المنشور

أطروحات أحمد زويل

في كلمة العالم العربي الحائز على «نوبل» أحمد زويل أمام منتدى الإعلام العربي في دبي، خلص إلى أن الصراع بين الإعلام والسياسة في العالم العربي الذي هو سمة راهنة سيحسم لمصلحة الإعلام، حيث لن تقوى السياسة التي لاتزال تدار بذهنية تقليدية على الصمود في وجه تقدم الإعلام الذي أصبحت له وسائل ووسائط تعد أذرعاً قوية قادرة على إزالة كل كوابح حجب تدفق المعلومات وانسيابيتها.
يقول زويل إنه في الماضي كان يتم غلق النوافذ حتى لا تعلم الشعوب ما يجري من أحداث، لكن هذا أصبح مستحيلاً اليوم، فالسماء مفتوحة أمام ثورة الإعلام، وتكنولوجيا التواصل بين العالم من دون حدود، وبات ضرورياً مغادرة ذهنية العصور الوسطى، وهذا يعني أن مسألة الإصلاح السياسي ودمقرطة المجتمعات هي أمر لا راد له.
على أن الديمقراطية ليست ذات وجه سياسي فحسب، وإنما لها وجهها الاجتماعي الذي لا يقل أهمية، فهل يعقل أن نسبة الأمية في العالم العربي مازالت تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين في المائة، والبطالة بلغت عشرين في المائة في بعض البلدان، وأن إنتاج العرب من البحث العلمي لا يزيد على نصف في المائة، وهناك خمسة وأربعون في المائة من بين 300 مليون عربي هم من الشباب أي إنهم ثروة بشرية مهدرة؟
ولأن المعلومة هي لغة التداول الآن، فلا يمكن لمجتمع أن يترك نحو خمسين في المائة من تعداده لا يقرأ، ولتعميم ثورة الاتصال يجب إعداد شعوبنا من خلال نهضة تعليمية شاملة لكي تصبح طرفاً في هذه الثورة، لا عبر اقتناء منتجاتها بالشراء، وإنما لكي نصبح شركاء في صناعتها، كما هو حال بلدان غير غربية مثل الصين وكوريا وماليزيا وغيرها.
على صلة بذلك تأتي مسألة التحديث الثقافي التي يشكل التجديد الديني أحد روافعها، لا بل لعله جوهرها. وعقد زويل مقارنة بين المراحل التي تخضع فيها البحوث والفرضيات العلمية للتدقيق عبر مراحل البحث والمناقشة والتحكيم، وبين فوضى الفتاوى الدينية، خاصة على بعض محطاتنا الفضائية، حيث أصبح الكثيرون يفتون في كل شيء من دون ضوابط.
في سياق ذي صلة يفرق زويل بين المعلومة والمعرفة، وهو تفريق سبقت الإشارة إليه مراراً، ولكنه يكتسب أهمية إضافية حين يأتي من قامة مثل أحمد زويل، تلقى تعليمه العالي وأجرى تجاربه العلمية واكتسب خبراته في الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي حقل الترويج الأول للمعلوماتية في العالم دون منازع.
في ظروف الثورة المعلوماتية اليوم نشأ نوع من التمجيد الأعمى للمعلومات، ومماهاتها بشكل لا يخلو من السذاجة والجهل حيناً، ومن المكر والخبث حيناً آخر، بالمعرفة، فأصبح حجم ما هو متيسر من معلومات وبيانات وأفكار على الشبكة العنقودية، مضافاً إليه سهولة الوصول إليها يقدم على أنه المعرفة بذاتها فيما هي تتطلب شروطاً ومقومات أخرى.
يمكن لمعلوماتي معين أن يكون أشبه بإنسان ماهر في حل الكلمات المتقاطعة في الجريدة ليس أكثر، ويمكن لمعلوماتي آخر أن يكون مولداً للمعرفة، وهنا الفرق.
 
صحيفة الايام
17 مايو 2010

اقرأ المزيد

ردم الشواطئ كارثة بيئـية مدمرة


يشكل التلوث البيئي وتلوث الشواطئ والبحار والخلجان مشكلة كبيرة في مملكة البحرين، حيث يزخر واقعنا بالعديد من المظاهر المأساوية البيئية التي تسبب فيها الإهمال وانعدام الرؤية والأهداف باتجاه حماية البيئة والمحافظة على ثرواتنا من الإهمال والتدمير.

وتتجلى  بعض مظاهر ذلك الإهمال في تدمير العديد من شواطئنا  وسواحلنا الجميلة علاوة على اختفاء أعداد كبيرة من  الأشجار والمسطحات البحرية ومظاهر الحياة الفطرية المختلفة، والقضاء على مساحات كبيرة من النخيل والأشجار المثمرة والبساتين في بلادنا لصالح جشع بعض المستثمرين الذين لا يعبئون سوى بمراكمة أرصدتهم وثرواتهم يوما بعد يوم وذلك على حساب بيئتنا المنتهكة والملوثة بفعل تلك السياسات التي لا تنتمي  لهذا العصر بالمقارنة بما يجري في العديد من الدول المتقدمة والتي وعت جيدا ومنذ عقود أهمية الحفاظ على البيئة وصيانتها من العبث اللامسئول.

فتدمير الثروات السمكية والبيئة البحرية، وتدهور الحياة الفطرية والتنوع البيولوجي، واستنزاف الأراضي الزراعية الخصبة، بالإضافة إلى حرمان المواطنين من الاستمتاع بجمال السواحل والبحار بسبب كثرة عمليات الدفان الجائر وردم السواحل واغتصاب الشواطئ باتت بالفعل قضية لا يمكن السكوت عليها أو حتى اعتبارها شأنا ثانويا.

تلك إذا هي عناوين بارزة ينتظر أن تناقشها الحلقة الحوارية الموسعة التي يستعد المنبر الديمقراطي التقدمي تنظيمها صبيحة يوم السبت القادم الموافق 22 مايو الجاري.

وانطلاقا من هذه الرؤية حول الواقع المأساوي البيئي، أولت لجنة البيئة بالتقدمي اهتماماً خاصاً للحلقة الحوارية الموسعة والتي ستعقد تحت عنوان “ردم الشواطئ كارثة بيئية مدمرة”  حيث ينتظر أن تشارك فيها العديد من الشخصيات  المعنية بقضايا البيئة من خبراء  ونواب وصيادين وبحارة وأساتذة جامعة  وإعلاميين وعلماء بيئة.  كما ستتبعها العديد من البرامج والفعاليات التي وضعتها لجنة البيئة بغرض الإسهام بفاعلية في نشر الوعي البيئي في المجتمع البحريني.

