المنشور

في المفاضلة بين القسر والحرية

شدني أن كاتباً كبيراً هو غابرييل ماركيز كتب مقالاً في التربية – نعم – في التربية وليس في الأدب أو فن الرواية، خصصه للحديث عن هذا الموضوع، فلاحظ انه إذا سمع أطفال كثيرون نفس النوتة الموسيقية، فان بعضهم يستطيع تكرارها بدقة، فيما لا يستطيع آخرون فعل ذلك.
معلمو الموسيقى يقولون ان المجموعة الأولى يمتلكون ما يسمى بالسمع الأولي المهم، لكي يصبح الإنسان موسيقياً، للدرجة التي جعلت أحد كبار الموسيقيين المعروفين عالمياً أن يعزف مقطوعة وهو في الرابعة من عمره، فشل أبوه الذي كان عازفاً شهيراً في أن يعزفها.
بالنسبة للقصاصين توجد تجربة لا يمكن أن تفشل أبداً برأي ماركيز، فلو طلبنا من مجموعة أفراد مختلفين أن يحكوا لنا قصة فيلم شاهدوه، فان النتائج التي سنحصل عليها نتيجة هذا الاختبار ستكشف الكثير. فالبعض سيعبرون عن انطباعاتهم الثقافية أو السياسية أو الفلسفية، لكنهم لا يعرفوا أن يحكوا قصة الفيلم كاملة، بالترتيب أو بتتالي الأحداث، فيما سيقوم آخرون بروي القصة بالتفصيل كما يتذكرونها واثقين من أن هذا كافٍ لنقل الشعور الأصلي.
هذا كلام قاله الروائي الكولومبي المعروف غابرييل ماركيزا، ليستنتج منه أن الأوائل يمكن أن يكون لهم مستقبل لامع في أي مجال، لكنهم لن يصبحوا قصاصين أبداً، أما الآخرون فانه ينقصهم الكثير لكي يصبحوا قصاصين، تنقصهم القاعدة الثقافية التكتيكية والأسلوب الخاص والقدرة العقلية، لكن رغم ذلك فان هذه المهارات يمكن اكتسابها، ويمكنهم بالتالي أن يصبحوا قصاصين، لأنهم يمتلكون موهبة القص على خلاف المجموعة الأولى.
وفي كلمات قليلة، فان هناك من يمتلكون موهبة القص منذ أن يبدأوا الكلام، فيما لا يستطيع آخرون اكتساب هذه الملكة أبداً.
هذا الحديث جاء في سياق دعوة شاملة دعا فيها ماركيز إلى التعرف على المواهب، على كشفها مبكراً ليلاحظ أن المدرسة في بلده كولومبيا، وكولومبيا من البلدان النامية شانها شأن بلداننا، تقوم بقهر المواهب وكبتها وقتلها لا تنميتها، وهو يُذكرنا بالحكاية التقليدية التي نعرفها جميعاً، عن أولئك التلاميذ الذين لا ينجحون في المدرسة لأنهم لا يحبون ما يدرسون، ومع هذا يمكنهم التفوق فيما يحبون إن ساعدهم أحد.
كثيراً ما تكون المدرسة فضاء يقص الأجنحة لفقر الروح فيه، فهي كثيراً ما تتحول إلى صخرة أمام تعلم أي شيء، والفنون خصوصاً، لأن فيها تبديد للمواهب بالتكرار اللانهائي للمقولات الأكاديمية الجامدة، بينما أمكن لأفضل الموهوبين أن يصبحوا عظماء ومبدعين لأنهم لم يكونوا مضطرين للذهاب إلى قاعات الدراسة.
مشكلة المدرسة أنها لا تنمي لدى الطلاب هواية القراءة، وإنما تجبرهم على القراءة وكتابة ملخصات لما قرأوه من كتب، وبعبارات ماركيز، فانه كثيراً ما نجد “طلاباً مثقلين بالكتب التي يجبرونهم على قراءاتها بنفس المتعة التي يتناولون بها زيت الخروع “.
وثمة نصيحة مهمة يسديها ماركيز إزاء الموضوع نفسه:« سيكون أكثر مثالية أن يخصص الطفل جزءاً من عطلة نهاية الأسبوع لقراءة كتاب في المكان المتاح، وحتى في المكان الذي يُحب، لكن من الجرم بالنسبة له ، وللكتاب، أن يقرأه قسراً في ساعات اللعب.
في المفاضلة بين القسر والحرية، يخلص ماركيز إلى ما يشبه الحكمة: “معايير التعليم شديدة التنوع، لكن أكثرها مرونةً وجدوى هو ذاك الذي لا يقبل سوى بالحرية الكاملة”
 
صحيفة الايام
13 مارس 2010

اقرأ المزيد

الإصلاح الإداري..


نشاطر د. هاشم الباش وهو الخبير في الشأن الإداري فيما ذهب إليه في مقالة له بهذه الجريدة بأن فعالية الإدارة أصبحت قلق المستقبل وباتت هماً جديداً تفرزه معادلة متطلبات التغيير ونؤيد دعوته العناية بهذا الهم وإعطاءه ثقلاً في رؤى التغيير .
 
هي دعوة في محلها دون شك .. وسبق أن أكدنا بأن إصلاح الإدارة يتطلب جهوداً استثنائية خاصة في ظل ما هو معلوم من مقاومة منظمة تمارسها البيروقراطية لمنع أي عملية إصلاحية من أخذ أبعادها حتى لا تشكل حالة نوعية جديدة كانت البلاد ولا تزال تحتاج إليها لتعزيز توجهاتها المستقبلية لاسيما بعد أن باتت هناك رؤية مستقبلية تتبنى ضمن محاورها إدارة حكومية فاعلة .
 
نعلم جيداً بأن الإدارة ستبقى تمثل عنق الزجاجة في الجهود التنموية وجهود التطوير الاقتصادية التي تسعى إليها الرؤية، وأنه من العبث التحدث عن تنمية حقيقية دون إدارة فاعلة.. كما نعلم أن الإدارة التي وجدت لخدمة الناس من موقع الدولة أصبحت في حاجة ضاغطة لاعتماد ثقافة جديدة في العمل والإنتاج والإنجاز ، ثقافة تعتبر الإدارة أداة للخدمة العامة وخدمة الجمهور لا موقعاً لممارسة السلطة والنفوذ والتنفيع والفساد ، ثقافة تحترم القانون وتحاسب كل من يخالفه أو يتجاوزه ، وتضع حداً لتعارض المصالح ولكل التجاوزات التي نحسب بأن تقارير ديوان الرقابة المالية لا تكشف إلا جزءاً منها .
 
