنان‮) ‬ومنطقة الموصل في‮ ‬العراق‮. ‬أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي‮ ‬متوسعاً‮ ‬في‮ ‬الاتجاه شرقاً‮ ‬لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين دول الخليج العربية والمنطقة الفرنسية في‮ ‬سوريا‮. ‬كما تقرر أن تكون فلسطين تحت إدارة دولية‮ ‬يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا‮. ‬ومع ذلك فقد نص الاتفاق على منح بريطانيا مينائي‮ ‬حيفا وعكا على أن‮ ‬يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا،‮ ‬ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي‮ ‬كان سيقع ضمن مناطق حيازتها‮. ‬وقد جرى التأكيد مجدداً‮ ‬على فحوى اتفاقية سايكس‮  ‬بيكو في‮ ‬مؤتمر سان ريمو عام‮ ‬‭.‬1920
بعدها أقر مجلس عصبة الأمم وثائق الانتداب على المناطق المعنية وذلك في‮ ‬24‮ ‬يونيو‮ ‬‭.‬1922‮ ‬فيما عقدت فرنسا اتفاقية جديدة باسم اتفاقية سيفر تم التنازل بموجبها عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية‮ (‬بعد التوقيع على معاهدة فرساي‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬1919‮ ‬المتعلقة بالدول المهزومة في‮ ‬الحرب العالمية الأولى وهي‮ ‬الدولة العثمانية وألمانيا القيصرية وإمبراطورية النمسا-المجر وغيرها من الدول الصغيرة،‮ ‬خُصت تركيا التي‮ ‬قامت على أرجلها الضعيفة من أنقاض الدولة العثمانية باتفاقية سيفر في‮ ‬10‮ ‬أغسطس‮ ‬1920‮).‬
بعد هذا وكما صار معلوماً‮ ‬لاحقاً‮ (‬تم الكشف عن فضيحة سايكس بيكو في‮ ‬عام‮ ‬1917‮ ‬بعد قيام الثورة البلشفية في‮ ‬روسيا بنشر الوثائق السرية للمعاهدات الدولية التي‮ ‬تفضح تورط الغرب في‮ ‬الكثير من القضايا الدولية‮)‬،‮ ‬تم إنشاء إسرائيل كمشروع‮ ‬غربي‮ ‬مشترك أسهمت فيه كل دولة‮ ‬غربية بنصيبها وإن كانت المساهمة الأكبر في‮ ‬بداية المشروع من نصيب بريطانيا ومن بعد الولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬وذلك من أجل تغطية الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬شكله انتهاء الوجود المادي‮ ‬الغربي‮ ‬الاحتلالي‮ ‬للمنطقة‮. ‬ولا ننس المساهمة الفرنسية الكبرى المتمثلة في‮ ‬تزويد إسرائيل بالسلاح النووي‮ ‬لضمان تفوقها الساحق على البلدان العربية وردع حكوماتها المتعاقبة عن التفكير في‮ ‬إنهاء الاستعمار الصهيوني‮ ‬لفلسطين‮. ‬وهكذا فإن الدول الغربية انسحبت وأنهت احتلالها للبلدان العربية ولكن ليس قبل أن‮ ‘‬تغرس مسمارها في‮ ‬الباب العربي‮’ ‬لاستخدام هذا‮ ‘‬المسمار‮’ ‬حصان طروادة‮ ‬يُؤمِّن لها استمرار واستدامة التمتع بامتيازاتها المكتسبة‮ (‬المادية والإستراتيجية‮) ‬إبان حقبتها الاستعمارية‮. ‬بهذا المعنى تكون إسرائيل مشروعاً‮ ‬غربياً‮ ‬أُسس ليبقى حارساً‮ ‬أميناً‮ ‬يذود عن المصالح الغربية في‮ ‬منطقة الشرق الأوسط‮. ‬وهي،‮ ‬أي‮ ‬إسرائيل،‮ ‬معنية،‮ ‬طبقاً‮ ‬لهذه الوظيفة،‮ ‬باستخدام كافة ما بحوزتها من إمكانيات للتصدي‮ ‬لأية محاولة نهوض حقيقية في‮ ‬المنطقة العربية‮.‬
