المنشور

باكستان.. دولة القبائل العسكرية (1)

تشكلت باكستان وبنجلاديش التي كانت تعرف باسم باكستان الشرقية من هيمنة القبائل المغولية، التي كونت حكم القبائل العسكرية الاقطاعية على جمهور العامة.
توقف الغزو الإسلامي القبلي عند حدود الهند الشمالية فلم يستطع التوغل في عمق الهند، حيث الشعوب الهندوسية الكثيفة، فغدا المسلمون خاصة في باكستان الحالية مقر البداوة.
لعب المغول والترك دور تشكيل الشمال الهندي فكانت العسكرية هي أداة التكوين.
إن الأحكامَ الشرعية النصوصية والأفكار العامةَ عن الوجودِ المصنوع من إلهٍ واحد، والمعتبرة إسلامية لم تكن مقبولة للجمهور الهندوسي المتعدد الشرائع والتعددي وذي الآلهة الكثيرة، وكان هذا يشيرُ لمقاربةِ الهندوس للتنوعِ أكثر من المسلمين، نظراً لضخامةِ الوجودِ الزراعي الفلاحي عند الهندوس، وتغلب البداوة الصحراوية على المسلمين، ولكن كانت هناك مقاربة اقطاعية لدى الطبقات العليا المسيطرة في أنظمةِ الهيمنة على الفلاحين والبدو جميعاً فتظهر بشكل أمراء ومهراجات، لدى كل من المسلمين والهندوس، وكان الاستعمار البريطاني يعتمد على التحكم بهذه الطبقة وإعطائها مقاليد حكم الإقاليم، وعلى إتاحة حرياتٍ اجتماعية ودينية جزئية، بغرضِ نشوب الصراعاتِ والهيمنة على الجميع.
وهكذا فإن الباكستانيين في باكستان الحالية أم في بنجلاديش كانت لهم جذور عسكرية قوية بسبب الأصول المغولية والبدوية، حيث شكلت الفتوحات الإسلامية العسكرية ذلك الشريط الشمالي، وجذبت القبائلَ التي فهمتْ الإسلامَ بهذا الشكل العسكري الغازي، وهو الذي يلائمُ نمطَ عيشها. فعبر القوة البدوية التي عاشتْ فيها فهمتْ الإسلامَ بهذا الشكل وكرستهُ على هذا النحو. لقد رأتْ قبائلَ على غرارِها تغزو وتنتشرُ في العالم وتشكلُ دولاً، فآمنتْ بأن هذا هو دين العلو في الأرض.
في حين عاش الهندوس على الزراعة والعيش في القرى وعبر التعدديات المختلفة، وعلى النقيض من البداوة كرهوا العنفَ والغزو.
فتشكل قسمان متناقضان في القارة الهندية، حسب جذورهما التاريخية، ورغم الصراعات والخلافات فإنهما وجدا أرضيةً مشتركة وتداخل المسلمون والهندوس وعاشوا في حضارات متنوعة متجاورة، وكانت زمنية النهضة التحررية الوطنية قد أوجدت بعض الوحدة الديمقراطية المهمة التي لم تتصل.
وقد وجدَ الاستعمارُ البريطاني ان أدواته لتحجيم والسيطرة على الحركة الوطنية الهندوسية الإسلامية المشتركة محدودة لضخامة حضورها وكثافة الملايين المؤيدة لها، ورأى ان الثغرةَ الكبرى هي استغلال الصراعات الدينية، وخاصة بين المسلمين والهندوس وتفجيرها، وعدم جعل القارة الهندية قوةً بشرية سياسية كبرى، فلم يكن ثمة أهم من استغلال التمايز العميق بين الديانتين، وتأجيج النزعات العسكرية والقومية والقبلية لدى المسلمين، وتفجير التعصب القومي الهندوسي، وتم ذلك من خلال عناصر سياسية صغيرة تصاعدت عبر السنين، ومن خلال تضخيم الغرور لدى القادة الدينيين.
انجرت القياداتُ الدينيةُ بشكل أكبر لنزعات التعصب والانقسام، فيما كان غاندي توحيديا علمانيا هنديا كبيرا، ورفض إلى آخر لحظة عملية هدم الوحدة الوطنية بين الهنود، ودفع ثمن ذلك من حياته، فتم اغتياله من قبل متعصب هندوسي.
لقد أحست هذه القيادات الدينية بهامشيتها مع بقاء الهند موحدة، وجرتْ عوامَ المسلمين لمغامرة كبرى، وذهب الملايين ضحية لهذا الانقسام وهم ينتقلون من قارة إلى أخرى، وعبر الحروب الدينية.
يعبر المفكر الجزائري الإسلامي مالك بن نبي عن هذه الكارثة بالقول: “إنّ باكستان في حقيقة الأشياء، لم تكن إلا الوسيلة التي أعدتها السياسة المعادية للإسلام التي تمتاز، بها بصورة تقليدية، أوساطُ المحافظين الانجليز، أعدتها من أجل إحداث الانشقاقات المناسبة في جبهةِ كفاحِ الشعوب ضد الاضطهاد الاستعماري”.
ويضيفُ بلغةٍ قاسية: “إنه مكر يبلغ ذروته، إذ استطاعت انجلترا بهذه الطريقة أن تترك الهندَ في حالةِ تمزقٍ نهائي، إذ لا يفرق بين المسلمين والهندوس حدود جغرافية لا تستطيع انجلترا تلفيقها مهما كانت براعتها في التلفيق، ولكن يفرق بينهم حدود من الأحقاد ومن الدماء، ذهب ضحيتها الملايين من المسلمين والهندوس، كانوا ضحية المذبحة التي زجتهم فيها المخابرات الانجليزية في الوقت المناسب”.
في ذات الوقت التي تشكل وتورط المخابرات البريطانية أقساماً كبيرة من اليهود في الشرق العربي بدولة إسرائيل، ظهرتْ دولة باكستان بجناحين متباعدين هما دولة باكستان الشرقية ذات الأغلبية ودولة باكستان الغربية ذات الأقلية، لكن الأخيرة هي التي حكمت واستبدت وفرضتْ لغتَها القومية، بسبب القوى القبلية العسكرية الكبيرة فيها، فيما غدت باكستان الشرقية دولة فلاحين، فهيمن البدو الباكستانيون مرة أخرى على اخوتهم المسلمين الفلاحين الذين ثاروا للدفاع عن لغتهم القومية ومصالحهم المستقلة بعد ذلك وانفصلوا فظهرت جمهورية بنجلاديش.
تشكلت باكستان عموماً من كياناتٍ غيرِ منسجمةٍ وقوميات وقبائل متعددة، لا يجمعها التطور الديمقراطي الطويل المشترك، ولا حتى اللغة بل الوعي المذهبي الإسلامي النصوصي، وفي عمق هذه الحرفية كانت هناك الهيمنات العسكرية والسياسية القبلية والارستقراطية.

