المنشور

نحو تشكيل ميثاق شرف للمترشحين إلى الانتخابات


ان اللجنة المشتركة التي شكلتها الجمعية البحرينية للشفافية وجمعية البحرين لحقوق الإنسان، من أجل السعي إلى إعداد (ميثاق شرف) للمترشحين في الانتخابات النيابية والبلدية المقبلة في نوفمبر 2010م، هي خطوة وطنية نبيلة تستحق من الجميع التقدير والثناء، كما ان هذا الميثاق وما سيعلن فيه من بنود وما سيحمل ما بين طياته من قوانين وأنظمة في شهر أغسطس المقبل، ودعوة المترشحين إلى توقيعه، قد يمثل الوجهة السليمة المنشودة للمترشحين كافة على صعيد مختلف تياراتهم وانتماءاتهم، وللتجربة الديمقراطية على حد سواء.

وحسبما أورده رئيس اللجنة المالية بالجمعية البحرينية للشفافية قائلاً “ان الميثاق سيضمن جملة من الأمور تخص أخلاقيات السلوك الانتخابي بما من شأنه الارتقاء بالدعايات الانتخابية بعيداً عن إثارة الضغائن والأحقاد والشائعات والهجوم المتبادل”، هو رسالة بليغة المغازي والدلالات، موجهة على وجه الخصوص الى مترشحي تيار الإسلام السياسي لدى الجمعيات الدينية كافة في مملكة البحرين، تخاطبهم لتجاوز أخطائهم الفادحة التي ارتكبوها خلال الانتخابات البرلمانية والبلدية لعامي (2002-2006)، إذ شملت تلك الأخطاء مختلف الدوائر الانتخابية في المملكة التي ما زالت تنطق بصريح العبارة، كدلالات قاطعة على الأساليب الملتوية للمترشحين الإسلاميين.. مثلما أكدت شهادة هؤلاء الناخبين في هذه الدائرة الانتخابية وشهادة أولئك الناخبين في تلك الدائرة الانتخابية الأخرى على تعامل المترشحين الاسلاميين معهم بسلوكيات اتسمت بأساليب التهديد والتشهير والترهيب والترغيب.. ويكفي استدلالاً ازاء تلك السلوكيات غير الحضارية لمترشحي تيار الإسلام السياسي التي مارسوها في الانتخابات البرلمانية السابقة وهي كثيرة.. أولها قيامهم بتشكيل فرق عمل انتخابية، مهماتها الأساسية أساليب قد افتقرت إلى أدنى القيم الأخلاقية.. بل هي مشبوهة بطابع من الإسفاف والالتواء تمثلت في طرق أبواب الأسر البحرينية عنوة وما يشبه الاقتحام، ذلك كله من اجل عملية الترويج لمرشحها الإسلامي في هذه الدائرة الانتخابية أو تلك و الإشادة به بهالة من المديح وبمزيد من الإطراء، لإثبات كفاءته، وتجميل سمعته، وتوكيد إخلاصه، وإبراز شخصيته.. مقابل تشويه سمعة المترشحين المنافسين الآخرين لهذا المترشح الإسلامي من مختلف (التيارات التقدمية والديمقراطية) بمناصبة العداء لهم، والتشهير بهم، وحشد الرأي الشعبي ضد هذا المترشح، أو ذاك بوصفه بأنه “ملحد.. شيوعي.. علماني.. عاص.. فاسق” إلى آخر مفردات القاموس الإسلامي الذي احتوى على الاتهامات. وثمة (صفة سيئة ثانية) لمترشحي تيار الاسلام السياسي، هي مخاطبتهم الناخبين بقلوبهم وحفز عواطفهم، على حساب تغييب عقولهم، واستغلال ظروفهم، من خلال شراء أصواتهم بالمال السياسي برشوتهم في تقديم المكافآت من الفتات، ومنح المساعدات النقدية الهزيلة باستلاب الكرامة أو المساعدات العينية باستحياء العيون من دون إدراك هؤلاء الناس البسطاء “ان المترشح النيابي الإسلامي الذي سمح لنفسه برشوة ناخبيه من اجل شراء أصواتهم، فإن هذا المترشح سيسمح لضميره بقبول الرشا والارتشاء”.. ناهيكم بهذا الإطار، عن سعي هذه القوى الإسلامية إلى تجنيد جمعياتها الدينية وحملاتها الانتخابية بممارسة أساليب الترهيب والترغيب والتهديد مع العديد من المترشحين المستقلين خلال الانتخابات النيابية السابقة من اجل إجبارهم على الانسحاب والتنازل لصالح مترشحي هذه الجماعات الإسلامية.

أما) الصفة المرضية الثالثة) لمترشحي الجماعات الإسلامية بحملاتهم الانتخابية فهي سعيهم إلى احتكار منابر المساجد ودور العبادة واستغلالها من اجل دعايتهم الانتخابية ومطامعهم الطائفية وأغراضهم المذهبية ومصالحهم السياسية مخالفين في ذلك المادة الـ (31) لقانون وزارة العدل والشئون الإسلامية، وكذلك قرار إدارة الأوقاف السنية التي من خلال هذا القرار قد “حذرت تلك المادة السالفة الذكر، الائمة والخطباء، بإنزال عقوبات واتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين لهذه المادة”.
ولعل القول الملح بهذا الصدد ان هذه الصفات السيئة وهذه الظاهرة المرضية لمترشحي تيار الإسلام السياسي، لابد من وضع حد لهما ونهاية لتداعياتهما.. وذلك بعد ان طفح كيل الشعب، ونفد صبر الناخبين. ولكن (ميثاق الشرف) الذي تعكف على دراسته (الجمعية البحرينية للشفافية، وجمعية البحرين لحقوق الانسان) والمزمع إعداده في شهر أغسطس المقبل للمترشحين في الانتخابات النيابية والبلدية القادمة في شهر نوفمبر 2010م، هو خطوة حضارية وشجاعة ستضع المترشحين إلى الانتخابات القادمة على كفتي ميزان العدالة سواسية بلا تفرقة ومن دون تمييز.. مثلما ستحد من غلواء أجندة الخطاب الديني للمترشحين الاسلاميين، وتقييد تلك الانفلاتات الطائفية والاصطفافات المذهبية وتعجرف السلوكيات الإسلامية والخارجين أصحابها عن قواعد سلوك الأخلاقيات السوية، وعن نظم القيم المثالية. وبحسب ما يضع هذا (الميثاق) حدا لهذه الظاهرة المجتمعية المرضية التي أبرزت أذيالها وأوجاعها مترشحي الجماعات الإسلامية على السطح تظل دخيلة على أخلاقيات الشعب البحريني المتسامح بسلوكياته والعظيم بنضالاته والحر بكرامته، لذا فإنه لن يسمح البتة لأي كان بأن يحدث شرخاً في جدار وحدته الوطنية وتاريخه الوطني وحضارته الإنسانية على الإطلاق.

 
أخبار الخليج 11 يونيو 2010
 

اقرأ المزيد

الإصلاحيون الإيرانيون (2)


