المنشور

الأحزاب المذهبية السياسية في العراق (2,3,4)


تتشكل الأحزابُ المذهبية السياسية سواءً أكانت فُرقاً كما في الماضي، أم شللاً وكيانات اجتماعية كما في الحاضر على بعضِ الشعاراتِ الفقهيةِ المفصولةِ المُنتزعة من الكلِ الديني مع غيابِ الدراية الواسعة بالإسلام، فالأهدافُ السياسيةُ تقفزُ وتركبُ على المادةِ الدينيةِ غيرِ المُحللةِ وغيرِ المدروسةِ، كما في لحظة الخوارج حيث يُـقطعُ شعارُ لا حكم سوى القرآن من سياقهِ الكلي ومن تجربةِ المسلمين العامة، ويُعلقُ في العملِ السياسي الذاتي التمزيقي؛(قضيةُ حقٍ أُريدَ بها باطل).
إن الأحكامَ المقطوعةَ والجزئيات المُنتزعة والشعارات المصنوعة هي كلها بهدفٍ سياسي غائي تكيتكي، أما جسم الدين فهو مادة خام مُغيبة.

وبهذا لم يكن الأئمةُ سياسيين بعد حرب صفين، وفصلوا الفقهَ عن السياسة، وتشكل للسياسةِ أصحابها، لكن من خلالِ امتطاءِ الفقهِ للمصالح السياسية والكراسي.
وقد وجد السياسيون الحديثون من المذاهب بعد جور رأسمالياتِ الدول المُسماة اشتراكيةً وقومية، في العراق خاصةً، انهم مدعوون لتجنيدِ المذهبين الشيعي والسني، وكذلك المذاهب والأديان الأخرى المتعددة في العراق، لعدمِ الذوبان أمام هذا السحق الحكومي.

لكن جرى ذلك من خلالِ القفزِ على ظهرِ الدين، وباعتمادِ المادةِ المحافظة الاستغلالية التي تكرستْ خلال القرون السابقة، فهم كذلك مثل (الاشتراكيين والشيوعيين والقوميين) لم ينتجوا ثقافةً ديمقراطيةً ولم ينظروا للعامةِ كبشرٍ مستقلين ومنتجين، وكرسوا تخلفَهم في المظاهرِ العبادية المتعددة، وأججوا التعصبَ بينها، والانفصالَ عن بقيةِ المسلمين، ولهذا كان كفاحُهم ضد الدكتاتورية دكتاتورياً متخلفاً، كهاربٍ من الرمضاءِ إلى النار.

إن التمزقَ الوطني يقود للتمزق القومي، ودين التوحيد يتحول لديهم إلى دين التمزيق، وراحت الأجسام المذهبية السياسية تتكاثر خاصة لدى الشيعة والأكراد، بسبب تحويل النظام واجهته الايديولوجية البعثية إلى واجهةٍ مذهبية زائفة هي الأخرى ومتعصب لها، وهيمنةُ مصالحِ الحكمِ تتحولُ إلى إفقارٍ للجماهير عامة، وخاصةً غير الملتحقة بمؤسساته السياسية.

إن غيابَ الانتماء القومي هنا يتحولُ لولاءات خارجية، ونرى هنا كيف أن مظلة العصور الوسطى التمزيقية تجر هذه الكيانات السياسية لخرائطِها القديمة، بدلاً من مراكمة الوطنية الديمقراطية العراقية.

وليس في الكيانات المذهبية السياسية رؤىً فكريةً فهي تعجزُ عن صنعِ ذلك، بسببِ غيابِ أي مرجعيةٍ فكرية عميقة، فتلصيقُ جملٍ سياسيةٍ مقطوعةِ السياقِ بالإسلام لا يشكلُ رؤية خاصة أن هذه الجماعات تأخذ المبنى الديني المحافظَ وليس العناصر الديمقراطية في الإسلام. ومن زمن الخوارج حتى الآن يعتمدُ التنظيمُ المذهبي السياسي على الزعيمِ الفرد، والانقساماتُ فيها هي انقساماتٌ فردية، مرتبطة بالقبائل والعائلات والمناطق وليس بالأفكار الخلاقة.

إن التنظيم المذهبي السياسي هو تنظيمٌ فردي، أي يتشكل من خلال شخص، فهو غير قادر على بث رؤية ديمقراطية لأنه مشكل بصورة شمولية، وبهذا تتوالدُ التنظيماتُ حسب صراعات الزعماء والعائلات، وتقود في الممارسة السياسية الحكومية إلى تصاعد هذه الجماعات الخاصة التي انسلختْ عن المسلمين عامةً، ثم تروح تنسلخُ عن طوائفِها التي زعمتْ تمثيلها، وتصعد في عالم الفساد.

وجه للسيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق نقدٌ بارزٌ في أثناء الانتخابات بكون وزارته حصلت على 300 مليار دولار أن يظهر أثرٌ لهذه الأموال على الأرض الاجتماعية؟!

سنقرأ لاحقاً مثل هذه الحيثيات، لكن لابد من القول هنا بأن الأدلجة الشمولية سواءً أكانت مذهباً أم فكرة عصرية هي واحدة، حيث انه يجري غرس الديمقراطية في شعوب تعيش ثقافة الاستبداد الطويل، ويتم جرها من خلال هذه الأدلجة التعصبية عادة، لكنها ليست فاقدة للتبصر أو للتعلم، بل هي تراكم تلك العناصر الديمقراطية الصغيرة الضائعة في ثقافات الشمولية المختلفة، عبر جوعها وأجورها المتجمدة وعبر نظرتها للأحزاب غير المفتوحة للحوارات والتحليلات والصدق والموضوعية.
وبطبيعةِ الحال كانت تجربة الشعب العراقي مريرة جداً وقاسية وإمكانات تسلل النظر الموضوعي، وتصاعد موقف وطني، وتشكيل شيء من المقاربة بين أغلبية هذه الجماهير الممزقة من الشمال والجنوب والغارقة في التفجيرات والافساد، تبدو مستحيلة، لكن حدث هذا المستحيل، وأمكن لجماهير كبيرة أن تتحد وتتجاوز المذهبيات السياسية الكلية الهيمنة.

صحيفة اخبار الخليج
16 يونيو 2010


الأحزابُ المذهبية السياسية في العراق (3- 4)

بعد هيمنة الأحزاب المذهبية السياسية السنية والشيعية بعد هدم النظام السابق، بدأ شيءٌ سياسي جديد ينمو في حياة العراقيين، هو رفض أولي لحالات التمزيق السائدة:
(اظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الوطني للإعلام التابع لأمانة مجلس الوزراء في العراق ونشرت نتائجه الاثنين 19-1-2009 ان غالبيةَ الناخبين تؤيد القوى العلمانية على القوى الدينية والقومية).

وقال علي هادي محمد المشرف العام على المركز في مؤتمر صحفي إن “الاستطلاعَ الذي شمل جميع القوميات والأديان يؤكد حصول التيار العلماني على 42% مقارنة بالتيار الديني 31%”، وذلك رداً على سؤال حول من يقدر على قيادة البلاد بشكلٍ أفضل. وشمل الاستطلاع 4500 شخص في جميع المحافظات وعددها 18).

بدا ان مثل هذه الاستطلاعات هي مجردُ توجيهات لتأسيس انطباعات متجذرة لدى الناخبين، ولكن كان هذا فرزاً مهماً بدا يتشكل في وعي الجمهور المبتعد قليلاً قليلاً عن هذا العالم الشمولي الذي ساد خلال حقبة طويلة، وكان هذا الجمهور قد حلم بأن تقوم القوى الدينية والقومية بتغيير حياته وأعطيت الفرصة الكبيرة لكنها لم تقم بذلك.

علينا أن نرى أن ثمة تغييرات كبيرة قد جرتْ، فآلةُ الدولةِ المركزية الشمولية الكبرى قد تفتتْ لكنها وُرثتْ من قبل هذه الجماعات الجديدة، وقد وضحنا أسباب عدم قدرة القوى المذهبية السياسية والقومية الشمولية على مقاربة تطلعات أغلبية الناخبين، بكونها قوى فوقية محافظة داخل أجسام المذاهب والأفكار القومية ولم تشكلْ علاقات ديمقراطية داخل أجهزتها وعبر العلاقة بالجمهور، ولا تكفي هنا البرامج الرنانة للحصول على تأييد الناس.

وجرى انفصالٌ بين قياداتِ وجماعات هذه القوى والجمهور الأكثر وعياً والمنفصل عن التعصبِ والباحث عن تطورِ معاشه وحريته، فيما كانت الأحزابُ المذهبية والقومية تقدم شيئاً آخر.

جاءت نتائجُ الانتخابات بمفأجاةٍ هي تراجعُ القوى الدينية والقومية وقيام القائمة العراقية العلمانية باختراق حتى بعض المناطق الدينية في الجنوب.
من هي القائمة العراقية؟

(ويضم ائتلاف “القائمة العراقية الوطنية” قوى عَلمانية شيعية وسنية، من أبرزها حركة الوفاق الوطني العراقي بزعامة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وحركة التجديد التي يقودها نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي، وجبهة الحوار الوطني بزعامة السياسي السني البارز صالح المطلك، وتجمع “عراقيون” بزعامة أسامة النجيفي.).