نعلم جيداً أيضاً بأن نهوض وإصلاح حال الإدارة هو شرط لتحقيق النهضة الاقتصادية والتنموية التي تنشدها رؤية البحرين المستقبلية ولعله من المناسب أن نتذكر ونذكر بمشروع ديوان الرقابة الإدارية الذي نص عليه الميثاق الوطني واصدر جلالة الملك أمراً بإنشائه ، حيث بات لازماً على المعنيين بحياكة هذا المشروع تسريع وتيرة تأسيسه كخطوة في مسيرة الألف ميل في طريق جعل الخدمة العامة فاعلة وأكثر إنتاجاً وأفضل أداء ، إدارة عامة حكيمة ومسؤولة وتتمتع بالشفافية وتتقبل المساءلة ، وتحمي وتصون المال العام وتكسب ثقة الناس وتعاملهم باحترام واهتمام ولديها رؤية ومنهاج عمل يأخذ بعين الاعتبار بأنه لم يعد مقبولاً ولا مجدياً حصر الإصلاح الإداري في عناصر مثل تبسيط الإجراءات أو ميكنة تقديم الخدمات في إطار الحكومة الإليكترونية أو تدريب وتأهيل الموارد البشرية الوطنية، بل يجب أن تتناول جميع تلك العناصر في إطار تلك الرؤية أو الخطة الشاملة التي نأمل أن تتمثل اليوم في رؤية البحرين الاقتصادية والتنموية 2030.
 
ومن هذه الزاوية أصبح ملحاً التركيز على تحويل مفهوم السلطة إلى مفهوم الخدمة في الإدارة الحكومية ، وتحويل منطق التركيز على الإجراءات والروتين إلى منطق التركيز على النتائج، والتحول من مفهوم البرامج العامة الفضفاضة إلى برامج محددة وخاضعة للقياس والتحول من نمط الموازنة الحكومية الحالية ، موازنة اعتمادات ونفقات إلى موازنة للبرامج والأداء والمشاريع القابلة للقياس.
 
وفي سبيل بلوغ ذلك نحسب أنه من الأهمية بمكان أن نقف على مكامن الخلل التي تعتري الإدارة العامة، فربما في ذلك فائدة لأي نوايا حسنة تتبنى الإصلاح الإداري في واحدة من أقدم الإدارات الحكومية بالمنطقة ، ومتى ما اجتهدنا في هذا الخصوص فإنه علينا في البداية أن نقر بأنه ليس أخطر على الإصلاح أكثر من النظرة التي تجعل من الماضي مرجعية ، لأنها في هذه الحالة لن تفهم التقدم إلى الأمام إلا بالعودة إلى الوراء فتسعى عبثاً إلى تحقيق الإصلاح من خلال عقلية لا تؤمن بأن الإدارة الحديثة أصحبت لا تمت بصلة إلى الإدارة القديمة ، وأن من كان ممسكاً بزمام الأمور في إدارات حكومية كثيرة صار غير مؤهل لتولي مسؤولياته بعقلية جديدة وبمفاهيم جديدة وآليات عمل جديدة .
 
إذا تجاوزنا ذلك ، وفي سياق الوقوف على أوجه الخلل ، اعتقد أنه لابد من الإقرار بأننا لازلنا مترددين في وضع الإصلاح الإداري في قلب النقاش السياسي وذلك أمر ينتظره الناس بفارغ الصبر لتحسين الأداء الإداري ومحاربة الهدر ومحاصرة الفساد ووقف اغتيال المقاييس وإهدار المعايير في التعيينات والتصعيد والترقيات وما إلى ذلك من أوجه خلل .
 
ذلك في حد ذاته مشكلة وأخرى تكمن في وجود أجهزة حكومية صارت كل واحدة منها مملكة خاصة للبعض، أو نجد فيها شبكة بينية لعلاقات النسب والمصاهرة فيما بين مسؤولين وعاملين كثر ، وعليه نجد دوراً للحاشيات والبطانات وشلل الأصدقاء ، ناهيك عن دور الطائفية ، ومظاهر البيروقراطية التي تفرز ثغرات وأخطاء تكون البيئة الصالحة للفساد وتخلق صانعين ومستفيدين منه، وأصبحت إدارات وأجهزة رسمية كثيرة عالة على الدولة والناس والاقتصاد تعطل مصالحهم ومعاملاتهم وتعرقل حركة المستثمرين وتزرع في نفوسهم اليأس والإحباط لمصلحة من يخلقون هذه الأجواء أو من يقفون ورائها .
 
ومشكلة حقاً عندما يتسربل مسؤولون كثر بالدوام والشكليات والروتين وتنفيذ الأوامر بصورة آلية أكثر ما يهتمون باقتلاع هذه الثقافة وبناء ثقافة بديلة تعتمد على زرع الأفكار وغرس روح الإنجاز والمبادرة والابتكار وجودة الإنتاج ، أو حينما نجد مسؤولين كثر يسيّرون أجهزة رسمية وهم يتصرفون كسلطة على الناس ولا يتصرفون كمؤسسة في خدمة الناس أو نجد أولئك اليائسون المستسلمون للواقع الذين أصبحوا من دون أن يدروا حلفاء طبيعيين أو مساندين أو داعمين لأوجه الخلل التي تعتري الإدارة ، ونخشى أن ذلك وغيره رغم كل المشاريع المعلنة عن تطوير الإدارة يعني بأننا نساير التطوير والإصلاح في المظهر ، ونماطل ونعترض في الجوهر ، ويكاد يكون معلوماً أن الحديث عن الإصلاح الإداري لا يقع موقعاً حسناً لدى البيروقراطيين الذين يعتبرون أن الحديث عن الإصلاح ينتقص من كفاءتهم ومكانتهم فيلجئون إلى مسايرة الإصلاح في المظهر فيما يمارسون في الجوهر المماطلة والاعتراض ووضع العصي في دواليب أي خطوة إصلاحية إدارية، فهل يتنبه إلى ذلك من يعنيهم أمر إصلاح حال الإدارة ورؤية البحرين الاقتصادية .
 