لابد من تحديد الوجوه والدلالات الحقيقية للإصلاحيين ومنافسيهم المحافظين في إيران، من أجل وضوح الرؤية وتجاوز هذا الصراع بين الليبرالية والإقطاع، وهو صراعٌ يعيشه كل المسلمين، حسب درجاتِ تطورِ بلدانهم، وتقومُ الرأسمالية الحكومية بتصعيدهِ إلى مستوياتٍ جديدة حسب القوى المتنفذة على أجهزة السلطة.لقد رأينا موجتي الليبرالية الحاكمة في إيران عبر هاشمي رفسنجاني وخاتمي، والفروق بينهما وهي فروقُ سنواتٍ مهمةٍ في عمرِ الثورة المتصارعة في تركيبها المعقد المتناقض، لقد تم في السنوات الأولى إبعاد قوى الليبرالية الدينية غير الواعية والمتحمسة للدكتاتورية الدينية في البداية، ثم راحتْ تبحثُ وتستقل برؤيتِها وتصارع القوى المحافظة في نقاطٍ معينة مهمة، ثم دخلت السلطة ثانية وحاولتْ تجريبَ مصطلحاتِها الحداثيةِ الدينية المأزومة.ونتعرفُ هنا أولاً آراء السيد بهزاد نبوي، وهو شخصيةٌ مهمةٌ من شخصياتِ الليبراليين الدينيين، شَغلَ مناصبَ حكوميةً مهمةً وصار رئيسُ البرلمان في فترةٍ سابقة، ونائبُ رئيسِ الحكومة في الثمانينيات والتسعينيات، وكان من موجةِ الحدة العاطفية نفسها في بداية الثورة وفي موجةِ اعتقال الرهائن الأمريكيين في السفارة ولعبَ دوراً في المفاوضات لإطلاق سراح الرهائن ثم صارَ خصماً للمحافظين وأُودعَ السجن أخيراً في أحداثِ الثورة الخضراء.اعتمدت آراؤه على الثنائية المتصارعة، أي الثنائية الدينية الليبرالية، غير المكتملتين المتضادتين، يقول:(والشعار الثاني الذي تبنتهُ الثورةُ هو شعار “الحرية” ويعني، الحرية السياسية والاجتماعية وحرية التعبير والصحافة في إطار الدستور. إننا نؤمنُ بالدستور ونحترم أصوله. فلهذا نعارضُ ولا نقبلُ بوجهة نظر أولئك الذين يضعون الحرية والهرج والمرج في خانة واحدة. إن الحرية التي يطالب خاتمي والاصلاحيون بها هي الحريات المصرح بها في الدستور.)، من مقابلة فكرية لجريدة الشرق الأوسط،(9 يناير 2004).تعتمدُ نضاليةُ الإصلاحيين داخلَ مؤسساتِ الدولةِ والمجتمع على الوثائق التي سنتها الطبقةُ الحاكمةُ، وهي التي تجعلُ الحريةَ للجماعاتِ الدينيةِ المحافظة عموماً، وتمنعُ بقيةَ القوى السياسية والاجتماعية من الترشح والفوز خاصة في المؤسسة البرلمانية.وبهذا فإن بهزاد نبوي يعملُ في هذه الدائرة، وبهذا تغدو الحرية طبقيةً ضيقة ومصطلحاتها من مصطلحات الطبقة المسيطرة. يعتمد وعي السيد بهزاد على التعميماتِ الفكرية الغائمة مثل الثورة، والدستور، والثورة الإسلامية، والشعب.فأي ثورةٍ يتحدثُ عنها؟ أهي ثورةُ الشعب العادية التي سيطرت عليها الطبقةُ الدينيةُ وكرستها لمصالحِها؟ وأي إسلام يتم الحديث عنه؟ أهو إسلامُ الأغلبية الشعبية أم إسلامُ النخبِ الحاكمة الاستغلالية؟ يقول:(وخلال سنوات الحرب وبسببِ الظروفِ الخاصة التي عاشتها بلادنا، ومعارضة بعض ممن كانوا يعارضون، منذ بداية الثورة تطبيقَ بعضِ الشعاراتِ لم نتمكن من تطبيق شعارات الثورة الاصلية بل حصلت انحرافات هنا وهناك. والحركة الاصلاحية لا تطالب الا بتطبيق شعارات الثورة وعدم خرق الدستور من قبل أصحاب السلطة). لم يقم الإصلاحيون بتحديد هذه(الثورة). فماذا تريد هذه الثورة وأي قوى تريد إبعادها وأي قوى تريد تكريسها؟ إن لغة التعميميات لا توضح هذا. لقد رأينا هذه(الثورةَ) وهي تبعدُ ممثلي الأغلبية الشعبيةِ العاملةِ وتكرسُ النخبَ الدينية المعبرة عن الإقطاع الريفي بدرجةٍ أساسية، فحتى ممثلو الفئات الوسطى المدنية تم إبعادهم، والإصلاحيون يشعرون بأنهم من هذه القوى الوسطى، لكنهم يتحايلون على قوى الإقطاع الممسكة بقوةٍ بمؤسسات النظام السياسية والعسكرية ويريدون تضييعَ الحدود بين الطبقات وتمييع المصطلحات!لقد تعاون الليبراليون الدينيون مع المحافظين الدينيين على تشكيلِ دكتاتوريةٍ عامةٍ أقصتْ أغلبيةَ الشعبِ الثائرِ الذي رفعهم لسدةِ الحكم جاهلاً بطبيعتِهم الطبقية، ثم توهم الليبراليون الدينيون ان السلطةَ غائمةٌ سائحةٌ يمكنهم من الاستيلاءِ عليها بمثلِ هذه اللغةِ المائعةِ ايديويولجياً وسياسياً.وقد حدد الدستورُ طبيعةَ هذه السلطة الإقطاعية المذهبية القومية وهيمنتها الكلية على المجتمع. فتقومُ مفرداتُ الليبراليين الدينيين تلك بتمويهِ طبيعةِ الدولةِ العضوض التي هي استمرار للدول الإسلامية الإقطاعية الطائفية القديمة والحالية مع تطوراتٍ عصريةٍ في الصناعة والاكسسوارات الحديثة المختلفة.ويواصلُ السيد نبوي عرضَ أفكاره:(إن اهتمام الثورة لم يكن مركزاً على التزام أو عدم التزام هذه المواطنة أو تلك بالحجاب الكامل، بل ان هناك اهتمامات أكثر أهميةً مثل صيانة حقوق الشعب وضمان احترام السلطة للحريات القانونية للشعب.).يريد السيد نبوي هنا أن يجزىءَ سلطة الدكتاتورية السياسية، فهل تنفصلُ السيطرةُ على النساءِ عن السيطرةِ على بقية الشعب؟ ألا يتخذ الإقطاعيون مسائلَ مثل الحجاب للهيمنةِ الكليةِ السياسية على النساء؟ وكيف يمكن تنفيذ حقوق الشعب من دون تعدديةٍ سياسيةٍ وحريات وفصل للسلطات ويتم التدخل حتى في حرية الإنسان لاختيار ثيابه؟إن السلطةَ الشموليةَ المحافظةَ هي سلطةٌ كلية، تتجسدُ في هيمنةٍ ذكورية مطلقة، وتحدد حركية النساء وحقوقهن ولباسهن من خلال قراراتها، وهي سلطةٌ شموليةُ تمنعُ الفلاحين من استعادةِ أراضيهم أو المشاركة بها، وهي سلطةٌ تقررُ توجيه ممتلكات الدولة حسب مشروعات الطبقة الحاكمة في كلِ حقبة سياسية.وفي الظرفِ الذي يتكلمُ به السيدُ نبوي ويقومُ فيه بانتقاداتٍ خفيفة، ويحاولُ التعبير عن تعدديةٍ موهومة، غير موجودة، ثمة رياحٌ ليبرالية في مؤسساتِ الحكم حيث هيمن خاتمي ولغتهُ في توسيع الحريات الليبرالية المحاصرة داخل النظام، لكن ذلك لم ينجحْ وجاءت عاصفةٌ محافظة.لهذا إذًا إن الحديثَ عن العمومياتِ خاصةً في عمومية الإسلام يرتكبُ خطيئةً أصلية، حيث لابد من القول إن الإسلام المُجسد عبر هذه الممارسة هو إسلامُ المسيطرين على المالِ العام وعلى رؤوسِ النساءِ وعلى أكلِ الفلاح وعلى فمِ العامل المغلق.
 
صحيفة اخبار الخليج
11 يونيو 2010

اقرأ المزيد

حين تتحدث العمامة عن الإصلاح الديني

إذا كان هناك خلل في التعليم، فعلى الاكاديميين ان يعلنوه، ويطالبوا بتصويبه، وإذا كان هناك خلل في الطب، فإن الأطباء هم الأولى بمناقشته وتقويمه.. وقس على ذلك كل التخصصات.. فلا مانع من التنظيرات.. ولا حرمة في طرح الاشكالات.. ولا غرابة من الاستفهامات.. فنتيجة كل ذلك هو الصواب.. حتى لا يكون هناك اي ارتياب.
حين نسلم بهذا كله، يحق لنا ان نستغرب، لماذا كل هذا الهراء، وردة الفعل بعد ان خرجت علينا عمامة السيد جابر العالي السوداء.. تنادي بالاصلاح، وترفع صوتها بالفلاح.. فأرباب المنزل أدرى بما فيه من علل أو أسقام.
الهدف حسب ما يذكره السيد الكريم ايجاد مخاضات إصلاحية جادة في الاوساط الدينية..
المشكلة عند البعض هو كثرة الخطوط الحمراء.. حتى لا يمكن لك ان ترى ما وراه.. ويتعرى المغطى.. وينبلج الضياء..
كثيرة هي الاوجاع في الوسط الديني الذي لا نناكفه بل نحترمه ونقدره، ولكن نريد ان نؤكد ان كل فرد فيه لا يملك صك الغفران.. ولا نعتبره موّكلا عن خازن النيران.. فإسقاط الناس وتكفيرهم وتخوينهم باتت لعبة في يد كل من قام بتعفير الجبين.. والتختم باليمين.. اقتداء بعلامات المؤمنين… فالخروج من الظلمات الى النور ليس بالمنظر.. ولا بطول الركوع والسجود.. ولا بالحج كل عام.. فما اكثر الضجيج وأقل الحجيج.
حتى يكون هناك إصلاح حقيقي، لا بد من ثورة جادة على كل إحداثيات نهج التراث الديني.. وعلى كل الاصلاحيين ان يعلنوا ان هناك خللا واضحا ويجب تقويمه.
الدعوة التي تنادي بالاصلاح «لا تمت بأي صلة لأي دعوة تطالب بإصلاح ذات النص الديني (الثابت والمعصوم)».. وعلى الرغم اننا لا نعرف حتى الان ما هو الثابت المحدد بحسب الداعي، إلا انه ومع ذلك خطوة في اتجاه صحيح.
 