(وأعلنت مصادر اعلامية مشرفة على عمليات الفرز أن “القائمة العراقية” حلتْ في المرتبة الثانية في ثلاثِ محافظاتٍ جنوبية (بابل والمثنى والبصرة)، لكنها جاءتْ في المرتبة الثالثة في ست محافظات أخرى من جنوب العراق، بعد الائتلاف الوطني، الذي يضم الأحزاب الشيعية الرئيسية باستثناء حزب الدعوة تنظيم العراق).

أي أن الاختراقَ ألغى تحجرات الطوائفِ التي حاولوا رسمها وحفرها في عظامِ الشعب، ولكن لماذا حدثَ ذلك بعد هيمنة دينية وقومية هائلة؟
لم تستطعْ هذه القوى أن تعطي صورةً مغايرة للطبقة الحاكمة عن النظام الشمولي السابق، أي استخدام العنف والقوة والاستغلال وطرح قضايا هامشية وتدخل في خصوصيات المواطنين وطرح شكلنة الإسلام، أي الاصرار على محاربة ما يسمونه الفجور والمتع والمشروبات و(الحداثة)، فتحولتْ إلى قوى متسلطةِ أكثر حدةٍ من السابق في شعبٍ تشربَ العلمانيةَ منذ عقود، أما القضايا الرئيسية المُنتظر حلها كالبطالةِ الواسعة والفقر والفساد وغياب العدالة في توزيع الثروات بين الطبقات والأقاليم والمناطق فقد طُمست.

وإضافةً للعجز عن محاربة القوى العنفية الإرهابية ونشر القمع الفكري للمعارضين، توجهتْ المجموعاتُ المذهبية لتصفية الجماعات الدينية من الأقليات.
(يقول رئيس الحركة الايزيدية من أجل الإصلاح والتقدم أمين فرحان جيجو إن “هناك تراجعاً قوياً للحريات الدينية في العراق خلال السنوات القليلة الماضية ولعدة دوافع منها ما يتعلق بالتطرف الديني وأخرى تتعلق بالإرهاب”.

ويضيف جيجو في حديث لـ “السومرية نيوز”، ان “تراجع وانحسار الحريات الدينية في العراق يعودُ أيضاً إلى عدم تطبيق القوانين والقرارات الدستورية التي تتعلق بحرية المعتقد الديني وحقوق الإنسان في العراق”، معتبراً أن “هناك أحزاباً لديها توجهات دينية ليس لها علاقة بالدستور والقانون العراقي”، بحسب تعبيره.).
ويصف جيجو دور الحكومة بأنه “دور جامد وسلبي في حماية الأقليات الدينية”، مضيفاً أن “هذه الأقليات أصبحت بوابة للصفقات السياسية بين الأحزاب الكردية والأحزاب العربية الموجودة في السلطة”.

ويلفت المرشح الايزيدي الفائز في الانتخابات إلى أن “قرارات اتخذت في بعض المدن العراقية في الفترة الماضية تمنع تناول المشروبات الكحولية وهي تدلل على وجود توجهات دينية بحتة نابعة من أحزاب لا تؤمن بالدستور ولا بالقوانين العراقية”.

ويحتوي الدستور العراقي، الذي تم إقراره في أكتوبر 2005 بموجب استفتاء شعبي، عدة أحكام تكفل حقوق الأقليات. إذ ينص صراحة في مادته الثانية الفقرة ثانيا على ضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والايزديين، والصابئة المندائيين، أما المادة الثالثة فتقر صراحة بأن العراق دولة متعددة القوميات والأديان والمذاهب.

وطبقاً للمادة 14 فإن جميع العراقيين “متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي”.

قام النظام السابق بدءًا من عام 1994 بتدخلات عميقة في حريات المواطنين الاجتماعية بعد أن سلبهم حرياتهم السياسية، وكان هذا جزءاً مما يُعرفُ باسم “الحملة الإيمانية” التي أطلقها، ونص على أن للمحافظين صلاحية إغلاقِ الملاهي وصالات الرقص والنوادي الليلية ومنح إجازات بيع الكحول لطوائف غير مسلمة حصراً. وكانت القوات الأمنية العراقية في عهد الطوائف الراهن قد أغلقت خلال الأيام الماضية، عدداً كبيراً من محالِ بيع المشروبات الكحولية والنوادي الليلية في عموم مناطق بغداد الأمر الذي أثار استغراب أصحاب تلك المحال.).

مثلتْ الجماعاتُ المذهبيةُ والقومية المتشددة استمراراً للنظام السابق الذي حين عجز عن نشر المساواة والتقدم تعكز على الشرع! ودائماً يتصورون الشرعَ مطيةً سهلةً يستغلونها لمآربهم.
 
أخبار الخليج 18 يونيو 2010
 
 
الأحزاب المذهبية السياسية في العراق (4 -4)


لابد أن تكون الأحزابُ المذهبيةُ السياسية تفكيكيةً تفتيتية لكيانِ المسلمين، لكونها يمينية من قوى استغلالٍ ليست تحديثية ديمقراطية، فتكون أنماطُ إداراتِها ذرائعية انتهازية مرتكزة على ذاتِ الأبنية الاجتماعية المتخلفة، ونظراً لعملياتِ التفكيك التي تقومُ بها للُبنى السياسية للبلدان العربية والإسلامية فهي تعيدُها للوراء، للصراعاتِ الداخلية الجانبية، غير قادرةٍ على تلمسِ عناصر الديمقراطيةِ في التراثِ العربي الإسلامي وفي الواقعِ المعاصر، لكون تلك العناصر تعتمدُ على التوحيدِ لا التفتيت، وعلى العقلانية وليس على اللاعقلانية، مما يقودُها وهي تستغلُ الجهلَ الجماهيري وغيابَ قواعدِ المحاسبةِ الشعبية، إلى تكسيرِ بُنى الاستقلال والتقدم القائمة على التوحيد في كل بلدٍ عربي إسلامي. لكن الأطر الحديثة من الديمقراطية الواهنة ليست محايدة كلياً، وفيها فرص لتطور الجمهور أيضاً.

إن الهجمةَ السريعة من الأحزاب المذهبية نحو التنظيمات الديمقراطية الجنينية هذه عبر استخدامها قصور التجربة الجماهيرية التحديثية، هي جزءٌ من خلطٍ يقوم به المشرعون لهذه العمليةِ الديمقراطية، ووجود نيات سياسية مصلحية تكتيكية مؤقتة لديهم، لا تغوصُ في تكريسِ الديمقراطية بشكلٍ عميق، فهم يسعون لأغراضٍ أخرى، كحدوثِ استقرارٍ مؤقت أو لإبقاءِ التركيبات المذهبية واستخدامها في الصراعين الوطني والإقليمي.

لكن هذه التركيبة المذهبية السياسية الطافحة فوق الجهل الجماهيري تؤدي إلى فساد كبير، وتنامي ثروات هذه النخب المذهبية السياسية وعضها بالأسنان على فتاتِ السلطة التي هرولتْ إليها، مما يؤدي إلى عكس ما كان يريده وتحفز له الجمهور!

التركيزُ في شكلنةِ الإسلام وشكلنةِ الديمقراطية يتجسدُ بهذه السيطرة من خلال تلك الأشكالِ العبادية خاصة، وهي أشكالٌ مختلفةٌ مغايرة بين المسلمين، مما يصعدُ التقسيمَ والنزاع وتغييبَ الوعي والتوجه نحو مسائل الصدام بين المسلمين وتهميش وعيهم العصري الحقيقي واصطدامهم مع اخوتِهم المواطنين من أديانٍ أخرى كما رأينا حول أوضاع مذاهب الأقليات الإسلامية والمسيحية في العراق.

في العراق تمظهر ذلك أيضاً بصفقاتِ الفسادِ السياسية المتعددة، فالأحزابُ المذهبية والقومية تركز في التشبث بالسلطة وتعقد صفقات فيما بينها، وتجعلُ الديمقراطيةَ توافقية(؟)، أي تمثل دكتاتورية هذه النخب، يقول أحدُ الكُتاب العراقيين:

(ولابد أن نتذكر هنا صفقة 2007 بين طرفي الحكم (التحالف الكردستاني) و(الائتلاف العراقي الموحد) التي أدتْ إلى إطلاقِ مئاتِ السجناء المدانين بقضايا فسادٍ مالي تُقدر بمليارات الدولارات، مقابل رفع حصّة إقليم كردستان في الموازنة السنوية من 13 بالمائة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة لحاجاتِ الإقليم إلى 17 بالمائة التي يتم إنفاقها من دون رقابة عادة فهي لا تذهب لمصلحة المواطنين الأكراد بالضرورة !!)، كريم عبد.

ويجوهرُ الكاتبُ وضعَ العراق عبرَ هذه الإدارات بقوله:
(بدا الاضطرابُ واضحاً في السياسةِ المالية والاقتصادية إذ تخلّفت الصناعةُ والزراعةُ وتحولَ العراقُ إلى بلدٍ استهلاكي قل نظيرهُ في بلدان العالم، ذلك أن 80 بالمائة من الموازنات السنوية تُخصصُ للشؤون التشغيلية، أي لرواتب الموظفين ونفقات الوزارات، بينما أقل من 10 بالمائة للتنمية!!).