اقرأ المزيد

عن حرية الرأي والتعبير

كتب غالي شكري مقالات كثيرة عن حرية الرأي والتعبير مدافعا كغيره من الكتاب والصحفيين عن هذه الحرية التي يجب ان تصان لاعتبارها حقا من حقوق الانسان وفقاً لما جاء في اعلان حقوق الانسان في مادته (11) التي تنص على: حرية تبادل الاراء والافكار هي اثمن حق من حقوق الانسان. لذلك يحق لكل مواطن ان يتكلم ويكتب ويطبع بحرية على ان يكون مسؤولاً عن امساءة استعمال هذا الحق في الاحوال المحدودة في القانون.
مشكلة حرية الرأي في المنطقة العربية مشكلة اساسية على طول التاريخ العربي وبالتالي فجذور هذا المشكلة تعود كما حددها “غالي” الى مراحل قديمة وحديثة، ولعل ابرز هذه المراحل مرحلة الاستعمار التي عانت تلك المنطقة في تاريخها الحديث الى ويلاته بمختلف اطواره، ومن هنا خلق المستعمر الاوروبي لهذه المنطقة موقفا معيناً من حرية الفكر والتعبير، ذلك ان بقاءه في المنطقة كان يعتمد على الترويج لايديولوجيته الخاصة التي تتناقض مع مصلحة الشعب. وكما كانت السلطة في معظم الاحوال في ايد المستعمرين فقد ظل موقف الدولة من حرية الرأي هو موقف هذه السلطة.
وبالاضافة الى ذلك، يقول ان النهضة الفكرية العربية لاقت العنف والاذلال من جانب بعض الفئات العربية التي تستند اساسا الى نظم موغلة في التخلف والعداء لجوهر كل نهضة وتقدم، ومن الطبيعي ان يلتقي موقف هذه الفئات مع الاستعمار من حرية الرأي والتعبير، الا ان هذا الموقف لا يعني انعدام التناقضات بين بعض القوى المحلية والاستعمار الاجنبي، وان هذه التناقضات كانت احدى الثغرات التي ينفذ منها كفاح المناضلين من اجل الحرية.
في هذه المقالة القيمة، تحدث “غالي” عن مصر التي كانت وعلى صعيد “الحرية الفكرية” مشعلاً مضيئاً للمنطقة العربية ولا سيما بعد ان تأثرت بعصر النهضة الاوروبية وبالفكر الثوري الاوروبي وعن البذور التي جلبها رفاعة الطهطاوي واحمد فارس الشدياق وغيرهما، الا ان وبالرغم كل هذه التأثيرات التي خلقت مناخاً لهذه الحرية فان نباتات هذه البذور لم تعرف النمو والازدهار الا خلال المعارك العنيفة التي حدثت فيما بعد بين رواد الحرية والتقدم من جهة، ودعاة التخلف والجمود من جهة اخرى.
رواد مصر الذين تخصصوا في الدفاع عن حرية الفكر والتعبير لا حصر لهم، ولعل ابرزهم كما يشير “غالي” سلامة موسى فهو الثوري الجامع بين الفكرة الديمقراطية والاجتماعية والاشتراكية، اي ان حرية الفكر بالنسبة اليه لا تنفصل عن الدعوة الاجتماعية الى الاشتراكية، وباختصار ان مفهوم هذه الحرية عنده ينبع اساسا من الفلسفة المادية.
وهنا يعرف “غالي” حياة “موسى” ويشير الى سهاماته الصحفية ودفاعه عن حرية الرأي والتعبير وبعض مؤلفاته وعند كتابه “مقالات ممنوعة” توقف “غالي” قائلاً: ان هذا الكتاب يذكرنا بقول احد الكتاب الفرنسيين عندما قال: ان كل سلطة تفسد والسلطة المطلقة هي الاستبداد، وقد يكون الاستبداد سياسيا او دينيا أو ثقافياً، فالمستبد السياسي يتولى الحكم بلا برلمان، وهو يمكر ويزيف الانتخابات البرلمانية كي يجد الكثرة الخاضعة التي تعينه على الاستبداد، والمستبد الديني على ان غيبياته يجب ان تكون المذهب الوحيد الذي يعم الدنيا، وان من يخالفه في العقائد الخاصة لا يجب ان يعاقب، والمستبد الثقافي يتحسس على ما نقرأه من كتب وما نفكر فيه من آراء، فيحاول يمنعنا من القراءة والتفكير؛ لانه مستبد ويجب ان نفكر مثله فقط. وكل هؤلاء المستبدون يحدثون فساداً في الامة ويمنعون تطورها ويجيرونها على ان تجمد كما جمدوا.
خلاصة القول ان اهم الاستنتاجات التي توصل اليها “غالي” ان إلحاح الفكر العربي الحديث في مصر وغيرها من البلاد العربية على قضية حرية الرأي والتعبير يكشف بجلاء عن عاملين اساسيين اسهما في تجسيد هذه القضية هما التقاليد غير الديمقراطية في اسلوب الحكم، والتخلف الحضاري الشديد الذي منيت به المنطقة منذ وقت غير قصير.
 