صحيفة الايام
11 يونيو 2010

اقرأ المزيد

قوة غاشمة بعلائم ضعف متسارعة

حكاية حوادث السفن في عرض البحر تتكرر، مرة في شكل مأساة وأخرى كمهزلة بالنسبة للتاريخ الإسرائيلي.
في آخر اثنين من شهر ابريل/ نيسان الماضي شيعت قيادة البحرية الإسرائيلية يوسي هرئيل، قائد سفينة أكسيدوس التي تقول الروايات أن سفن البحرية البريطانية اعترضتها قبل 61 عاما. وبعد أن أطلقت النار على عدد منهم أعيد ركابها الأربعة آلاف وخمسمئة يهودي إلى ألمانيا، حيث معسكرات الاعتقال النازية. وإلى يومنا هذا ظلت الصهيونية العالمية تستغل هذا الحدث لابتزاز بريطانيا وكل أوروبا لمصلحة إسرائيل، حتى أصبح «خروج أوروبا» هو الاسم العبري لأكسيدوس.
وفي آخر اثنين من شهر مايو/ أيار الماضي أعاد الإسرائيليون إنتاج القصة التي طالما رووها للعالم. لكن «أبطالها» هذه المرة هم الإسرائيليون أنفسهم، أما ضحاياها فمدافعون عن حقوق الإنسان وبرلمانيون ورجال فكر وصحافة من شعوب مختلفة يمثلون الحضارة الإنسانية جمعاء، جاؤوا يحملون المساعدات الإنسانية لكسر الحصار الذي ضربه الإسرائيليون على غزة منذ ثلاث سنوات. إضافة إلى جميع سكان غزة المحاصرين.
قبل هذه الحملة نظمت ثماني حملات أقل حجماً تمت جميعها بلا ضحايا. وقد تعرض المتطوعون أحيانا لعدة أيام من السجن. من بينهم سينتيا ماكيني المرشحة السابقة لانتخابات الرئاسة الأميركية وغيرها من الشخصيات المعروفة. أما هذه المرة فقد تصرف السياسيون والعسكريون الإسرائيليون وكأنهم فقدوا كل عقل ليحدثوا في الرأي العالمي تحولاً جوهرياً لغير صالحهم. فخارج المياه الإقليمية، وعلى بعد قرابة 150 كلم من الشواطئ الفلسطينية قام مظليو الحوامات الإسرائيلية في ساعة مبكرة من فجر ذلك اليوم بإنزال على ظهر سفينة «مرمرة» وهاجموا أناساً عزلاً من السلاح. لقي بعضهم حتفه بعد أن أفاق من النوم وقبل أن يدرك ما الذي يحدث. حسنا، كان الإسرائيليون لا يعيرون أدنى اهتمام للقيم الإنسانية وللقانون الدولي حين كانوا يقتلون الفلسطينيين بدم بارد. أما وهم يفعلون ذلك اليوم بمسالمين جاؤوا من مختلف أنحاء الأرض فقد أدرك العالم خطورة هذا الكيان عليه. وعبرت عن ذلك بوضوح الصحافية الروسية والمدافعة عن حقوق الإنسان ناديا كيفوركوفا في الحشد الجماهيري أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في موسكو: «إن الدولة التي لا يفهم جيشها ما الذي يقترفه، هي دولة خطرة». وقد أدرك هذه الحقيقة يهود من مختلف الاتجاهات حول العالم.
ما الذي حدث هذه المرة لتنال الهستيريا من الصهاينة ما نالت؟ هل لأن المتطوعين مسلحون؟ لا، بل وفي آخر ميناء غادروه طالب رسل السلام بوعي من السلطات القبرصية تفتيش سفنهم والتأكد من خلوها من أية أسلحة. هل لأن هذه أكبر حملة من نوعها، وبالتالي ستشكل خطوة عملية كبرى على طريق كسر الحصار؟ نعم، جزئياً. لكن إسرائيل نفسها ربما اقتنعت بأن لا حصار غزة ولا حصار كوبا ولا غيرهما أتت أكلا، عدا حصار نظام جنوب أفريقيا الأشبه بإسرائيل. وهي قد فعلت الكثير لتحطيم قدرات قطاع غزة الضعيفة أصلا. فحتى قبل عملية «الرصاص المسكوب» تم تدمير 70 ألف شجرة زيتون، كما تم تدمير معظم المباني المهمة وأهم طرق المواصلات، ويجري التدمير المبرمج (مرة في الأسبوع) لمشاريع الصناعة (فقبل شهر فقط تم خلال أسبوع واحد وقف مصنع ميتالورجي وآخر للزجاج). إذاً، هل لأن هذه الحملة ضمت متطوعين إسرائيليين ؟ نعم أيضا. فقد كان بينهم أعضاء في الكنيست الإسرائيلي ومتعاطفون كثيرون أحدثوا اختلالا عدديا ونفسيا في التوازنات المجتمعية الإسرائيلية. وأخيرا، هل لأن تركيا كدولة إقليمية كبرى دخلت طرفا جديا في معركة فك حصار غزة؟ نعم جزئيا، وكليا. وهنا بيت القصيد.
أسطول الحرية ضم تمثيلا تركيا شعبيا وشبه رسمي أيضا. وللحضور التركي بعد تاريخي يُذَكّر بتضحيات آلاف الأتراك الذين سقطوا على هضاب غزة العام 1917 دفاعا عن فلسطين. والأهم أن له بعدا حاضرا، إذ تقف تركيا المستقلة عن الإرادة الأميركية وإرادة الناتو في السنوات الأخيرة سدا منيعا للحيلولة ضد المخطط الشامل من وراء وصول نتنياهو للحكم بتعزيز نزعة المغامرة الإسرائيلية لضرب سورية وإيران، بما في ذلك استخدام غزة كذريعة. بالعكس عقدت تركيا مع هاتين الدولتين اتفاقية شكلت في الواقع محورا نوعيا جديدا في المنطقة. كما أن تركيا كانت أحد أطراف اتفاقية طهران إلى جانب البرازيل حول تبادل اليورانيوم، وأشادت نظام دفاعات جوية بالقرب من الحدود السورية. ولا يخفي رجال الأعمال الأتراك الذين تبرع الكثير منهم لصالح أهالي غزة، أنهم يعدون العدة لاستثمارات ضخمة هناك وفي كل أراضي السلطة الفلسطينية بعد استتباب الوضع. وتدرك تركيا أن في مقابل كل خسارة في علاقاتها الإسرائيلية (التي لن تخسرها كلية) هناك مكاسب في وضعها الشرق الأوسطي. وهذا الأخير سيقوي مواقعها التفاوضية مع الاتحاد الأوروبي باعتبارها جسرا موصلا بين أوروبا والشرق الأوسط بكل المعاني.
باستهداف الباخرة التركية «مرمرة»، وبقتل تسعة أتراك من متطوعي أسطول الحرية أرادت إسرائيل أن ترسل رسالة أقوى من مجرد إهانة السفير التركي كما حدث قبل أشهر، فتحدث ردود فعل في الداخل التركي ضد التقارب التركي السوري الإيراني والعلاقات التركية الفلسطينية العربية. لكن ردود الأفعال تبين أن كل مراكز القوى في تركيا تعي جيدا مصالحها كدولة كبرى في المنطقة.
ورغم كل المحاباة الأميركية فقد قلبت العنجهية الإسرائيلية الوضع على هذا الصعيد، ولو مؤقتا. عاد نتنياهو من واشنطن هذه المرة دون لقاء مأمول مع الرئيس أوباما غير المعجب كثيرا بضيفه. عاد ليجد وضعا إسرائيليا داخليا يموج من تحت أقدامه.
وإضافة إلى جريمة اغتيال المبحوح في دبي بمردودها السياسي، فملخص القصة أن إسرائيل تصبح أكثر من أي وقت مضى قوة غاشمة بعلائم ضعف متسارعة. الدور العربي هو الغائب الوحيد عن تسريع تفاعلات المعادلة.
 