إن مسائلَ المذهب هنا جعلتْ الناخبين في البدايةِ يطمئنون لهذه الذممِ السياسيةِ المتعكزة على المقدس، لكن الأخطر من عملياتِ الخداع هنا هو تفكيك الإرادة الشعبية، بجعلِ المواطنين ضعفاء ممزقين أمام هذه النخب الصغيرة، التي تفتتُ صفوفَهم عبر تلك الأدوات (الدينية)، وبالتالي تبعدُ وعيَهم عن تتبعِها وكشفِ ممارساتِها، ومتابعة مصالح البلد الموضوعية، وتؤجج صراعاتِ المذاهب والأقاليم والقوميات لكي تستمرَ في الاستحواذ على غنائم الحكم.

لكن هذه العملية لا يمكن أن تستمر ولا يمكن أن تكون سائدة على مختلف القطاعات، ولهذا تغدو العلمانية السياسية إبعاداً لتلك المتاهات التي يريدون إيجادها وإحداث النزاعات وتقسيم الصفوف، فيحدث التركيز في المصالح العامة والظروف الموضوعية، وجعل الميزانية وطنية تابعة لحاجات الشعب.
هذا يؤدي إلى ابتعاد البلد عن المحاور الإقليمية والنزاعات الكارثية وتوحد المواطنين والهيئات السياسية، وهو أمرٌ راحتْ جماهير عراقية عديدة تستوعبهُ بسببِ الضرائب الدموية الباهظة التي دفعتها لحرامية الأوطان والأديان.

ومع تشكل القائمة العراقية من فاعلياتٍ سياسيةٍ مذهبية مختلفة، تم إبعاد التسييس للمذاهب، وطرح برنامج وطني محض، يتسمُ بالتركيز في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنمية خاصة، وسحب البساط من هذا التعكز على المقدس، ولم يكن بإمكان مثل هذه العملية أن تحظى بتأثيرٍ عميقٍ مع سيطرةِ الأحزاب المذهبية والقومية على أجهزة الإعلام وأدوات السلطة، وكان حزب رئيس الوزراء الحالي قد استخدم التلفزيون بشكلٍ يومي لبثِ دعاياته المختلفة، ومع هذا فإن الفشلَ كان حليفهم، وقسم كبير من الجمهور وصلت إليه حقائق الموقف السياسي بمعاناته الخاصة، وبفشل الأحزاب المذهبية في تطوير العراق، لكنهم كذلك مستمرون في إبقاء المظلة السياسية نفسها التي راحت تتمزق.


أخبار الخليج 18 يونيو 2010
 

اقرأ المزيد

لتفادي المجلس الطائفي


بواكير الحملة الانتخابية القادمة، ومن خريطة المرشحين التي بدأت في التشكل التدريجي، ومن القراءة العامة لحظوظ المرشحين الذين يعتمد غالبيتهم في خطابه الانتخابي على المفردات المذهبية والطائفية، يتعين علينا التنبيه من مخاطر قيام مجلس طائفي كذاك الذي انتهت ولايته، يتبارى فيه الطائفيون بإثارة الموضوعات التي لا يمكن إلا أن تدفع إلى مطبات الفتن ، وتحرض الغرائز المذهبية المختلفة على أن تشكل دوافع للتجاذبات التي وسمت المرحلة السابقة، ويمكن أن تسم المرحلة القادمة من حياة البحرين السياسية، حيث يختفي الهم الوطني الجامع وتغلب الميول والأجندات ذات الميول الطائفية.

ما زال في الوقت متسع لكي يعد الناخب البحريني إلى العشرة وحتى إلى المائة قبل أن يحسم خياره في التصويت للمرشح الذي يرغب في أن يراه في المجلس القادم، ومثل هذا التروي ضروري للتمحيص بين أجندة المرشحين، وخلفياتهم السياسية، فالفصل التشريعي المنقضي برهن على أن النائب ذا التكوين الطائفي والمذهبي لا يمكن أن يؤسس لأداء وطني ولا يمكن لأجندته في المجلس أن تكون بعيدة عن نوازعه الطائفية في بيئة هناك من يرغب أن تطغى عليها هذه النوازع.

هذا ما سيحدث إذا تكرر سيناريو المجلس المنقضية ولايته، وغابت عن مقاعد المجلس الوجوه الوطنية الديمقراطية ذات التكوين الوطني الواسع والأفق الديمقراطي الشامل في التعاطي مع قضايا الوطن والمجتمع التي يمكن أن تغلب الهم الوطني والاجتماعي الذي يعني البحرينيين جميعا بصرف النظر عن مناطقهم وطوائفهم، والتي تنأى بنفسها عند مقاربة أي ملف من الملفات عن التعاطي الطائفي أو المذهبي أو المناطقي، والتي تنظر للأمور من منظور شامل يتخطى مثل هذه الانحيازات أو الولاءات. علينا جميعا في قوى المجتمع المدني وفي الجمعيات السياسية وكذلك في الصحافة الحرة غير الطائفية أن نعمل ما في وسعنا من أجل أن تجد العناصر ذات النزوع الليبرالي والديمقراطي فرصتها في أن تكون في المجلس القادم، لأن وجودها فيه سيسهم في الحد من خطر انزلاق المجلس إلى السجالات والمعارك المذهبية، وسيساعد في جعل هذا المجلس قريبا من المشتركات العامة في الوطن ولدى المواطنين، وأن ينصرف إلى التعاطي مع القضايا المختلفة بروح حريصة على البناء الديمقراطي الذي ننشده.

وطبيعي أن ذلك مرهون بسن التشريعات التي توسع من رقعة الحريات العامة ومن مساحة الديمقراطية في المجتمع، عبر تطوير الآليات الدستورية والقانونية الضامنة لذلك، وتكريس مبادئ قبول وتعايش الرأي والرأي الآخر، والنأي عن كل ما من شأنه تنميط المجتمع برأي واحد وسلوك واحد، يذكرنا بالأنظمة الشمولية.

وذلك هو ضمانة أن تظل البحرين كما عهدناها مجتمعا لكل الآراء والأفكار وأنماط المعيشة ولأن تبقى مجتمعا منفتحا على رياح التغيير وعلى الأفكار الجديدة، رافضة لمساعي البعض إلى تحويلها إلى مجتمع منغلق متزمت يديره زعماء الطوائف، بدل أن يقوده القادة الوطنيون المتفتحون الذين صنعوا وجه البحرين الحديثة، والذي نجحوا في صهر مكونات المجتمع في بوتقة التغيير والبناء الخلاق، فيما يسعى الطائفيون إلى تفتيت المجتمع إلى طوائف ومذاهب تتنازع على الهامشي وتُضيع الجوهري . 

 