والهدف الأساس من تلك البرامج والفعاليات هو التقليل من تدمير البيئة والشواطئ ووقف الإنبعاثات السامة التي تتسبب في الاحتباس الحراري وكذلك العمل على وقف الدفان العشوائي المدمر للبيئة. كما تسعى اللجنة إلى تحقيق الأمن البيئي للمواطن البحريني والتي تعتبر مسئولية تجاه الأجيال الحالية والقادمة كما جاء في البرنامج السياسي للمنبر الديمقراطي التقدمي.   
 

اقرأ المزيد

سمعة الكويت… وحبس الجاسم!


ما بذله وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الدكتور محمد محسن العفاسي يوم الأربعاء الماضي من جهد جهيد عند مناقشة تقرير دولة الكويت في إطار المراجعة الدولية الشاملة أمام الدورة الثامنة لمجلس حقوق الإنسان الدولي، سرعان ما انعكس سلبا على سمعة الكويت في ميدان حقوق الإنسان..
 
وأمامي البيانات الصادرة عن ثلاث من أكبر المنظمات العالمية المعنية بحقوق الإنسان للتضامن مع سجين الرأي الصديق الزميل الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم أعرض بعض مقتطفات منها ليعرف مَنْ لا يعرف أو مَنْ لا يريد أن يعرف مقدار ما أصاب سمعة الكويت من ضرر بليغ وإساءة شديدة إثر الملاحقة الأخيرة، التي تعرض لها الأستاذ الجاسم والتحقيق ذي الطبيعة السياسية الشاملة، الذي أُجري معه والاتهامات المُغالى فيها، التي تمّ توجيهها أخيرا إليه!

فقد جاء في بيان صادر عن منظمة العفو الدولية «امنستي انترناشيونال» ومقرها لندن:«إنّ السلطات الكويتية أبلغت العالم الأربعاء الماضي أنّ دستورها يدعم حرية التعبير، غير أنّ محاكمة الجاسم تثبت أنّ مثل هذه التصريحات بعيدة عن الواقع حيال منتقدي الحكومة الكويتية».. وأضافت:«أنّ المطاردة المستمرة للجاسم تسخر من تبجح الكويت بأنها تحترم الفكر والرأي، وتعد منظمة العفو الدولية هذا الصحافي سجين رأي محتجز لمجرد التعبير عن آرائه وتطالب بإسقاط جميع التهم الموجهة ضده».
أما منظمة مراقبة حقوق الإنسان«هيومن رايتس ووتش» ومقرها مدينة نيويورك فقد أصدرت هي الأخرى بيانا تضامنيا مع محمد الجاسم أوضحت فيه أنّه:«لا يمكن أن تزعم الكويت أنها دولة رائدة في حقوق الإنسان، في الوقت، الذي تمنع فيه الحريات الأساسية الخاصة بالتعبير».

وكذلك فعلت منظمة مراسلون بلا حدود ومقرها العاصمة الفرنسية باريس، التي أعلنت في بيانها التضامني:«أنّ محمد عبد القادر الجاسم وقع ضحية تنكيل فعلي تمارسه سلطات البلاد. لا بدّ لهذا الوضع أن يتوقف. لذا، نطالب بالإفراج الفوري عن الصحافي وإسقاط كل التهم الموجهة ضده».

وبعد هذه البيانات الثلاثة الصادرة عن أهم ثلاث منظمات عالمية معنية بحقوق الإنسان لنا أن نتصوّر أي تراجع مؤسف لسمعة الكويت على النطاق الدولي في ميدان حقوق الإنسان، التي حاول الدكتور العفاسي أن يحسّنها لفظيا، فجاءت قضية الجاسم لتزيل رتوش العفاسي التجميلية وتظهر الوضع على حقيقته قبيحا، كريها، دميما، كالحا!

أما قرار النيابة العامة، الذي أصدرته يوم أمس بحبس الزميل محمد عبدالقادر الجاسم احتياطيا مدة 21 يوما، فالمرجو أن يبادر النائب العام الأستاذ حامد العثمان إلى استخدام سلطته القانونية المقررة في المادة 71 من قانون الإجراءات ويفرج عنه، إذ لا مبرر إطلاقا لحبس الأستاذ محمد، الذي سلّم نفسه بنفسه إلى أمن الدولة فور استدعائه هاتفيا صباح يوم الثلاثاء الماضي، وكنت بصحبته شخصيا، ولم يهرب أو يفكر في الهرب، وبالتأكيد أيضا فإنّه لا يمكن أن يُخشى هربه مستقبلا…
والأمل أن تبقى النيابة العامة، مثلما هي دوما، خصما شريفا بعيدا عن أي خصومات سياسية أو شخصية! جريدة عالم اليوم 16 مايو 2010

اقرأ المزيد

البقاء والزوال


في الحياة أشياء تزول وأخرى تبقى. بعض الناس، الزعماء منهم خاصة يتصرفون كأنهم باقون للأبد، بعضهم يظن أن عمره أو حياته الشخصية هي بامتداد تاريخ الوطن الذي يحكمه، لذلك تراه يمحي من التاريخ الصفحات والمراحل التي لا تتسق وسيرته، وبعيد تركيب هذا التاريخ بما ينسجم ورؤاه.

لكن لحسن الحظ أن «أعمار الطغاة قصار» كما يقول الجواهري الكبير، لأنه رغم هذا العدد الكبير من الزعماء والملوك والقادة الذين مروا عبر التاريخ، فإن التاريخ لا يذكر بالمجد إلا أولئك الذين صنعوا مجداً لشعوبهم وجعلوا لبلدانهم مكاناً تحت الشمس.

ليس الطغاة وحدهم من يزول، يزول الزائف من الفنون والتقليعات والتهويمات التي لا تقدم شهادة صادقة عن عصرها، ولا عن قلق الإنسان وأسئلته، بدليل إن تاريخ الفن إنما يحتفظ بتلك الأعمال التي طبعت الأزمان التي أبدعت فيها ببصماتها أو قل أن هذه الأزمان انعكست فيها.

رغم ذلك فإن الفلاسفة يجادلون في أن الظواهر لا تزول، إنما تتحول إلى أشكال أخرى، ويقدم دعاة هذا الرأي البراهين التي تبدو قاطعة في توكيدها على صواب هذا الرأي، ومنهم من يرى أن الزوال مجرد اختفاء مؤقت للظواهر سرعان ما ينتهي بعودتها من جديد، ويضربون مثلاً بذلك إننا نتحدث عن «زوال» الشمس. فيما نحن نعلم أن الشمس خالدة لا تزول، وهي إذ تحتجب فإنما لتعود ساطعة في صبيحة اليوم التالي.