صحيفة الوسط
10 يونيو 2010

اقرأ المزيد

الإصلاحيون الإيرانيون (1)

تداخلتْ التياراتُ السياسيةُ والاجتماعية لدرجةٍ شديدة في إيران، وقد رفعتْ تسمياتٍ ومصطلحات ايديولوجية لا تعكس حقيقتها الطبقية، وأدى ذلك إلى صعوباتٍ في فهم هذا الصراعِ الاجتماعي السياسي المركب ك: المتشددون والإصلاحيون، المحافظون والثوريون، وخط الإمام، وغير هذا من مصطلحات للطبقة المسيطرة في إيران المتصارعة.إن إيران وهي تمرُ ككلِ دولِ الشرق في التحولِ والتنمية والاستقلال مضتْ تسيرُ بصعوبةٍ من الإقطاع للرأسمالية، ولعبَ جهازُ الدولةِ دورَ القيادة، وتجسدَ ذلك عبر توسعِ الملكيةِ العامة، التي تظل خاصةً للطبقةِ المسيطرة، فهي اسمياً تعودُ للشعب، ثم قامَ المذهبُ الديني بتجاوزِ الدولةِ ولعبَ دورها، فوقعَ الكائنان المادي السياسي والايديولوجي في صراعٍ حادٍ متشابك، وهو ما كان يتجنبُ الوقوعَ فيه الآياتُ العظمى.المذهب لدى آيات الله العظمى يغدو محافظاً معبراً عن هيمنةِ الإقطاعِ بشكلٍ واسعٍ، لكن تجري فيه عمليات تغيير موائمة مع العصر ببطءٍ شديد، ويغدو كما قلنا أقرب إلى الواقعية السياسية والعلمانية، لكن الثورة أبعدتْ الآيات العظمى، ونزلتْ البرجوازيةُ الصغيرةُ تقودُ الحياةَ الإيرانيةَ بشكلٍ عاصف.إن دخولَ هذه الطبقة للصراعِ الاجتماعي لا يعني القطع المطلق مع وعي الآياتِ العظمى، خاصةً في مجالاتِ الرؤيةِ الاجتماعية لأحوالِ الأسرةِ وقيمِ وتاريخِ المذهب وللمبنى الفكري عامة، لكنها تقتحمُ الميدانَ السياسي وتطرحُ مقولاتٍ ايديولوجيةً جديدة، بعضُها ينبعُ من المذهب وبعضُها لا ينبع.ومع سيطرة هذه الطبقة على جهاز الدولة، تكون قد جمعتْ بُنيتي الإقطاعِ والرأسماليةِ معاً، لكنها ليستْ رأسماليةً على الطراز الحر الغربي، بل على الطرازِ الشرقي الحكومي الاستبدادي، فهي تقومُ بالسيطرةِ على حراكِ الناس الاجتماعي وأحوالهم الشخصية والعقلية، فتغدو استبداداً إقطاعياً، وهي في ذات الوقت تبني اقتصاداً رأسمالياً حكومياً وهذا يوجد ليبرالية بحدودِها الدنيا، شركات عامة وخاصة وعلاقات بضائعية ورأسمالية تتغلغلُ في الحياة المُهيمن عليها من قبل الدينِ المحافظ المؤدلجِ لخدمةِ الطبقةِ المسيطرة، فهذا الحراكُ المزودجُ المتناقضُ بين الإقطاع والرأسمالية، يوفر مجموعةً كبيرةً من الصراعات داخل الطبقة الحاكمة وداخل النظام.هنا يحدث صراعٌ كبيرٌ على الفائض الاقتصادي بدرجةٍ أساسية، فنرى موجةَ رفسنجاني بفترتي رئاستهِ تنتجُ الفئات الأولى الكبيرة المستفيدة، وتنحي الفئات البرجوازية الصغيرة التي شاركتْ في إنتاجِ فكرِ الثورة وعملها على الأرض وقدمتْ التضحيات وتصعدُ القوى الأكثر غنى والأشد قوة.و(خطُ الإمامِ) يعني خط هذه البرجوازية الصغيرة المتذبذبةِ بين الإقطاعِ والرأسمالية، بين القراءةِ الدينية المحافظة وبين الحداثةِ، بين الاستبداد والحرية، بين هيمنةِ القطاع العام الكلي وبين حرية القطاع الخاص، بين القومية المتعصبة وبين الأممية الإسلامية والإنسانية، بين قمع الشعب وإطلاق سراحه، بين اليمين واليسار، بين هيمنة العسكر وانتصار الديمقراطية.إن الصراعَ على الفائضِ الاقتصادي يتجسدُ في الأولوياتِ المحددةِ للقطاع العام. ففي فترةٍ تكونُ الأولويةُ لتنميةِ القطاعِ العام الاقتصادي الكبير والقطاع العسكري، وهي الفترةُ التي صعدَ فيها ما يُسمى (اليسار)، لكنها الفترة التي صعدت فيها الفئاتُ البرجوازيةُ الكبيرة داخل النظام ويمثلها رفسنجاني، وجاءتْ فترةٌ أخرى يمثلها خاتمي، وهي عودةِ لتيارِ البرجوازية الصغيرة المتشكل من اليساريين والليبراليين الدينيين وهم الجماعات التي نُحيت في فترة رفسنجاني والتي دخلت السنوات الأولى للثورة بشكلٍ حماسي حادٍ وشاركتْ في دعائمِ النظام من شرطةٍ سرية وبناء دعائي ديني مطلق ثم اكتوتْ بما أسستهُ حين تطور وعيها نحو الليبرالية.هناك تداخلٌ بين هذه الفئاتِ الوسطى والصغيرة من الطبقةِ الحاكمة، فموجةُ النمو الاقتصادي الرأسمالي الحكومي وسعت العلاقات التجاريةَ والثقافية بالغرب، وحصل تطورٌ كبيرٌ للعلاقاتِ البضاعية والمالية الرأسمالية، مما يعبرُ عن توجيهِ جزءٍ مهمٍ من الفوائض الاقتصادية نحو البناء السلمي.وهذا التصاعدُ للعلاقاتِ الرأسماليةِ من جهةٍ أخرى يولدُ مشكلاتٍ كبيرةً للجماهير الشعبية عبر تصاعدِ نفوذ الأغنياء والمؤسسات الاستغلالية المختلفة، مما يجعل هذه الجماهير تبحث عن(الاشتراكيين) واليسار الديني وهذا ما يستغلهُ اليمينُ المتطرف!بين اليمينِ الكبيرِ عند رفسنجاني واليمينِ الصغير عند خاتمي نمتْ العلاقاتُ الرأسماليةُ التحديثية، وراحتْ تضربُ القيدَ الإقطاعي من دون نجاحٍ في إزالتهِ، لكونها قامتْ على أسسهِ الفكرية والسياسية.إن العلاقات الرأسمالية مربوطةٌ ومحكومةٌ بالهيمنةِ السياسية الايديولوجية الإقطاعية، فالمضمون الاجتماعي المتصاعد يصطدمُ بالشكلِ المعرقل.إن الشكلَ المعرقل يتجسد في الدستور، وهيمنة المرشد، وفي الايديولوجيا البرجوازية الصغيرة المتناقضة، وفي البرلمانية المنسوجة على قامةِ الطبقة الحاكمة، وفي شعارِ ولاية الفقيه، والعداء للغربِ الديمقراطي والاشتراكية.وفي الجوهر يعبرُ ذلك عن سيطرةِ رجالِ دينٍ محافظين خائفين من الحداثةِ يتمسكون بالماضي الإقطاعي حيث الذوبان الكلي للجمهور في هيمنة السلطة، ولكن الحداثةَ تفككُ هذه الهيمنةَ وتحررُ العمالَ والنساءَ والعقولَ من النصوصية الحرفية، من دون أن تخرج عن الحضور التاريخي للمذهب بطبيعة الحال لكن قصر النظر الايديولوجي يتوهم ذلك، فلا يستطيع رجلُ الدين التقليدي أن يتطور فكرياً وفقهياً، من دون أن يتركَ السلطة السياسية فخروجهُ منها يمثل تطوره لكنه لا يعي ذلك ويقاومهُ لأن القضيةَ غدت قضية طبقة لا قضية شرائح اجتماعية، ومن هنا يصارع الليبراليين الذين هم معه في السلطة لأنهم يزحزحونه منها فيطردهم ثم يقمعهم.

 
صحيفة اخبار الخليج
10 يونيو 2010
اقرأ المزيد

البحرين بحاجة إلى الصوت الآخر


ردود الفعل الواسعة التي تركتها ندوة الزميل سعيد الحمد في مجلس الدوي بالمحرق عن الليبرالية، وقبلها ردود الفعل التي أثارتها الندوة التي قدمتها شخصياً في المجلس الكريم إياه منذ أسابيع عن العلمانية، تكشف عن تعطش المجتمع البحريني لسماع الصوت الآخر، الذي غُيب وغيب نفسه، بوعي أو بدون وعي، خلال السنوات الماضية.
في ندوة الأخ سعيد عن الليبرالية أو في ندوتي عن العلمانية حاول البعض الهروب من المحاججة المنطقية للأفكار التي نطرحها وبكل وضوح، إلى تكرار المعزوفات التقليدية عن أن العلمانية والليبرالية تعنيان الكفر، وأنهما بضاعة غربية مستوردة، ولا يريد هذا البعض أن يفطن ان في طبقات الوعي لدى المجتمع البحريني من الادراك الذي يحتاج لمن يستنهضه، ما يجعل هذه المعزوفات سمجة وممجوجة، إذ لا يمكن الاستمرار في خداع المجتمع إلى ما لانهاية.