اقرأ المزيد

قراءة في نتائج تقرير الراصد

قد نختلف أو نتفق مع بعض التفصيلات الواردة في تقرير الراصد الاجتماعي لعام 2009 وهو التقرير الأخير الصادر عن شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، لكننا حتما يجب أن نقرأ التقرير بكل ما ورد فيه بغية معرفة المزيد من التفاصيل التي نرى أنها ضرورية لفهم واقع الحال في أي دولة من الدول التي يعرض لها التقرير بالرصد والمتابعة، وبحسب طبيعتها فان تقارير الراصد في مجملها تمثل جزءا من وجهة نظر الجانب الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني في الدول التي يُقدم التقرير تفاصيل عنها من خلال ما يقوم به من متابعات. فشبكة المنظمات العربية غير الحكومية هذه والتي تضم أكثر من 60 عضوا حول العالم، كثيرا ما تعرض بالتفاصيل والأرقام حقائق متعلقة بقضايا محددة ترتبط ارتباطا وثيقا بمسائل من بينها الفقر والتضخم والبطالة والعمالة وقضايا التمييز والأمن الاجتماعي ومعدلات التعليم ومستوى الخدمات والسكان والتنمية بشكل عام.
في تقريرها الأخير عن البحرين، الذي نحن بصدد محاولة تحليل بعض ما جاء فيه، نجد أن هناك تركيزا مكثفا حول مجمل القضايا التي تشغل بال المجتمع الأهلي والحكومة على حد سواء، ربما يكمن الفرق في طبيعة أو تباين المعلومات التي يطرحها التقرير والتي نجدها تنحاز كثيرا إلى ما تطرحه قوى المجتمع المدني والقوى السياسية من مخاوف وقلق حول مجموع تلك الملفات المؤرقة للسواد الأعظم من الناس، في مقابل ما ننتظره بطبيعة الحال من أرقام ومعطيات من طرف الجانب الرسمي، وجميعها بكل تأكيد تحتاج إلى قراءة متأنية تبتعد عن أي منحى لشحن أو تجيير من شأنه أن يفسد قيمة ما احتواه التقرير من حقائق لا شك أنها تحتاج إلى معالجات موضوعية، نجد إن استسهال تأخيرها قد يقود إلى جملة من العقد والمصاعب التي ربما تتعذر معها الحلول المطلوبة مستقبلا.
في البداية يؤكد التقرير على أنه لا يمكن للبحرين شأنها شأن أي دولة في هذا الكون أن تعزل نفسها عن باقي دول العالم، فعملية العولمة التي لا جدال حول حجم تأثيراتها باتت تفرض شروطا والتزامات لا سبيل لتجاهلها مهما حاولنا، ولذلك تبرز الحاجة مع هكذا مسلمات إلى ضرورة وجود استراتيجية واضحة لاحتواء تأثيراتها السلبية وحماية المجتمع منها أو التعاطي مع ما تفرزه العولمة من إيجابيات ومكاسب و حتى تحديات ثقافية واجتماعية واقتصادية بمسئولية.
وفي التقرير المذكور إشارة واضحة إلى توجه الدولة للأخذ بنظام الاقتصاد الحر والذي يعني التقليل من تدخل الدولة في ادارة الاقتصاد، والذي استدعى بالفعل أن تتخلى الدولة بالتدريج عن تقديم خدمات ضرورية ترتبط بحياة المواطن بشكل يومي ومنها الكهرباء والماء والنقل وفتح وتخصيص بعض القطاعات الأخرى كالتعليم والخدمات الصحية وبعض القطاعات كالجمارك والموانيء والاتجاه لتخصيص مشاريع كبرى كالالومنيوم والطاقة أسوة بما يحصل في قطاعات أخرى. هنا يشير التقرير الى بعض الانعكاسات السريعة التي حدثت في المجتمع ومنها ما يجري على صعيد الإسكان حيث يتم العودة مجددا وبصورة متزايدة إلى الوضع السابق للأسر الممتدة، خاصة مع تزايد الطلب على الخدمات الإسكانية وعجز الدولة عن الوفاء بإلتزامتها كاملة نتيجة عدة اعتبارات منها عدم توفر الموارد المالية وشح الأراضي وغيرها. كما يشير التقرير إلى معضلة أخرى هي زيادة تدفق العمالة الأجنبية نتيجة ما استطيع ان أسميه فوضى المشهد الاقتصادي لسنوات طويلة، وتراخي السيطرة على تدفق تلك العمالة، ولذلك وجوه فساد أضحت منتشرة ومنها المتاجرة في التأشيرات بما يسيء لسمعة البلد فيما يرتبط بالاتجار في البشر بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية وزيادة معدلات الجريمة. ويسرد التقرير مشاكل أخرى ترتبط بمعدلات الأجور والعمالة الرخيصة وحجم المنافسة غير العادلة في سوق العمل والتي تنعكس على معدلات البطالة التي من وجهة نظري هي الآن تحت السيطرة الى حد ما، ولكن ذلك فقط بسبب ما ضخته الدولة من أموال لعمل حل جزئي لهذه المشكلة وهو حل ربما لا يكون متوافرا على الدوام بكل أسف!
مفيد أن ندرس ما أشار إليه التقرير حول وجود عائلات بحرينية تعيش على راتب 120 دينار مع التزايد المضطرد لأعداد الأسر المستفيدة من خدمات التنمية الاجتماعية، والتي استدعت برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبعض الباحثين المستقلين لتشخيص ذلك بسبب وجود فقر نسبي في البحرين. على أن أخطر ما في الأمر هو ما أشار إليه التقرير حول الخلل السكاني بوجود الجاليات الآسيوية، ما يجعل من ذلك تحديا اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا، وهو ما سمَاه التقرير من حالة انعدام للتوازن المجتمعي.
كل التفاصيل وغيرها عرضها تقرير الراصد كما عرضتها عدة تقارير سابقة، ويصح القول معها أن حجم ونوعية الحلول التي تقدمها الدولة ينبغي أن تتناسب وحجم المصاعب الموجودة على الأرض، وهي في مجموعها أهم وأكبر التحديات أمام البحرين ورؤيتها الاقتصادية التي نتمنى أن تتعاطى مع تلك المعايشات والوقائع بفهم وعمق.
 