ومهما كان الأمر فإن الظواهر والأحداث المهمة حتى لو زالت فإنها تترك آثارها، وليس أدل على ذلك من الآثار التي تكتشف من بقايا الحضارات القديمة التي سادت ثم بادت، ومن أمثلة ذلك هذا الحضور المدهش لأهرامات الفراعنة توكيداً على أن التاريخ يتجول بيننا في حاضرنا وفي مستقبلنا.

ومثل هؤلاء يرى الدارسون لعلم الدلالات إن الموضات القديمة في الملبس وفي تسريحة الشعر وفي الرقص حتى لو غابت فإنها سرعان ما تعود وأحياناً بذات التفاصيل، بدليل أننا نشهد الآن عودة لموضة الثلاثينات في الملابس، فيما كنا نعتقد قبل سنوات إن مثل هذه الموضة قد زالت وإلى الأبد.

وأحب الناس إلى القلب والنفس أولئك الذين تكون المزاج مسحة الحزن حالة عابرة تنتابهم حين تصدم حاستهم المرهفة بما في الحياة من منغصات، لكنهم سرعان ما يعودون إلى ألقهم الجميل، فيغمرونك بالسعادة التي ألفت!


 

اقرأ المزيد

التعددية في الأسرة الواحدة.. عبدالقدوس نموذجا

من الشائع في مجتمعاتنا العربية ان تجد عائلات بأكملها تنتمي الى تيار سياسي أو حركي واحد، وهذه الظاهرة برزت بوجه خاص في عصر المد القومي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فقد كان مألوفا حينذاك ان تجد الاب وهو لم يزل في مقتبل الثلاثينيات من عمره وحيث كان الزواج عادة ما يتم مبكرا حينذاك وتجد في الوقت نفسه أبناءه وهم لم يزالوا على مقاعد الدراسة الاعدادية أو الثانوية يقتدون بملة آبائهم السياسية، وحدث ذلك أيضا في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات عند صعود المد اليساري بشقيه الجديد والقديم.
ثم جاءت القفزة الكبرى في شيوع هذه الظاهرة اثر صعود تيار الاسلام السياسي أواخر السبعينيات حتى بلغت هذه الظاهرة أوجها منذ أواسط الثمانينيات حتى بات من المألوف ان تجد أفراد عائلات بأكملها، أجدادا وآباء وأبناء وأحفادا، يوالون تيار الاسلام السياسي، سواء من خلال الانضمام الحركي إلى بعض فصائله من قبل بعض أفراد الاسرة الواحدة الى هذا التيار أم بالموالاة والتأييد من قبل أفراد الاسرة ذاتها الآخرين لهذا الفصيل الاسلامي أو ذاك.
واذا كانت الخلافات والصراعات بين التيارات السياسية المختلفة في المجتمعات العربية انعكست سلبا على العائلات التي توزع أفرادها بين أكثر من تيار فكري أو حركي فإننا لم نعدم ثمة ظاهرة جميلة تسود حياتنا الاجتماعية كما نجدها في عدد غير قليل من العائلات العربية التي يتوزع انتماء أفرادها على تيارات أو أحزاب مختلفة، لكنهم لم يجعلوا هذا التباين في الانتماءات السياسية والفكرية بينهم سببا للشقاق والخلافات المستعرة المدمرة، وبخاصة اذا ما كان المختلفون هم أشقاء أو شقيقات في الاسرة الواحدة، أو آباء وأبناء، بل نجدهم متحابين متوادين يختلفون في كل شيء في السياسة والفكر لكنهم يتفقون غالبا حول شئون البيت ومحبتهم المشتركة تجاه بعضهم بعضا ويديرون خلافاتهم أو اختلافاتهم، سواء في الشئون السياسية أم في الشئون البيتية والاسرية بطريقة حضارية عقلانية يصح ان نطلق عليها التعددية التي يظللها التسامح والتواد الاسري وتقديس صلة الرحم الواحدة التي أقرتها وأمرت بها شريعتنا السمحاء.
وليس غريبا ان نجد ما يجسد رمزيا هذه الروح من المحبة والتعايش المشترك بين أفراد الاسرة الواحدة رؤية شقيقين احدهما ملتح والآخر من دون لحية، أو شقيقتين او حتى صديقتين احداهما محجبة والاخرى من دون حجاب، بغض النظر هنا عما اذا كانت الاسرة تستهويها السياسة ام لا تستهويها. ولربما وجدنا الزوج غير ملتح لكونه ينتمي الى جيل المد القومي او اليساري، بصرف النظر عما اذا كان مسيسا أو غير مسيس، والزوجة محجبة ان اقتناعا بالحجاب وان تكيفا مع أفراد عائلتها الممتدة أو مع مجتمعها المحلي الذي تطغى عليه ظاهرة ارتداء الحجاب بين نسائه وفتياته.
ومثل هذه الظاهرة الحضارية، اعني ظاهرة التعددية الثقافية او السياسية في الاسرة الواحدة بروح متسامحة ومتحابة هي ظاهرة لكم نتوق إلى أن تعمم وتسود ليس في كل العائلات العربية التي يتوزع أفرادها بين عدة انتماءات فكرية وحزبية فحسب بل ان تكون نموذجا يقتدى به في حياتنا السياسية والاجتماعية التي يطغى طابع الصراعات العدائية المدمرة في العلاقات بين اطرافها حتى ما بين اجنحة التيار السياسي الواحد سواء أكان اسلاميا ام قوميا ام يساريا!
وفي هذا السياق لطالما بهرني نموذج مصري من نماذج الوفاء وعدم العقوق للوالدين رغم اختلاف ثقافته التي أضحى عليها عن ثقافتهما، هذا النموذج يجسده على نحو رائع الاستاذ محمد إحسان عبدالقدوس ابن المبدع والروائى والكاتب الشهير الراحل إحسان عبدالقدوس حفيد الشخصية النسائية التاريخية المعروفة فاطمة اليوسف مؤسسة مجلة “روز اليوسف”، وواحدة من رموز تحرر المرأة المصرية خلال النصف الاول من القرن العشرين. فمع ان الابن انتمى الى التيار الاسلامي الا ان ذلك لم يكن سببا لأن يسيء إلى والده المعروف بثقافته الليبرالية المتحررة ورواياته التي وظفت السينما العديد منها في أفلام لم تخل من مشاهد ساخنة ولا ان يسيء الى جدته المعروفة بتحررها.
لقد كان محمد إحسان عبدالقدوس منذ انتمائه الى التيار الاسلامي ليس ابنا بارا وفيا لأبيه فحسب، بل مدافعا صلدا عن كتاباته الروائية وغير الروائية على السواء كتلك التي صدرت في طبعات محرفة أو مبتورة بعد رحيل والده.. وهو لم يتخلف عن أي احتفالية دُعي إليها ــ مهما يكن نوعها ــ تتعلق بالمبدع المرحوم أبيه. وكان فخورا دائما بأبيه وبجدته فاطمة اليوسف وهذا ما عبر عنه في الاحتفالية الأخيرة التي أقامتها مؤسسة “روز اليوسف” في يناير الماضي وحضرها حشد من الفنانين والممثلات والصحفيين الذين أشادوا جميعا بدوره التنويري ودفاعه عن حرية انتماء الفرد الى أي ثقافة تستهويه بمناسبة مرور 20 عاما على رحيل ابيه. وكان قد حضرها حشد من الفنانين والفنانات السينمائيات والمبدعين الروائيين والمثقفين والساسة الذين أشادوا جميعا بدور إحسان عبدالقدوس التنويري ودفاعه المبدئي المستميت الذي لا يكل عن حرية الفرد في اختيار ثقافته وانتمائه الفكري الذي يؤمن به.
وفي هذا الصدد ضرب الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية مثلا بدفاع عبدالقدوس عن اليساريين في السبعينيات ورفضه التنكيل بهم على الرغم مما دفعه عبدالقدوس من تضحيات ضريبة لتمسكه بهذا الموقف المبدئي الذي يؤمن به، في حين أشاد رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف بدوره في محاربة الفساد.
فكم نحن في حياتنا السياسية بحاجة الى مثل هذا النموذج الاسلامي العقلاني المنفتح الذي يجسده محمد عبدالقدوس!