ان السنوات الماضية التي وضع فيها الإسلام السياسي على محك الممارسة الفعلية، بما في ذلك محك الممارسة النيابية، أظهرت محدودية البرامج التي يطرحها أصحاب هذا التيار، وغربتها عن الزمن الذي نعيشه، وعجزها عن استيعاب حاجات مجتمع حيوي ومتحرك مثل المجتمع البحريني، تعاقبت أجيال من أهل التنوير وفكر النهضة والتقدم في تشكيل وعيه الجديد الذي لا يمكن شطبه بجرة قلم كما يتوهم هؤلاء.

ما يريد الإسلام السياسي فعله هو مصادرة الإسلام نفسه ، عبر الادعاء بأن منتسبي هذا التيار هم وحدهم المسلمون، ومن عداهم فهم خارجون عن الملة، وحاولوا تضليل المجتمع بهذه الأكذوبة، بينما الاسلام، في جوهره وروحه، هوية جامعة لهذا المجتمع بكل مكوناته، ووفق هذا الفهم لا يتناقض الاسلام مع فكرة الحداثة وبناء الدولة المدنية واحترام الحريات العامة والفردية والتنوع الفكري والثقافي في المجتمع.

ليست التوجهات الليبرالية والعلمانية والحداثية بطابعها الديمقراطي والتقدمي العام بغريبة على هذا المجتمع أو دخيلة عليه، إنها توجهات استقرت في الوجدان العام لمجتمعنا من خلال تطوره المديد منذ مطالع القرن العشرين، وتقوت بمناخ التسامح والانفتاح والتنوع والتعدد في الأعراق وتمثل الثقافات المختلفة، سواء كانت نابعة من بنية المجتمع البحريني ذاته أو من المؤثرات الآتية إليه من الثقافات الأخرى التي تفاعلنا معها وجرى استيعابها في النسيج الاجتماعي والثقافي لوطننا.

لا يجوز السماح لأحد أن يصادر هذا التراث من التنوع، وأن يملي على المجتمع نمطاً واحداً من العيش والتفكير، في بلد اعتاد على التعايش مع التعددية واحترام مكوناتها، وقد عانينا خلال الفصلين التشريعيين المنقضيين من مساعي الانقضاض على مكتسبات مجتمعنا، وتجيير السلطة التشريعية لهذا الغرض، ولكن المجتمع البحريني ما انفك يعطي الإشارات المهمة عن تعطشه لأن يسمع الرأي الآخر والصوت الآخر، وأن يصغي للبديل الديمقراطي إذا ما أحسن أصحابه إيصاله بوضوح وبجرأة وثقة.

إن المجتمع بات اليوم أكثر جاهزية لتقبل البديل، لأنه الأكثر انسجاماً مع روح هذا المجتمع وميوله ومزاجه العام، وفق التعبير الموفق لزميلنا عقيل سوار، وهو المزاج الذي نمتلك، أو يجب أن نمتلك، إمكانيات بعثه واستنهاضه وتحفيزه ونحن أمام الاستحقاق الانتخابي القادم، الذي نريد لمخرجاته أن تكون أكثر انسجاماً مع طبيعة هذا المزاج.
 
صحيفة الايام
10 يونيو 2010

اقرأ المزيد

عبدالحميد القائد… قصة شاعر بحزن البنفسج وبياض الياسمين

 

 

 




مقابلة مع مجلة “اريج” عدد يونيو 2010

 
عبدالحميد القائد… قصة شاعر بحزن البنفسج وبياض الياسمين 
  

 


لا تدع الليل
يدخل فيك
ليطلي روحك بالسواد
ويغرقك في مجرة التيه
اصنع سدا من الأمل
ولو كان كاذبا
فالأبيض هو قلبك


 
يحتل الاغتراب مساحات شاسعة بين سطور أبياته، ويسيطر الحزن على حروف أشعاره، لكن هناك دائما بريق “أمل” يلوح في أفق كلماته  ويمحو غربة روحه، ليقدم حلاوة الشعر الممزوجة بمرارة الأيام حتى تكون شاهدا على ثباته في مواجهة التيارات المختلفة التي عصفت بمسيرته الشعرية الأدبية؛ هو الشاعر المبدع عبدالحميد القائد؛ الذي قدم العديد من القصائد الرائعة التي أعطته نفسا متفردا بعيدا عن التكرار والتشابه، ولم يكتف بذلك؛ بل نقل تلك الإبداعات إلى اللغة الانجليزية بترجمة دقيقة لم تجرد تلك القصائد من روحها العربية.
ومؤخرا دشن القائد؛ ضمن فعاليات مهرجان إلهام للفنون- كتابه الرابع “غربة البنفسج”، في أمسية رائعة ألقى خلالها القائد قصائد مختارة من الكتاب باللغة العربية مصحوبا بعزف على آلة التشيلو للموسيقي الفنان حامد سيف، وقرأت ترجمتها باللغة الإنجليزية الكاتبة ميلسا، والتشكيلية سيرينا.
التقت مجلة أريج بالشاعر البحريني عبدالحميد القائد، في حوار سعى إلى الوقوف على تجربته الشعرية الثرية، وتسليط الضوء على آرائه الأدبية المتعلقة بالشعر والمشهد الشعري البحريني، والحديث عن إصداراته المختلفة، فكان التالي:
 



·  متى كانت بداياتك في مجال الشعر؟

 
خرجت الى الدنيا والشعر ولد معي… أنا أسميه أحيانا لعنة الشعر لأنه على الرغم من متعة كتابة الشعر إلا أنه طريق الألم والاحتراق، وهذا لا يفهمه الا الشعراء! بدأت كتابة الشعر بشكل جاد من بداية السبعينات وكنا مجموعة من الشعراء، دعينا نسميهم  باسم “شلة الحورة” وكانت تتألف  من  علي  الشرقاوي ويعقوب المحرقي والمرحوم عبداللطيف راشد الغنيم وأنا ثم التقينا بعد ذلك  مع مجموعة من الشعراء والمثقفين والفنانين والذين يمكن أن نطلق عليهم (مجازا) “شلة المحرق” منهم قاسم حداد وعلي عبدالله خليفة وخليفة العريفي وعبدالله يوسف وراشد نجم وغيرهم ، ومنذ ذلك الوقت توطدت العلاقة بيننا، حتي     تأسست أسرة الأدباء والكتاب البحرينية في عام 1969، حيث كنت من المبادرين للانضمام إليها في بداية عام 1970 وأنا أعتبر نفسي شبه مؤسس للأسرة. 
  
 



·   متى أصدرت أول ديوان لك؟

 
ساعدني الجو الأدبي والثقافي السائد في فترة السبعينات من القرن الماضي على إصدار أول ديوان شعر لي بعنوان “عاشق في زمن العطش” في عام 1975 وهو ديوان يضم قصائد باللغة العربية فقط، ثم انقطعت بعد ذلك عن كتابة الشعر بسبب ظروف خاصة وحالة اليأس التي اعترتني بسببب مجموعة من الظروف الذاتية والموضوعية، فضلا عن متطلبات وظيفتي آنذاك حيث كنت أعمل في أحد البنوك وكنت أحاول الهرب من عدم قدرتي على الكتابة بقضاء أطول وقت في العمل. ومع ذلك لم انقطع عن الكتابة الداخلية، بمعنى أن الشعر كان موجودا في داخلي يغلي في روحي  إلا أنني لم أكن أترجمه حروفا على الورق.
 



·    ومتى عدت إلى البوح الشعري بالكتابة؟
 

 عدت إلى الكتابة في حوالي عام 1998 وولد ديواني الثاني “صخب الهمس” في عام 2003، وكان ذلك الديوان عودة قوية لي الى الأجواء الثقافية حيث استطعت أن أحقق أحد احلامي وهو ترجمة  الشعر البحريني الى اللغة الانجليزية لكي يصل الى ما وراء الحدود.. الى العالم الخارجي..  وذلك عندما أنجزت انطلوجيا الشعر البحريني الحديث  ”اللؤلؤ وأحلام المحار”، وتتألف من قصائد لـ 29 شاعرا وشاعرة بحرينية. وهذه الانطلوجيا عمل ضخم باللغة الانجليزية طبع بالولايات المتحدة الأمريكية حيث قمت بعملية الترجمة بالتعاون مع الدكتورة منيرة الفاضل التي تولت عملية المراجعة الى جانب أحد الشعراء الأمريكيين المعروفين الذي قام بالمراجعة الشعرية.  وقد ساهمت هذه الانطلوجيا في تعريف العالم بالشعر والشعراء البحرينيين. وتباع هذه الانطلوجيا في العديد من المواقع العالمية عبر الانترنت مثل امازون دوت وكوم وغيرهأز 
  
   



