المنشور

يوم المرأة.. مئة وردة مئة عام


اليوم سيفوح على العالم عطر باقات الورود التي يجب أن تقدم إلى كل امرأة على وجه البسيطة، حيث يحتفل العالم في 8 مارس/ آذار من كل عام بيوم المرأة العالمي. إذا كنت واحداً من مئات ملايين الرجال الذين سيهنئون النصف الآخر فزيّن باقتك بزهرة الأكاسيا ‘الميموزا’ أكثر من غيرها، إذ هي تعتبر الرمز شبه الرسمي لعيد المرأة. وعليك أيضا أن تتذكر بأن هذا اليوم بالذات، الاثنين 8 مارس/ آذار 2010 يصادف الذكرى السنوية المائة على يوم 8 مارس/ آذار 1910م حيث بدأ التقليد بالاحتفاء به على مستوى عالمي.

وقبل أن نعود إلى هذا التاريخ لنذهب إلى أبعد منه. فوجود يوم يهنئون فيه النساء خصوصا، ويحاولون إسعادهن بكل الطرق ليس فقط من بنات أفكار القرن الماضي. وُجد مثل هذا التقليد حتى في زمن روما القديمة. لكن أي يوم بالتحديد، هذا ما ظل يصعب على المؤرخين تحديده. أما كيف استقر العالم فيما بعد على يوم 8 مارس/ آذار، فالشكر على ذلك موصول للاشتراكية الألمانية وعضو الأممية الثانية كلارا تسيتكين، التي أطلقت في العام 1889 شعارها العتيد ‘يا نساء العالم اتحدن’. وبعدها بثماني سنوات تشكلت بمبادرتها في مدينة شتوتغارد الحركة النسوية العالمية ‘مساواة’. ثم تقدمت كلارا إلى المؤتمر النسوي الاشتراكي العالمي الذي انعقد في العاصمة الدانمركية كوبنهاجن باقتراح أن يُحتفل بالثامن من مارس/ آذار من كل عام تحت الاسم الذي أعطاه إياه المؤتمر آنذاك – اليوم العالمي لتضامن النساء الكادحات في العالم في النضال من أجل المساواة مع الرجال.

وجاء هذا الاختيار إحياء لذكرى 8 مارس/ آذار 1857 الذي قامت فيه عدة مئات من النساء الشغيلات في معامل النسيج والأحذية في نيويورك، بحركة احتجاجية ومظاهرات نسائية خالصة لأول مرة. وقد طالبن بتحديد يوم العمل بعشر ساعات فقط وبتحسين ظروف العمل ومساواة المرأة بأخيها الرجل في الأجر. وقد فرقت الشرطة المتظاهرات، لكنهن عدن فاتحدن في نقابة شكلنها. ثم اكتسبت الحركة النسائية العالمية أشكالا نضالية سياسية أرقى. ومنذ العام 1911 أصبحت تعقد في 8 مارس/ آذار لقاءات عالمية سنوية من أجل إلغاء عدم المساواة الجندرية.

لقد ألهم انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا العام 1917 نساء العالم على التحرك من أجل نيل مساواتهن بالرجل سياسيا. وفي العام التالي فقط أحرزت نضالات المرأة العالمية نصرا بانتزاع حق جميع النساء في التصويت والانتخاب في ألمانيا، النمسا، المجر، تشيكوسلوفاكيا، بعد أن كان هذا الحق حكرا على نخب فقط من النساء الغنيات في بعض بلدان أوربا. أما الحركة النسائية الأميركية التي كانت أول من رفع هذه المطالب فلم تحققها إلا بعد سنتين في العام .1920
لم تصل ‘عدوى’ حقوق المرأة السياسية إلى عالمنا العربي إلا بعد قرابة ثلاثة عقود، حيث نالت المرأة في سوريا حق الانتخاب مشروطا بحصولها على التعليم الابتدائي. أما في الخليج، ورغم المطالبات المبكرة منذ مناداة السيدة بدرية خلفان إبان انتفاضة الخمسينات في البحرين فلم يبدأ حصول المرأة على حق أن تكون ناخبة ومنتخبة كما الرجل إلا في عقد السنوات الواقع على تخوم الألفيتين السابقة والحالية ‘عمان وقطر جزئيا، البحرين ثم الكويت’.
غير أن المفارقة هو أن مثل هذا التطور في الأنظمة السياسية لم يحدث عندما كانت القوى الديمقراطية والأفكار التقدمية أكثر تشربا في المجتمع، بل جاء متزامنا ومتعاكسا مع تحولات فكرية تميزت بتوسع نفوذ القوى السياسية الطائفية غير المناصرة لحقوق المرأة من جهة، والمنشغلة بالانقسام والتقاسم الطائفي بين ذكورها أساسا. في مثل هذه الظروف وُظف حق النساء في الانتخاب بنشاط ضد النساء أنفسهن، واللاتي عبئن للتصويت للمرشحين الرجال في انتخابات 2002 و2006 في البحرين وانتخابات 2006 في الكويت. وقد أدى الانقسام الطائفي في مجلس النواب البحريني في دورته الحالية إلى إقرار شق سني لقانون الأحوال الشخصية، من دون الآخر – الشيعي، ما أحدث تمييزا في وضع المرأة على أساس طائفي. أما في مجلس الشورى، حيث وصل عدد من النساء عن طريق التعيين فقد بينت مناقشات قانون العمل فيما يتعلق بالمرأة أن غالبية الشوريات في هذا الجانب تحديدا أكثر انحيازا لمصالح رأس المال منه إلى المرأة العاملة.

وتبدو القوى السياسية الطائفية الطاغية على الخارطة السياسية غير مؤهلة في الانتخابات البحرينية المقبلة لإفساح المجال للمرأة بين صفوفها إلا ربما برمزية محدودة لرفع العتب، وليس إيمانا بدور المرأة.
أما القوى الديمقراطية فلأسباب موضوعية وذاتية قد لا تكون قادرة على إيصال المرأة بوزن يذكر. وبين هذا وذاك يبقى الحل في أن تأخذ المرأة والمنظمات النسائية التي تمثلها قضيتها بنفسها، باستنفار قواها لدعم ترشيح وانتخاب المرأة التي تستحق لتصل إلى المجلس النيابي والمجالس البلدية.

لو عدنا إلى أصل الثامن من مارس/ آذار – كيوم مطالبة المرأة بمساواتها مع أخيها الرجل في الأجر منذ العام ,1857 فإن تقرير التنمية البشرية للعام 2006 يبين بوضوح أن هذه المشكلة لا  تزال حاضرة بكل قوتها في البحرين. لقد شكل إجمالي دخل النساء أقل من ثلثه لدى الرجال حسب التقرير. وإذا أردتم أن تلمسوا هذا التفاوت الصارخ فاسألوا، مثلا، مربيات الأجيال القادمة في رياض الأطفال. أكثرهن يتقاضى ما يقل عن الحد الأدنى للمعاش التقاعدي، وأقل من الحد الأدنى للمعيشة.

وهكذا فإن أمام الحركة النسائية والقوى الديمقراطية والتقدمية ليس الاحتفاء باليوبيل المئوي لعيد المرأة العالمي فقط، بل والتكاتف معا من أجل مواجهة التحديات التي تعترض تحرر المرأة وتقدمها، فبدونها لا حرية ولا تقدم للمجتمع كله.

اقرأ المزيد

من غوانتنامو إلى البحرين… دفاعا عن حقوق الإنسان


كنت منذ العام 2004 وحتى العام 2007 محاميا عن ستة من المعتقلين البحرينيين المحتجزين في معتقل غوانتنامو. وأبلغت الحكومة البحرينية خلال تلك الفترة عن الانتهاكات التي قال موكليّ بأنهم تعرضوا لها على يد أفراد تابعين للحكومة الأميركية. وعلى إثر ذلك صدرت الإدانات من المسئولين الحكوميين والبرلمانيين البحرينيين وكذلك الإعلام البحريني، إلا أنه لم يطلب مني مُطلقا – ولو حتى لمرة واحدة – أن أقدم البراهين الداعمة والمؤكدة على أن تلك الانتهاكات حصلت فعلا (على الرغم من وجود تلك البراهين في عدة حالات).