صحيفة اخبار الخليج
16 مايو 2010

اقرأ المزيد

التعددية الدينية الغيبية والعقلانية

نظراً للصراعات الدائمة بين البشر، قوى اجتماعية أهلية أو اقتحامات أجنبية وسيطرات من قبائل وشعوب على قبائل وشعوب أخرى، عاش الناس بين التعددية وبين الهيمنة الطبقية والفردية الكاسحة.
ان التعددية عموماً جزء من اختلاف المعاش والمواقع الاقتصادية والاجتماعية، ومن تعدد الأجناس والأقوام، والشمولية الحاكمةُ فيها جزء من التسلط المستمر.
إن هذه الثنائية الصراعية انعكست في الأديان، فالأديان تبدأ عادة بالوحدانية، وبصورة الإله الواحدة، ثم تغدو غير وحدانية، وتظهر مذاهب متعددةٌ في كل دين، تواصل عمليات الصراع الاجتماعية والسياسية التي لا تتوقف، لأن الناس لا يصلون إلى خلاصة أخيرة في تاريخهم أو إلى نظام متكامل أخير!
وليس الأمر راجعاً للنزق أو للبدع بل للصراع الذي لا يتوقف.
وهذا يجري دائماً في الأفكار الدينية وغير الدينية التي تلتصق بأجهزة الحكم خاصة، لأن الأفكار والأديان التي لا تلتصق بصراعات الحكم وتقسيم الثروات والتكالب عليها لا تصاب بمثل ذلك.
في البدء نجد صور الألوهية الواحدية أو الفكرة (المستقيمة) والفكرة النهائية، ثم تظهر التعدديات، وغالباً ما ينعكس الصراع الاجتماعي السلمي في أشكالٍ سلمية، والصراع الاجتماعي الدموي في أفكار تمزيقية ومذاهب عنفية تتصاحب مع الانتفاضات والحروب.
تتطابق السلطاتُ الدكتاتورية والدين تطابقاً شديداً كلما كانت المجموعات الحاكمة لا تتيح للآخرين فرصة التنفس.
حين يغدو الحاكم فرعوناً يعبر ذلك عن تحول شخصيته إلى فرد مهيمن على الملايين، التي تعمل من أجلِ شخصه. وهذا ما يجعله إلهاً.
حين تخف شخصية الحاكم ويغدو رسولاً شعبياً تغدو صور الإلوهية مشاركةً للناس، وتخترق الغيب وتتحدث مع البشر، وتتشكل ديمقراطية صغيرة في ظل غياب سلطات قمعية شاملة وفي ظل ديمقراطية الرسول مع جمهوره.
ومع انفصال السلطات الدينية السماوية (فيما يعرف بالأديان السماوية) عن الجمهور الشعبي، تتعدد الصور عن الألوهية تعدداً مساوياً لحركات الصراع والقوى الاجتماعية وطموحات القيادات المختلفة المضادة للرمز الإلهي الرسمي المعتمد في النظام الاجتماعي العام، وبسبب التخاذل كذلك عن الدول الشعبية العادلة المفترضة ونموذج المساواة المتخيل.
تقوم الحركات المعارضة باختراق الصور الرسمية للإلوهية المعتمدة وتطرح صوراً أخرى.
ان الصور الألوهيةَ المنفصلة عن الجمهور والنائية عن محنهم وعذابهم ومطالبهم في العدالة، تجابه بصور أخرى مضادة، وهي تدخل في الفراغ التاريخي بسبب عدم وجود مضمون ثوري يغذي تلك الصور بالحراك الشعبي العقلاني بعد الحقب الأولى.
كمثل الصوفية في الإسلام التي أنشأت صوراً تجمع بين أقصى الديمقراطية وأقصى الدكتاتورية. فالقطب يندمج مع صورة الإله، في تحد للديانة الرسمية، وهو لا يتحدى الديانة حقيقة بل يقوم بعملية ديمقراطية فيها وبتحدي السلطة ونموذج أمير المؤمنين المتعالي على المؤمنين، ويجعل صورة الإله شعبية وتندمج مع الناس العاديين فيتوحد معها!
لكن ذلك يعبر عن هرطقة بالنسبة إلى الديانة الرسمية، كما أنه يحول نفسه إلى دكتاتور مهيمن على البشر بقوله الغامض ذاك! وكلما زاد الغموض في الصور الدينية كان حجم الدكتاتورية أكبر، فبرنامج تغيير الحياة وخدمة الشعب يتوارى عبر المصطلحات الدينية الغامضة.
وبالصوفية وصلت الأديان في القرون الوسطى إلى مرحلة خانقة، لولا ظهور الرأسمالي الحديث في أوروبا. ولثالث مرة بعد اليونان والعرب تظهر ظروف مطورة للتجارة بشكل واسع، وهنا تعانقت مع الصناعة والعلوم، ووصل الرأسمالي الغربي إلى مرحلة يبعد فيها الدين عن السياسة لأول مرة في التاريخ البشري.
وأسباب ذلك تعود إلى ظهور المصنع والعمال. والمصنع مثّل ذروة تطور الإنتاج وتداخله مع العلوم. كما أوجد الرأسمالي طبقة جديدة مرتبطة بإنتاجه وأجوره. صحيح انه استغلها ببشاعة ولكنه أوجد طبقة قادرة على التصويت من أجله في الانتخابات، وأن تنفصل عن هيمنة رجال الدين. لم يعد الرأسمالي هنا بحاجة إلى حكم الدين السياسي، نظراً لأهمية توحيد الناس في البلد الواحد بعيداً عن الطوائف، ولضرورة تصعيد العلوم الطبيعية ومنع القيود حولها لأنها تغذي إنتاجه وتكيف عماله معه، وتحقق ازدهاراً اقتصادياً مفيداً لتطوره وتطور المجتمع وتحوله إلى هيمنة عالمية!
لكنه من جهة أخرى بحاجة إلى الدين كمانعة صواعق اجتماعية ضرورية، فهو كذلك بحاجة إلى سلطة غيبية بشرط ألا تتدخل في عمله.
احتاجت الرأسمالية الغربيةُ إلى العقلانية العلمية الطبيعية الواسعة والاجتماعية المحدودة، بسبب تحولها لسيادة عالمية تحتكرُ المواد الطبيعيةَ التي هي بحاجة إلى درس عميق متواصل، وإلى علوم اجتماعية محدودة وإلى الدين من أجل استمرار الشعوب المستعمرة والمستعمرة في ثقافتها القديمة الدينية، مع بعض التطور في ظل هذا الاقتصاد المزودج. ويتم تغيير هذه الثقافة كلما احتاج الإنتاج في هذه البلدان إلى تقنيات وقوى عاملة أكثر تطوراً.
ارتبطت العقلانية ثم العَلمانية بعمليات تطور هائلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، عبر إنتاج أوسع وأسواق أكبر، ولتطور في مختلف جوانب الحياة.