·    كيف تنظر إلى الحداثة الشعرية؛ هل هي فعلا كسر من أجل البناء؟

 
لازال مفهوم الحداثة أمر مختلف عليه، ففي السابق كانت هناك حركات تسعى إلى تحديث الشعر الكلاسيكي ، ولكن على الرغم من ذلك بقي الإطار العام للشعر كما هو بالاعتماد على القصيدة العمودية وبحور الشعر، حتى جاءت نازك الملائكة في العراق وقدمت الشعر الحر وظهر شعراء كثر في هذا الاتجاه، مثل السياب والبياتي وغيرهما ولكن على الرغم من اعتبار الشعر الحر حديثا إلا أنه لم يخرج من الإطار الشعري التقليدي المألوف كثيرا انذاك. ثم جاءت مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة التي تنطلق من مفهوم التفكيك من أجل إعادة البناء والتي تتمثل في مجال الشعر في  قصيدة النثر . إنني ما زلت أكتب قصيدة التفعيلة وايضا قصيدة النثر، إلا إنني أصرّ على وجود موسيقى داخلية واضحة في كل قصائدي/نصوصي.  ولابد من التفريق هنا بين قصيدة النثر والخاطرة مثلا لأن الكثير يكتب الخاطرة ويسميها قصيدة نثر… وأنا  أعتقد أن كتابة قصيدة النثر هي أكثر صعوبة  من القصيدة التقليدية لأنها تعتمد على التكثيف والتركيب والإبهار والموسيقى الداخلية.  الحداثة لا تعني حداثة الشكل فحسب، بل حداثة المضمون، حداثة الفكر وحداثة الروح. لا يمكن للإنسان أن يدعي الحداثة/الحداثية وهو يحمل فكراً متخلفاً وهذا مشكلة البعض من الشعراء  والكتاب.
 
 



·   ما هو تقييمك للمشهد الشعري البحريني؟

 
هنالك الكثير من الشعراء البحرينيين الذين اجتازوا الحدود العربية  بل إن بعضهم قد وصلت أعماله الى بعض دول العالم. والبحرين هي أرض الشعر الخالدة، أرض طرفة بن العبد، شاعر المعلقات الجاهلي. وقد تمكن الشعراء في البحرين من الإبداع نظرا للمعاناة الإنسانية والكونية والمعيشية التي مروا بها، وفي بداياتي كان هنالك عدد من الشعراء الذي كانوا سيسجلون نجاحا باهرا لو أنهم استمروا في الكتابة مثل يعقوب المحرقي الذي أصدر ديوانا يتيما أرى أنه يضم قصائد من أفضل ما كتب من الشعر البحريني في ذلك الوقت (السبعينيات)، في المقابل هنالك شعراء استمروا ليس لأنهم الأفضل بالضرورة بل لأنهم آمنوا بأن الشعر وسيلتهم للتعبير عن أنفسهم.  إن الساحة البحرينية تضم الآن العديد من الشعراء المبدعين الذين يقدمون النص المختلف والمبدع دائما والزمن كفيل بغربلة الشاعر الأصيل من غير الأصيل.
 



·   تكتب أشعارك بالفصحى؛ أين أنت من الشعر باللهجة العامية؟

 
تساعدني الكلمات الفصيحة على التعبير عن ذاتي بشكل أفضل، واعتقد أن هذا الأمر متفاوت من شاعر لآخر، ففي الوقت الذي أرى بأن الشعر الفصيح وسيلتي “للفضفضة” الكتابية، هناك بعض شعراء الفصحى الذين برعوا في الشعر العامي في مقدمتهم الشاعر البحريني علي الشرقاوي الذي كتب أجمل  كلمات الأغاني باللغة العامية. إنني ببساطة لا أرى نفسي في الشعر العامي/الشعبي.
 



·   ما الذي تعنيه إليك القصيدة؟

 
القصيدة هي عشقي الأول، تأتي أولا ثم يأتي كل شيء من ورائها، فمن خلالها أعبر عن نفسي وأتخلص من ألمي، وهي طريقي لمقاومة الاكتئاب وفي الغالب أكتب قصائدي لتعبر عن اللحظة  التي أعايشها او أعيشها لذلك تنتشر فيها مساحة واسعة من الاكتئاب والحزن والأحاسيس الإنسانية الأخرى، وذلك ما قد يلمسه القارئ في ديواني الأخير “غربة البنفسج”.
 



·   مؤخرا أطلقت ديوانك الجديد “غربة البنفسج؛ حدثنا عن هذا الديوان؟

 
يضم “غربة البنفسج” 52 قصيدة بين العربية والانجليزية وقد قام بتصميم وتنفيذ الكتاب الفنان خالد الرويعي ولوحة الغلاف الفنانة الفرنسية صوفي ستيفان والخط للفنان عباس يوسف، وهذا هو الكتاب الرابع لي.
 
·    قدمت أشعارا باللغة العربية وترجمتها إلى اللغة الانجليزية في ديوانك “صخب الهمس” وأنطلوجيا “اللؤلؤ وأحلام المحار” ومؤخرا ديوانك “غربة البنفسج”؛ وغالبا ما تنطوي الترجمة على مخاطرة لكونها ترتبط أساسا بالجمالية الذاتية والذوق الشخصي للمترجم، كيف تتجنب تلك المخاطرة وتوصل جمالية النص الأصلي؟

يقال أن ترجمة الشعر هو خيانة له؛ وفي الواقع أن ترجمة الشعر من أكثر الأنواع صعوبة، لأنك حين تترجم لا تنقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل يجب عليك أن تنقل الأجواء والحالة الشعرية الموجودة في النص الشعري الأصلي، ولكن لا توجد وسيلة أخرى كي ننقل نتاجنا الشعري والثقافي إلى العالم الخارجي إلا عبر الترجمة. وعندما فكرت في أنطلوجيا “اللؤلؤ وأحلام المحار”، طلبت من الشعراء المشاركين تزويدي بخمس قصائد أو أكثر لكي اختار منها ما يناسب الترجمة والأقرب الى نفسي لكي اتمكن من ترجمتها بصورة افضل حتى أن بعضهم قدم لي كل دواوينه لكي أختار ما يحلو لي. من جانب آخر حاولت قدر الإمكان أن أكون موضوعيا في الترجمة وقد كانت الانطلوجيا نتاج عمل تعاوني رائع مع الدكتورة منيرة الفاضل أستاذة اللغة الانجليزية في جامعة البحرين لمراجعة الترجمة اللغوية، والشاعر الأمريكي المعروف “توم ستينرهاو” لمراجعة الترجمة الشعرية.بالنسبة إلى دواويني ثنائية اللغة؛ ساعدني في ترجمتها أنني أنا الشاعر وبالتالي كان خطر الاختلاف بين النصين العربي والانجليزي ضئيلا؛ فقد بذلت جهدي للحفاظ على المعنى الأصلي وأجواء القصيدة الحقيقية.
 



·   الترجمة حب خطير خصوصا إذا تعلق الأمر بترجمة جمالية الشعر العربي إلى اللغة الانجليزية؛ كيف بدا لك السفر بين الشعرية العربية والشعرية الانجليزية؟

 
اللغة العربية؛ لغة غنية جدا بمفرداتها الواسعة  التي يمكن استخدامها في مواضع مختلفة لتؤدي معان متباينة مما يحولها إلى متعة في اكتشاف سبب اختيار الشاعر لهذه الكلمة دون سواها من الكلمات التي تؤدي إلى المعنى نفسه. من جانب آخر اكتشفت أن ديوان الشعر العربي يعتبر مرجعا ضخما لتوثيق فترات تاريخية وحالات إنسانية كثيرة وقد تفاجأت أن ذلك غير متوفر لدى شعراء الغرب بالغنى الموجود لدى العرب.  فالشعر ديوان العرب كما يقولون،  فالشاعر العربي يتشظى شعرا… يحترق شعرا… وربما يموت شعرا. وعلى الرغم من وجود شعراء  كبار عند الغرب مثل شكسبير وايليوت ورامبو وبريخت وغيرها، إلا  إننا عندما ننظر الى الشعر الأوروبي او الأمريكي في الوقت الحاضر نجده يتطرق الى مواضيع سطحية لا  قيمة لها وبعيدة عن العمق الإنساني والاجتماعي بينما نجد الشعراء المحدثون والحداثيون العرب يتوغلون في الهم الإنساني والكوني ويكتبون بمعاناة حقيقية… والسبب أن الأوربيين أكثر استرخاء لأنهم  غير منشغلين بالقضايا  التحررية على عكس العرب الذين يحترقون يوميا في اتون الحروب والمسلسلات السياسية غير العادلة ولديهم قضايا يريدون انجازها والتحرر من الأغلال الكثيرة التي تلتف حول رقابهم.
 



·   أيهما تفضل؛ كتابة القصيدة أم ترجمتها؟

 
كتابة الشعر بالطبع؛ فهو النافذة التي أتنفس من خلالها وأترجم الشعر الموجود بداخلي عبرها، أما الترجمة فلا تعدو كونها وسيلة لتعريف الجمهور غير العربي بالشعر وبالتالي ضمان وصوله إلى شرائح متنوعة، وأنا اعتقد بأنني محظوظ لقدرتي على الترجمة؛ إذ أن ذلك يتيح لصوتي الوصول إلى الأشخاص الذين لا يتحدثون العربية.
 