صحيفة الايام
16 يونيو 2010

اقرأ المزيد

في ذكراه الخامسة عشرة..الشيخ إمام مؤسس أغنية الاحتجاج الاجتماعي


 
  الشيخ إمام
 


في السابع من يونيو سنة 1995، رحل عن عالمنا الشيخ إمام عيسي بعد أن لعب أكبر الأثر في تشكيل وجدان الآلاف من شباب الحركة الوطنية المصرية، الذين دخلوا الجامعة في سبعينيات القرن الماضي، وذلك عبر اغانيه الاحتجاجية والثورية تلك الاغنيات التي اعتبره مؤسسها الحقيقي بعد ان شهدت بعض ارهاصاتها مع سيد درويش.
لقد صادرت ثورة يوليو الصراع الطبقي بدعوي ” تحالف قوي الشعب العامل” الذي اعتبرته صيغتها السياسية الوحيدة، ولكن تحت ستار تلك الصيغة حدثت هزيمة يونيو، واختفت الديموقراطية وظهرت اشكال عديدة من الفساد السياسي والاجتماعي، وهو ما ممهد الطريق امام الشيخ إمام ليؤسس لاغنية الاحتجاج الاجتماعي. ولد الشيخ إمام في قرية أبوالنمرس بمحافظة الجيزة سنة 1918، وأصيب بالرمد وكف بصره نتيجة علاجه بالوصفات البلدية التي ذهبت ببصر طه حسين قبله بربع قرن. وراح الشيخ إمام يتردد علي الكتاب ويحفظ القرآن الكريم، وهجر اسرته الفقيرة والتي ضاقت به فعاش حياة التشرد ينام الليل في كنف سيدنا الحسين ونهارا يقرأ القرآن والموشحات في المآتم والمناسبات الخاصة، فإن لم يجد فإنه ينال طعامه من خلال بعض ذوي الإحسان أو الذين ينذرون نذورا لمجاوري الحسين.
الشيخ الحريري
وفي منتصف الثلاثينيات أعجب به الشيخ درويش الحريري فقدمه إلي الشيخ زكريا أحمد ومحمود صبح، ومن خلال هؤلاء يعرف الطريق إلي تعلم فنون الغناء ومقاماته وفنون العزف علي العود. ونظرا لذاكرته الحديدية فقد استعان به الشيخ زكريا أحمد في حفظ الألحان التي تطلبها منه أم كلثوم، حتي عرف أن بعض تلك الألحان مثل “أهل الهوي يا ليل” و”أنا في انتظارك” تتسرب عن طريقه قبل إذاعتها فطرده، وعاد الشيخ إمام إلي حياة التشرد مرة ثانية، غير أنه قد ألم بفنون الغناء والطرب وكون من العلاقات ما مكنه من يحصل من الرزق ما يقيم أوده ويسمح له باستئجار غرفة متواضعة في حارة “خوش قدم ــ سلطان مملوكي من القرن 15 ــ أو حوش آدم” بحي الغورية. وسارت الحياة بالشيخ إمام عيسي يقرأ القرآن في المآتم ويغني في المناسبات الدينية أو الخاصة الموشحات وأغنيات سيد درويش وزكريا أحمد وغيرها طيلة عقدي الخمسينيات والستينيات.
وفي سنة 1962 وعن طريق “سعد الموجي” وهو أحد المثقفين اليساريين الكبار، تعرف الشيخ إمام إلي الشاعر الكبير، أحمد فؤاد نجم، الذي كان خارجا لتوه من السجن بعد أن كتب في الزجل “صور من السجن والحياة”، وهنا غني الشيخ إمام أول أغنية من ألحانه وكلمات أحمد فؤاد نجم، “أنا أتوب عن حبك أنا
ورغم أن الشيخ إمام كان علي مشارف الخمسين من عمره، فإنه اقترب من الفكر اليساري عن طريق العديد من مثقفي اليسار الذين خرجوا من معتقلات عبدالناصر في منتصف الستينيات. ورغم ذلك وفي منتصف الستينيات عرف الشيخ إمام طريقه إلي الإذاعة، حيث قدمه الكاتب الراحل رجاء النقاش في برنامج “نصف ساعة مع ألحان الشيخ إمام” راح الرجل يقدم فيه بعض ألحانه الاجتماعية والساخرة.
حتي وقعت الواقعة وحدثت هزيمة يونيو 1967، فوجئ الناس بالشيخ إمام يغني “الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار/ يا أرض مصر المحمية بالحرامية الفول كتير والطعمية والبر عمار”، وكانت هذه الأغنيات تتجاوب بشدة مع المظاهرات الطلابية العارمة التي اجتاحت البلاد رفضا لأحكام الطيران الهزيلة التي لم تشف غليل الشباب الذي فجعته الهزيمة، ثم راح يغني “ناح النواح والنواحة علي بقرة حاحا النطاحة/والبقرة حلوب، تحلب قنطار/ لكن مسلوب من أهل الدار”.. وكتعبير عن اقترابه من فكر اليسار، غني في مواجهة صيغة تحالف قوي الشعب العامل “يعيش أهل بلدي وبينهم ما فيش/تعارف يخلي التحالف يعيش/تعيش كل طايفة من التانية خايفة وتنزل ستاير بداير وشيش/لكن في الموالد يا شعب يا خالد بنتلم صحبة ونهتف يعيش/يعيش أهل بلدي”. وهكذا عرف الشيخ إمام واحمد فؤاد نجم طريقهما إلي السجون والمعتقلات، ولم يخرجا منها إلا بعد موت عبدالناصر مع الانفراجة الديمقراطية التي حاول السادات أن يؤكد بها اختلافه عن سلفه الكبير.
واستمرت أغاني الشيخ إمام تتجاوب مع الأماني الوطنية لتحرير الأرض. فهو يغني لعبدالودود المجند الصعيدي الرابض ع الحدود “عجولك وأنت خابر كل الجضية عاد/ولسة دم خيك ما شرباش التراب/حسك عينك تزحزح يدك عن الزناد..وان كنت واد أبوك/تجبلي تار أخوك/والأهل يبلغوك جميعا السلام”.
كما غني في نفس الوقت لأيقونة الثورة في العالم ” جيفارا مات…” وفي مطلع السبعينيات عرف الشيخ إمام طريقه إلي تجمعات الطلاب بالجامعة فراح يغني لهم “رجعوا التلامذة يا عم حمزة للجد تاني/يامصر انتي اللي باقية وانتي قطف الاماني” ويغني “صباح الخير علي الورد اللي فتح في جناين مصر/صباح العندليب يشدي بالحان السبوع يامصر/صباح الداية واللفة ورش الملح في الزفة/صباح يطلع باعلامنا من الجامعة لباب النصر” وهي كلها أغاني تمتلئ بالأمل والتفاؤل والحلم بمستقبل واعد. وجاءت أجمل تلك الأغاني الثرية بالتفاؤل والأمل “بهية” وتقول “مصر يا أمه يا بهية يام طرحة وجلابية/الزمن شاب وانتي شابة هو رايح وأنت جاية/جاية فوق الصعب ماشية فات عليكي ليل ومية/ واحتمالك هو هو /وابتسامتك هي هي /تضحكي للصبح يصبح بعد ليلة ومغربية/تطلع الشمس تلاقيكي معجبانية وصبية يا بهية”.
وقد ساهم في ذيوع اسم وأغاني الشيخ إمام رغم معارضته للنظام ومنعه من الإعلام الرسمي، ظهور جهاز التسجيل (الكاسيت) رخيص الثمن، سهل الاستعمال والنقل من مكان لآخر.
وعاد الشيخ إمام إلي ارتياد المعتقلات لمدد قصيرة أو طويلة حسب الظروف، فراحت أغانية تمتلئ بالتحريض والغضب، “شيد قصورك ع المزارع/ من كدنا وعرق أيدينا/الخمارات جنب المصانع والسجن مطرح الجنينة/وأطلق كلابك في الشوارع واقفل زنازينك علينا” وعندما منع من السفر غني: “ممنوع من السفر/ممنوع من الكلام/ممنوع من الغنا/ممنوع من الكلام/ممنوع من الاشتياق/ممنوع من الاستياء/وكل يوم ف حبك تزيد الممنوعات/وكل يوم باحبك اكتر من اللي فات”. ” يامصر قومي وشدي الحيل كل اللي تتمنيه عندي..يامصر لسة عددنا كتير/لاتجزعي من بأس الغير”.
زعماء الطلاب
وترددت أسماء العديد من زعماء الطلاب في أغنيات الشيخ إمام. فقد غني لأحمد عبدالله وأحمد بهاء شعبان وشوقي الكردي وجلال جميعي وسمير غطاس وأسامة برهان والراحلة سهام صبري، وغني لزكي مراد المحامي النوبي الذي كان سكرتيرا للحزب الشيوعي المصري “يابلح ابريم ياسمارة سواك الهوي في العالي هويت/علي طمي النيل ياسمارة/وشربت عكار لما استكفيت/بس احلويت قوي ياسمارة/لفيت الشارع والحارة علي زي نقاوتك فين مالقيت”…
كما انفعل بالأحداث الجارية فغني للبنان إبان محنة الحرب الأهلية وغني لفلسطين وأشاد بقتلة وصفي التل مدبر أحداث أيلول الأسود، كما تغني بهو تشي منه وبسقوط سايجون وغني لسلفادور الليندي الذي قتلته المخابرات الأمريكية بعد أن دبرت له انقلابا في شيلي.
وتهكم علي توجه السادات نحو الغرب فغني “شرفت يانيكسون بابا يا بتاع الوتر جيت/عملوا لك قيمة وسيمة سلاطين الفول والزيت” وغني “فاليري جيسكار ديستان/والست بتاعه كمان/حيجيبوا الديب من ديله/ويشبعوا كل جعان”.
غني الشيخ إمام عشرات الأغاني التي تمتلئ وعيا وتوهجا ووطنية، وكنا نصطحبه من حجرته في حوش قدم، ونقتحم أحد المدرجات الكبيرة بإحدي الكليات حتي لو رفض عميدها، ونجمع له بعض القروش القليلة كأجر متواضع، يقنع به ويقدر عليه الطلاب الفقراء. وكان الشيخ إمام بأغانيه المتوهجة عنصرا أساسيا أشعل مظاهرات الانتفاضة الشعبية (يناير 1977)، حيث قدم للمحاكمة، ووضعت الدولة بعدها الحرس الجامعي لمنع غير طلاب المكان وأساتذته من الدخول. وهكذا حرم الطلاب من تلك الطاقة الخلاقة، وبعدها اقتصر غناء الشيخ إمام علي بعض مقار الأحزاب وبعض الحفلات الخاصة. وفي منتصف الثمانينيات عرف طريقه إلي إحياء الكثير من الحفلات في الدول العربية والأجنبية وعاش في سعة نسبية من الرزق، بالمقارنة بمعاناته التاريخية، مكنته من الحصول علي شقة ضيقة في نفس المكان ــ حوش قدم ــ واختلف مع رفيق دربه أحمد فؤاد نجم، ومات في هدوء. ونعاه جميع محبيه من كوادر وجماهير اليسار المصري، وأقاموا له بمسجد عمر مكرم مأتما يليق بفنان الشعب الذي انحاز للفقراء وأثري وجداننا، وشغل الناس لربع قرن من الزمان، الشيخ إمام عيسي.

اقرأ المزيد

رحلت أيها القائد العصامي

لم يدر في خلدي أن يكون لقائنا الأخير ، كان صدفة عندما التقينا في ذكرى تأبين المناضل النقابي جليل الحوري بعد ردح من زمن الفراق بفعل الزمن الرديء الذي  كرست حياتك النضالية من اجل زواله ، مشهد قدومك  مُـرֿحباً  لم يفارقني ، وكعادتك كانت النكتة سيدة محياك بادرت في الترحاب بابتسامة المودة بمجرد مشاهدتي وأخذت بنكاتك المعهودة أيام زمان عندما كنت صبيا ، لقد عدتني إلى ذكريات ذاك الزمن الصعب عندما كنت أتوق إلى لقياك في ذاك المتجر البسيط في سوق المنامة القديمة يومها كان اللقاء معك والجلوس إلى جوارك محفوف بالمخاطر فبمجرد أن اجلس يداهمنا ذلك الهامور أنت تعرفه جيدا (ي.ب) لكنني كنت محب لشخصك الجميل وذلك جعلني لا أبالي عقبات لقائك . أتدري أيها القائد العصامي لماذا ذلك الحب لشخصك الرائع كنت أريد أن أتعلم منك البساطة والحكمة ، وبصراحة كنت أنانيا أريد أن اعرف منك كل شيء وارتوي من نهرك الفكري فسامحني لأنك أنت الذي كنت تريدني أكون هكذا وفضاء خلقك الراقي جعلني أتوق إلى مجالستك  لأنهل من عوالم خلقك النضالي أيها المناضل الخلوق والمكافح العنيد بصمت وعصامية.

أيها القائد الذي لم يرحل، أتدري كم علمتني من فنون العمل النضالي وكم جنبتني نصائحك وتعاليمك مخاطر المطبات وكم أفادتني أفكارك النيرة في تجاوز المحن والصمود في الأوقات العصيبة عندما ألمت بي كوارث إفرازات التناطحات الشخصية في مسيرة العمل النضالي ، كنت يومها حنونا ونصوحا وزادتني نصائحك عزيمة وقوة ، أيها المناضل المتقد البصيرة وبعد الرؤية في دروب العمل النضالي ، أيها المناضل الشهم والمخلص لمبادئك وأفكارك النضالية إنني مدان إليك في الحفاظ على ثباتي وقوة شخصيتي وعزيمتي ، أتدري يارفيقي الخالد في ذاكرتي كم استفدت من توجيهاتك السديدة في شق طريقي الصعب والولوج إلى عوالم المعرفة وتحقيق أهدافي الشخصية في التعليم العالي وإكمال دراستي الأكاديمية .

الرفيق عبدعلي الخباز الاسم وذاكرة الوطن التي لن تغيب، صعب عليّ أن أرثيك أيها الإرث النضالي والمدرسة النضالية الشامخة كم كنت احلم ان تتكرر لقاءاتنا لكن قسوة الزمن حالت دون ذلك وعلى الرغم من حكمة القدر ، أعدك أن لا نفترق ففكرنا وهدفنا واحد وذاكرة الأيام باقية تظل تحاكي جودة أخلاقك وإنسانيتك العالية ومنابع فكرك الوطني الراسخ  في وجداننا وتجسد لنا ظل شخصك الجميل.