وكنت أيضا كاتب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الأخير – والذي صدر في 8 فبراير/ شباط 2010، والذي خلص إلى أن مسئولين في أجهزة الأمن البحرينية مارسوا التعذيب وغيره من الانتهاكات. إلا أن أكثر ما يبعث على الدهشة هو أن العديد من المسئولين والبرلمانيين البحرينيين الذين أدانوا – بشكل فوري – الولايات المتحدة بسبب معاملتها لموكليَّ في غوانتنامو، هم أنفسهم من بادروا بالتصريح بنفس السرعة، على أنه ينبغي عدم التسليم بما ورد في تقرير هيومان رايتس ووتش.
والسؤال عن السبب هنا سؤال جيد، إذ إنهم يدعون بأن التقرير يعتمد كلية إلى روايات لمعارضين سياسيين – إذ يتعين وبصورة تلقائية عدم الأخذ بادعاءات المعارضين- وأن التقرير لا يحتوي على ما يثبت صحة تلك الروايات.

إنه لأمر محبط، وإن لم يكن للأسف متوقعا من أولئك الذين قبلوا بادعاءات وقوع انتهاكات ضد مواطنيهم خارج البلاد أن ينفوا بصورة تلقائية ادعاءات مماثلة لمواطنيهم المعتقلين داخل البلاد.

إضافة إلى أن من يدعون أن التقرير يفتقر إلى براهين الإثبات حتما لم يقوموا بقراءة هذا التقرير، فالتقرير الذي يحمل عنوان «التعذيب يُبعث من جديد: إحياء سياسة الإكراه الجسماني أثناء الاستجواب في البحرين» يستشهد – إضافة لشهادات الضحايا – بقدر كبير من المستندات التي أعدت من قبل موظفين لدى الحكومة البحرينية، بمن فيهم المكلفين بإجراء الفحوصات الطبية، الأمر الذي يؤكد صحة الروايات التي استمعنا إليها حول التعذيب.

وإن كان لنا أن نسوق مثالا واحدا، فإن تقريرا أعد بمعرفة أطباء وزارة الصحة بشأن المعتقلين في قضية «كرزكان» – وهي واحدة من تلك القضايا التي تناولها تقريرنا – كشفت عن أن العديد من الإصابات تتوافق مع ما زُعم من انتهاكات، الأمر الذي حدا بالقاضي إلى إسقاط كافة التهم الموجهة للمدعى عليهم إجمالا. وهذا في حد ذاته أقوى إثبات مما طالب أي بحريني بتقديمه فيما يتصل بحالة موكليَّ في غوانتنامو. ويشير تقريرنا إلى العديد من الأمثلة المشابهة.

كثيرا ما قلت في شأن معتقل غوانتنامو، أنه حتى وإن اعتقد الناس أن كافة المعتقلين كاذبون، فإن المستندات التابعة للحكومة الأميركية أثبتت وقوع هذه الانتهاكات. والأمر ذاته ما هو حاصل في حالتنا هذه. فحتى وإن كانت هناك شبهة على أن كافة الأشخاص الذين أجرينا معم المقابلات أدلوا بشهادات غير صحيحة، وهو ما سبق أن أوضحنا مبررات عدم اعتقادنا فيه، فإن المستندات التابعة للحكومة البحرينية لا تدع مجالا كبيرا للشك في وقوع تلك الانتهاكات.

يشكو المسئولون الرسميون أيضا من عدم تناولنا لردود الحكومة البحرينية تجاه الدعاوى بوقوع التعذيب وهذه ادعاءات باطلة. فقد أفردنا قسما كاملا من التقرير للبيانات الشفهية التي أدلى بها المسئولون الحكوميون البحرينيون، والتي فيها ينفون وقوع انتهاكات بحق أي فرد. ويرجع خلو التقرير من ذكر أية استجابة أخرى لتجاهل المسئولين الحكوميين للخطابات التي أرسلناها ونطالب فيها بالمزيد من المعلومات التفصيلية وذلك خلال شهري أكتوبر/ تشرين الأول، وديسمبر/ كانون الأول 2009. إلا أن وزارة الداخلية في واقع الأمر قدمت ردا كتابيا قبيل إصدارنا للتقرير بيوم واحد فقط، فماذا كان فحوى رد الوزارة؟ دار في معظمه حول أن القانون البحريني الذي يحظر التعذيب (وهو ما ليس بموضوع نزاع بيننا) وأن البحرين تلتزم بضمان عدم وقوع التعذيب (وهو ما نتطلع إليه). كما تناول الرد بصورة عامة القضايا التي استقينا من خلالها روايات عن وقوع التعذيب. ومن الغريب أن الرد ذكر أيضا أن واحدة من تلك القضايا الثلاث التي حققنا فيها، ونعني قضية الحجيرة، كانت تتعلق بشخصين على ارتباط بتنظيم القاعدة، وفي الحقيقة إن تلك القضية شملت عشرات المعتقلين يفترض أنهم أَرسلوا إلى سوريا بمعرفة شخصيات تنتمي للمعارضة البحرينية بغرض تلقي التدريب على الأعمال الإرهابية. وهذا الخطأ الفادح يوحي بأن أحدهم طُلب منه أن يكتب ردا ما في اللحظات الأخيرة.

إلى جانب هذا أثار الرد عدة نقاط محددة يتضح بطلانها جليا للعيان. ومنها مثلا أن قرار المحكمة بإسقاط كافة التهم في قضية كرزكان لا علاقة له بالانتهاكات البدنية. إلا أن من يقرأ قرار المحكمة يتبين مقدار ما اكتسبته مسائل الانتهاكات من أهمية. كما وأن الرد ذكر أن الأطباء في قضية جدحفص (وهي ثالث القضايا التي تناولها تقريرنا) شهدوا بأن ما اكتشفوه من إصابات واضحة في أجساد المعتقلين لربما تكون نجمت عن الاستخدام المعتاد للقيود، في حين أن ما ورد بمحاضر جلسات المحكمة يظهر أن الأطباء أفادوا بأن الإصابات التي اكتشفوها لم تكن نتيجة لذلك السبب.

وإننا إذ نقدر إشارة بعض المسئولين البحرينيين الآخرين إلى أن تقريرنا طرح أمورا تتطلب اهتماما وتحريا إضافيين. فإننا على أمل أن يتم فتح تحقيق محايد وإشراك شعب البحرين من خلال اطلاعهم على نتائجه.

أما بالنسبة لي، فسوف أواصل العمل لصالح حفظ حقوق أولئك الذين تعرضوا للانتهاكات، بعيدا عن عرقهم أو دياناتهم، وبغض النظر عما إذا كانت الانتهاكات وقعت في معتقل غوانتنامو أو في مملكة البحرين. 
  

الوسط  الخميس 04 مارس 2010م 
  
 

اقرأ المزيد

مجيد مرهون..البقية في حياة الأجيال


لم يكن المناضل الراحل عبد المجيد عبدالحميد مرهون، مجرد فنان استطاع بعد أكثر من 30 عاما في دراسة وتطبيق وتأليف وتدريس علم الموسيقى، أن يشيد مدرسة فنية مميزة بطابعه الخاص، أصبحت بعد فترة من الزمن تضاهي بعض المدارس الموسيقية على المستوى العالمي، وأن يؤسس «منهجية ساكسوفونية» خاصة أصدرها في كتاب صدر منه الجزء الأول تحت عنوان: «الأسس المنهجية لدراسة نظرية الموسيقى (239 صفحة – من الحجم المتوسط) في مايو/ أيار 1994، استعرض خلاله الكثير من تجاربه المبدعة في علوم الموسيقى المستخدمة في الوطن العربي وأوروبا، بل كان ناشطا سياسيا وثائرا وطنيا لعب دورا مميزا في النضال الوطني إبان حقبة الانتداب البريطاني في البحرين، التي سادتها مرحلة شديدة التعقيد والسرية والقمع المطلق، حيث كانت حركات التحرر الوطني البحرينية تناضل من تحت الأرض من أجل الحرية والديمقراطية وجلاء الانتداب الغاصب عن تراب الوطن وكذلك التبعية الأجنبية.