وهذا ما‮ ‬يفسر مباركة الغرب لكل ما تقوم به الدولة العبرية من أعمال عدوانية وتوسعية في‮ ‬الأراضي‮ ‬العربية،‮ ‬والصمت على جرائمها التي‮ ‬لا تقل عن جرائم النازية‮. ‬لذلك فإنه حتى بعد مرور ستة عقود على اكتمال إنشاء المشروع‮ (‬إسرائيل‮)‬،‮ ‬حيث نجح الغرب في‮ ‬تجنيب إسرائيل أية استحقاقات قد تنال من أو تؤثر على أسس المشروع ومقومات وجوده،‮ ‬وذلك باتباع سياسة الخداع والتضليل ونشر الأوهام لدى الجانب العربي‮ ‬عبر طرح مبادرات متناسخة الواحدة عن الأخرى من دون أن‮ ‬ينتج عن هذه المبادرات‮ ‘‬طحيناً‮’ ‬بقدر ما أنها تمنح إسرائيل المزيد من الوقت لتكريس واقعها ومشروعها الاستعماري‮ ‬على الأرض أكثر فأكثر،‮ ‬حتى وصل الحال بالحكومات العربية للقبول بدولة فلسطينية مسخ ليس لها أي‮ ‬مقومات الوجود والاستمرار‮. ‬بمعنى أن تلك‮ ‘‬المبادرات السلمية‮’ ‬الأمريكية والغربية عموماً‮ ‬ليس هدفها إنتاج حل عادل ونهائي‮ ‬وإنما لإبقاء الحال على ما هو عليه وإشغال العالم العربي‮ ‬بشكل دائم كي‮ ‬لا‮ ‬يتفرغ‮ ‬لاستحقاقات الداخـل‮. ‬وتصب التحركـات الدبلوماسية الأمريكية الأخيرة في‮ ‬هذا الاتجاه‮.. ‬اتجاه الخداع والتضليل والإيهام‮. ‬أصبحت إسرائيل اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه في‮ ‬السنوات العشرين الأولى من تأسيسها‮. ‬
فلقد نجحت أوليغارشيتها المالية عبر العالم في‮ ‬السيطرة على مفاتيح الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية في‮ ‬البلدان الغربية لدرجة أنه حتى بعد مرور نيف وخمسة عقود على انتهاء الحرب العالمية الثانية فإن حكومات هذه الدول تحرص على تدريس الهولوكوست للأطفال من أجل الإبقاء على جذوة الذنب تجاه ما اقترفه النازيون‮ (‬وليس الأوروبيين‮) ‬ضد اليهود إبان تلك الحرب،‮ ‬وذلك من أجل كسب ود وعدم إغضاب حيتان المال اليهود‮. ‬إنما الحق،‮ ‬كل الحق،‮ ‬على العرب وعلى الحكومات العربية نفسها،‮ ‬فهي‮ ‬التي‮ ‬قبلت بشروط هذه اللعبة القذرة،‮ ‬وهي،‮ ‬بمسايرتها للاعبين الأمريكيين والأوروبيين،‮ ‬قد سهلت مهمتهم ومهمة المشروع الإسرائيلي‮ ‬في‮ ‬السير قدماً‮ ‬على طريق ترسيخه‮. ‬هناك دول أقل شأناً‮ ‬استراتيجياً‮ ‬وأقل طاقات اقتصادية ثابتة وكامنة،‮ ‬استطاعت بفضل توظيفها لهذه الطاقات من انتزاع حقوقها وحماية مصالحها من دول‮ ‬غربية أقوى وأشد شكيمة منها‮. ‬بينما العرب الذين‮ ‬يحوزون على أوراق رابحة استثنائية،‮ ‬لا‮ ‬يجدون‮ ‬غضاضة في‮ ‬تطمين الغرب وحكوماته المنحازة ضد المصالح العربية،‮ ‬بأن مصالحها مصانة‮!‬
 