صحيفة اخبار الخليج
16 مايو 2010

اقرأ المزيد

الحكم ليس ديمقراطياً


أشار سمو أمير البلاد إلى بيت الداء في سبب تعثر الديمقراطية في الكويت، وهو اعتمادها على الخلط بين النظامين الرئاسي والبرلماني، لدرجة أن ذلك النظام الذي لم يسبق له مثيل في ديمقراطيات العالم قد شوه، في اعتقادي، الديمقراطية وأفرغها من معناها، فلا هو يشبه النظام البرلماني (كالنموذج البريطاني)، ولا هو قريب من النظام الرئاسي (كالنموذج الأميركي)، ولا حتى يقارن بالنظام النصف رئاسي (كالنموذج الفرنسي)، ففي كل الأنظمة الديمقراطية يأتي مبدأ فصل السلطات كمحور أساسي لا تقوم للديمقراطية قائمة بدونه، إذ يعمل على تنظيم العلاقة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث يتم توزيع صلاحياتها دون تمركزها في سلطة واحدة، بهدف منع الاستبداد بالسلطة، وضمان حماية الحقوق والحريات من خلال مراقبة كل سلطة للأخرى، وهو ما يقره الدستور الكويتي الذي يتناقض مع ما هو قائم على أرض الواقع، فالحكومة كسلطة تنفيذية تشارك بشكل جلي في سلطات مجلس الأمة التشريعية، ليصبح ثلث أعضائه وزراء معينين (غير منتخبين)، وهو ما أدى في حقيقة الأمر إلى احتدام الصراع بسبب اختلال موازين القوى السياسية لمصلحة السلطة التنفيذية.

وحين نقارن مفهوم فصل السلطات في النظام البرلماني، نجد أن مبدأ التعاون والرقابة يعمل بشكل سلس ومرن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ يشكل البرلمان المنتخب حكومة الأغلبية البرلمانية، لتتوازن سلطة الحكومة بشكل فاعل مع السلطة التشريعية، من خلال صلاحيات متبادلة تعطي للبرلمان حق المراقبة وسحب الثقة، وتمنح في المقابل الحكومة صلاحيات حل البرلمان، ولا يلغي ذلك فعالية الأقلية المعارضة التي تنتقد حكومة الأغلبية وتحاسبها، كما للسلطة القضائية اختصاص مراجعة دستورية القوانين التي تصدر. يصلح ذلك النظام للدول الملكية أو الوراثية، بحيث يحرص رئيس الدولة على تعيين رئيس الوزراء من الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية، لكي يمنح البرلمان بدوره الثقة للحكومة، أما النظام الرئاسي فلا يمكن تطبيقه في النظم الوراثية، إذ يُنتخب الرئيس مباشرة من قبل الشعب، ويكون رئيس الدولة هو رئيس الحكومة، ويتمتع وحكومته باستقلالية شديدة، إذ يمنع الجمع بين عضوية أكثر من سلطة، ولا يحق للبرلمان مساءلة الرئيس أو إسقاط حكومته (المسؤولة أمام الرئيس فقط)، ذلك أن مساءلته تكون من قبل الشعب مباشرة، كما لا يستطيع الرئيس حل البرلمان، ولكن يأتي التوازن والرقابة من خلال موافقة الكونغرس أو رفضه، في النموذج الأميركي، لسياسات الرئيس، وكذلك ضرورة مصادقة الرئيس على القوانين التي يصوغها الكونغرس، وللرئيس حق استخدام الفيتو في حال رفض أي قانون، ليعاد إلى الكونغرس الذي يحتاج إلى أغلبية الثلثين لتمريره دون توقيع الرئيس عليه. أما النظام النصف رئاسي فيجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني، بحيث ينتخب الشعب رئيس الدولة، ولكن يظل رئيس الوزراء مسؤولاً سياسياً أمام البرلمان.

وبتلك المقارنة يتبين لنا اعتلال مفهوم الديمقراطية في الكويت في غياب الركائز الأساسية للديمقراطية الحقة، كالفصل بين السلطات وتداول السلطة والتنظيم السياسي، من خلال الأحزاب التي تقنن العمل السياسي بعيداً عن الحسابات الطائفية والقبلية الضيقة، لنصل إلى حقيقة أن الحكم في الكويت ليس ديمقراطياً، وأن السيادة ليست للأمة التي لا تشكل مصدر السلطات جميعاً.