صحيفة الايام
13 مارس 2010

اقرأ المزيد

ضعف السياسة العربية

ارتكبتْ الدولُ العربية والإسلامية أخطاءً جسيمةً بصراعاتِها المستمرة كمحورين متعاديين، فارغين من المعنى، ونتجتْ هذه الصراعات عن المزايدات الاستعراضية، وعدم وجود قواعد وطنية داخلية وطنية تحولية صلبة في كل دولة.
هي جميعاً في حالاتِ رأسمالياتٍ حكومية تجمدتْ في بيروقراطياتها وفسادها (ما عدا لبنان المعتمد على رأسمالية خاصة هي نتاجُ المنطقةِ الحكومية العربية كذلك)، لقد عجزتْ أن تقدمَ لكلِ شعبٍ برنامجَ التغيير الذي يطورُ الاقتصادَ ويخففُ من ثقلِ الدولة على كواهلِ المواطنين بنزفِ أجورهم القليلة، وبتقديمِ خدماتٍ سيئة عموماً، وبعدم القدرة على مقاربة الديمقراطية الحديثة بكل أجندتها.
ولهذا ركزت في السياسة الخارجية بطرق استعراضية. ان هروبها نحو السياسة الخارجية هو بحدِ ذاته، دليلُ فشلِ السياساتِ الداخلية، فهي تمضي للسياسة الخارجية ليس بهدف حل مشكلات الأمة العربية والأمم الإسلامية المتداخلة معها حياة ومصيراً، وإنما بقصد الهروب من أسئلة السياسة الداخلية التي وصلت إلى طريق مسدود، نظراً لتجمد الديمقراطية الداخلية.
ومن هنا كان تشكيلُ المحورين في المنطقة، المتصادمين، خاصة في منطقة المشرق، الذي تجسد في حروبٍ عشوائية غبية وبإضاعة لوقتِ الأمة وبتدمير لقليل الموارد التي لديها كما في لبنان واليمن والعراق وفلسطين، يجسد هذا الهروب إلى الأمام، والمتشكل في لغة استعراضية دموية هنا، فوق أشلاء خرائط البلدان وتمزيقاً للإرادات الوطنية الشاحبة الأخيرة!
ما هي النتائج (الكبرى العظيمة) من تشكيل هذين المحورين؟ ما هي الثمار التي طلع بها مثل هذين التكتلين المبهمين الذائبين للوجود العاجز لهذه الأمم أمام التدخلات الأجنبية والتحديات الحضارية؟
لا شيء سوى المزيد من النفقات وهدر الثروات على المؤامرات مرة، وعلى دغدغة بعض دول الغرب والخوف من الجبروت الإسرائيلي مرات، والادعاءات الكثيرة بالحداثة والثورة والرفض والتغيير والتدين، ولا شيءَ من ذلك يحدث على أرض الواقع الهاربة دوماً نحو ضياع المال العام!
أما في دواخل بلدان المحورين فالواضح هو تصاعد الأزمات والانقسامات، والتوقف عن الاستمرار في التحولات التحديثية بأفقٍ ديمقراطي صغيرٍ شاحب، وتأجيل الانتخابات في دول وتزوير الانتخابات في دول، وبقاء الطاقم القديم الأبدي مستمراً رغم كل زوابع الانتخابات في كل الدول!
كان يفترض بدلاً من هذا الصراع اللامجدي اتفاق هذه الدول على معارك التنمية الداخلية، وإحداث علاقات اقتصادية بنائية كبيرة بينها.
الدولُ الكبيرةُ هي التي تقودُ هذا الصراعَ اللامجدي، ودبلوماسيتها خاصةً في مصر وإيران، متجمدةٌ عن الإبداعِ السياسي، متشبثةٌ بمواقف قديمة، متكلسةٌ بأحقادٍ صغيرةٍ تافهة، وأراضي العرب والمسلمين نهبٌ لكلِ دبابة غريبة وآفاقهم مفتوحة لكلِ سرب من الطائرات الأجنبية!
أما الدول الصغيرة التي حصلت على بعض الثروات الطائرة، الطارئة، فهي قوى الاستعراض على مسرح الشرق الأوسط المتمدد نحو العالم الغربي خاصة، تنفخُ ريشها، وتتحولُ إلى إمبراطوريات بعد كلِ سكرةٍ من ارتفاع النفط، ثم تتحول بعد زوال سكرة الاسعار إلى برامج التقشف وشد الأحزمة على الهياكل العظمية لشعوبها.
ومشكلات المحورين كلها مفتعلة، فردية، مرتبطة بصداع لرؤوساء أو بغيابِ نظاراتهم الإبصارية الشخصية، فسرعان ما انتهت صراعاتُ لبنان السياسية الهادرة بتبادلِ زياراتِ مسئولين من المحورين، وكادت الجماهير قبل سويعات أن تتذابح في كل المدن والساحات؟!
الأساس هو سياسات داخلية لا تقعدُ فوقَ علومٍ بحثية ومواقف شعبية متبصرة متجذرة تراكم الموارد لمزيدٍ من التطور الداخلي والتعاون مع الأشقاء والأصدقاء، وتغدو السياسات الخارجية هي انعكاسات مرضية لغياب هذه الرؤى الديمقراطية الوطنية الداخلية.

صحيفة اخبار الخليج
11 مارس 2010

اقرأ المزيد

الصاعد إلى المعرفة

هشام شرابي نموذج للمثقف والمفكر الإنساني متعدد الوجوه والزوايا، الإنسان “الاونيفرسالي”، كما وصفه الشاعر والكاتب التونسي خالد نجار، الذي رسم له صورة بالأبيض والأسود، ليس بالرسم إنما بالكلمات، في “بورتريه” تضمنه الكتاب الذي أصدره “الاتحاد العربي للجمعيات الفلسفية” بعنوان “نقد المجتمع الأبوي – قراءة في أعمال هشام شرابي .نموذج هذا المثقف بات نادرا ليس في العالم العربي وحده، وإنما في الغرب أيضا.
يوم صعد إلى “بسكنتا” الضيعة اللبنانية البعيدة لملاقاة ميخائيل نعيمة كان يعرف ماذا يريد: رؤية فكرية ذات بعد أخلاقي. في أربعينات القرن العشرين كتب نصاً عن الوجودية قبل أن يسمع المثقفون والقراء العرب بهذه التسمية التي سرعان ما غدت موضة في أدب الستينات ومطالع السبعينات من خلال دار ومجلة “الآداب” مع انتشار ترجمات سارتر وكامو.
وسرعان ما وجد شرابي نفسه قريبا من “الحزب القومي السوري الاجتماعي” ومن انطون سعادة شخصياً الذي التفت إلى موهبة وذكاء هذا الشاب الفلسطيني المتقد الذهن. وبعد ذلك بعقود سيقول شرابي عن علاقته بسعادة: “أعادت إليّ ثقتي بنفسي، فقد حررني من ثقافتي الأبوية وكل فكر مسيطر، ومستقبلا من الحزب نفسه ومن أفكاره أيضا.”
اجترح هشام شرابي من اللغة العربية المشدودة إلى معانيها الماضية لغة تقول هذه الحداثة التي تقع خارج عالم العرب. لم يفعل ما فعله كثيرون سواه، لم يرفض الغرب مطلقا ولم يقبله مطلقا، لكنه لم يوفق او يلفق بين هذا وذاك. اختار المغامرة وهو الذي قرأ “نيتشه”، ولما يزل صبياً في مطالع الشباب، ومنه تعلم ان يطرق ما ليس مطروقا، وأن يضع قدميه في المكان المفضي إلى الدروب الجديدة.
لذا لم يكن مصادفة ان يختار “المثقفين العرب والغرب” موضوعا أساسيا يبدأ به عمله الشاق والجاد بحثا عن المعرفة وتأصيلا لها. فعل ما فعله ادوارد سعيد، حمل القضية الفلسطينية إلى الأوساط الأكاديمية والجامعية والإعلامية في الولايات المتحدة، وللرأي العام هناك.
حين سئل بيل كلينتون بعد أن أصبح رئيساً للولايات المتحدة عما إذا كان يعرف القضية الفلسطينية، أجاب: كيف لا أعرفها وهشام شرابي كان أستاذي في جامعة جورجتاون؟!
النقاد الذين حللوا سيرته الذاتية كما كتبها في “الجمر والرماد وصفوها ب “السيرة الفكرية” لأنها تروي ذكريات مثقف عربي وترسم بحس درامي عميق ألوان الصراع القائم بين الفكرة والواقع، بين الحلم والحياة، فكل كائنات الكتاب تتحرك في أرض محروقة هي أشبه ما تكون ب “جحيم” دانتي، حيث لم تبق أمام الراوي سوى الكتابة يلجأ إليها وهو يرى الوطن يتنكب عن أبنائه، والأحلام تذروها الرياح، والموت يسرق أصدقاءه، قبل أن يسرقه.
 