ففي أوائل الستينيات من القرن الماضي، وفي نفس الوقت الذي اشتد فيه وطيس الصراع بين حركات التحرر الوطني العربية وغيرها حول العالم ضد قوى الاستعمار والامبريالية العالمية، التي استندت سياساتها إلى القوة العسكرية الغاشمة والهيمنة المباشرة على ثروات وحياة الشعوب الفقيرة والنامية، وأخذت خلالها حركات التحرر الوطنية والعالمية في المستعمرات تطالب بحرية إرادتها واستقلالها الوطني، انخرط مجيد مرهون في صفوف القوى الثورية التي قادت النضال في البحرين ضد المستعمر الغاصب الأجنبي، وأصبح عضوا في قواعد جبهة التحرير الوطني البحرينية إحدى الفصائل المركزية في الحركة الوطنية البحرينية، مأخوذا بالأفكار والثقافة النضالية التحررية السائدة في البحرين خلال تلك الحقبة الزاخرة بالحماس والرموز الوطنية الكبيرة، يناهض الآمر الواقع المؤلم في حياة شعب البحرين، ويسعى، كما هو شأن كل مناضل ثوري لتغييره بمختلف الوسائل الممكنة المشروعة، ففي ظل كل واقع مرير لا يمكن لأي مواطن مخلص لشعبه ووطنه أن يستسلم أمام من كان بيده قرار التسلط والقهر وخنق الأفكار وحرمان الناس من حقوقهم ومطاردتهم وزجهم في السجون بذريعة المحافظة على استتباب الأمن والاستقرار وصد المخاطر المحدقة الخارجية .

ولا شك أن مجيد مرهون وغيره من المناضلين الحقيقيين الغيارى على المصلحة الوطنية، كانوا يمثلون «النموذج» لهذا النوع من النضال.
وقد ظل الاعتقاد السائد ذلك الوقت في البحرين، بأن قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تحميهم بقوة حراب الانتداب وقبضته «الحديدية الطاغية» على كل مفاصل الدولة والمجتمع، هم في منأى عن المحاسبة والمساءلة وحتى القصاص منهم بالوسائل الثورية المشروعة، حتى أوضحت حادثة «الاغتيال» التي تعرض لها أحد كبار ضباط الجهاز الأمني البريطاني في إدارة «القسم الخاص – جهاز الاستخبارات والتعذيب في البحرين» الذي كان يفتك بالمناضلين ويقلق مضاجعهم الآمنة، ومساعده، عكس ذلك، فقد استطاعت الأجهزة الأمنية بعد هذا الحادث أن تلصق تهمة «محاولة الاغتيال» إلى مجيد مرهون، الذي لم ينتظر طويلا في أقبية التعذيب الوحشي الذي تعرض له أيادي كبار الضباط البريطانيين وغيرهم من جلاوزة الأمن لانتزاع المعلومات، قبل أن تصدر ضده محاكم الانتداب، بالحكم المؤبد في العام 1968، قضى منها 22 عاما في صومعة معزولة بجزيرة «جدا» المخصصة للأحكام الطويلة والمؤبدة، ثم سجن «جو» الرهيب، الذي استقبل كواكب من أبناء البحرين المناضلين خلال الانتفاضة الدستورية في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يطلق سراحه في العام 1990، وظل يوصف بـ «نيلسون مانديلا – البحرين»، نظرا للفترة الزمنية التي قضاها المناضل نيلسون مانديلا، في سجون نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا طوال 22 عاما من الزمن، بسبب نضالاته من اجل الحرية والديمقراطية ونبذ التمييز العنصري وتأسيس نظام العدالة والمساواة الاجتماعية والتعايش السلمي وحقوق الإنسان .

لقد سبق الموت، السياسي والفنان مجيد مرهون، الذي ظل يعتبر واحدا من رموز النضال في البحرين، والذي كان دائما يترفع عن لبوس المظاهر الخادعة والامتيازات الدنيوية الزائلة، ويكتب مؤلفاته الموسيقية ويستوحيها من نضالات الثوار وعمالقة الفن، ومن طقوس عاشوراء المكللة ببطولات ثورة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) ضد الظلم والاستبداد واستغلال الناس ونهب ثرواتهم، من دون أن يرى معظم أحلامه الإنسانية الرائعة التي ضحى من أجلها تتحقق على ارض الواقع، لكنه بكل تأكيد ظل واثقا أن هذه المهمة الوطنية الكبيرة، ستنجزها من بعده الأجيال القادمة التي لن تنسى أبدا دور مناضليها وشهدائها، وسترفع من بعدهم راية النضال من أجل تحقيق الحلم الديمقراطي الحقيقي والجوهري .

وإذا كان هناك من يعتقد أن من قدم التضحيات الجسام في سبيل الوطن، سيكون نسيا منسيا بعد الوفاة، فإنه على خطأ، لأن التاريخ سيحفظ لكل قرابين الحرية دورهم ويرفع من شأنهم درجات في جنات الخلد، على عكس الخائفين واليائسين والعاجزين .

رحمك الله يا مجيد مرهون وأسكن روحك الجنة مع جميع الشهداء الأبرار.
 