جريدة الجريدة 4 مايو 2010

اقرأ المزيد

خيوط اللعبة في الاستثمارات الوهمية ..!


بعد أن شغلنا وانشغلنا بقضية غسيل الأموال التي لا يعلم أحد حتى الآن كيف تسير الأبعاد التي ستأخذها بعد السرية التي فرضتها النيابة العامة في مسار هذه القضية بذريعــة ” مصلحة التحقيق “.
 
بعد هذه القضية، ها نحن نجد أنفسنا مشغولين ومنشغلين بقضية أخرى تتداول تحت عنوان ” الشركات الوهمية “، وهي القضية التي أثارت الكثير من الشجون، والكثير من التساؤلات وعلامات التعجب، وحركت الكثير من الألم رغم أن ما تكشف حتى الآن ما هو إلا قمة الجليد فحسب، حيث المؤشرات وما هو مثار ومتداول في الساحة يقول لنا بأن الخافي أعظم، وأن هناك الكثير من المفاجآت من العيار الثقيل، خاصة بعد أن أشير إلى أن هناك رأس كبير في هذه القضية من كبار رجال الأعمال هذه المرة متورط في القضية التي أطاحت بــ 21 مليون وجعلت مئات المواطنين يغرقون في الخسائر والديون الضخمة .
 
أخطر ما في المشهد هو توالي الانكشافات ، قضية تلو قضية، آخرها قضية الشركة الوهمية بمدينة حمد التي استولت على ما يقارب من 600 ألف دينار من بعض الأهالي ، وقبلها الشركة الاستثمارية الوهمية التي قادها مواطن كان يعمل بوزارة الداخلية والتي استولى من خلالها على مبالغ وصل مجموعها إلى 9 ملايين دينار بعد أن أوهم الناس بأنه يمتلك شركة للمتاجرة بالعملات والعقارات محلياً ودولياً .
 
أخطر ما في المشهد ثانياً هو موقف وزارة الصناعة والتجارة المعلن والمنشور في الصحافة المحلية والذي فيه أخلت الوزارة مسؤوليتها ومسؤولية مصرف البحرين المركزي عن مخالفات الشركات في استثمار أموال المواطنين والمقيمين ، فالوزارة تؤكد بأن موضوع ” ملايين الدنانير ليس بالأمر السهل لعدم وجود رصيد بنكي لهذه الشركات يؤهلها لإرجاع أي مبلغ لأي شخص ..!!
 
والوزارة لا تكتفي بذلك بل هي تقول في ردها بأنه اذا كان هناك من يريد أن يكسر القانون للحصول على الربح غير المشروع والسريع فإنه لا يمكن لأي جهة أن تتصدى لكل مخالفة يقوم بها من يدعي القيام بعمل صحيح بصورة يومية ، لأن ذلك يتطلب عشرات الآلاف من الموظفين لمراقبة كل شيء، وذلك يعني باختصار أن لا مواجهة حاسمة حتى الآن لهذه الشركات التي خطأت الوزارة تسميتها بالشركات الوهمية، واعتبرتها شركات حقيقية وأعطيت السجل التجاري بناء على ” ادعائها ” – هكذا قالت الوزارة – بأنها ستقوم بأعمال تجارية داخلية محدودة .. !!
 
الوزارة إذن لا تقر بأن تلك الشركات وهمية ، ولكنها حتى وأن كان من زاوية أنها المعنية أيضاً بحماية المستهلك والتصدي للاحتيال التجاري، لم تضع النقاط على الحروف ، أو تعلن عن إجراءات وضوابط حيال أعمال هذه الشركات والمشاريع الوهمية ، وأن كان مصدر رفيع المستوى – لاحظوا هنا هذه الإشارة التي اقترنت بالخبر التي توضح بأنه فضل عدم ذكر أسمه – هذا المصدر الرفيع في تصريح نشر بجريدة في 25 أبريل 2010 أعلن عن ضوابط ومتطلبات جديدة للسجلات والتراخيص التجارية ستصدر خلال وقت قريب، وأن الوزارة وفقاً للمسؤول الرفيع أخطرت جميع الشركات ، وهنا يقصد الشركات العقارية تحديداً بالامتناع عن أي نشاط تجاري غير مرخص وخصوصاً القيام بجميع أموال من المواطنين والمقيمين .
 
ذلك يعني أنه ليس هناك اعتراف صريح لا بالمشكلة ، ولا بأوجه الخلل والقصور من أي جهة رسمية ، كما يعني أننا سنظل نراوح في مكاننا نخلق ونختلق الأسباب والتبريرات في شأن القصور في الدور الرقابي وهو أمر لا تتحمل مسؤوليته وزارة الصناعة والتجارة فقط، بل ومعه وربما قبله مصرف البحرين المركزي الذي ظل صامتاً حيال كل الانكشافات من شركات واستثمارات وكأنه ليس معنياً على الأقل بحركة مسار وتوظيف الأموال بالمصارف المحلية .
 
أيضاً من بين أخطر ما في المشهد ، هو تلك المساحات الكثيرة من الشطط الأعمى من جانب من باتوا يصولون ويجولون بالكتابة والخطابة في قضية هذه الشركات والاستثمارات مضيفين عليها ودون خجل وبشكل فج بعٌداً طائفياً بعد أن وجدوا بأن جل الضحايا تقريباً في إحدى القضايا من أهالي منطقة السنابس ، وهم الذين وصفهم أحد الكتاب بأنهم ظهروا يمتلكون الملايين فيما يقدمون أنفسهم بأنهم معدمين ملمحاً إلى بعٌد طائفي في المسألة ، فيما لا يعلم إلا الله بحال هؤلاء الذين ربما استدانو من البنوك ورهنوا بيوتهم على أمل زيادة دخولهم والحصول على فوائد خيالية وليس نتائج كارثية .
 
قائمة المخاطر تتضمن من جملة ما تتضمنه حيال هذه القضية ما هو أعظم وأشد مرارة، وهو استغلال البعض للدين والمتاجرة بالدين، ولعله الأمر الذي جعل كثر من الناس ينزلقون إلى ما لا يحمد عقباه. بعد أن سقطت جميع الأقنعة وأكتشف الجميع بأنهم وقعوا ضحية احتيال وباتوا في ورطة كبرى.
 
كل يوم تتكشف خيوط وتفاصيل حول هذه الشركات والمؤسف أن من كانوا وربما لازالوا يحركون خيوط اللعبة في الخفاء ويجنون الملايين تلو الملايين سيكونون كالعادة في منأى عن المحاسبة والعقاب.