صحيفة اخبار الخليج
24 يوليو 2010

اقرأ المزيد

مانديلا

في الثامن عشر من هذا الشهر احتفلت البحرين اسوة بدول العالم باليوم الدولي لنلسون مانديلا وفي هذه الاحتفالية المجيدة التي اقرتها الامم المتحدة في هذا التاريخ من كل عام احتفاءً بهذا المناضل الذي استطاع ان يضع بصماته في تاريخ النضال الافريقي والعالمي وقف الشرفاء وشعوب العالم المضطهدة وقفة اجلال لتضحيات هذا الزعيم الوطني الكبير الذي قضى 27 عاماً في غياهب السجون في سبيل القضاء على النظام العنصري في جنوب افريقيا والتحرر من كافة اشكال القهر والتمييز وحرب الابادة التي كتب عنها مانديلا في رسالة هربت من زنزانته بحبس روبن «ان الفصل العنصري هو حكْم المدفع والجلاد».
في تلك الحقبة السوداء التي مارس فيها النظام العنصري الاضطهاد الوحشي في كل مجالات الحياة كانت المقاومة التي يتزعمها مانديلا الزعيم البارز في حزب المؤتمر الوطني الافريقي بجانب الكادحين والقوى الوطنية والتقدمية الاخرى على اشدها كانت التحالفات بين القوى الثورية بغض النظر عن معتقداتها الايديولوجية استراتيجية وطنية شعارها لا للتمييز العنصري نعم للتحرر الوطني والديمقراطية وحقوق الانسان، وكانت الحملات التضامنية العالمية التي يقودها وقتذاك المعسكر الاشتراكي وفي مقدمته الاتحاد السوفيتي وافريقيا المستقلة وحركة عدم الانحياز والطبقة العاملة والرأي العام التقدمي في العالم الرأسمالي محط تقدير كل الثوريين في جنوب افريقيا لان تحطيم ماكينة السياسة الفاشية القائمة على الفصل العنصري التي تلاقي الدعم والمساندة المالية والدبلوماسية والسياسية والعسكرية من قبل الدول الامبريالية الكبرى هو في مصلحة شعوب القارة الافريقية ومصلحة السلم العالمي.
حقيقة ان احتفال مكتب الامم المتحدة في البحرين بالتعاون مع وزارة الثقافة بهذه المناسبة اثلجت صدور البحرينيين الذين كانوا ولازالوا يرون في مانديلا المناضل الوطني الشجاع رمزاً وطنياً ارتبط اسمه بالتحرر الوطني والديمقراطية والسلام.. رمزاً استطاع عبر الجبهة الديمقراطية الوطنية ان يضع حداً للسياسة العنصرية في بلاده من خلال الدور القيادي الذي لعبه في مواجهة الأوتوقراطية العنصرية التي حكمت جنوب افريقيا بالحديد والنار. باختصار لقد استطاع مانديلا ان يحقق لبلاده الكثير من الانجازات الوطنية والديمقراطية جميع معطياتها تصب في خدمة الشعب والوطن.
كم تمنينا ونحن نحتفل في البحرين بهذا المناضل المتفاني الذي يُعد في نظر الامم المتحدة وشعوب العالم التواقة للحرية مكافحاً حقيقياً لعب دوراً كبيراً في خدمة البشرية والقضايا الانسانية في ميادين حل النزاعات والعلاقات العرقية وتعزيز حقوق الانسان وحمايتها والمصالحة والمساواة بين الجنسين وحقوق الاطفال وسائر الفئات المستضعفة وتحسين احوال الفقراء والمجتمعات المختلفة النمو، ومناضلاً صلداً في الكفاح من اجل الديمقراطية على الصعيد الدولي، وفي الترويج لثقافة السلام في شتى ارجاء العالم، وفي اقامة جنوب افريقيا ديمقراطية دون تمييز عنصري او جنسي ان تحتفل البحرين بالمناضل الوطني الموسيقار مجيد مرهون «مانديلا البحرين» الذي فارق الحياة في فبراير من هذا العام، بعد صراع طويل مع المرض.