الوسط  05 مارس 2010م

اقرأ المزيد

ما الذي‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬الشرق الأوسط؟

ما الذي‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬الشرق الأوسط؟ سؤال تطرحه جملة تطورات مثيرة ومريبة قطعت في‮ ‬الآونة الأخيرة حالة المراوحة التي‮ ‬تشهدها المنطقة منذ فترة،‮ ‬سواء على صعيد الحراك السياسي‮ ‬والدبلوماسي‮ ‬أو على صعيد التسخينات العسكرية المتقطعة التي‮ ‬تحدث بين الفينة والأخرى على جبهة الصراع العربي‮ ‬الإسرائيلي،‮ ‬بما فيها بؤرة المواجهة الساخنة الغزاوية الإسرائيلية‮.‬
جهاز المخابرات الإسرائيلية‮ ‘‬الموساد‮’ ‬يرسل فريقاً‮ ‬من القتلة إلى دبي‮ ‬لتتبع وتصفية القيادي‮ ‬في‮ ‬حركة حماس محمود المبحوح،‮ ‬حيث قاموا بتنفيذ جريمتهم مساء‮ ‬يوم التاسع عشر من‮ ‬يناير الماضي‮ ‬في‮ ‬أحد فنادق دبي‮ ‬حيث كان‮ ‬ينزل المبحوح‮.‬
بعد ذلك بأيام تعلن إيران عن نجاحها في‮ ‬تنفيذ عملية أمنية مثيرة ألقت خلالها القبض على عبدالمالك ريجي‮ ‬زعيم ما تسمى بمنظمة‮ ‘‬جند الله‮’ ‬يوم الثلاثاء‮ ‬23‮ ‬يناير الماضي‮ ‬أيضاً،‮ ‬حيث كان في‮ ‬طائرة قرغيزية متجهة من دبي‮ ‬إلى جمهورية قرغيزستان السوفييتية السابقة قبل أن تعترضها مقاتلتان إيرانيتان من طراز إف‮-‬5‮ ‬وتجبرها على الهبوط في‮ ‬مطار بندر عباس ثم تقتاد ريغي‮ ‬ومساعده حمزة وأفراد حمايته القرغيزيين الخمسة إلى طهران‮.‬
وكانت الصحافة الأمريكية ومن ثم الحكومة الباكستانية قد أعلنت قبل ذلك ببضعة أيام فقط نبأ اعتقال نائب الملا عمر زعيم طالبان،‮ ‬في‮ ‬مكان ما في‮ ‬مدينة كراتشي‮ ‬الباكستانية‮. ‬وفيما قالت واشنطن إن الاعتقال تم بعمل مخابراتي‮ ‬أمريكي‮ ‬باكستاني‮ ‬منسق،‮ ‬تواردت أنباء عن دور إيراني‮ ‬سهل عملية الاعتقال‮. ‬ويقال أيضاً‮ ‬إن تصريح السفير الباكستاني‮ ‬في‮ ‬طهران بأن بلاده قد ساعدت طهران في‮ ‬إلقاء القبض على عبدالمالك ريجي‮ ‬ليس مستبعداً‮ ‬ارتباطه باعتقال الرجل الثاني‮ ‬في‮ ‬حركة طالبان‮. ‬وتتوالى الأحداث‮ ‘‬الجيمس بوندية‮’ ‬تباعاً،‮ ‬فتصدم صحيفة‮ ‘‬هآرتس‮’ ‬الإسرائيلية حركة حماس بمفاجأة جديدة،‮ ‬بكشفها عن نجاح إسرائيل في‮ ‬تجنيد نجل أحد أبرز قادة حماس ومؤسسيها وهو مصعب نجل الشيخ حسن‮ ‬يوسف المعتقل حالياً‮ ‬لدى إسرائيل،‮ ‬وأنه سوف‮ ‬يصدر كتاباً‮ ‬باللغة الإنجليزية في‮ ‬مارس الجاري‮ ‬باسم‮ ‘‬ابن حماس‮’ ‬يروي‮ ‬فيه الأعمال الجاسوسية التي‮ ‬قام بها لصالح المخابرات الإسرائيلية ومن بينها دوره في‮ ‬إحباط عملية اغتيال الرئيس الإسرائيلي‮ ‬شيمعون بيريز عندما كان وزيراً‮ ‬للخارجية‮.‬
حقاً‮ ‬إنها تطورات متلاحقة بالغة الإثارة‮. ‬أما المثير فيها فهو الصعود البارز لدور أجهزة المخابرات في‮ ‬صنع أحداثها‮. ‬فهل قررت الأطراف المتجابهة في‮ ‬الشرق الأوسط الاستعاضة عن الحرب التقليدية بحرب الأجهزة الأمنية؟ أو أنها أرادت تعويض معاركها الكبرى بمعارك أقل شأناً‮ ‬للاحتفاظ بسخونة الوضع والمواجهة اتساقاً‮ ‬مع أقطاب مصالح‮ ‘‬السخونة الدائمة‮’‬؟
إن الأمر المُسَلَّم به في‮ ‬إشكالية هذه الحوادث المتوالية،‮ ‬هو أن إسرائيل بحد ذاتها تشكل عامل عدم استقرار دائم في‮ ‬منطقة الشرق الأوسط برمتها‮. ‬فهي‮ ‬دولة بوليسية تنام وتصحو على هواجسها الأمنية،‮ ‬كما إنها بحاجة دائمة لتذكير الغرب المؤسس لها والضامن لوجودها بأن هذا الوجود مهدد باستمرار من جانب‮ ‘‬الأعداء‮’ ‬الشرق أوسطيين‮.‬
فما بالك بهذه الإسرائيل وهي‮ ‬تُحكم اليوم من قبل مجموعة من القتلة مثل وزير الدفاع إيهود باراك صاحب ملف السوابق في‮ ‬عمليات القتل والتصفية الجسدية الخارجية لقيادات فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية لعل أبرزها قيادته لعملية فردان في‮ ‬بيروت أوائل سبعينيات القرن العشرين الماضي‮ ‬والتي‮ ‬اغتال خلالها كمال ناصر وكمال عدوان وأبويوسف النجار‮. ‬ناهيك عن وجود شخص مغرق في‮ ‬تطرفه لحد إقحامه الدين اليهودي،‮ ‬على الطريقة‮ ‘‬البوشية‮’ ‬بشكل فج في‮ ‬القضايا السياسية،‮ ‬على رأس حكومتها،‮ ‬نعني‮ ‬بذلك بنيامين نتنياهو الذي‮ ‬لا‮ ‬يقل عن إيهود باراك في‮ ‬حماسه لتنشيط إحدى فرق الموت في‮ ‬الموساد لتنفيذ جرائم قتل خارج الحدود،‮ ‬فهو من أمر بتصفية خالد مشعل رئيس المكتب السياسي‮ ‬لحركة حماس في‮ ‬عمّان،‮ ‬وهي‮ ‬العملية التي‮ ‬انتهت إلى فشل ذريع وفاضح كما نعرف‮.‬
بهذا المعنى فإن قيام حكومة إسرائيل بتحريك إحدى فرق الموت لديها‮.. ‬إلى خارج حدود الدولة العبرية،‮ ‬في‮ ‬سوريا ولبنان ودبي‮ ‬وربما في‮ ‬أماكن أخرى،‮ ‬لا‮ ‬يقتصر هدفه على الجوانب الجرمية الخالصة وإنما هي‮ ‬تريد من ورائها إرسال رسائل سياسية إلى عديد الأطراف في‮ ‬المنطقة،‮ ‬منها سوريا وإيران وحتى الولايات المتحدة التي‮ ‬كان رئيسها باراك أوباما تحمس لتفعيل وتسريع عملية قيام الدولة الفلسطينية بتفريغه جورج ميتشيل تماماً‮ ‬لإنجاز هذه المهمة‮.‬
ولعل إعلان نتنياهو ضم الحرم الإبراهيمي‮ ‬ومسجد بلال بن رباح إلى قائمة التراث اليهودية تندرج في‮ ‬إطار هذا التصعيد المعنون للأطراف السالف ذكرها‮.‬
ويبدو أن هذه الأطراف،‮ ‬خصوصاً‮ ‬سوريا التي‮ ‬تسلمت عبر عدد من المندوبين الأوروبيين،‮ ‬رسائل تهديد إسرائيلية،‮ ‬قد فهمت الرسائل الإسرائيلية،‮ ‬فأرادت أن ترد عليها على طريقتها الخاصة‮. ‬فكان لقاء القمة الإيراني‮ ‬السوري‮ ‬في‮ ‬دمشق بين الرئيس الإيراني‮ ‬أحمدي‮ ‬نجاد والسوري‮ ‬بشار الأسد في‮ ‬الخامس والعشرين من فبراير الماضي‮ ‬والذي‮ ‬انضم إليه لاحقاً‮ ‬أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتسع اللقاء ليشمل عدداً‮ ‬من قادة المقاومة الفلسطينية،‮ ‬حيث أسفرت اللقاءات عن‮ ‘‬إعلان الجهوزية والاستنفار لمواجهة احتمال قيام إسرائيل بعدوان،‮ ‬والتأكيد على المواجهة المباشرة وعدم ترك العدو‮ ‬يحدد سياق أي‮ ‬معركة مقبلة وإطارها،‮ ‬ورفض التهديدات التي‮ ‬تتولى جهات أوروبية نقلها إلى سوريا والتي‮ ‬تستهدف وقف دعم المقاومة في‮ ‬لبنان وفلسطين من جهة،‮ ‬واتخاذ دمشق خطوات أحادية إزاء التفاوض مع تل أبيب من جهة ثانية‮.‬
في‮ ‬تاريخ الحروب‮ ‬يقال إنه عندما تتكثف أعمال التجسس وتزيد حركة إحمائها عن المعتاد،‮ ‬فإن ذلك‮ ‬يعد فألاً‮ ‬مشؤوماً‮ ‬ينذر بحدوث انعطاف حاد في‮ ‬الأحداث قد‮ ‬يتجسد في‮ ‬عمليات حربية،‮ ‬قد‮ ‬يكون مشعلوها استهدفوا حلحلة التخندقات السياسية السائدة،‮ ‬وجعلها بالتالي‮ ‬حرباً‮ ‬خاطفة ومحدودة النطاق،‮ ‬فإذا بهم‮ ‬يفاجأون بمعطيات تتصل بالطرف أو الأطراف الأخرى المستدرجة‮ (‬بفتح الراء‮) ‬لهذا النزاع لم تكن ضمن حسابات الطرف المحرِّك له‮. ‬ومثلما جاءت نتائج جريمة اغتيال المبحوح في‮ ‬دبي‮ ‬بما لا تشتهي‮ ‬سفن قيادات الموساد الإسرائيلي،‮ ‬حيث تحول العمل الجاسوسي‮ ‬الذي‮ ‬أرادت حكومة القتلة في‮ ‬تل أبيب إسباغ‮ ‬البطولة عليه،‮ ‬إلى أضحوكة في‮ ‬نظر الرأي‮ ‬العام الدولي‮ ‬بعدما نجحت شرطة دبي‮ ‬في‮ ‬كشف كل المستور المتصل به على الملأ،‮ ‬فإن من‮ ‬غير المستبعد أن تؤول المغامرة الحربية التي‮ ‬تدور في‮ ‬الرؤوس الصهيونية الحامية إلى نفس المآل الذي‮ ‬انتهى إليه عملهم الجاسوسي‮ ‬الخائب في‮ ‬إمارة دبي‮.‬
 
صحيفة الوطن
6 مارس 2010

اقرأ المزيد

تنميات ورؤية ..!