صحيفة الايام
11 مارس 2010

اقرأ المزيد

المثقفون والديمقراطية

على المثقف أن يتسلح بأمرين كي يجدر به أن يكون مثقفاً حقاً، أولهما الذاكرة وثانيهما الشجاعة. الذاكرة صنو الثقافة التي هي بدورها مرادفة للتاريخ، فمثال الماضي ليس دائماً مرآة خادعة. والشجاعة ضرورية للمثقف لأنه يجب دائماً على العقل أن يتحدى أحابيل المجتمع. في هذا السياق تبدو الفلسفة والتاريخ وحدهما القادرين على تكوين هذه الذاكرة وهذه الشجاعة.
هذه الفكرة جاءت في مقدمة كتاب يحمل عنوان «المثقفون والديمقراطية»، هو عبارة عن مجموعة أوراق قدمت في ندوة علمية عقدت تحت هذا العنوان منذ سنوات في فرنسا، وقام الدكتور خليل أحمد خليل بنقلها إلى العربية. اهتمت هذه الأوراق بمناقشة قضايا مفصلية تتصل بالدور الذي يتعيّن على المثقفين الاضطلاع به في ما يوصف بأنه حقبات التوتر السياسي الاقتصادي أو الاجتماعي.
وينطلق أحد الباحثين من ملاحظة جوهرية جديرة بالمعاينة ليس في فرنسا أو أوروبا فحسب، وإنما في البلدان النامية أيضاً، وهي فقدان الشبيبة حماستها للأفكار الثورية الكبرى، مما يدفعنا للتساؤل عما إذا كانت لذلك علاقة بمفاعيل التقدم التقني، الذي يقال إنه يشوّه طبيعة الثقافة تفتيتاً وتمزيقاً، فمن المناسب، على الفور، مجابهة التحدي الذي تطلقه الثقافة في مواجهة العقل.
لذا يأتي الإلحاح على محورية التاريخ، أو الوعي بهذا التاريخ من بابٍ أدق لأن الإنسان في هذا العصر، والمحروم من تاريخه، صار طريدة سهلة لكل أشكال القهر، وأخذ يتخلى عن ثقافته ببطء. «إنه مستعد للبقاء أكثر مما هو قادر على الحياة». هذا الإلحاح على استحضار التاريخ مهم لأن فيه توكيد على مصادر أو جذور الحضارة الإنسانية، وليس الحضارة الغربية وحدها.
وهذه المصادر بدءاً من الأزمنة الإغريقية الرومانية القديمة مروراً بفكر النهضة وروح الأنوار وثورة حقوق الإنسان، والديمقراطية السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، تبدو بمثابة مرتكزات لا بد من العمل على صونها ومعرفتها وإغنائها.
وأمر لافت للانتباه أن مجتمعاً ديمقراطياً عريقاً مثل فرنسا يطرح على نفسه أسئلة بهذا العمق والجدية، ويجد من الضروري التوكيد على الثقافة بوصفها شرطاً من شروط التطور الديمقراطي، وبصفتها بديلاً لضغط الإرهاصات المختلفة التي يتعرض لها الإنسان في عالم ينزع فيه كل شيء ليكون مادياً واستهلاكياً، لتبدو هذه الثقافة فهماً يستوجب مجهوداً إبداعياً وفكرياً لا يرضى بالتكرار اللفظي يمكنه وحده أن يعيد للإنسانية رسالاتها النبيلة.
فالبشرية بحاجة إلى علماء كما هي بحاجة الى رسامين وشعراء وموسيقيين، لذا يتعين النظر الفكري في الثقافة بذاتها ولأجل ذاتها بوصفها قوة ضرورية للوقوف في وجه تنميط الإنسان وتجريده من عالمه الروحي، وإعادة شروط تطوره الحر إليه، حين يصبح لكل فرد مجال إبداع خاص به، ومصدر ثقة في المستقبل، كردٍ على النزوع الرهيب الذي به يتحول العالم إلى »سوبرماركت« كبير.
 
صحيفة الايام
10 مارس 2010

اقرأ المزيد

عن الغفران والنسيان


بعد خروجه من السجن الطويل لم يدعُ نيلسون مانديلا إلى الانتقام من سجانيه هو شخصياً، ومن منتهكي حقوق بني جلدته السود في جنوبي أفريقيا، إنما دعا للصفح. لكنه قال أيضاً: نعم للصفح، لا للنسيان.
قريبة من هذه العبارة قالها أحد المعارضين في بلد أوروبي مكث طويلاً في السجن، تقول: «عفو عام.. لا فقدان للذاكرة».

هذا السلوك المتسامي على الجرح من قبل الثوار أو الرجال العظماء الذين تعرضوا للأذى يذكر بمقولةٍ لكارل ماركس فحواها أن ضحايا الاستغلال هم الأقدر على التمتع بما وصفه بـ «الأخلاق الكونية».
إنهم أكثر حساسية من جلاديهم ومستغليهم تجاه القيم الإنسانية العليا، لذلك فإنهم من يُظهر نبله واستعداده للغفران والصفح.

يبدو نيلسون مانديلا بالذات واحداً من هؤلاء المشبعين بتك القيم الكونية التي تشربها من قراءاته المبكرة للفكر اليساري سنوات شبابه، لذلك فانه بعد خروجه من السجن مرفوع الرأس، رسم لنفسه هدفاً يقضي لا بتفكيك جنوب أفريقيا، وإنما بالعمل على إدماج السود فيها، وحين أصبح في موقع السلطة سعى لإدماج البيض في النظام السياسي الجديد الذي جاء هو على رأسه.