صحيفة الوسط
20 مارس 2010

اقرأ المزيد

القمم العربية والفشل المحتوم

عشية انعقاد القمة العربية خلال العام الماضي تناولنا هنا بالتحليل العوامل التي تجعل من مؤسسة القمة ضعيفة مقارنة بمؤتمرات القمم العالمية وعلى الأخص الأوروبية أو الغربية بوجه عام ممن تتصف جل دولها بأنظمة ديمقراطية عريقة ومستقرة، وحيث تنظم تلك القمم منظمات اقليمية أو دولية معروفة بعراقتها وتطور انظمتها وقوانين وانضباطية الدول المنضوية لها في احترام تلك الانظمة والقوانين طالما قد صدقت مقدما على اتفاقيات إنشاء تلك المنظمات وعلى مواثيقها، وطالما هي مسؤولة مسؤولية كاملة أمام برلمانات شعوبها عن أي اخلال بتعهداتها الدولية أمام تلك المنظمات التي تتمتع بالعضوية فيها ناهيك عن مسؤوليتها أمام برلمان المنظمة الاقليمية المنتخب انتخابا حرا.
وذكرنا انه بفضل هذا التطور الذي قطعته تلك المنظمات الاقليمية في ممارستها لسلطاتها وصلاحياتها الكاملة التي فوض بها اعضاؤها فانه لا توجد دولة عضو تقاطع أي مؤتمر من مؤتمرات القمة الخاصة بهذه المنظمة لأسباب مزاجية سياسية كيدية تعود لصراعات المحاور السياسية أو لأي أسباب سياسية أخرى فيما بين اعضائها ولاسيما بين الدولة التي تحتضن مقر المنظمة أو مكان انعقاد القمة وبين الدولة أو الدول التي اتخذت الموقف المقاطع ما خلا حالات نادرة، ولعل مما يساعد على تحقيق هذه الانضباطية باحترام الالتزام بحضور مؤتمرات القمة انها غالبا ما تعقد في دولة المقر ولكون الامناء العامين لتلك المنظمات الاقليمية غالبا ما يكونون من غير حملة جنسية دولة المقر مما يسهل تأمين اكبر قدر من النزاهة والحياد التي يفترض ان يكون عمل الأمين العام بمنأى عن تأثير سياسة دولة المقر بأي شكل من الاشكال.
ولعل تجربة الاتحاد الأوروبي هي اكثر تجارب المنظمات الاقليمية الدولية ريادة ونضجا في هذا الصدد، وعلى العكس من ذلك فان تجربة جامعة الدول العربية تكاد تكون في مؤخرة تجارب المنظمات الاقليمية من حيث شلل وعدم فعالية نشاطها وذلك لانتفاء الاسباب التي تجعلها ذات فاعلية كالاتحاد الاوروبي، فالجامعة العربية ليس انها من الأصل انشئت على اسس صلبة وطيدة، وأريد لها ان تكون مجرد صوت رسمي لأدنى سقف من المواقف المشتركة التي يمكن ان تتوافق عليها