·    هل تحلم وتفكر بالعربية أم الانجليزية؟
 
بالعربية بكل تأكيد؛ فأنا عربي بالدرجة الأولى، ولكن على الرغم من ذلك أعتبر نفسي شخصا عالميا لذلك أفكر وأحلم بالسلام والحب لكل العالم بكل اللغات، كما أنني أحاول التفاعل مع الثقافات الأخرى عبر الحوار والقراءة والسفر، وفي الواقع أرى نفسي عاشقا للعالم كله. 
  



·    ما ردود الفعل التي تلقيتها حول الدواوين الشعرية والانطلوجيا التي قدمتها؟
 

كما ذكرت سابقا؛ الشعر هو سر وجودي؛ لذلك سأواصل كتابة القصيدة/النص حتى آخر يوم في حياتي حتى لو لم أتلق تشجيعا من أحد، من جانب آخر وصلتني العديد من التعليقات الإيجابية على الكتب السابقة؛ فديوان “صخب الهمس” فاز بالجائزة الأولى في مسابقة جائزة الكتاب المتميز من وزارة الإعلام بمملكة البحرين لعام 2003، كذلك كانت ردود الفعل استثنائية حول الانطلوجيا الشعرية “اللؤلؤ وأحلام المحار” سواء في البحرين أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا لدرجة أنه كان المفتاح إلى تعريف العالم بالعديد من الشعراء البحرينيين كما أنه متوافر على المواقع الرئيسة  لبيع الكتب مثل amazon.com وقد كان أول انطلوجيا شعرية من نوعه في منطقة الخليج.
 



·   أخيرا؛ أين يستطيع القارئ إيجاد معلومات عنك وعن نتاجك الشعري؟
 

يمكن لمن يرغب بمعلومات عن أشعاري أن يبحث في شبكة الانترنت، كما أن بعض كتبي متوفرة في المكتبات المعروفة مثل المكتبة الوطنية وجاشنمال ومكتبة العائلة و غيرها.
 
 
 

اقرأ المزيد

محمد جابر الصباح يضيء البحرين

في بيت صغير بإسكان المحرق حضرنا ثلة صغيرة من رفاق محمد جابر الصباح، وكانت العتمة محيطة بنا، وثمة جهاز متوسط الحجم في الحوش، وحوله مجموعة من المصابيح غير المضاءة، وراح ذلك الجهاز يدور بسرعة بضع دقائق ثم قام بإشعال النور في تلك المصابيح المتعددة التي كانت تحيط به.هذا اختراع عَمِلَ عليه الأستاذ المناضل محمد جابر الصباح أكثر من ثلاثين سنة. أذكر وكنا فيما وراء الأسوار قبل عقود كيف كان (أبوجابر) يحدثنا عن اختراعه، وكيف سوف يسيطر على المد والجزر في البحر ويحوله إلى طاقة كهربائية بآلة صغيرة!كنا نعتبر ذلك تسلية من هذا الرجل المنغمس في النضال السياسي من أجل الحرية والديمقراطية، وان كلماته وخططه التنويرية لتعديل وتطوير الكهرباء مجرد لحظة عاطفية سرعان ما تخبو!وفيما بعد وفي لحظات العمل من أجل الديمقراطية وعودة البرلمان الذي كان عضواً سابقاً فيه، كان لايزال يتحدث عن مشروعه، وقد حوّله إلى مجموعة من الخرائط الهندسية التي لا نفقه لها نحن غير التقنيين معنى!وفي ذات الوقت كان يعمل لهندسة الضوء السياسي في بلدنا، فيرى أن المحولات المذهبية السياسية تجرنا إلى مشكلات ظلامية صعبة، وانه لا بديل عن الضوء الطبيعي ضوء الحداثة والعلمانية والديمقراطية، وإنه يجب عدم تمزيق الشعب.في تلك الغرف، في تلك الشقق الصغيرة، عبر تضاريس مدينة المحرق، وبين حشود تتدفق على مكانه، وبصبره العجيب، ظل يغزل بين النور السياسي وبين النور المائي الكهربائي، فهو مع جلسات الحوار الصغيرة النادرة في البلد لاكتشاف طريق عودة الديمقراطية، وبرفض المغامرات السياسية المكلفة، ثم إلى العمل على اختراعه الذي لا يكاد أحد في البرية الواسعة أن يمد له يد العون والمساعدة.لا شك أن العمل النضالي الصبور البطيء الحقيقي – وسواء في العلم أم في السياسة- هو أمر صعب ومكلفٌ، فهو يأكل الشباب والصحة والمدخرات القليلة، وقد اختار محمد جابر الصباح أن يعمل في الاثنين المضنيين.وفي السياسة تشكلت معه قوى صغيرة لكن صلبة باقية تنامت على مدى السنين مصرة على الحداثتين الديمقراطية والوطنية، ثم راحت تؤكد نفسها حين انعطف البلد نحو التغييرات السياسية بأشكال ظلت غير مناسبة وتحتاج إلى تعديلات عميقة، وإلى إضاءات سياسية قوية وربما (فلشات) حارقة.إن الإنجازَ العلمي التقني هو أصعب ولا شك لأنه لا يوجد أحد قادر على فهم هذه المعادلات المركبة وتليين الحديد وجمعه مع الأسلاك الكهربائية والماء، ومحمد الذي رأيناه رجلاً بكامل صحته وعنفوانهِ وهو يتابع الورق ثم يشكل الجسم المعدني لآلته بجوانبها الخفية عنا والمجهولة لنا، ويؤكد حركتَها من كمية مياه، فيحول السائل إلى طاقة حركية في هذا الجسم المعدني، رأيناه بعد سنوات عديدة عسيرة وهو كهل يمشي بكرسي متحرك، منتقلاً من الصالةِ للحوش، ويضع السماعة ليسمع الأصوات، ويجمع تلك الثلة الصغيرة ليريها تتويج عمله عبر تلك السنين المضنية الطويلة!الآلة تدور بقوة وتحول قطرات المياه إلى ضوء باهر في تلك المجموعة المعلقة قربها.إن العقل البحريني العلمي هنا يتشكلُ ويتجسدُ عبر التجربة، فانظر إلى التجربةِ في الضوء كم تكلف وكم تطور! وانظر إلى التجربة في الظلام كم تكسب وكم تدمر!يلقي علينا محمد جابر محاضرة مختصرة عن الاختراع، بمصطلحات تقنية علمية غير مفهومة لنا تماماً، تدور حول تحويل طاقة كامنة في الماء، وفي حركتي المد والجزر، إلى طاقة مختلفة تجري في الآلة بصورة سريعة جداً عبر قوة الكهرباء المحدودة، فيحدث تسريع من نوع خاص، له تصميمه المحدد في جسم الآلة، ويتم تحويل تلك الطاقة المائية إلى طاقة ضوئية، ويمكن تحويلها إلى طاقات مختلفة، عبر تصميمات متعددة.وفي ظني ان ثمة إنجازات أكبر من الممكن أن تتشكلَ من هذه الآلة، وتغدو ثورة تقنية تدخل في جوانب عديدة.ونظراً لمستوياتنا التقنية الوطنية المحدودة، وقراءاتنا المبسطة للاختراعات، فنرجو من المختصين دراسة هذا الاختراع، ونتمنى على الجهات المعنية أن تتعاون مع هؤلاء المختصين في دراسته وإعطاء براءة اختراع للأستاذ محمد جابر الصباح على إنجازه العلمي التقني هذا.فمسألة تطويره وتحويله إلى اختراع واسع النطاق هي مسألة تحتاج إلى تذليل البيروقراطيات ومشكلات التخلف الكثيرة، لكن لينصب جهدنا فقط الآن على تحليلِ وتصديق هذا الاختراع وإعطاء شهادة لصاحبه بأنه أنجز شيئاً بعد رحلة استمرت أكثر من ثلاثة عقود.ان المحرق لا تحرق بل تضيء وتنشر طاقة كهربائية رخيصةً غير ملوثة ولها آفاق عريضة في مجالات النور والحركة الآلية كافة.
 