في البحرين لدينا أربع “ تنميات “ .. بمعنى أربع جهات رسمية موكل لها أمر التنمية وبلوغ أهداف معينة ، الأنظار والرادارات مصوبة عليها ، خاصة في ظل الأولوية والإلحاح اللذين تحتلهما هذه الأهداف لاعتبارات نحسبها معلومة .
هناك مجلس للتنمية الاقتصادية، ومعهد للتنمية السياسية ، كما لدينا وزارة للتنمية الاجتماعية ، وبنك البحرين للتنمية ، وينبغي أن نلاحظ أن هناك “ تنميات “ أخرى يتم تداولها كالتنمية المستدامة التي أكد عليها جلالة الملك قبل أيام واعتبرها في طليعة الأولويات في سبيل تحسين مستوى معيشة المواطن .
وللإحاطة فإن التنمية المستدامة تعرّف بأنها عملية تطوير الأرض والمدن والمجتمعات بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر بدون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها، وهي تجري في ثلاث مسارات رئيسة هي النمو الاقتصادي وحفظ الموارد الطبيعية والبيئة، والتنمية الاجتماعية .
وهناك أيضاً التنمية الحضرية التي وافق مجلس الوزراء مؤخراً على اطلاق خطة عامة لتنفيذ مشروع يعني بهذا النوع من التنمية، وهو مشروع وصفه وزير شئون البلديات والزراعة بأنه ديناميكي ويهدف الى تحقيق استدامة القرى حضرياً واجتماعياً واقتصادياً .
أن المرء لا يسعه إلا أن يرحب بتلك المبادرات والبرامج والمشاريع بقدر ما يرحب بكـــــل “ التنميات “ المطروحة في الميادين المختلفة، مثل التنمية الإدارية، والتنمية البشرية ، والتنمية الثقافية ، والتنمية الزراعية، والتنمية المائية وغير ذلك من التنميات، والقائمون على أمور كل “ تنمية “ يرون بأن التنمية المعنيون بها هي الأساس وهي المحور لأي تنمية، وبصرف النظر عن ذلك ومع التسليم بأهمية تلك “ التنميات “ جميعاً ، إلا أن ثمة قائمة من الأسئلة التي تبحث عن إجابات حول الكثير من مجريات الأمور لكثير من جوانب التنمية في تلك الميادين، وحول مساراتها، وحول تصميم الأولويات الخاصة بها وبصوابيتها ونوعية الفائدة أو الإنجاز المحقق، وهذه مسألة تختلف حولها الرؤى والتقييمات ووجهات النظر ، لاسيما عندما ينظر للتنمية من زاوية ضيقة ينصب اهتمامها على النواحي العمرانية والإنشائية التي ألفناها تدشن في مهرجانات إعلامية ، أو حصرها في القوالب الشكلية أو الأطر المعدة، أو السلع المستوردة ، أو إبقائها في كثير من الأحيان في زاوية الشعارات التي ترفع للتدليل على تقدمنا أو ممارستنا للتنمية، مما يبقينا في دائرة البيانات والأرقام والنماذج والتوجهات وحتى الخطط التي أن وجدت لا يعني بالضرورة التزاماً بها أو قدرة على تنفيذها ، أو وضوحاً في الرؤية لأهدافها الحالية والمستقبلية ، ورغم أن المتفق عليه بأن الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها في كل الحقول والميادين وأنه لا يجب أن يعيش على هامش التنمية التي هي عملية حضارية شاملة لمختلف أوجه النشاط في المجتمع بما يحقق بناء الإنسان وتحرير له وتطوير لقدراته للعمل البناء ، فإن التنمية بالنهاية هي اكتشاف لموارد المجتمع وتنميتها والاستخدام الأمثل لها، وليس غريباً أن يربط مفهوم التنمية بمفهوم المواطنة وما تقتضيه من مشاركة والتزامات وإلا لن تصل التنمية الى غايتها ولن تمس الإنجازات المستهدفة جوهر التنمية .
انطلاقاً من ذلك ربما علينا أن ننظر بكثير من الجدية والاهتمام لرؤية البحرين الاقتصادية 2030 التي تسعى الى تحقيق أهداف تنموية جوهرية تحدد الاتجاهات العامة للمستقبل .
جميل أن تكون لدينا ولأول مرة مثل هذه الرؤية بمبادئها الأساسية الثلاثة : الاستدامة، التنافسية والعدالة، والأجمل أن لا تكون ما احتوته هذه الرؤية مجرد تنميات أو طموحات على الورق وإنما رؤية خاضعة للقياس والتقييم والقدرة على التوازن بين مصلحة الجيل الحالي ومصلحة الأجيال القادمة، وقادرة على المضي نحو التنمية بقدرات راسخة ومتطورة، قدرة اقتصادية دافعة ومتعاظمة ، وقدرة اجتماعية متفاعلة ومشاركة ، وقدرة سياسية داعمة وموجهة ، وقدرة على إدارة التنمية بكفاءة وفاعلية ونزاهة لتوجيهها الوجهة الصحيحة التي لا تجعل المجتمع متقدم مظهرياً بينما هو يعاني الكثير من أسباب التخلف .هذه الرؤية التنموية تواجه تحديات حالها أي مشروع وطني كبير .. لعل أبرزها المتصلة بالزيادة المطردة في عدد السكان والذين بلغ عددهم حسب آخر الأرقام الرسمية المعلنة مليون و107 الآف نسمة، الى جانب محدودية الموارد الطبيعية وسوء استغلالها، ونقص الأراضي ، ونقص الموارد المائية، والحاجة الى الإصلاح الإداري والشفافية، وعدم توافق مخرجات التعليم مع حاجة التنمية ، والتطبيق العادل للقوانين واستئصال الفساد وعدم هدر أموال التنمية، وضرورة تفاعل كافة فئات المجتمع معها وليس فقط متخذي القرار والجهات الرسمية وأصحاب الأعمال ، وغير ذلك من التحديات التي يفترض أن تكون الهاجس والشغل الشاغل لكل القطاعات في المجتمع للحصول على أفضل ناتج ممكن من التنمية في ظل آمال كبيرة ستظل معلقة ما لتم تكن قضية التنمية هي قضيتنا الأولى بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية ، فهل نجعل التحديات التي تواجه التنمية شغلنا الشاغل حقاً دون تسييس أو طأفنة حتى لا نتلهى في أمور تزيد الطين بلة .
 