الانظمة العربية فحسب، بل ليس ثمة سلطة الزامية تتمتع بها لالزام هذه الدولة أو تلك الدولة بحضور أي من اجتماعات مؤسساتها الدورية ولاسيما مؤسسة القمة، ولا توجد لديها سلطة لالزام هذه الدولة العربية أو تلك الدولة العربية باحترام وتنفيذ قراراتها حتى لو كانت هذه القرارات وبخاصة ذات الطبيعة المهمة التي تتصل بقضايا العرب المصيرية الراهنة هي انشائية تسويفية ومطاطة.
والأنكى من ذلك انه غالبا – بحكم الأعراف والتقاليد العربية – ما يكون للدولة التي تستضيف القمة تأثير معنوي واضح وملموس في سقف تلك القرارات، ناهيك عن تأثير هذه الاستضافة في انقسام الدول العربية الاعضاء بين دول مشاركة ودول مقاطعة ودول مشاركة برئاسة شخصية ممثلة في اعلى شخصية في قيادات تلك الدول ودول مشاركة بشخصيات مسؤولة ذات مستوى متوسط، كوزير خارجية أو نائب رئيس دولة، ودول مشاركة بأدنى مستوى من التمثيل في رئاسة وفدها كسفيرها المعتمد في دولة المقر مثلا، وهو ما ينعكس بدوره على مدى قوة القرارات الجماعية الصادرة عن المؤتمر.
وهذا بالضبط ما تواجهه الجامعة العربية وقممها السنوية حتى اصبحت هي وكل مؤسساتها مشلولة عديمة الفائدة والجدوى لشعوبها اللهم احتفاظها بالاسم والانتظام بالمشاركة في بعض الاعمال الدروية لاثبات انها مازالت حية ترزق.
في العام الماضي احتضنت دمشق القمة العربية فقاطعها بعض الدول فيما شارك فيها بعض الدول العربية الكبرى بأدنى مستوى من التمثيل بسبب خلافاتها مع الدولة المستضيفة مما اثر في مستوى قراراتها وفي مدى الزام الدول المقاطعة بتلك القرارات، ولا يبدو حتى الآن ان قمة هذا العام التي ستلتئم في ليبيا بعد أيام قلائل سيكون حالها أفضل، إذ إن كل المؤشرات تلوح بأنها ستكون كسابقتها من حيث توقع مقاطعة بعض الدول لها وتخفيض مستوى التمثيل من قبل دول أخرى.. وبالتالي فقمم من هذا القبيل محكومة بالفشل مقدما ولا يرتجى خير منها من قبل شعوبها.
ولو ان الدول العربية التي تستضيف هذه القمم انفقت ملايين الدولارات التي تنفقها لاستضافتها على المشاريع الخيرية والاسكانية ودعم السلع لشعوبها لكان ذلك افضل مليون مرة من انفاقها على بهرجة مراسم صور تذكارية أو مناكفات أو بيانات إنشائية لا تهش لطالما سئمت الشعوب العربية منها حتى الثمالة.