أدرك ما نديلا برهافة الثائر وبُعد نظره وتكوينه الإنساني المنفتح والواسع الأفق أن العقاب والانتقام يمكن أن يقودا البلاد إلى مخاطر كبرى، والى جانب هذا التقدير السياسي الصائب أظهر مانديلا نُبله الشخصي المثالي الذي فيه شيء من نُبل القديسين.

برأي جاك دريدا أن الصفح عن أشياء قابلة للصفح عنها ليس هو الصفح بحد ذاته، «فما هو قابل للصفح مصفوح عنه مقدماً». المعضلة تكمن في الصفح عن الأشياء التي لشدة فداحتها لا تحتمل الصفح، ومن هنا تجيء أهمية العبارة المُدوية لنيلسون مانديلا: «نعم للصفح .. لا للنسيان»، ذلك أن الصفح قرين الذاكرة الحية، فالصفح لا يتم إلا بتذكر واستحضار الأعمال الشريرة كما وقعت بدون رتوش أو ماكياج أو تلطيف، وفق الشرح الذي كان دريدا قد بسطه وهو يتناول الموضوع.
أما مواطنه ادغار مورغان يرى أن الأمم العظيمة لا تستذكر فقط اللحظات المجيدة في تاريخها، وانما تستذكر كذلك اللحظات القاتمة والمعيبة، تلك التي يمكن أن ندعوها البقع السوداء في هذا التاريخ، لا برغبة مازوخية في إعادة تعذيب الذات بتذكر عذابٍ سابق، وإنما برغبة العظة واستخلاص الدروس لكي لا تنشأ مجدداً تلك الظروف التي أنتجت تلك المعاملة الحاطة بكرامة الإنسان.

لا تبدو هذه الأفكار تهويمات نظرية، وإنما تتصل بمعضلات تواجه جميع المجتمعات التي تعبر من مرحلة قمع الدولة وعسفها إلى مرحلة التحول نحو الديمقراطية والتعددية السياسية، فالمراحل السابقة تلقي بكل ثقلها على الحاضر جراء ما ضجت به من آثام وخطايا بحق الضحايا الذين كانوا معارضين لسطوة الدولة وانتهاكها للحريات العامة والفردية، حيث لا يبدو الصفح مقبولاً بدون مداواة جروح هذه الضحايا، عبر اعتراف الدولة بما اقترفته من خطايا بحقهم.
 
 

اقرأ المزيد

أنا والسعدني وعوالي


افتتحت قبل أيام صاحبة السمو الأميرة سبيكة قرينة الملك منتزه عوالي ’ كمكان جديد للاسترخاء والراحة ’ بعد أن قرأنا عن منتزه دوحة عراد ’ والذي لا تزال يد العبث والتخريب تمس مرافقه كل يوم ’ ونجهل الدوافع هل هي ظاهرة تخريب اجتماعي ونهج سلوكي ’’ فاندليزم’’ vandalism له علاقة بالعمر والثقافة أم انه عبث منظم وسلوك سياسي يستهدف عرقلة التحولات الاجتماعية باتجاه التحديث والمعاصرة للبحرين ’ في الألفية الثالثة والمتطلعة نحو المستقبل .

ما أثلج صدري في منتزه عوالي وعراد أو ( ع. ع ) هو إن الأول خاص بموظفيه وعائلاتهم والأخر عام للناس جميعا ’ غير إن الفكرة وجوهرها هو الأهم أن يجد كل شخص مكانا يرتاح فيه بعد عناء اليوم هو وأسرته وأقربائه وأصدقائه ’ فالبحرين في النهاية صغيرة وكل منجز جميل ورائع فيها ’ وبالضرورة ستكون فوائده متعددة .
ما جعل منتزه عوالي مهما بالنسبة لي أمور عدة ’ أهمها إن في عهد الإصلاح السياسي ’ تتجه المؤسسة إلى التعاون بين إدارة بابكو والنقابات والموظفين ’ وصارت مختلفة قياسا بمرحلة ما قبل الإصلاح ’ بل وقياسا ابعد بمرحلة بابكو ’ التي كانت تصنف الموظفين حسب أغلالهم وعبوديتهم كعمال مأجورين أو سادة بيض في موقع أرقى هم أيضا عبيد لرأسمال عالمي .

قد تختلف الأمور كثيرا عن عوالي التي عرفتها وأنا شاب في مقتبل العمر ’ عندما كان علينا أن نزور مرضى من عمال حينما ينامون في مستشفى الشركة ’ كما كنت مولعا بكافتيريا بابكو الذي كان احد الكبار حينا يشتري لنا من هناك فاكتشفت إن هناك سندوتشا مثلثا مقطوعا وملفوفا في ورق شفاف ونظيف بسعر يقارب الثلاثين فلسا ’ إذ لم نر سندوتشات من هذا النوع إلا في مزبلة الحورة ’ حينما تأتي سيارة الجيش من المحرق محملة بزبالة العسكر وطعامهم وملوثاتهم ’ ولكنها في النهاية كانت مفيدة للفقراء وكلابهم ولدفن منطقة بحرية ’ ستكون ذات يوم شارعا للحب أو مدينة الحورة الجديدة ’ التي صارت منطقة فنادق سياحية . فأقول لنفسي لكم عجيب الوقت ان تقف هذه الأبنية الجميلة فوق ركام من زبالة وفئران ورمال وأحجار بيوت هدمت وعالم منسي .

عوالي كانت بالنسبة لجيلنا عالم فردوسي يحلم بالعيش في داخله النخبة الأجنبية ’ حتى وان بدت تلك البيوت بلونها الأخضر الخشبي والمحاطة بأشجار صحراوية باهتة من خضرتها ’ إلا إن تنظيم المدينة وطرقها ونمط العيش فيها بدت زاهية أجمل من المدن العصرية في زمننا . عوالي ما لها والي ’ هكذا كانت الأصوات السياسية تعلن احتجاجها في هتافات التظاهرات على هيمنة الأجنبي ’ على منطقة بدت وكأنها مقاطعة وملكية خاصة ببابكو أشبه بأرض سفارة محمية دبلوماسيا ’ عوالي عالم السينما والأحلام لجيل كامل ’ صارت اليوم في حضن شعبها وأرضها وناسها ’ وسيكبر أبناء هذا الوطن وهم يسمعون عن نشرتها ونجمتها وشعاراتها ’ بل والغريب إن نشرة بابكو هي النشرة الوحيدة التي سمح لنا ضابط السجن بقراءتها عندما قلنا له نريد صحفا وكتبا ومجلات .