مجيد مرهون الذي قضى 22 عاماً في السجن كان نموذجاً وطنياً مشرفاً في نضاله الفكري والسياسي من اجل التحرر الوطني والحرية والاستقلال الوطني ابان الاستعمار، وكان في مقدمة المناضلين في سبيل الارتقاء بهذا الوطن في ظل الديمقراطية وحقوق الانسان والتقدم الاجتماعي.
واما على مستوى الموسيقى فالكل يعلم ان مجيد له ابداعات موسيقية ترك لنا ارثاً كبيراً من المؤلفات الموسيقية التي عزفت وباسم البحرين ألحانها الانسانية في ارقى صالات الموسيقى في دول العالم.. متى تحتفل البحرين بهذا المناضل الموسيقار وغيره الرموز الوطنية؟ هذا ما نتطلع اليه.
 
صحيفة الايام
24 يوليو 2010

اقرأ المزيد

هل تصح المفاضلة بين اللغات.. فنقول إن هذه اللغة أجمل من تلك؟

هذا سؤال يجب أن نوجهه للموهوبين في اللغات، الذين بوسعهم التحدث والقراءة بأكثر من لغة، وعلماء اللغات يمكن أن يسعفوا في تحديد أيها أكثر ثراءً وغنى بالتعبيرات، وأيها يبدو جرسها، عند التحدث بها، أكثر جمالاً.
كارل ماركس كان يقول إن دلالة تمكن أي إنسان من لغة أجنبية هو تمكنه من التفكير بها مباشرة، وطالما ظلّ المرء يفكر بلغته الأم ثم يترجم هذا التفكير إلى اللغة الأخرى فهذا يعني أنه لم يتمكن منها بعد.
لا أذكر من القائل ان على الإنسان أن يتقن لغة أجنبية واحدة، على الأقل، إلى جانب لغته الأم، لأن ذلك يثري بصيرته، ويمنحه فرصة للمقارنة بين نسقين من التفكير تمليه كل لغة.
الأديب الألماني الشهير غوته كان يشكو من أنه كُتب عليه أن يتعامل مع أسوأ لغة في العالم: الألمانية.
لكن أديباً مرموقاً ومولعاً باللغات مثل الأرجنتيني خورخي بورخيس يرى أن الألمانية لغة جميلة جداً، وأن الأدب الذي أنتجته أكثر جمالاً.
الكتّاب الكبار يواجهون هذه المشكلة مع اللغة التي يكتبون بها، لان إبداعهم يكمن في تطويع هذه اللغة واكتشاف ما تنطوي عليه من دُرر.
المدهش أن بورخيس اكتشف الشاعر الأمريكي الشهير والت وايتمان من خلال ترجمة ألمانية، وهذه الترجمة لديوان «أوراق العشب» حملت بورخيس على الاعتقاد بأن وايتمان ليس شاعراً كبيراً فقط، وإنما هو الشاعر الأوحد الذي يكاد شعره يختزل المسيرة الشعرية السابقة له.
وعلى خلاف الانطباع السائد عن عذوبة اللغة الفرنسية، فإن بورخيس يرى أنها تبدو له قبيحة إلى حد ما، لكن أدبها جميل رغم الولع بالمدارس والحركات الفكرية والفلسفية.
الأشياء عندما تقال بالفرنسية، يقول بورخيس، تبدو مبتذلة، الاسبانية أفضل منها على الرغم من أن كلماتها أطول وأثقل، وهو يقول ذلك من موقع كونه كاتباً أرجنتينياً عليه أن يتعامل مع الاسبانية التي يقول إنه يعي نقائصها.
إضافة إلى الاسبانية كان بورخيس يكتب بالانجليزية والفرنسية، وهو كتب «سوناتات» بهاتين اللغتين، لكنه يقر بأنه كتب بالفرنسية كما يكتب بها الأجانب، وقرأ بالايطالية «الكوميديا الإلهية» لدانتي في أكثر من اثنتي عشرة طبعة مختلفة، رغم أنه لا يستطيع التحدث بالايطالية أو متابعة فيلم ناطق بها.
تظل اللغة الأم عند كل مبدع مصيره الذي لا مفر منه، هذا ما شعر به بورخيس تجاه الاسبانية.
 