صحيفة الايام
6 مارس 2010

اقرأ المزيد

على أية طاولة تشتغلون؟

أحرص حين التفكير في شراء طاولة مكتب أن تكون هذه الطاولة عريضة وواسعة حتى تتسع لأوراق وملفات أكثر، وفي محل بيع الأثاث ترتسم في ذهني صورة للطاولة وهي تأخذ مكانها في المكتب بصورة مرتبة، وأقول أني سأتعلم من دروسي الماضية ولن أسمح للأوراق والملفات وقصاصات الجرائد وسواها أن تتراكم فوق الطاولة حتى لا تكاد تترك لي متسعاً ولو ضيقاً لكتابة مقالي اليومي.
ومن تجربتي فاني في أول أسبوعين أو ثلاثة من شراء الطاولة أواظب على ألا تتكدس عليها الأوراق، فاكتفي بزاوية صغيرة في طرف الطاولة أضع فيها ما أحسبه “أوراقاً مهمة” أو أوراق احتاجها، وسوى ذلك أضعه في الأدراج أو رفوف المكتبة، وأظل أنظر بسعادة إلى سطح الطاولة الفارغ من كل شيء تقريباً، محرضاً على الشغل.
لكن الأمر لا يطول على هذا الحال “فمن شب على شيء شاب عليه” – كما يقولون، فسرعان ما تتراكم الكتب والأوراق والقصاصات وأصول المقالات، ويختفي لون سطح الطاولة تحت ركام الورق والكتب، كما أراها الآن أمامي وأنا أكتب هذه السطور.
هذا المنظر ينفرني من إعداد ورقة أو بحث لندوة أو مؤتمر، لأني ما أن أنظر للطاولة وهي على هذا الوضع حتى أقرر تأجيل البدء في إعداد الورقة لحين ترتيب الطاولة، ولأني حريص على أن أقوم بنفسي بهذه المهمة، فإنه يتعين علي انتظار اليوم الذي يكون فيه مزاجي مزاج هذا النوع من الشغل، وأنصرف إلى فرز الأوراق والقصاصات المتراكمة على الطاولة، وأبدأ ذلك بهمة وحماس كي أعيد للطاولة “فضاءها الحر” الذي غيبته الأوراق، وأجد نفس أغرق في قراء تلك المكدسات، لا كتشف بعد حين أن الوقت مر وأن الهمة تباطأت والحماس قد خف، صحيح أن الطاولة أصبحت مشرقة وخالية من ركام الورق، لكن مزاج العمل نفسه قد تبدد.
حرضني على رواية هذه التجربة ما أرسله لي صديق عبر “الانترنت” عن دراسة شملت أكثر من خمسة آلاف مكتب لدراسة الجوانب النفسية لأصحابها، وقد قسمت أخصائية نفسية، العاملين وراء المكاتب إلى تسعة أنواع، وفق الترتيب التالي:
المكتب النظيف المرتب دليل على موظف من الطبقة الوسطى يريد أن يقول انه ممتاز ولم يحصل على حقه، المكتب المدفون تحت أكوام الملفات والأوراق والأشياء المهملة يدل على موظف مرتبك الذهن معرض للانهيارات النفسية، المكتب الفوضوي الذي تتراكم عليه الكتب والرسومات والمذكرات صاحبه رجل مبدع نشط لا يحب التظاهر ويعيش على سجيته.
أما المكتب الذي عليه صور الأولاد أو العائلة والأشياء الأخرى الشخصية صاحبه يشعر بالوحدة وعدم الأمان، والمكتب الذي به إضاءة تأثيرية ورموز للقوة صاحبه يتمتع بموهبة القيادة ولا يحب أن يتجاهل أحد تأثيره على الآخرين، فيما المكتب المحمل بعلب السجائر وفناجين القهوة والأوراق المتناثرة صاحبه مفكر تدفعه الحاجة إلى العمل، المكتب الذي عليه اسم صاحبه ووظيفته، صاحبه يطلب الاعتراف بأهميته ويحب المواجهة، المكتب الذي ليس به أية ملامح شخصية صاحبه غامض يحب السيطرة، المكتب المغلق النوافذ والداكن الألوان صاحبه محبط وضيق الصدر.
إذا أردتم أن تعرفوا أنفسكم إذاً .. حددوا نوع المكتب الذي تعملون عليه.
 
صحيفة الايام
6 مارس 2010

اقرأ المزيد

رحل مجيد مرهون ولم يرحل

رحيل المناضل الوطني الاممي الفنان الموسيقي المبدع مجيد مرهون خسارة فادحة لهذا الوطن ولكل الوطنيين والتقدميين. في معركة التحرر والتقدم، رفع صوته كغيره من الشرفاء في ثقة واصرار في وجه الظلم والظلام والاستعمار والاستغلال، وجعل حياته وفكره وموسيقاه حصنا منيعا يدافع عن العدالة والتقدم والديمقراطية والسلام.
مجيد الذي امتزجت حياته النضالية بالفكر الماركسي وبالموسيقى الراقية الرفيعة المعبرة عن آلام وآمال الفقراء لم ينكمش على ذاته او يتوارى خلف اسوار المدن البعيدة وانما كان في طليعة المدافعين عن الحريات والعمال وقضايا الشعوب المضطهدة، فما اكثر تضحياته، نعم كانت تضحيات مانديلا البحرين كبيرة كانت اسطورة يتفاخر بها شعب البحرين والشعوب الاخرى المحبة للحرية.
مجيد الذي عشق الاحياء الفقيرة والمعرفة والموسيقى والتقدم كان شفافا، شفافيته كانت مزيجا من البساطة والصدق والاخلاص والمرح ورغم معاناته الطويلة بين جدران الزنازن كانت موسيقاه تبعث الدفء في ابدان الفقراء وكل العاشقين للتحرر والتقدم، ما اجمل الحياة! وما اجمل الابداع عندما يغدو رغم كل الطرق الوعرة والاشواك شعلة تضيء الدروب كما فعل مجيد.. بعد معاناة طويلة مع المرض رحل “بو رضا” ولم يرحل لان مجيد نموذج رائع في النضال السياسي واضاءة في الفضاء الابداعي.
يقول محمد العالم “ما اكثر لحظات الفقد في حياة الانسان وما اشد تنوع هذه اللحظات. قد تفقد شيئاً او تفقد علاقة او تفقد انسانا صديقا او قريبا ويفجر هذا الفقد في نفوسنا احزانا غائرة اليمة ومع ذلك يظل هذا الفقد محدوداً بحدود ما فقدناه على ان هناك حالات من الفقد ما لا يقف الاحساس بها عند حدود ما نفقده وانما يصبح احساسا بفقد شامل لا تهتز به اركان النفس وحدها بل تكاد تهتز به اركان الحياة كذلك “هكذا كان الاحساس بفقد مجيد احد الرموز الوطنية والابداعية الملهمة، والحقيقة عندما نتحدث عن كل الرموز وعن الابداع الموسيقي يضيء لنا اسم مجيد مشعاً كشعاع الشمس.
مجيد الذي ترك إرثا موسيقيا تجاوز 350 عملاً لم يعزف منه سوى 30 لا نستثني جهة واحدة عن مسؤولية حفظ هذا الارث وتظل وزارة الثقافة في مقدمة كل الجهات المعنية. لقد عبر مجيد عن ابداعاته الموسيقية حينما قال في احدى مقابلاته الصحفية عام 2006 “ان موسيقاه هي حريته وعندما عزفت موسيقاه في الاكاديمية السويدية شعرت فيها بعظمة موسيقى مجيد اجل قلت في نفس هذا هو صوتي. هذه هي روحي قلت هي موسيقاي.. هي انا فعلاً وليس هذا الجسد السجين” ولم يتردد ايضا في التعبير عن انتمائه الفكري والسياسي عندما قال “فعلا كنت ماركسيا لينينيا قبل ان ادخل السجن وبقيت في السجن ماركسيا لينينيا وحين خرجت منه خرجت ماركسيا لينينيا ذلك اني لم افهم الماركسية ابداً على انها ضد الدين.. كنت اعرف جيدا ان ماركس حين كان يقول بأن الدين افيون الشعوب كان يقصد اولئك النفر المتسلطين على رقاب الناس باسم الدين، أولئك الذين يستغلون الدين لمصالحهم الخاصة”.
وعندما نعود الى ابداعات هذا الموسيقار الذي ظل في السجن 22 عاما ما اكثر ما الف من سمفونيات ومقطوعات وكتب اهمها كما قال لمحدثكم في حوار اجريته معه في 20 مايو 2001 سمفونيتان وكونشيرتو للسكسفون وثلاث رباعيات وترية وصفاته للبيانو وافتتاحية فنتازيا بعنوان “جزيرة الاحلام” ومجموعة كبيرة من المقطوعات الموسيقية المتنوعة لمختلف الآلات الموسيقية وكتاب الموسيقى الشعبية في الخليج العربي والاسس المنهجية لدروس نظرية الموسيقى الجزء الاول وهو من ثلاثة اجزاء وكتاب آخر لم يكتمل بعد وهو القاموس الموسيقي الحديث الذي يعد مشروعا ضخما يتألف من ثمانية اجزاء وكذلك مؤلفات في طريق الاعداد وللمستقبل وهي “النماذج الموسيقية الاوروبية وكتاب يجمع مقالاتي الموسيقية.
مرة أخرى نقول، ان مثل هذا الموسيقار المبدع الذي استحق جوائز عديدة لا نملك ازاءها الا التقدير والاعجاب، أليست دعوة منبرنا التقدمي دعوة منصفة الى ابعد حدود الانصاف عندما دعا الدولة الى تكريم هذا الرمز الوطني والابداعي الكبير وسواه من رموز الحركة الوطنية باطلاق اسمائهم على مدارس او شوارع وتدريس حياتهم وعطائهم في المقرارات الدراسية .. لقد رحل مجيد ولكن ذكراه ستبقى عطرة بيننا وسيبقى اسمه منارة ملهمة لنا وللاجيال من بعدنا.. نعم سيظل رمزاً وطنياً شامخاً ورائداً من رواد الابداع الموسيقي.
عزاؤنا لزوجته فاطمة وابنه رضا ولكل افراد عائلته الكريمة ورفاق دربه ومحبيه.
 