هكذا ظلت في ذاكرتنا النجمة الأسبوعية الابنة المدللة لبابكو وصوتها الناطق بالعربية والانجليزية . لم يبق في الذاكرة من زمن بابكو في المخيلة إلا عام 1968 عندما زار البحرين فريق الاسماعيلي المصري للعب ضد منتخبنا الوطني ’ وكنت يومها ضمن الفريق ’ وكان على الاتحاد أن يستضيف في مأدبة عشاء الفريق الضيف ’ وقد أقيم في قاعة بلدية المنامة حفلا لائقا وحارا ’ التقيت فيه محمود السعدني الكاتب المصري الساخر ’ وقد أمطر بنكاته المفتش المصري الغزاوي عندما وجده بثوب وعقال ’ فعندما قدموه للسعدني ’ وكان واقفا بيننا ’ينكت ويتحدث بسخريته ’ فما كان منه إلا وان قال للغزاوي ’’ ’’ هو أنت متنكر ليه ! ’’ فاحمر واصفر وجه الغزاوي مفتشنا المدرسي الكبير . ضمن جولات الفريق الضيف للبحرين زار السعدني عوالي وقارنها بالوضع العام في البحرين ولاحظ الفروقات والامتيازات ’ فكتب مقالا نشر في الأضواء ’ وكان عنوان المقالة ’’ ليتني أموت في عوالي أو ادفن في عوالي (إذا لم تخن الذاكرة ) ’’ وفي نهاية مقالته تمنى أن يدفن هناك لكون المدينة فردوسية ! قياسا بالإحياء الشعبية والقرى المتناثرة .

لم يبق السعدني ولا الغزاوي فقد رحلا من عالمنا ’ ولكن الحكايات ظلت ’ كما ظلت عوالي ’ مكانا تاريخيا من الضروري أن نكتب عنه أقصوصة حب ومعاناة ووطن ’ فرمزية عوالي متعددة ’ فمنها انطلقت الأشياء للبحرين الحديثة ومن شركة بابكو صانعة مدينة عوالي ولدت حياة التقدم والتطور مهما كانت قسوتها الاستعمارية . اليوم منتزه عوالي يتجول فيه أبناء الوطن ويتفقدون أنشطته ’ فهنيئا للنخبة وللطبقة العاملة في هذه الشركة التاريخية . وعندما سأزور المنتزه قريبا ’ سأكتب مقالا بعنوان ’’ ليتني ادفن في منتزه عوالي ’’ .


 
الأيام 9 مارس 2010

اقرأ المزيد

مرثيةٌ للخلاسيِّ الذي جمعَ أجزاءَ الإنتماءاتِ المتشظّية 2 – 2


معرفتي بمجيد مرهون أو بالأحرى رؤيتي له بعيون طفولية كانت قبل ذلك بسنوات، حين درستُ سنة واحدة في مدرسة القضيبيّة، الصف الرابع ابتدائي سنتي 1959 – 1960 (كان يسمى في ذلك الوقت الثاني ابتدائي) وكان بيت مجيد مقابل المدرسة تقريبا.  كان التلاميذ يعرفون ذلك الخلاسيّ،”مجنون” الموسيقى، المولع بالإيقاعات والأصوات،، حيث كانوا يومِئُون له بالبنان، في الوقت الذي بدأ صيته في الانتشار مع آلته الموسيقية، التي كانت تصدح الأنغام عند الأماسي وهو يجوب حول وأطراف قصر القضيبيّة.. حين انبثقت في الظهور أسطورةُ “عازف السايكسفون” ، ذو الألحان الشجيّة وهو يرنو للأفقِ البعيدِ بين السماءِ الزرقاء وشاطىء البحرِ الذهبيّ !
 
إذا لم تخني الذاكرة..عرّفني مباشرة به إبن عمتي، الذي يكبر”مجيد” بسنوات معدودات، وذي علاقةٍ به، حيث كانا يرجعان سوياً من بابكو (شركة نفط البحرين) – في تلك الفترة – وأنا مازلتُ في المرحلة الابتدائية.. لاحظته: شخصاً مرحاً يكاد يرقص طرباّ، لا يقف عن الحركاتِ المتناغمة، بإيحاءاتٍ جسديّةٍ ودندناتٍ صوتيّة، ولا تفارق البسمة وجهه الأسمر الناعم أبداً .. قال لي إبن العمّة : “إنه مجيد سياه!.. العبقريّ المهووس بالموسيقى،، يعيشها ليلاً ونهاراً، يقتات من هذا الزاد ولا يشبع”!  كان مجيدُ يعرف ويدرك أن رفاقه الأقربون يكنّوه بلقب “سياه”(الأسود).. يتقبل ذلك بطيب الخاطر! حاز على إعجابي ودهشتي حين لم ألحظ ان التندر على لونه قد يزعجه.. يبدو أنه كان قد تعود على هذه المزحة، التي لم تكن – بالطبع – من باب السخرية ! ..هكذا كان الجيلُ الثاني من كوادرِ “الجبهة” يتعايشون بتلقائيّةٍ وطيبةٍ نادرتين، وهم يخلطون الهزلَ بالجدِّ ! .. ونحن الجيلُ اللاّحقِ كنا نتابع دروسَ الحياةِ، تترى على يدِ هؤلاء الأشقياء !
 
جرت الأيام وصار بيننا حب ومودّة استمرت سنين طويلة.. كان يقول لي أحياناً أنه يعزّني لأني أحمل اسم أبيه.. يقوله ببساطة نابعة من القلب،،، لم اقابل إنساناً بهذه العفوية في حياتي ! ،، نعم .. يقول نقّاد الفنّ الكبار أن احدى أهم  خصائص الفنّ الرفيع هي “العفويّة”، وكانت هذه إحدى ذخائرِ مجيدِ العديدة،،، لا تذهبوا أبعد أيها الكتّاب.. يا من تبحثون عن سرّ عبقريةِ مجيد مرهون وملحمةِ حياته الرهينة !
 
مازلت أذكرُ، كما يذكر غيري بالطبع، من سكنة منطقة أرض مصطفى بالقضيبيّة، فيما كانوا نيّماً في صبيحة ذلك اليوم غير الاعتيادي، حين أفاقوا فُجأة من رقادهم على صوت دويّ انفجارٍ صاخب !.. لم نعرف وقتئذٍ ما سبب ذلك الصوت الرهيب. بعد ذلك عرف الناس عندما تجمهروا أمام السيارة المفخّخة، العائدة لأحد مسؤولي الأمن الخاص. لم يعرف أحدٌ في حينه من كان وراء تلك الحادثة إلا بعد سنوات معدودات، عندما اعتُقل مجيدُ،، وبقية القصة معروفة للعموم.
 