صحيفة الايام
24 يوليو 2010

اقرأ المزيد

فضل الله.. هل يُرد الاعتبار إليه؟ (3-3)

في ضوء ما عرفناه في اليومين الماضيين من خصال ومناقب تميزت بها شخصية المرجع الديني العربي الراحل السيد محمد حسين فضل الله، وفي ضوء ما تبوأ من مكانة واحترام وتقدير لدى اوساط اسلامية وعالمية خارج طائفته، وفي المقابل في ضوء ما واجهه من عنت وهجوم وتشويه لآرائه ومواقفه في اوساط مرجعية ونخبوية وعوام داخل طائفته، فإن السؤال الجدير طرحه هنا: هل نشهد اليوم الذي تجرى فيه اعادة الاعتبار لهذه الشخصية الدينية الفذة ولو بعد مماته ويجرى كذلك رد الاعتبار لاعماله الفقهية والفكرية؟
في الواقع وكما اسلفنا القول إنه من الصعوبة بمكان وبجرة قلم واحدة ان تتغير آراء ومواقف خصوم فضل الله بزاوية 180 درجة بين عشية وضحاها ازاء آرائه ومواقفه وفتاواه، سواء المحقة منها التي اثبتت الايام والممارسة صحتها ام حتى التي حملت بالتشويه اكثر مما تحتمل، فالمسألة بحاجة الى وقت حتى تنضج الظروف الموضوعية والذاتية التي تسمح بمراجعة موضوعية شاملة متكاملة لأفكار وآراء “السيد” وفتاواه وبخاصة في ظل الوضع الحالي المعقد الذي يمر به الشيعة وعلى الاخص العرب منهم في كل الاقطار التي ينتمون اليها وكذلك بالنظر ايضا إلى التأثير الكبير الذي تمارسه الآلة الاعلامية الايرانية الجبارة على افئدة وعقول قطاعات واسعة من عوام الشيعة ونخبها السياسية والدينية.
لكن في تقديرنا ان رد الاعتبار للفقيد الراحل ولافكاره النيرة التي ينبغي الاستفادة منها على اوسع نطاق في صفوف طائفته بعدما ظلت محاصرة ومعزولة ومهمشة من قبل الاوصياء على عقول الناس لا يمكن ان يتحقق ما لم يضطلع انصاره ومريدوه ومحبوه بهذه المهمة – الرسالة الجليلة وما لم ينحوا جانبا عنهم نزعة ايثار الصمت والمهانة تجاه من اساءوا الى الراحل ايما اساءة، وما لم يهموا بجمع اعماله ونشر افكاره وتبسيطها على اوسع نطاق، وبقدر ما يحققون في رحلة الالف ميل الرسالة الملقاة على عاتقهم بعد رحيل “السيد” بقدر ما يقربون اليوم الذي تتم فيه اعادة الاعتبار اليه ولو بأدنى حد معقول لتبيان ما له وما عليه بموضوعية منصفة ولا شك في أن كفة ميزان ايجابياته وادواره الفكرية والفقهية الثمينة المهمة هي الارجح.
والحال ان الذين يجدون انفسهم أنهم الملقى على عاتقهم هذه المهمة من مشايخ ومراجع ومثقفين لن يستطيعوا تحقيقها ما لم يسيروا على نهج فضل الله فكرا وممارسة ولعل من المفيد هنا ان نعيد الى الاذهان ثلاث خصال تتميز بها شخصيته الى جانب الخصال الاخرى المعروفة عنها:
الأولى: تبحره الذي لا يكل في بحور المعرفة بشتى انواعها وحقولها، وقد عرف عنه أنه قارئ نهم. واتذكر انه في احد الحوارات التلفزيونية استنتجت من حديثه عبر برنامجه اليومي أنه لا ينام سوى اربع ساعات فقط يوميا، وانه دقيق للغاية في ضبط برنامجه وعدم اهدار وقته وهذه من خاصية كبار المفكرين.