صحيفة اخبار الخليج
20 مارس 2010

اقرأ المزيد

تحركات الفئات الوسطى في المنطقة

أشرفتْ الهيمناتُ الحكومية في الدول العربية والإسلامية على الانتهاء، عدةُ عقودٍ سابقة استنزفتْ قوى تطورها، ولم تعدْ قادرةً على نقلِ هذه الدول لمرحلةٍ جديدة من الحرية والديمقراطية.
أسهمَ في ذلك تبدل المنظومةِ الحكومية الرأسمالية في الدول (الاشتراكية) وانطلاق القطاعات الخاصة بقوة فيها وعمليات الجمع بين رأسمالياتِ الدول والديمقراطية، وتنامي عمليات الاتصالات والثورة المعلوماتية، واختراق كل الأسلاك الشائكة للدول الشمولية، وتوسع القطاعات الرأسمالية خاصة الصغيرة والمتوسطة في الكثير من الدول، ونمو حريات سياسية واستعادة العديد من التنظيمات السياسية العريقة لدورِها وبدايات قراءات جديدة لتاريخها الذي كان لا يخلو هو الآخر من جمودٍ وشمولية.
لكن هذا لا يعني ان حقبةَ الدول الشمولية قد انتهت، بل تتجدد خطورة بعض هذه الأنظمة لاستمرار نهجها العسكري القمعي ضد شعوبها وتهديد جيرانها وتشكيل أخطار على السلام في المنطقة. وهو أمرٌ يوسع النفقات العسكرية إلى قمم عليا تلتهمُ المواردَ المخصصة للتنمية والخدمات، وتضعف بالتالي التطور الديمقراطي المأمول. وهي تستفيد كذلك من نمو موجة الرأسمالية الخاصة لكي توظفها كذلك لنمو مشروعاتها بالباطن، وتحجم الحريات في جداول ضيقة.
كما أن التنظيمات الطائفية السياسية التي كانت حصيلة زمن الشمولية السياسي والمزدهرة الكبرى فيها، لم تعالج إشكاليات أفكارها المحافظة وركونها للماضي المتخلف، وضعف تحليلها للمشكلات الجماهيرية وخوفها من التعاون مع القوى السياسية لكي تفهم ما يدور وتعمل بأشكالٍ سياسية حصيفة، بل هي تضيفُ مشكلاتٍ أخرى للمجتمعات الشمولية وتوسع التطرف وتغذي الأمية وتمنع الحريات النسائية والعقلية، وتساعد الدكتاتوريات بصور غير مباشرة، وتعجز عن قراءة الأديان في ضوء العصر الديمقراطي العلماني.
إن هذا يعكس صعوبات نمو الرأسمال الخاص الديمقراطي، حيث الفضاء الاقتصادي مهيمنٌ عليه، وهو الذي نما بصعوبات، وانقطعتْ علاقاتهُ بالوعي السياسي الديمقراطي، خوفاً على استثماراتهِ المحاصرة، ومخالب الحكومات والتنظيمات الدينية المتغلغلة في كل مكان.
لكن مع ذلك نرى التحركات الشعبية الديمقراطية الواسعة في إيران تؤكد أن الهيمنة الحكومية الاقتصادية العسكرية لم تعدْ مقبولةً من قبل الشعب الإيراني، ولم يؤدِ الحرس والباسيج ومئات الآلاف من أفرادهما، وشبكة الدينيين الهائلة إلى قمعِ أصواتِ الحرية، ومنع توسع الحركة الشعبية يوماً بعد يوم، ويعيشُ النظامُ أزمةً غير مسبوقة. وكانت ثمة إمكانية للتسوية لكنها توارت واتجه الفريقان للصراع الحاسم، لكنها أزمة طويلة تقودها فئات وسطى مدنية ليست قوية صناعيا ولا فكريا، تتحرك عبر خطى سلمية طويلة الأمد وصغيرة لكنها متراكمة.
كذلك بدأت القوى المدنية الديمقراطية المصرية بالتحرك وكانت عودة محمد البرادعي حجراً كبيراً أُلقي في بحيرة راكدة، والمجتمع المصري مغاير للمجتمعات الشرقية الأخرى، حيث توسعت الطبقة الوسطى منذ عقود، واستعادت ميراثا ديمقراطيا متجذرا في البيئة المصرية، كما أن القطاعَ العام وصل إلى ذروة من البيروقراطية والفساد والعجز عن فتح آفاق كبيرة للاقتصاد، وللحياة والثقافة. ومن هنا تركزت معركة القوى الديمقراطية المصرية في مسألة الرئاسة التي هي مفتاح التغيير الجذري المنتظر لمصر، وبالتالي إلغاء العقبات التي تمنع جعلَ هذا المنصب عجزا سياسيا يماثل ظواهر العجز الاقتصادي.
كما أن التحولات الانتخابية في العراق وصعود القائمة الوطنية رغم كل الهيمنة الدينية السياسية والقومية الشمولية، تشير إلى انتفاضة الشعب العراقي ضد القوى الطائفية والمحافظة.
هذا يجري في دول كبرى في المنطقة وتكتمل الصورة بالحراك الجنوبي في اليمن، وهزيمة القوى الإرهابية في الجزائر، وتبدل السودان، وتصاعد انتقادات وحركات القوى الديمقراطية في العديد من الدول الأخرى.
تتطلب هذه العملية الديمقراطية المتقطعة، الضعيفة الجذور الاقتصادية، المزيد من التحليلات لرفد القوى السياسية الهشة بفهم الترابطات بين حركات رجال الأعمال والقوى الاجتماعية الشعبية وبتوسيع مراكز الفكر والبث الإعلامي، وتحديد بؤر التطور الاقتصادية الاجتماعية، وتبادل المواد الفكرية والسياسية وإيجاد علاقات بين الحركات الديمقراطية “الوليدة” من أجل التعاون والسلام في المنطقة.