صحيفة الايام
6 مارس 2010

اقرأ المزيد

مرثيةٌ للخلاسيِّ الذي جمعَ أجزاءَ الإنتماءاتِ المتشظّية ( 1 – 2 )


ماذا يمكنني أن أضيفه في رثاءِ هذا المبدع الملتزم .. الموسيقيّ الأسطوريّ: “مجيد حميد مرهون”، الذي رفع إسمَ البحرين عالياً ونقله إلى سماء العالمية، كما لم يفعلْ أحدٌ غيره، بالرغم عن إمكانياته المُكبّلة وحياته المَرهونة !  فقد رثاهُ كُثرٌ من الأقلام المتميّزة وكَتَب عنه خيرةُ أهل الألباب في بلدنا وخارجه أيضاً.. ولابد اننا – أنا وغيري- سنضيف شيئا ما إلى سِفره الخالد فيما قد دُوّن فيه من مراثي.. إلاّ أني أشعرُ بأن علمَ البلاغةِ والبيانَ يقف عاجزاً أمام هذه القامة النضالية، الإبداعية والنادرة في مختلف أوجهه !
 
هناك عدّة مزايا اتّصف بها “مجيد” المناضل، المبدع كما اتّصف بها آخرون أيضاً،، إلاّ أنه مَلَك خصلةً ميّزته عن الكل، تلخّصت في كونهِ يجسّد المواطنة البحرينية “الموزائيكية” بامتياز.. أشبه بتركيبةٍ سيمفونيةٍ لا تعرف التنافر، كأنه يعكس ميزة المواطنة الحقّة بأكثر صورها.. جمالاً، كمالاً وانسجاماً !  مهلاً .. أيها الكتّاب والفنانون والمثقفون، لا تبتعدوا كثيراً.. يا من تبحثون عن سرِّ إبداعات مجيدِ الموسيقيّة !
 
فهذا الخلاسيُّ قَدِم إلى هذا العالم نتيجة تزاوجِ خليطٍ اثنيٍّ، قوميٍّ ودينيٍّ – مذهبيّ، مجسِّداً في شخصه، التنوع المتناغم للإنسان البحرينيّ أوالبحرانيّ (لا فرق)، كما لم يتجسّد في سواه من المواطنين !.. أبوه عربيّ شيعيّ- بسحنةٍ فاتحةٍ -  ذو منحىً “حلايليّ” (ريفيّ). وأمّه سوداء سنّيةٍ من أصولٍ فارسية !  ومنذ أن عرفناه كان يتكلم لغتيّ أجداده، بمثنويّة عجيبة، مالكاً ناصيتهما بفخرٍ واعتزازٍ، بعيداً عن أية عقدةٍ نفسيةٍ أو”مادونية”، التي عادة ما تؤرّق الكثيرين وتسبب لهم ألماً وشقاءً دائمين طوال حياتهم ! كان مجيدُ من أولائك الأشخاص، الذين بإمكانهم تحويل النقيصةِ الّسلبيةِ إلى إيجابيّة ملهمة (خصلة لينينيّة بامتياز) !  كان على معرفةٍ لبضعِ لغاتٍ ولهجاتٍ محكيّةٍ، ها هنا، كالأوردُيّة والبلوشيّة وغيرهما بجانب شقيقتهما الكبرى الفارسية، كما أسلفنا.  كان أشبه بأُستاذٍ فيولوجيّ متخصّص في علم الألسن، الأصوات والكلام دون أن يدري. لكن لابد أنه كان على إدراكٍ وشغفٍ عميقين بجمالِ اللّغاتِ والّلهجاتِ البشريّة وعلاقتها العضويّة بالأصوات الموسيقيّة.. يستخدم لهجة “الميناويّة” مع ربعه في ملتقى “كلبهرام” وعند قصباتهم في القضيبيّة. يتكلم بلهجة “البستكيّة” الناعمة  مع متحدثيها الأقرباء (تبدو أنها لهجة أمّه وبيته إن لم تخني الذاكرة). ويتفنن في استخدام لهجة “لنجة” مع رفاقه وأحبّائه في العوضيّة،، ويهمس أحيانا بلهجة “البوتشيريّة” المحرقيّة، كما يهمسون هم في بيوتهم مع جدّاتهم،، في الوقت الذي يحادث زملائه في العمل باللهجات “الكازرونيّة” و”البوشهْريّة” و”البيرَميّة”! هذا عدى أنه كان ضليعاً بالّلهجاتِ العربية المحليّة، العائدة لمختلف مناطق البحرين، بجانب مقدرته الأدبية في “العربية الفصحى” ! من يدري.. فمن الممكن أنه كان على درايةٍ بشىء من السواحليّة أيضاً؟! حيث كان مفتوناً بالفنون الإيقاعية الأفريقية، القادمة من ساحل أفريقيا الشرقية، التي تمثل أحد الروافد الأساسية لما يُسمّى بالفن الخليجي “الغنائيقاعيّ” ( وبعد كل ذلك.. مازلتم تبحثون عن سرّ إبداعه الموسيقي؟!) 
 
 عندما كنا نتحدث إليه بالعربية كان يصرّ وبعفوية صادقة أن يجيبنا بالفارسيّة، بالّلهجة الأكثر انتشاراً لدى العجم السنة ( لهجة لنجة)،، إسألوا رفاق دربه أبناء العوضيّة إن كنتم لا تصدقوني؟!  كل هذا لأن سجيّته سبقت فكرَه الأمميّ..أضحت الأمميّة، كعقيدةٍ رحبةٍ بسعةِ الدنيا، جزءًا من تكوينه النفسيّ،، لم يتعلمها من بطون الكتب الصّعبة كما يفعل عادة المثقفون،، بل اقتلعها من مدرسة الحياة، في محيطه العائليّ وبين أصحابه البسطاء.. فقراء ومُسْتضعفي القوم في هذه الأرض المعطاء. أي أن مجيدَ كان أمميّاً، إنسانياً بالفِطرة،، لم تستهويه يوماً فكرة “العروبة”الخالصة، “القومية” الفضلى و”العصبية” القبلية، المتأتية جميعها من مفارقتيّ عقدةِ النقصِ وجنونِ العظمة ! ولم يركن يوماً على مذهبٍ دون آخر أو طائفةٍ دون أخرى !  بدل ذلك كان مجيدُ جامعاً في الإنتماء الوطني، مدرسة يجب أن يُقتدى بها ! كان يتباهى بأصوله المختلطة، يعتزّ بجذوره المتعدّدة ويفتخر بلونه الداكن !  بل هو من يقول عن نفسه :(مجيد سياه)!.. أتوجد شفافية، بساطة وصدق مع النفس أكثر من هذا ؟!… وها هنا علّة المعلول، أي .. جذر بسالته وصموده ونبع إبداعاته ونبوغه الإنسانيّ ! 
 
يا معشرَ الكتّاب والفنانين والبحّاثة، الذين أصابكم التّيْه في رحلتكم الإستكشافية المضنية عن كنوزِ مجيدِ الدفينةِ وقد أثاركم لغز هذا الإبداع الإشكاليّ !  لا تنأوّا أو تتوغّلوا أكثر ! ،،، إن مَن مِثل “مجيد” لا يمكنه إلا أن يعتزّ ويعترف بالأصول القومية جميعها، على قدمٍ وساق (الوعاء الطبيعي لكل فرد ضمن أمة من الأمم).. لكن كإنتماءٍ حضاريٍّ وجذرٍ إنسانيّ. لا كفكرٍ”سوبر” وعقيدةٍ سياسية “قومجيّة” ، التي تجنح عادة نحو الإنغلاق والتعصب، بل العسف والأستحواذ وتسفيه الأقوام والأقليات الأضعف، الأمر الذي قد يصل إلى شوفينية بغيضة، سببت للإنسانية جرائم لا تعدّ ولا تحصى. لكن عند مجيد الإنسان الفنّان، كانت بحورُ فكره، كألحانه الموسيقية، مفتوحةً على العالم الرّحب بلا حدود
 
سألته يوماً – من زمان – عن جوهرِ أو ماهيةِ الموسيقى ،، أجابني :” لغة عالمية، تجمع الإنسان أينما كان “!  كان هذا درساً من أولى الدروس، التي تعلمتها على يدِ هذا الألمعيّ ، العصاميّ المتمرد !  كان ذلك عندما كنتُ زميلاً لأخيه إسماعيل في الصف الأول إعدادي بمدرسة الحورة الإعدادية في سنة 1962 (قبل أن تصبح ثانوية). ترافقنا – أنا وإسماعيل – مدة ليست بالقصيرة.. حدّثني كثيراً عن دواخل الأمور المتعلقة بأخيه الأكبر، مفصحاً أن مجيدَ كان واقعاً بين خيارين صعبين، بُغية مفاضلةٍ بين الهوايتين الأقرب إلى قلبه،، حيث كان قد قرر، أما أن يصبح موسيقياً أو قصّاصاً.. وقد اختار الأولى (الموسيقى)، التي سيطرت على أعماقه وعالمه الروحيّ ، أضحت نجواه الأبدية وشكّلت على الدوام بلسم حياته الصعبة والحزينة،، لم يتركها ولو هُنيهة، منذ صباه الأول حتى صبيحة الثلاثاء المشؤوم، حين انتشر الخبر كالنار في الهشيم .. ولبست البحرين السواد!