اقرأ المزيد

تهميش المفكرين وأزمتنا الحضارية


إن العلماء والمفكرين والعباقرة والباحثين على طول الساحة العربية يظلون مهمشين سواء في حياتهم أو ما بعد رحيلهم بمزيد من الإهمال والتجاهل والنسيان خارجين عن دائرة الضوء وبعيدين عن تسليط الأضواء على مبتكراتهم وإبداعاتهم ونتاجاتهم.. بينما يظل الرياضيون وأبطال الرياضة العربية جميعا محاطين بمظاهر التشريف وحفلات التكريم والتخليد أثناء حياتهم ومماتهم على حد سواء، حاضرين في دائرة الضوء في أي وقت، خاطفين الأضواء الإعلامية لأنشطتهم الرياضية في اللياقة البدنية، والتدريبات الرياضية والتأهيلات الكروية في كل الأوقات.. لكون أنظمتنا العربية قاطبة قد جعلت من الأبعاد الرياضية سيدة للموقف السياسي.. ولطالما سعى هذا النظام الرسمي أو الآخر إلى ارتباط (الأبعاد الرياضية) بـ (الأبعاد الاجتماعية) ارتباطا محوريا بل استراتيجيا في الوقت الذي تجاهلت فيه هذه الأنظمة العربية (الأبعاد التنموية الشاملة) وفي مقدمتها الأنساق التعليمية والمفاهيم التربوية والعلمية والفكرية والإنسانية وفصلها فصلا ميكانيكيا عن (الأبعاد الاجتماعية).

من هذا المنطلق فإن الشعوب العربية قد وجدت عظماءها ومفكريها ومبدعيها وقد استبد بهم اليأس إلى درجة البؤس والإحباط والفشل وخيبة الأمل أثناء حياتهم، مثلما تطوى صفحة النسيان حول إبداعاتهم وملاحمهم وتضحياتهم بعد مماتهم.

إن مبعث هذه المقدمة الموجزة هو رغبتنا التطرق إلى الذكرى السابعة عشرة لرحيل العالم والمفكر المصري الدكتور جمال حمدان.. رحل هذا الإنسان العظيم في منتصف شهر ابريل عام 1993 من دون أن تبدي الدولة أدنى اهتمام بل أحكمت على يوم رحيله طوقا من الكتمان والتجاهل والنسيان.. لأن مظاهر التكريم وتداعيات التخليد برحيل هذا المفكر الكبير قد ظلت خارجة عن دائرتي الضوء والاهتمام كغيابها مع إشراقة كل عام جديد لرحيله.

ومثلما ألغي يوم رحيل هذا العبقري من الذاكرة الرسمية.. فإنه ظل أيام حياته يعاني الاضطهاد المركب: اضطهاد إدارة الجامعة التي كان يحاضر فيها أستاذا والتي اعتمدت مظاهر الواسطة والمحسوبية والوجاهة والفساد الإداري على حساب مبادئ الحيادية والنزاهة وعلى حساب المؤهلات والكفاءات والشهادات التي يتمتع بها المفكر جمال حمدان.. واضطهاد النظام السياسي الذي لم يحرك ساكنا لدعم المفكر الراحل حينما رفض أساليب الجامعة المهينة في استلاب كرامته وتهميش مكانته من حيث تقريب أصحاب المكافآت على حساب أصحاب الكفاءات وحين محاباة المتسلقين والانتهازيين على حساب المهارات.. بينما النظام الرسمي ظل صامتا حتى تخلى عن أحد عظمائه وعباقرته في أصعب اللحظات على الإطلاق بعد انسحابه من الحياة العامة وانطوائه على نفسه في شقته طوال عشرين عاما بالتمام والكمال منذ عام 1973 حتى يوم رحيله عام .1993

ولكن الأدهى من ذلك كله فإنه بدلا من رد اعتبار هذا العبقري العظيم جمال حمدان وتكريمه بأي شكل من الأشكال بعد رحيله كإقامة نصب تذكاري له أو إطلاق اسمه على أحد شوارع جمهورية مصر العربية أو إحدى الجامعات أو أحد المتاحف أو أي معلم من المعالم التاريخية فإن الدولة بمختلف مؤسساتها الرسمية والمدنية والشعبية والمهنية والحقوقية لم تدفع أدنى اهتمام لما أبدع أحد مفكريها في صومعته وأنتج أعظم موسوعة علمية وسياسية وجغرافية وأدبية وأيديولوجية وهي موسوعته الشهيرة “شخصية مصر”.

مثلما تجاهل النظام الرسمي وفاء هذا الرجل العظيم، هذا الابن البار الذي أعلن ولاءه لوطنه، والارتباط بأرضه، والتشبث بهويته ومواطنيته، حينما لم يستقطب بعوامل الجذب كسائر الكثير من العلماء والمفكرين والهجرة إلى الدول المتقدمة التي بدورها أعطت العباقرة وعظماء الوطن العربي بالغ الاهتمام ووفرت المكانة الرفيعة لهم وعظيم الاعتبار لنتاجاتهم.

وحينما لم يتأثر الراحل الحاضر جمال حمدان بعوامل الجذب فإنه تجاوز محنة عوامل الدفع والمتمثلة في مكابدته القهر السياسي ومعاناته الاغتراب الذاتي والداخلي والنفسي والاجتماعي، وبحسب رزوح هذا الإنسان هذا العبقري العظيم تحت طائلة عملية المخاض العسيرة بأبلغ آلامها وأوجاعها فإنه بالمقابل وفي الوقت ذاته قد كشف عن أزمة حضارية يعانيها الوطن العربي بأسره.. ولكن أولئك العظماء العرب حاملي منارة العلم والمعرفة والفكر والكلمة وراية الحرية ولواء الكرامة الإنسانية قد سعوا إلى تلاشي تداعيات تلك الأزمة الحضارية بإصرارهم على شق سدول التخلف الشديد بجميع مظاهره وأشكاله وذلك بتأثير إنجازاتهم العلمية والاجتماعية والإنسانية وبفعل مكتسباتهم الحضارية الرائعة التي تألقت بعقولهم وتجلت بأقلامهم وزخرت بتضحياتهم.. هؤلاء العظماء هم جميعا تجلوا برسالتهم العلمية والمهنية والأخلاقية قمة التاريخ وذروة المجد فصنعوا المعجزات وسطروا التاريخ الإنساني وفي مقدمتهم الراحل الحاضر المفكر المصري والعربي جمال حمدان.