     رسالة عزاء أوجهها لنفسي المحبة لشخصك الرائع والى أسرتك ورفاقك ومحبيك.

                               إلى جنة الخلد أيها المناضل الصلب.
  

اقرأ المزيد

انهيار مهنة « الصيد» في البحرين

الحديث عن بحر البحرين هو حديث ذو شجون، وهو حديث يفتح ملفات كثيرة في مقدمتها موضوع الصيادين البحرينيين سواء مَن كانوا محترفين أو هواة. هؤلاء الذين يتحدثون عن بحر البحرين والحسرة تملأ صوتهم بما فيه وجوههم التي تلونت بصبغة شمس الخليج الحارقة.
 
جميعهم يتحدثون عن بدايات انهيار مهنة اشتهرت بها البحرين على مر الزمن، منهم من عاش وظل يعيش من رزقها، ومنهم من أحب البحر وصيده في رحلات تحيي تراث أجداده وتاريخ بحر لا يمكن لأي بحريني أن يتجنبه لأن البحر يحيطه من كل جانب كما هو شريان حياته ومصيره في جزيرة تحيط بها المياه من كل جانب.
 
كلام كنا نسمعه ونحن صغار ندرس تاريخ وجغرافية البحرين أنها عبارة عن أرخبيل جزر، هذه الجزر التي ميزتنا عن غيرنا من الدول العربية في تضاريسها وجغرافيتها التي واقعاً تختلف كثيراً عنا. ولكن غياب السياسات الفاعلة والحازمة بشأن حماية الثروة البحرية ، وفي الوقت ذاته ترديد شعارات للاستهلاك الإعلامي، كل ذلك أدى إلى إفساح المجال لتنفيذ مشروعات استثمارية عقارية ردمت البحر بشكل غير مدروس… وهذا ساهم بلا شك في انهيار مهنة الصيد في وطننا الذي مزقته أيدي الجشع اللامحدود، ووصلنا حالياً إلى وضع يجعلنا نتساءل… هل سيأتي اليوم الذي تصبح فيه جزرنا غير صالحة للعيش الآدمي؟
 
التوجه العالمي يسير نحو تحسين السياسات المتعلقة بالبيئة وحمايتها عبر البحث عن طرق وبدائل للطاقة، وأخرى في تفعيل قوانين وعادات بيئية صارمة يساهم فيها جميع أفراد المجتمع على المستويين الرسمي والأهلي. وهو ما يدفع بقوة إلى العمل بذلك بصورة ملموسة، وقد تكون سلطنة عمان أفضل نموذج خليجي من ناحية تفعيل قوانينها البيئية بصورة جادة، ولكننا نود أن نرى السياسات المحافظة على البيئة في كل منطقتنا.
 
إن ما وصل إليه حال الصيادين ومهنتهم من أهل البحرين، أي هروبهم الى مياه دول الجوار، كان لأكثر من سبب، وهو أن لا سمك في بحرنا… «الردم» دمر بيئتنا كما هو احتكار مواقع الصيد لفئة دون أخرى… هكذا وأصبح كل شيء قابلاً للبيع من الأرض وصولا إلى البحر، وبعد عدة سنوات من الآن (ربما) الإنسان البحريني قد يكون هو الآخر معروضاً للبيع اذا استمر الوضع على ما هو عليه، وقد نجد ذكر ذلك في تقرير الإتجار بالبشر بعد سنوات.
 
الكلام في هذه الأيام كثير، ولكن يتفق الكثيرون أننا مقبلون على كارثة بيئية تهدد أمننا الغذائي لاتفيد معها الحديث عن حلول تستزرع السمك أو تستورده…
إننا نشهد انهيار مهنة تاريخية ارتبطت بالبحرين على مدى آلاف السنين.
 
صحيفة الوسط 15 يونيو 2010م
 

اقرأ المزيد

الأحزابُ المذهبيةُ السياسية في العراق (1)

تشكلتْ الأحزابُ المذهبيةُ العراقية في عالمٍ ديني سياسي شمولي، تؤسسه علاقاتٌ اجتماعيةٌ محافظةٌ يسودُها الإقطاعُ: هيمناتٌ مطلقةٌ للذكورِ وللحكوماتِ ولإقطاع الزراعة وللنصوصية الدينية الشكلانية.
ولم تستطعْ أحزابُ العلمانية أن تغادرَ هذا المناخ، فكانت هي ذاتُها أحزابٌ دينيةٌ بالمعنى الواسع للكلمة، فالحزبان الشيوعي والبعثي هما حزبان كليان كذلك، رغم المحاولات لتحويلهما إلى حزبين علمانيين وطنيين ديمقراطيين من دون القدرة على ذلك، فهذا الأمرُ لا يتشكل بقراراتِ القيادات من دون أرضيةٍ موضوعيةٍ عميقة في حياةِ الشعب لهذا المسار. أي لا يحدث ذلك بقفزةٍ إلا أن تكون قفزةً في الهواء، ويحدثُ بعدها للقافز ما يحدثُ من سقوطٍ وتكسر.
ونجد في هذين الحزبين عدم تنمية العناصر الديمقراطية الجنينية في الواقعِ والتراث، بدءاً من تصفية النظامِ الملكي الذي يحملُ أجنةً ديمقراطيةً واعدة، ونفياً للإسلامِ بشكلين: أولهما إيجاد عدمية دينية بيافطات شيوعية والثانية تكريسُ المحافظة الدينية مع شعاراتٍ فوقية علمانية زائفة.
إن تنميةَ العناصر الديمقراطيةِ عمليةٌ شاملةٌ على مستويي التراثِ والواقع معاً، برؤيةِ العناصر الديمقراطية في الإسلام، وفرزها عن المنظومةِ الشمولية المحافظة فيه، وبرؤيةِ العناصرِ الديمقراطية في الحياة السياسية المعاصرة وتطويرها معاً.
وفي عملياتِ سلقِ السياسة والبشر يغدو الواقعُ حطاماً، وفي العراق وصلَ الحطامُ إلى ذروتهِ، وبهذا نزلَ هذا السلق على الطوائف والأديان تحطيماً لا بناءً، أي بمحاولات التجاوز الإداري العنفي والإلغاء الكلي لها.
لم تكن ثمة أحزاب مذهبية سياسية بارزة قبل هذا التاريخ التذويبي، وجثمَ رجالُ الدينِ الكبارِ في مساندةٍ للنمو الديمقراطي الوطني، يشعرون ببعضِ التهديدِ من هذا النمو الديمقراطي العلماني للسكان العراقيين في ظل النظام الملكي، لكن هذا التهديد لا يصل إلى الإلغاء وإلى مشروعاتِ الاجتثاث لهم، فكانت الأغلبيةُ متجهةً للقضية الوطنية عامة، وحين أنزلت الأحزابُ العلمانيةُ الدينيةُ الشمولية شعارات الاشتراكيةِ والشيوعيةِ والقوميةِ الكاسحة أحستْ القوى الدينية بالخطر.
لم تكن ثمة اشتراكية وشيوعية وقومية فهي مجردُ رأسمالياتٍ مركزية بيروقراطية، ولكن الوعي الايديولوجي للمجموعاتِ العائشة في البخور الغيبي الديني السياسي، يصورُ الأمرَ بغيرِ حقيقتهِ وهو مثلها يعيشُ على سطحِ الظاهرات.
في النصفِ الثاني من القرن العشرين بدأت الأحزابُ المذهبيةُ السياسيةُ بالظهور، لقد أحستْ بالخطرِ يتوجهُ لإزالةِ عالمِها المحافظِ وهيمنتِها على الناس، وتراثها المهدد.
حين تتشكلُ الأحزابُ المذهبيةُ يكون ذلك تعبيراً عن تخريبٍ جديدٍ للإسلام، فهذه الأحزابُ المذهبيةُ لا تمتلكُ سوى النسخ المحافظة الجامدة للسيطرةِ على المسلمين التي قامتْ بها الطبقاتُ الإقطاعيةُ في الماضي، والتي قسمتْ المسلمين حسب مواقع الطبقات المتنفذة في كلِ بلدٍ وكلِ إقليم، وجعلت قواها المنتجة العاملة في الحضيض، بعد نهضتين في زمن التأسيس الإسلامي، وزمن صعود القوى المتوسطة في الدولة العباسية، لكن قوى المحافظة جاءت بعد الفترتين النهضويتين لتطمسَ تلك العناصر الديمقراطية الجنينية وتؤبدُ زمنيةَ التقليد والتخلف.
إن الجانبَ الحكومي العراقي المستبدَ لم يطرحْ تنميةَ عناصر ديمقراطية لا في الإسلام ولا في الواقع، فلديه دبابةٌ سياسيةٌ تنزلُ على الرؤوس، وتتجهُ لضربِ المظاهر العبادية من طقوسٍ شعبية لها تاريخٌ مقدس، فالسلطةُ تتوقعُ أن تكون هذه العادات المذهبية والشعائر الدينية مركزا لتجمع سياسي واعد يمثل خطراً عليها فلابد من سحقهِ وهو في مهده!
إنها لا تريدُ جماعةً شعبيةً أخرى تتآلف مع بعضها عبر تقاليد دينية أو قومية، ولكن قمعها يولدُ ما تخشاه، ودكتاتوريةُ النظامِ تولدُ دكتاتوريةَ المذهب، أو بالأحرى تجري استعادتها ولكن بشكلٍ سياسي بارزٍ وعام. وهنا يكونُ الخاسران هما الإسلام والوطن.
كلتا الدكتاتوريتين وجهان لميداليةِ القوى المحافظةِ الإقطاعية العائشة في العلاقات الاجتماعية التقليدية في تاريخِ المسلمين، مرةً في قمةِ الدولة، ومرةً في قمةِ الطائفة، وتقوم الدولةُ بتمزيقِ المجتمع بالاستبداد وتقوم قيادةُ الطائفةِ بتمزيقِ المسلمين والمواطنين بالاستبداد.
والوعيان الاستبداديان متحدان، فهما ينفيان العناصرَ الديمقراطيةَ في تجربتي المسلمين السابقتين، ويكرسان المحافظة كلٌ من موقعه.
ما ينتجُ من ذلك هو مجتمعُ الفسيفساءِ الطائفيةِ والقومية المتخلفِ العاجز عن تشكيلِ قيادةٍ نهضوية وطنية توحيدية، بسبب طبيعة قياداته الطائفية التي تتشبث بامتيازاتِها كل في عصابته.
هذا يتجسدُ في هيمنةِ المنتصرين من الأحزابِ الدينية على الميزانيات والهيمنة على الوزارات وتجيير الدخل الوطني لمصالح الأحزاب وأجهزتها الحاكمة.