-  يتبع –

اقرأ المزيد

سـيمفونية الوطـن


 
 

 

 


 



سيمفونية الوطن




 

شعر: عبدالحميد القائد






 

 




وَتَمضِي شُمُوخاً إلى غِمدِكَ

تَعدُو خِفافاً الى ظلكَ

حَزيناً

جَريحاً

بِلا سَكسفونْ

وكلُ العيونْ

تعانقُ نعشكَ

تَقولُ: ابْقَ قليلاً

مَجيدُ انتظرْ

لِنسمعَ أكثرْ



مَواويلَ قلبكَ… نسمعُ أكثرْ

نشيدَ رُوحِكَ …نَسمعُ أكثرْ

نغسلُ عنكَ الوَجعْ

والشجنَ المستبدَّ بقلبكَ

مجيدُ انتظرْ

مجيدُ انتظرْ



 

ما زلتُ أسمعُ صَليلَ أصفادِكَ

تردّدهُ صُخورُ الجزيرةِ

زَنَازنُها القديمةُ

يداعبُ فيروزُ البحرِ أشجانَكَ

وحُزنَكَ الأبديّ

تَذكُرهُ القواقعُ والموجُ

أصبح هَمُّكَ ألحاناً

موسيقى

ومَنّاً وسَلوى

 


وداعًا أريجَ الُموسيقى

وداعاً رفيقَ الأملْ

لكَ المجدُ يا أروعَ الراحلينْ

لكَ المجدُ والخلدُ طولَ السنينْ


 

يفتقدكَ الوردُ

تشتاقكَ الأسماكُ والبحرُ

تناديكَ العَدَامةُ

في امتدادِها إلى الحورةِ

وكلُّ القُرى والمدنْ

تَرثيكَ السيمفونياتُ

الأوتارُ



الأنغامُ

الطبولُ

وكلُّ الآلاتِ الموسيقيةِ

وكلُّ الجموعْ

تحملكَ في قَلِبِها

تهتفُ: شَمسُكَ ليستْ من الآفلينْ

 


وداعًا أريجَ الُموسيقى

وداعاً رفيقَ الأملْ

لكَ المجدُ يا أروعَ الراحلينْ

لكَ المجدُ والخلدُ طولَ السنينْ

 


يا فَارساً هَامَ وجْداً بالبلادْ

فأَلبسوهُ الأصفادْ

أيها النورسُ الأسمرُ



يا ألقَ الجفونْ

على نعشِكَ

رأيتُ السكسفونْ

يعزفُ لحنَ الرحيلِ الأخيرْ

يقولُ: سَتبقَى مَجيدُ بِقلبي

فأنتَ أنا

أيا رفيقَ الشجنْ

مضيتَ وتبقى نشيدَ الوطنْ

 


وداعًا أريجَ الُموسيقى

وداعاً رفيقَ الأملْ

لكَ المجدُ يا أروعَ الراحلينْ

لكَ المجدُ والخلدُ طولَ السنينْ






 

اقرأ المزيد

أقلام رصاص!

صحافي أجنبي طرح على قرائه سؤالاً عن سبب الأمية في أفريقيا، فذهب جُلهم إلى سبب كبير، رئيسي، مثل التخلف أو الاستعمار أو التبعية .. الخ، وهي بالتأكيد أسباب حقيقية وجدية. لكن الجواب الذي قاله هذا الصحافي باعث على التأمل والتفكير.
السبب، في رأيه، هو انعدام الأقلام!.. ويضيف إنه توجد مدارس لكن الناس ليست لديهم أقلام. ومن واقع تجربته يروي أنه عندما يذهب إلى أماكن قصية في أفريقيا غالباً ما تطوقه مجموعة من الأطفال حين يدخل قرية من القرى، ليلاحظ أنهم لا يريدون طعاماً مع أنهم جوعى أو مالاً .. أنهم يريدون قلمه للكتابة!
ويسوق الكاتب نفسه الواقعة التالية كيما تكتمل الفكرة التي نحن بصددها، ذلك أن منظمة دولية لمساعدة الدول النامية مقرها باريس اقترحت إرسال أجهزة كمبيوتر للدول الأفريقية في إطار مسعى لمعالجة الخلل في سوق المعلومات بين الذين يملكون والذين لا يملكون، في عصر يوصف بأنه عصر المعلومات، لكن النتائج لم تكن مشجعة، ولم تسد الفجوة بين مالكي المعلومات وصناعها في الغرب وبين متلقيها ومن لا يملكونها في قارة مثل أفريقيا.
لكن هناك تجربة مساعدات أخرى يتحدث عنها الكاتب نفسه، هي ما قامت به الصين، التي أرسلت كميات كبيرة من الأقلام إلى بلدان أفريقية تحارب الأمية، حيث لا تكلف هذه الأقلام بضعة سنتات، ولكن هذا النوع من المساعدات كان أكثر جدوى وفائدة في أنه مكن أطفال بلدان أفريقيا من تحقيق حلمهم بأن يمسكوا أقلاماً في أيديهم يكتبوا بها حروف الأبجدية وأرقام الحساب.
وإليكم أيضا الحكاية الآتية: في إحدى المرات جاء موظفو الإغاثة إلى قوم أشبه بالبدو الرحل في شمال نيجيريا بتلفاز يعمل بالبطاريات، استمتع الأهالي بمشاهدة برامج التلفاز حتى نفدت طاقة البطاريات، ثم عادوا إلى حياتهم البدائية التي عرفها أجدادهم منذ آلاف السنين، كأن شيئا لم يكن، لأن الكهرباء لم تصلهم بعد ولن تصلهم قريباً.
هذه وقائع بسيطة، لكنها بالغة الدلالة برسم أولئك الذين يتحدثون عن القرية الصغيرة التي أضحاها العالم .. إن القسمة ضيزى بين الغنى والفقر، بين ثورة المعلومات والوسائط الالكترونية للمعرفة والتسلية في أقصى حالاتها تقدماً وإبهاراً وبين الجهل والأمية التي تجعل من امتلاك قلم رصاص حلماً وهدفاً، قسمة ما زالت قائمة وما زالت تعيد إنتاج نفسها حتى داخل آليات التقسيم الدولي الجديد للعمل الذي تخترقه العولمة عمودياً وأفقياً.
نحن نتحدث محقين عن أن الأمية في عالم اليوم ليست الأمية الأبجدية، وإنما أمية الحاسوب الآلي، فالذي لا يحسن التعامل مع هذا الحاسوب في حدود دنيا على الأقل هو أمي حتى لو كان يقرأ ويكتب ويحمل شهادات جامعية، ولكن هذا لا ينسينا أو يجب إلا ينسينا أن ملايين الأطفال في العالم النامي ما زالوا يتشوقون لفك الحرف وكتابته، ويتشوقون لمقعد متواضع في فصل دراسي حتى لو كان كوخاً يتعلمون فيه، وأن الكمبيوتر بالنسبة إليهم ما زال يمثل ترفاً أبعد ما يكون عن حلمهم في اقتنائه أو حتى مجرد الجلوس أمام شاشته.
 
صحيفة الايام
4 مارس 2010

اقرأ المزيد