 
أخبار الخليج 14 مايو 2010
 

اقرأ المزيد

مصـر تتحـرك!


مصر بدأت تستيقظ، و(بالطو) العسكريين الثقيل المليء بالرصاص والامتيازات يثقل قامة مصر الفقراء والطبقة المتوسطة والفلاحين، التي كادت ان تغرق في مياه النيل وفي مستنقعات الفقر والفساد!

لقد ظهر مثقفون غير مرتبطين بدول تدفع الرشا السياسية، وتشكلت طبقة وسطى واسعة خاصة في التصنيع الخاص، وأصبح القطاع العام البيروقراطي حجر عثرة في تجاوز هذا الاقتصاد الذي هو ليس رأسماليا حرا ولا اشتراكيا، ولا هو مدني ولا هو عسكري، ولا هو غربي تحديثي ولا شرقي شيوعي!
والبرلمان عاجز عن مراقبته وعن تدقيق حسابات هذا القطاع العام الضائعة، فساحت أموال المواطنين في الجيوب الخاصة، ونفقت المشروعات العامة، وغدت المدينة ريفا متخلفا.

ان النقطة المركزية في الحراك المصري الشعبي الديمقراطي المعارض الآن نقطة سياسية ساخنة، وهي القيام بتعديلات جوهرية في الدستور، تلغي المواد الشمولية التي تجعل من الاستحالة حدوث منافسة حقيقية بين المترشحين للرئاسة.

والرئيس في دول الشرق هو الحاكم الأبدي!
لقد ظهرت طبقة من رجال ونساء الأعمال اكتسبت ثقافة ديمقراطية حقيقية، وتريد ان تكون مصر قطعة من الغرب الديمقراطي، وتراثها التنويري الديمقراطي خلال مائة سنة يؤهلها لذلك.

ان القوى الشمولية التي ظهرت قبيل الحرب العالمية الثانية مجسدة في العسكريين القوميين والاخوان المسلمين والماركسيين غير الديمقراطيين، هذه القوى استنزفت مصر وأدت دورها في تشكيل قطاع عام كبير، واحداث تحولات اجتماعية واقتصادية مهمة، وكان اتجاهها باتجاه الشرق الشمولي والمتخلف غير الحاسم في العبور نحو الحداثة.

لقد ظهر التقاطع حادا في تلك الفترة المفصلية من تاريخ مصر، فحزب الوفد يريد ان يتجه بمصر نحو الغرب، ونحو الحداثة والديمقراطية والعلمانية، لكن القوى النخبوية الشمولية كانت تريد التوجه لتقليد الأنظمة الشرقية الاستبدادية المؤثرة وقتذاك.

ولعبت مشاعر العداء للاستعمار وتآمر الدول الغربية الكبرى لمساعدة الحركة الصهيونية وفساد الملكية وعدم عمق الديمقراطية المحلية، أدوارها في صعود النموذج الشمولي غير الديمقراطي وغير الليبرالي.

وأدى تصاعد هذا النموذج الشمولي دوره القومي كذلك عبر انتشاره، وعبر تكوين حركة تحرر عربي شمولية محافظة، فقدت حتى زخمها المحدود هذا.
ومنذ ان بدأت الاصلاحات في النظام العسكري المصري تصاعدت موجة الليبرالية الحداثية مجددا، واشتغلت ماكينة كبيرة نهضوية علاها غبار البيروقراطية والصدأ الحديدي للأحكام العرفية، فراحت تنفض هذه الطبقة الصديدية الخانقة، وتصاعدت أصوات العودة للمسار التحديثي الديمقراطي المقبور من قبل الضباط الأحرار والعبيد، وبدأت موجة من الوعي العقلاني تنتشر في الأدب والصحافة، وتم اكتشاف سراب الأنظمة الدكتاتورية و(الاشتراكية) والدينية، وعلى مدى عقد كان الأدب محور هذا الإيقاظ الديمقراطي المبكر أو المتأخر، حتى سلم الموجة للقوى السياسية الجديدة الطازجة قليلة الخبرة السياسية ومحدودة الجذور للأسف.

ان استعادة حلقة الديمقراطية المضروبة بمطارق عسكريي الخمسينيات وما بعدها، ليس متكاملا حتى هذه اللحظة، فقوى الملكية الخاصة الانتاجية الحرة لا تستطيع مواجهة القطاع العام الواسع، البيروقراطي العسكري المهيمن، وآلياته السياسية القوية المنتشرة حتى في القرى والنجوع، والقوى العمالية نائمة في العسل الأسود.
ان اللوحة الطبقية غير المتوازنة بين البيروقراطية وقوى الاقطاع الحكومية والرأسمالية التابعة لها والفاسدة، تقود إلى لوحات سياسية قاتمة، عبر انتشار الدينيين الطائفيين المحافظين غير الوطنيين، وهم النسخة الشعبية التي بقيت من مطرقة الشموليين الرافضين للحداثة الديمقراطية بمعايير الغرب، والمصرين على المشي في الطريق نفسه الذي قادنا إلى الكثير من الكوارث والتخلف.

ان جسم الوفد الذي ذاب وجسم الاخوان الذي صعد، مؤشران على تدهور وعي الحرية والديمقراطية والعلمانية لدى اوساط الشعب البسيطة المخدوعة وبالتالي فإن أي انتخابات حرة حقيقية في ظل هذا المستوى من الوعي الشعبي المحدودة تقود إلى نتائج ليست في صالح نمو الديمقراطية التحديثية.
فمن الملاحظ ان القوى الديمقراطية الجديدة نخبوية ومعتمدة على التأثيرات والمساعدات الغربية الدبلوماسية، ومن دون ان تتحد وتكون جبهة حداثية، وتوجد لها قواعد شعبية واسعة، فإن امكانياتها في الفوز تبقى ضئيلة.

لابد من النضال الصبور كذلك، ومواجهة وتعرية الفساد ونشر التنوير والوعي الديمقراطي حتى لا تسقط مصر مرة أخرى في ايدي الشموليين باسم الدين هذه المرة أو بأسم الدولة الجامعة المانعة أو بأسم الجيش المنقذ مرة أخرى!

ان نصف قرن من التجريب ونصف قرن من تجاوز أحمد لطفي السيد وسعد زغلول وطه حسين، وكل ذلك التراكم العقلاني، والوصول الآن إلى جمهورية الدراويش والفساد، يوضح خطورة القفز على الديمقراطية وخطورة التجريب العسكري الديني في لحم الشعب.

أخبار الخليج 14 مايو 2010

اقرأ المزيد