صحيفة الايام
15 يونيو 2010

اقرأ المزيد

المصارف أم قدرات الدولة؟

حالة اقتصاد العالم، وكل إقليم ودولة فيه، بعد الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، وما العمل بعد الذي حصل، لا تزال الموضوع الأهم سواء بين علماء الاقتصاد أو الكتاب الصحافيين الاقتصاديين أو رجال الأعمال والمال، والأكثر من ذلك على مستوى القيادات السياسية الدولية. هل أن ما اتخذ من إجراءات لحد الآن كفيل بوقف تداعيات الأزمة، أم أن ذلك سيتوقف على الإجراءات التي ستتخذ بعد الآن؟
في اجتماعهم في الأسبوع الأول من الشهر الجاري في بوسان في كوريا الجنوبية أعطى وزراء المال ومسئولو المصارف المركزية لبلدان مجموعة «العشرين» تقويماً للنتائج الأولية للإجراءات المضادة للأزمة التي اتخذت في عدد من الاقتصاديات الكبيرة. مفاد التقويم أن الاقتصاد العالمي «يتعافى بأسرع مما كان يتوقع له»، وأن «المحفزات التي فعَّلتها الدول لعبت الدور الأساسي في ذلك».
لكن البيان الختامي المشترك أكد على أهمية ثبات القدرات المالية للدول، وليس استمرار حفز الموازنات للاقتصاد. وتعكس العبارة الأخيرة مضمون الخلاف الجوهري الذي حدث لأول مرة بين موقفي الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في نظرتيهما بشأن الإجراءات المضادة للأزمة. الأولوية المستجدة لدى الاتحاد الأوروبي هي تقليص عجز الموازنات، أما الولايات المتحدة فكانت تصر على مواصلة الدولة ضخ أموال في الاقتصاد. وزير المالية الأميركي تيموتي غايتنر خاطب زملاءه محذراً من أن الطلب في الولايات المتحدة آخذ في التراجع، وأنه لابد للاقتصاديات الكبيرة في اليابان وألمانيا والصين التي تتمتع بالفوائض من حفز الطلب الداخلي للتعويض عن هبوط الطلب لدى المستهلكين الأميركيين. لكن «رويترز» نقلت عن وزير المالية الألماني فولفانغ شويبليه قوله أنه لا مناص من بذل جهود حاسمة من أجل تقليص عجوزات الموازنات. «فالموازنة القوية – خير وسيلة لدرء الأزمة» – حسبما قالت المستشارة الألمانية ميركل لوكالة بلومبرغ (وبالفعل، اتخذ مجلس الوزراء الألماني في 7 يونيو/ حزيران قراراً بخفض عجز الموازنة بمقدار 80 مليار يورو، وهذا يعادل قرابة 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2009 على مدى السنوات الأربع المقبلة). أما محافظ المصرف الوطني الصيني سياوتشان (والذي تلح عليه الولايات المتحد برفع سعر صرف اليوان) فقال، حيال مسألة الامتناع عن حفز الاقتصاد، بأن بلاده سوف تسترشد بحالة سوقها الداخلي (منذ مطلع هذا العام عملت السلطات الصينية جاهدة على «تبريد» الاقتصاد).
وهكذا فبينما قفزت مشكلة المديونية بالنسبة لأوروبا إلى المقدمة، فإن الولايات المتحدة ذات الوضع المالي الحرج تخشى من أنها سوف تتحمل عبء مكافحة الأزمة، بينما سيستفيد من ذلك الآخرون. المعادلة الصعبة، أو قل القانون الذي يلعب دور المنظم هنا، هو أن «بلداناً تريد أن تجني الفائدة من وراء قيام بلدان أخرى بتشديد تشريعاتها».
هذا الأمر ينطبق أيضاً على مسألة الضريبة الجديدة «على المخاطر» بالنسبة إلى المصارف حيث يعاد انتظام الاصطفاف بين الدول: بلدان مجموعة BRIK (البرازيل، روسيا، الهند والصين) وكندا تقف ضد سن هذه الضريبة، بينما الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي تؤيدان ذلك، وخصوصاً بعد أن بذلت أموالاً طائلة من أجل إنقاذ مصارف بلدانها. بين هؤلاء وأولئك أبدت السعودية (الوحيدة التي تمثل دول مجلس التعاون والدول العربية في مجموعة «العشرين») عدم تأييدها لفكرة الضرائب على المخاطر. أما في البحرين فأصبح الحديث لا يجري عن فكرة الضرائب أصلاً، بل عن توجه الدولة لدعم المؤسسات المالية لاحقاً، بعد أن سبق وأشير أكثر من مرة إلى أن الدولة لن تتدخل في إنقاذ المصارف.
يستطيع المرء بسهولة أن يدرك سبب افتراق الدول الكبرى (أو مجموعاتها) مع الولايات المتحدة وأوروبا بشأن هذه المسألة. بالنسبة إلى كندا، مثلاً، هذه هي فرصتها التاريخية كي تنقضَّ مصارفها القوية للاستحواذ على عدد من المصارف الأميركية، وهو ما يحدث حالياً لمصارف بعض الولايات الأميركية. ونستطيع أن نجد لمجموعة BRIK والاقتصاديات الناشئة الأخرى مبرراتها، حيث لا يلعب القطاع المصرفي ذلك الدور المبالغ فيه في اقتصادياتها، وبالتالي لم يتسبب في حدوث أزمة ألحقت بالغ الأذى بالاقتصاد الوطني، ولا يتوقع لها أن تلعب مثل هذا الدور في المستقبل. غير أنه يصعب فهم أن لا تولّد الظروف الاقتصادية التي تمر بها منطقة الخليج، ارتباطاً بالأزمة المالية العالمية، سعياً لإصلاح النظام المصرفي والمالي من أجل تحجيم قطاع المال، (والقطاعات الساخنة الأخرى التي تسخر لخدمتها جل قدرات الدولة) في الاقتصاد، وتوجيه الدعم للقطاعات الإنتاجية التي تشكل عماداً حقيقياً للاقتصاد الوطني ولقدرات الدولة. الذي نشهده الآن هو عكس ذلك تماماً، حيث تخطط الدولة لإخلاء مواقعها طواعية من هذه القطاعات، في حين يتجه العالم إلى إعادة توطيد مواقع الدولة في الاقتصاد.
 