صحيفة اخبار الخليج
9 يونيو 2010

اقرأ المزيد

قافلة الحرية وبلاغــة الرسالـــة

هل كان على العرب أن ينتظروا الهجوم الهمجي لقوات الاحتلال الاسرائيلية على سفن قافلة الحرية التي انطلقت نحو غزة ليتذكروا أن غزة محاصرة، من البر والجو والبحر؟
لن نتحدث عن غفلة أكابرة العالم عن هذا الحصار، فلقد ألف الفلسطينيون مثل هذه الغفلة منذ أن نشأت القضية الفلسطينية، رغم أن الشرفاء في هذا العالم من القوى الأممية، وما أكثرهم، لم يغفلوا يوماً عن المعاناة الفلسطينية الممتدة، وما زال عدد المسيرات والاحتجاجات التي تشهدها عواصم ومدن شتى على ظهر الكوكب يفوق بكثير تلك التي تجري في عواصمنا العربية.
من هؤلاء الأكابرة لم نعتد على الغفلة فقط، وإنما اعتدنا على مظاهر من التواطئ، لولاها لما امتدت المأساة الفلسطينية ما امتدت، لكن حين يدور الحديث عن العرب، حكومات وشعوباً، فان مغزى السؤال الذي صدرنا به الحديث يختلف.
وللسؤال مذاقه المر، فحصار غزة وما نشأت عنه من أوجاع ومعاناة لم يبدأ لحظة أبحر المتضامنون في القافلة المذكورة نحو غزة، وهي تضم أناساً من جنسيات مختلفة، وإنما هو سابق لذلك بكثير، ولكن يبدو أن المأساة حين تتحول واقعاً يومياً يكف الناس عن النظر إليها بصفتها مأساة، كأنهم يألفونها، وكأنهم يفقدون الأمل في القدرة على إنهائها.
وهذا لا يصح على معاناة أشقائنا في غزة وحدها، وإنما على فصول المأساة الفلسطينية المتتالية، وعلى أوجه العدوان والقتل التي يقترفها الغزاة والمحتلون على غير بلد عربي، كالحروب الهمجية على جنوبي لبنان، وكاحتلال العراق وغير ذلك من صنوف الهمجية المعاصرة، التي كان نصيب الشعوب العربية منها، ولما يزل كبيراً.
بهذا المعنى لن توفي كلمات الشكر والامتنان والتقدير حق أولئك الرجال والنساء الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وهو يصعدون سفن قافلة الحرية مبحرين نحو غزة، وهم يدركون أنهم ليسوا في نزهة، فكشفوا للعالم كله، مرةً أخرى بين مرات عديدة سابقة، عن زيف الوجه «المتحضر» الذي يجري تسويقه لإسرائيل، حين انقض جنودها المدججون بالسلاح على ركاب السفينة المبحرين نحو غزة، والعزل من كل شيء، لا من السلاح وحده، سوى من يقظة ضميرهم وعمق إيمانهم بقضية شعب محاصر ومعزول في سجن كبير.
وليس هذا هو المنجز الوحيد الذي حققه هؤلاء الرجال والنساء الشجعان، فهناك منجز أكبر هو أنهم وضعوا العرب جميعاً أمام ما غفلوا أو تغافلوا عنه.
إن رسالتهم قد وصلت بأبلغ ما يكون.
 
صحيفة الايام
9 يونيو 2010

اقرأ المزيد

عامل الوقت.. مع الفلسطينيين وضدهم!

بعد أن أقدم الكيان الصهيوني على ارتكاب مجزرته الأخيرة بحق نشطاء الحرية في المياه الدولية بهجومه على أسطول الحرية والذي راح ضحيته تسعة من نشطاء السلام الأتراك العزّل بالإضافة إلى العشرات من الجرحى، بات واضحا مدى الارتباك والتخبط الذي اتسم به موقف حكومة العدو الصهيوني، مما حدا بقيادات بارزة لديه بالإضافة الى وسائل إعلامه التي حمّل معظمها رئيس الوزراء الصهيوني ووزير دفاعه مسؤولية اتخاذ قرار الهجوم على سفينة “مافي مرمرة” التركية التي كانت متجهة الى حدود غزة، في حين تؤكد كافة الدلائل على عزلة واضحة لحكومة العدو حيث تتوالى دعوات الشجب والإدانة من مختلف دول العالم والتي قام بعضها باستدعاء سفراء الكيان. ونتيجة للهجوم الصهيوني استعادت قضية حصار غزة موقعها نحو الصدارة، بعد أن أوشك الإعلام العالمي على نسيانها. وبعيدا عن خطاب الشجب والتنديد الراهن، فان الحقيقة تبقى ماثلة، أن العدوان على أسطول الحرية قد أكد مجددا على عدوانية هذا الكيان وضربه لكل الأعراف الدولية عرض الحائط، ولم يسعفه في ذلك حتى الخطاب المهادن والمتواطئ من قبل الإدارة الأميركية وبعض الدول الأوروبية، والذي دفع جو بايدن نائب الرئيس الأميركي لوصف التصرف الصهيوني بأنه طبيعي ومشروع!
نعتقد أن عاطفية الخطاب العربي المفرطة المعتادة لن تؤسس أبداً لنهج مغاير في التعاطي مع قضيتنا المركزية، بل إنها وفي أحسن الأحوال تستطيع أن تؤصل لخطاب موغل في المزايدة من دون مضامين حقيقية، وهي نوع من الهروب إلى الأمام ليس إلا! خاصة بعد أن أبقت الكثير من الأنظمة العربية القضية الفلسطينية شأنا ثانويا بكل أسف، مستفيدة من حالة الانقسام الفلسطيني، والذي يبدو انه سيستمر حتى مع حجم التداعيات الجارية بعد حادث الاعتداء على أسطول الحرية، وبعد الرسائل السلبية المتبادلة بين طرفي الصراع في غزة والضفة الغربية، ومحاولتهما اللعب على الوقت ولو بأوراق أضحت مستهلكة كثيرا، وذلك ما سيقدم لو استمر اكبر خدمة للكيان الصهيوني لاستثمار الظرف الفلسطيني المنقسم، والدولي المتهيب والمتردد، خاصة وان حكومة الكيان أصبحت تعول كثيرا على عامل الزمن والتقادم حتى يتم نسيان ما قام به من جرائم كما نجح في ذلك مرارا من قبل، ليكون ممكنا بعدها إصلاح صورته التي اهتزت بقوة على المستوى الدولي، التي حاول قادة الكيان ترويجها حتى إبان فترة الأزمة على ان اسرائيل واحة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي تحاصرها مجموعة من الأنظمة والشعوب المارقة والإرهابية!!
كل المؤشرات على الساحة الدولية تشير إلى أن صلف الحكومة الصهيونية وإرهابها قد أفرز وضعا مواتيا يمكن للقوى الفلسطينية المتنازعة منذ سنوات لو فطنت أن تلتقطه لتبني عليه وتستثمره إيجابا لصالح القضية الفلسطينية، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها النظام الدولي برمته، ومن بين تلك المؤشرات ما ذهب إليه قائد القوات الأميركية “باتريوس” حين قال “نحن ندفع من دماء جنودنا للذود عن مصالح إسرائيل التي تحولت بالنسبة لنا إلى عبء” وهو ما يتسق مع ما قالته علنا بعض الصحف الصهيونية، وما قاله رئيس الموساد ذاته من أن إسرائيل تتحول إلى عبء على الولايات المتحدة. وما قاله “بينيامين بن اليعازر” الوزير في حكومة العدو خلال أحد اجتماعات المجلس الوزاري المصغر من أن وضع إسرائيل الدولي أصبح كارثياً.
لذلك نقول لو فطنت القوى المعنية على الساحة الفلسطينية للتعامل بصورة استراتيجية وبعد نظر بعيدا عن حالات الخلاف المستمرة منذ سنوات، وذلك من أجل استثمار هكذا وضع دولي وإقليمي، طبعا دون التوقف كثيرا أمام تفاصيل ومتاهات الدور العربي المغرم ببيانات الشجب والتنديد، ولكن دون إهماله، فان من شأن ذلك أن يدفع بالقوى التي مازالت مواقفها إما خجولة أو متمنّعة أن تتعامل إيجابا مع أي وضع إيجابي دولي ربما برز لاحقا تجاه القضية الفلسطينية وليس حصار غزة فقط، بالضبط كما هو الحال مع الموقف التركي تحديدا والموقف اليوناني والأوروبي بشكل عام، وهنا بالضبط يصبح عامل الوقت وسرعة أو بطء حركة الجانب الفلسطيني والعربي أيضا، عاملا حاسما في تضييق الخناق على حكومة الكيان لتحقيق أقصى قدر من المكاسب الممكنة للفلسطينيين، فهناك اليوم أكثر من لاعب إقليمي ودولي يمكن التعويل عليه إلى حد معقول بالنسبة لمواقفهم وفي المقدمة منهم الموقف التركي الباحث عن دور أكبر في رسم خارطة المنطقة، والإيراني المتحفز، والأوروبي الذي يمكن أن يكون متطورا ومستجيبا مع قضايا كقضايا حقوق الإنسان والحاجة لخلق حالة استقرار إقليمي ودولي أصبحت مطلوبة بشدة حتى يمكنه التفرغ لبقية قضاياه المعقدة الأخرى المرهقة.
عامل الوقت مهم للغاية، وقد أصبح مع الفلسطينيين وضدهم في آن، فهل ستدلل القيادات الفلسطينية على فهم أكبر لما يمكنها استثماره والانطلاق منه بعيدا عن أوهام السلام المزعوم، أم ستسمح مجددا لحكومة الكيان الصهيوني أن تستعيد زمام المبادرة؟!
 
صحيفة الايام
9 يونيو 2010

اقرأ المزيد