سنحت لي، كما سنحت لغيري، فرصة السلام والتحية بعد سنواتٍ طوال، لم أرَ فيها مجيدَ بسبب وجوده في السجن لأكثر من عقدين! وبعد ذلك، على أثر رجوعي من الخارج، رئيته ثُانية.. وقد أصبح عضوا بجمعية المنبر الديمقراطي التقدمي،، باركتُ له العمل السياسيّ العلنيّ في صفوف “التقدمي”، مضيفٌ له، أن ما حدث من تحولات إيجابية في الوطن هي بسب نضالات أمثاله.  قال شيئا لم أدرك كنهَه لحظتئذٍ ! ،، قال بما معناه أن له أمّان اثنتان..أمّه التي ولدته وماتت الآن، والأم الخالدة التي لا تموت !! كم شدّني ان أستفسر أكثر عن هذه الخالدة السّرمديّة ؟!  أجاب : “أنها الجبهة (جتوب)، حزب الكادحين، لا بديل لها.. فهي وُجدت لتبقى !” ولكني أجبته مستدركاً ان ما لدينا الآن جبهة علنيّة، عبارة عن “التقدمي”.. لم يتّفق معي تماماً، منهياً حديثه قائلاّ: ..”ان الأم هي واحدة، لا تتعدّد ولكن تتكاثر من خلال الأبناء والبنين. فشرف عضويتي يذهب أولاً للأصل، للأم .. ثم للفرع، البنت أو الواجهة” !  
 
تحادثنا بعد ذلك مراراً وتكراراً،، في أمورٍ حياتيةٍ عديدةٍ، كلّما سنحت الصُّدفة. وكان آخرها، عندما أُدخِل المستشفى، في المرة قبل الأخيرة.. حيث تركَ المرحومُ – وقتئذٍ- إنطباعاً إنسانياً عميقاً لدى زوجتى، التي كانت ترافقني الزيارة تلك، حين تحدث معها بلهجةِ أهلِ الجنوبِ اللّبنانيّ ! ويا للحسرة.. كانت تلك آخر مرّة نرى فيها وجهَ مجيدِ البشوش!… لم أكن أتصور أن هذهِ الشعلةِ الملتهبةِ .. حياةً رحبةً، مشاعرَ عميقةً، إبداعاً متميزاً وفكراً وقاداً.. ستنطفىء قبل الأوان !  ولكن … هل فعلاً انطفأت ؟!.. أم أنها استقرّت وهّاجةً في ملكوتِ الخلود !!
 


المجدُ  لك  يا مجيدُ

 

اقرأ المزيد

نشيد النساء نحـو الحريـة


في مطالع القرن العشرين، وفيما كان العالم يضج بالآمال والأحلام والمشاريع الكبرى، جرت النظرة إلى الحركة النسوية بوصفها إحدى روافع المجتمع الجديد المنشود الذي يحقق الحرية والكرامة والتكافؤ لأفراده من الجنسين. كانت الناس تنتقم من قرون القمع والاضطهاد والكبت الطويلة، وتتوق إلى مرافئ السعادة والعدالة والانعتاق.

حينها انبثقت فكرة اختيار عيد المرأة العالمي، في الثامن من مارس/ آذار كل عام، فسحة لتأكيد حقوق المرأة التي أهدرت عبر التاريخ، وهذا العيد الذي بدأ بدلالات سياسية مباشرة سرعان ما اكتسب مغازيه الإنسانية العميقة كيومٍ للاحتفاء بالمرأة كرديف للحب وللجمال والحنان والأمومة والفضاءات العذبة.

تغيرت أشياء كثيرة في هذا العالم، ودخل عالمنا العربي بالذات مرحلة جديدة تشكل في جوهرها تراجعاً حتى عن قيم التحديث نفسها، وأشد ما تظهر معالم هذا الأفول في العلاقة مع قضية المرأة التي كانت حتى عقود قليلة مضت محكاً أو معياراً لجدية نهج التحديث نفسه، سواء في إطار الحكومات أو في إطار المؤسسات الأهلية أو حتى في الحياة الشخصية، فاشتدت الضغوط على المرأة، إنسانة وموقفاً ورؤية.

وحتى مريدو التحديث أصبحوا أميل إلى التوفيق منهم إلى الجرأة والوضوح والصراحة في ما يتصل بهذا الجانب تحديداً، بالصورة التي يبدو فيها خطاب رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر يوم وصف حال النساء في مصر بأنه بطالة معممة، أو خطاب القاضي قاسم أمين أكثر جرأة ووضوحاً وشجاعة.

وإذ تبدو الدول العربية إجمالاً خجولة ومترددة في العلاقة مع حقوق المرأة، خاصة في ميدان الأحوال الشخصية، إذا ما استثنينا حالات نادرة، فإن بعض التيارات الفكرية والاجتماعية عوضاً عن أن تتوجه نحو معالجة القضايا الجوهرية المتصلة بالتنمية وبالحقوق السياسية توجه جهدها الأكبر نحو مصادرة الهامش المتواضع من الحرية والحقوق التي نالتها المرأة لتفرض إرهاباً ورعباً وتخنق منجزات اللحظة الليبرالية كما يسميها غسان سلامة والتي عرفتها بلداننا العربية في بداية تشكل الدولة الحديثة.

وإذ ننساق فرادى أو جماعات نحو هذا الحجر على المرأة فإننا ندفع مجتمعاتنا إلى ما يشبه الجاهلية الجديدة بحيث نفقد ما تبقى لدينا من فسح ضئيلة للنور.
تعنون النسوية المرموقة فاطمة المرنيسي أحد فصول كتابها القيم: ” الخوف من الحداثة ” بعنوان شديد الدلالة هو:” نشيد النساء: نحو الحرية “. وفيه تذهب إلى أن النساء متلهفات للغوص في المغامرات والمجهول، ورمز ذلك التلهف تلك الأم الفلسطينية الشجاعة التي نشاهدها يومياً على الشاشات تقف غير مرعوبة تجاه الجنود «الاسرائيليين».

وتذهب فيه أيضاً إلى أن النساء العربيات لا يخشين الحداثة لأنها فرصة منتظرة لبناء شيء آخر، «إنهن متلهفات للرسو على تلك الشطآن الجديدة، حيث الحرية ممكنة، فطوال قرون كن ينشدنها وهن سجينات، لكن لم يكن أحد يصغي».

اقرأ المزيد