صحيفة اخبار الخليج
20 مارس 2010

اقرأ المزيد

نحيا أم نفنى؟

ثمة حكاية في التاريخ، حكاية حقيقية وليست متخيلة، عن سكان جزيرة تقع في قلب المحيط الباسيفيكي، هي جزيرة Easter Island ، استخدم سكانها مواردها الطبيعية الغنية من غابات ونخيل وبحر بإسراف وشراهة، مما مكن الجزيرة من أن تبلغ يوماً شأناً عظيماً، فراحوا يستثمرون فائض إنتاجهم في عمل تماثيل ضخمة لرؤوس بشرية ضخمة وبأعداد هائلة ولغرض غير معروف، غير أن الدكتور محمد رياض يرجح أن تكون هذه التماثيل تمجيد لآلهة أو حكام .
أدى استمرار قطع الأشجار من أجل بناء القوارب الكبيرة للصيد البحري في عمق المحيط إلى نفاذها من الجزيرة وتصحر التربة إلا من الأعشاب. النتيجة أن السكان فقدوا موارد غذائهم الأساسي من البحر العميق وتقاتلوا على ما تبقى من موارد محدودة على الشاطئ، وبنتيجة الحروب تناقص عدد السكان الذين كانوا يبلغون نحو خمسة عشرة ألف نسمة يعيشون في بحبوحة إلى نحو ألفين فقط يعيشون في فقر مدقع حين وصلتها السفن الأوروبية في عهد الكشوفات في القرن الثامن عشر.
حكاية هذه الجزيرة تُساق مثلا على ما يمكن أن يؤدي إليه الاستهتار في التعامل مع البيئة المحيطة وما تحتويه من ثروات، فسكان الجزيرة لم يدر في خلدهم أبدا وهم يقطعون الأشجار بدون حساب لبناء السفن أن هذه الأشجار عرضة للنفاد .
الدكتور محمد رياض ساق هذه الحكاية قي كتابه الذي يحمل عنوان: «نحو خريطة جديدة لمصر»، الذي أراد به أن يقترح صورة أخرى مستقبلية لبلاده مصر، متوقفاً بشكلٍ جلي أمام المشاكل التنموية والبيئية والاجتماعية فيها، والتي هي نفسها الموجودة في بقية بلداننا العربية بنسب متفاوتة، تزيد هنا وتقل هناك.
وكأي باحثٍ جاد فان الكاتب يرسم صورة معقدة للوضع الناشئ في العالم اليوم، وهو يتساءل عن مدى جدية الفرص المتاحة أمام الدول النامية لكي تلحق ببقية العالم، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن متوسط دخل الفرد، سنوياً، في الدول الغنية، قبل سنوات قليلة فقط، بلغ نحو 26 ألف دولار مقابل ما يتراوح بين 400 الى4000 فقط دولار في الدول النامية حسب درجة نموها.
ويدور الحديث الآن عن ما يزيد عن مليارين من البشر يعيشون في عشوائيات لا تليق بحياة البشر، وفي بعض البلدان في آسيا وإفريقيا وأمريكا الوسطى فان الفرد يعيش على نحو دولار واحد فقط في اليوم .
إن النمو الكاسح للبلدان المتقدمة يحقق وتائر من التقدم والرفاهية غير المسبوقة في الجزء الشمالي من هذا العالم، لكنه يدفع سكان الحيز الأكبر من الكوكب نحو المزيد من الإفقار، مستنزفاً ما تبقى في البيئة المحيطة من ثروات لا يُعاد تكوُنها، كما هو حال الأشجار التي نفدت في الجزيرة، مما أدى إلى اقتتال السكان وهلاكهم، مما يجعلنا نتساءل ما إذا كان هذا العالم سائر نحو الفناء، بدل أن يوفر لأبنائه سبل الحياة.
 
صحيفة الايام
20 مارس 2010

اقرأ المزيد