صحيفة الوسط
14 يونيو 2010

اقرأ المزيد

… والذين يزدرون حضارتهم

يُعد كتاب “ألف ليلة وليلة” واحدا من عيون التراث الإبداعي العربي الذي ألهم أجيالا متعاقبة من الأدباء والمثقفين العرب على امتداد قرون منذ صدوره، مثلما ألهم ومازال يلهم أجيالا من الأدباء والمثقفين الغربيين ومن ضمنهم على وجه الخصوص المستشرقون والمستعربون وهو بهذا يُعد مفخرة لأي أمة ينتمي إليها هذا الأثر العظيم وتتمتع بحد أدنى من موفور الصحة النفسية والاستنارة العقلية، وباسم هذا الكتاب الذي تنمي مادته الخيال الخصب في الإبداع الغني بمضامينه المتعددة المختلفة غنت الفنانة الكبيرة المصرية الراحلة أم كثلوم إحدى أغانيها باسمه، كما غنت نظيرتها في القمة الإبداعية فيروز عن شهرزاد وشهريار في واحدة من أمتع أغانيها، وأطلق هذا الاسم على مسارح ومطاعم ومكتبات عربية لا حصر لها.
وصدرت طبعات متعددة منه على امتداد قرن ونيف من تاريخنا العربي الحديث في العواصم العربية العريقة في إصدارات الكتب وخاصة القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد هذا بخلاف العواصم العربية الأخرى.
وكانت الأكاديمية واستاذة الأدب الكبيرة الراحلة سهير القلماوي من أشهر من كتب عن هذا الأثر التراثي العظيم “ألف ليلة وليلة”، حيث إن رسالة الدكتوراه الخاصة بها كانت عن هذا الموضوع تحديدا بتشجيع من عميد الأدب العربي طه حسين الذي أشرف على الرسالة ووضع مقدمتها بعد اصدارها في كتاب.
لكن أوصياء الفضيلة والأخلاق الذين شنوا حملة شعواء على هذا الكتاب في أواسط ثمانينيات القرن الماضي بحجة ما يتضمنه من عبارات تخدش الحياء وخسروا معركتهم حينئذ أمام القضاء المصري برفض الدعوى المقامة لمصادرته من سوق الكتاب عادوا من جديد ربما بأسماء جديدة يحملونها لكن لا تختلف عقلياتهم عن عقليات أسلافهم في الثمانينيات ليشنوا حملة جديدة ضد صدور طبعة جديدة من الكتاب ضمن سلسلة الذخائر التي تصدرها “هيئة قصور الثقافة” في مصر، وجندوا لهذه الغاية أي لمعركتهم الجديدة التي يخوضونها ضد واحد من الآثار الحضارية المضيئة لأمتهم تسعة محامين ينتمون لمكتب محاماة واحد برفع بلاغ للنائب العام ضد “قصور الثقافة” التابعة لوزارة الثقافة.
وعلى الرغم من مضي أكثر من شهر على إثارة هذه الدعوى الاحتجاجية الجديدة فإن الحملة المضادة لتعرية تهافت ذرائع وحجج مثيريها مازالت متوالية ومستمرة بكل قوة فوق صفحات عدد كبير من الصحف المصرية وفي وسائل الإعلام وفي الأنشطة والفعاليات الثقافية والأدبية الأخرى، ومازالت بيانات التنديد والاستنكار الجماعية والفردية ضد مصادرة “الليالي” في قاهرة المعز المعروفة بألف ليلة وليلة طوال عمرها الإسلامي الحافل بالإشعاعات الحضارية المبددة للظلام حتى في عصور ما قبل الكهرباء وهو الظلام الذي يحاول ان يقهر تلك الإشعاعات عبثا في عصر الكهرباء، مازالت مستمرة.
كانت حيثيات الحكم الذي أصدره القضاء المصري عام 1986 المعروف بنزاهته واستنارته خير رد على تهافت ذرائع مصادرة “ألف ليلة وليلة”، فهو لم يكتف بالاستشهاد برسالة الدكتوراه للراحلة سهير القلماوي الآنفة الذكر بل استشهد بما ورد من عبارات غزل في كتب تراثية عديدة لا تقارن في صراحتها بما ورد في “الليالي”.
أكثر من ذلك فقد كان القاضي سيد محمود يوسف ليس ضليعا في القانون فحسب بل كان على درجة كبيرة من الثقافة العامة والذائقة الأدبية المستنيرة وهذا ما نتلمسه ضمن حيثيات حكمه عام .1986
“ومن حيث انه لما يؤكد ذلك ان مؤلف ألف ليلة وليلة كان مصدرا للعديد من الأعمال الفنية الرائعة ومنه استقى كبار الأدباء في العالم والعربي منه خاصة روائعهم الأدبية، الأمر الذي ينفي عنه مظنة اهاجة تطلع ممقوت أو الإثارة الشهوانية لدى قرائه إلا من كان مريضا تافها، وهو مما لا يحسب له حساب عند تقييم قيمة المطبوعات الأدبية الطبية”.
لو أن أي شعب أو أمة من الأمم انتسب الى تراثها هذا الأثر الإبداعي الكبير الذي ألهم وأثرى خيال أجيال متعاقبة من المبدعين والكتّاب في العالم لما فتئوا يؤلفون آلاف الكتب افتخارا وتمجيدا به كآية من آيات عظمة حضارتهم، لا بل لخجل حتى التيار الظلامي المتشدد الحاكم في طهران من مصادرته، هو المعروف وسائر التيارات الفكرية بهوس وولع اعتزازهم القومي بكل أثر ايراني يحظى بشهرة عالمية غثا أم سمينا.. لكن لأننا نعيش في أشد عصورنا ظلامية كما يريد لنا روّاده ان نعيش من أوصياء الفضيلة والأخلاق الضيقي الأفق، فلا غرابة إذا ما ظهر بيننا من يزدري حضارته، وان يحاول عبثا التصدي لمن يحاول تسريب وإحياء إشعاعاتها من مخازن تراثنا العظيم الى الخارج لتسطع على ظلام الحاضر.
 
صحيفة اخبار الخليج
14 يونيو 2010

اقرأ المزيد

فارس آخر يترجل

لم نكد نفرغ من حفل تأبين القائد العمالي عبدالجليل الحوري، حتى داهمنا خبر رحيل فارس آخر من فرسان جبهة التحرير الوطني وقادتها، فارس من فرسان الحركة الوطنية البحرينية التي ناضلت من أجل استقلال البحرين من الاستعمار وأعوانه، وفي سبيل الديمقراطية والتقدم، المناضل عبدعلي محمد أحمد، الذي ودعناه مساء السبت، بعد صراع طويل مع المرض، الذي لم يثنه عن مواصلة عطائه في المنبر الديمقراطي التقدمي ومتابعـة الشـأن الوطني في بلادنا.
انتسب عبدعلي محمد أحمد إلى صفوف جبهة التحرير الوطني في ريعان شبابه عام 1963، واستمر مناضلاً في صفوفها ومن ثم في صفوف المنبر التقدمي حتى الرمق الأخير في حياته، حيث كان حاضراً في نهاية الأسبوع الماضي في اللقاء الانتخابي الذي نظمه عضو مكتبنا السياسي فاضل الحليبي في الدائرة التي يزمع الترشح فيها، في قلب حي الحمام الذي كان هو وحي المخارقة معاقل لجبهة التحرير الوطني البحرانية، ومنهما برز قادة وكوادر كثيرون لجبهة التحرير لا يحصون في مقدمتهم المناضلان محمد نصر الله والنقابي عباس عواجي أطال الله في عمريهما.
آخر مرة التقيته كانت منذ أسبوع في حفل التأبين الذي أقمناه للراحل عبدالجليل الحوري، حيث كان ينصت لكلمات التأبين وللعرض الشيق الذي قدمه الباحث الأخ عبدالله عمران عن سيرة عبدالجليل انطلاقاً من حورة الحدادة مروراً بمواقع العمل النضالي حتى محطته الأخيرة، وعلاقاته مع رفاقه وأصدقائه ومن بينهم عبدعلي أحمد بالذات.
يمثل عبدعلي محمد أحمد أنموذجاً راقياً في الصلابة الكفاحية والنقاء الثوري والإنساني بشهادة جميع رفاقه الذين عرفوه في مواقع النضال المختلفة، وفي سنوات السجن الطويلة في جدا وغيرها من سجون مرحلة قانون أمن الدولة، وهو إلى ذلك مثقف من طراز نادر، معروف باهتمامه الكبير بتاريخ البحرين، ليس السياسي منه فقط وإنما أيضاً بجوانبه الثقافية والاجتماعية وبذاكرة المكان.
وهو في مقالاته في نشرة «التقدمي» التي لا يكاد يخلو عدد من أعدادها من مقالاته، ترك لنا أجمل وأروع الصفحات عن ذاكرة المنامة وعن حي الحمام والمخارقة، وعن ذكرياته النضالية في العمل التنظيمي السري وفي السجن وفي المنفى بدمشق، بما فيها صفحات عن ذكرياته في مجلس الرمز الوطني الكبير الراحل عبدالعزيز الشملان عندما كان منفياً من قبل الاستعمار البريطاني في دمشق.
شخصياً أعتبر كتاباته في نشرتنا «التقدمي» من أجمل الكتابات وأكثرها تشويقاً وسلاسة وامتلاء بالذكريات المهمة، وكنت أجد متعة كبيرة في قراءتها، وقمت بجمعها، وإعادة تنضيدها لطباعتها في كتاب، وزرته منذ شهور قليلة في منزله بمعية رفيقه وشقيق زوجته عباس عواجي لسؤاله حول بعض النقاط في تلك المقالات، ولكن شاءت الأقدار أن يغادرنا قبل أن يصدر هذا الكتاب.
في الكلمة التي كتبها للكتيب الصادر بمناسبة تكريم كوكبة من المناضلين في الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس جبهة التحرير الوطني قال الراحل الكبير:» كانت دوافعنا وطنية وما نالنا كان شرفاً نعتز به ولا زلنا. وهي ليست جريمة أن نسعى للمطالبة برفعة وطننا وسعادة شعبنا».
 
صحيفة الايام
14 يونيو 2010

اقرأ المزيد