الثانية: ميله الى الزهد في الحياة ومحبته العظيمة للفقراء والمحرومين والمساكين وتبنيه بكل صدق قضاياهم، وهذا سر ما حققه من نجاح كبير في العمل المؤسسي الخيري الذي ارتبط باسمه وتميز بالشفافية والتحصن ضد آفة الفساد الى اكبر حد ممكن مما اكسبه شعبية واسعة في اوساط شرائح كبيرة من بسطاء الناس.
الثالثة: تمتع شخصيته بحد ادنى معقول من العقلانية، ومحاربة الجهل والخرافة المرتبطين بالدين والتقاليد، وهنا يمكن فهم محاربته التقاليد والبدع التي لصقت بعاشوراء ومنها التطبير، وكذلك تبنيه أفضل طريقة علمية تتوافق وصحيح الشريعة لتحديد هلالي رمضان وشوال وسائر الشهور العربية.
وبالتالي فما لم يقيض لأحد من السائرين على نهجه او المتخذين منه قدوة إلهامية الذين يعدون انفسهم امتدادا لمرجعيته ان يجسدوا في حياتهم الخاصة والعامة تلك الصفات الثلاث في شخصيته المتقدم ذكرها او على الاقل تحقيق اكبر قدر ممكن منها فلن يستطيعوا الايفاء بالرسالة الملقاة على عاتقهم بالسير على دربه روحا وعملا والاسهام في تهيئة الارضية والاجواء لرد الاعتبار اليه ولأعماله الفقهية والفكرية المغيبة او المشوهة في خطابات الآخرين.
وعلى سبيل المثال – لا الحصر – فلما كان هلال شهري رمضان وشوال من المسائل التي تقسم الأمة بعدم الاجماع على الرؤية بل تقسم العائلة الواحدة فلعل تصدي مريديه وانصاره ومؤيديه للدفاع بكل صلابة وجرأة عن رؤيته الفقهية المستنيرة والصائبة في اعتماد الطريقة الفلكية والعمل على توعية الناس بها وحشد اكبر عدد منهم خلفها هي من ابسط معالم الوفاء لأفكار مدرسته الخلاقة وابقائها حية على الدوام وتجديد ما هو بحاجة الى تجديد منها لتواكب العصر.
ومن اسف فإن العرب على اختلاف تياراتهم السياسية – وكما برهنت تجاربهم التاريخية – لا يتنبهون او يستيقظون الى ما ارتكبوه من اخطاء وظلم بحق رموزهم النيرة والكبيرة في اي مجال من المجالات السياسية والثقافية او الدينية الا بعد رحيل هذه الرموز.. هذا اذا افاقوا من سكرة اخطائهم وحاولوا الاستفادة مما خلفته تلك الرموز من ارث سياسي او ثقافي او ديني او فني!

صحيفة اخبار الخليج
23 يوليو 2010

اقرأ المزيد

العقوبات والتحولات في إيران (3-3)

تلوحُ الضربة العسكرية الأمريكية لإيران في ثنايا الاستعدادات السياسية الجارية التكتيكية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، فهنا ليست العقوبات هي التي في مقدمة مسرح الصراع، بل تمزيق كل عرى النظام العسكري الإيراني بحلفائه الواضحين المعلنين وبحلفائه المتوارين والذين يشتغلون بهمة من أجله كذلك.
وتتوجه سياسة أمريكا بهذا الشأن إلى السطوح الخارجية لتضاريس السياسة في المنطقة، كربط الحلفاء باستراتيجية دفاع عسكرية قوية، والمشاركة في نظام العقوبات، بل الحصار البحري كذلك.
أما الحليف الإسرائيلي المرتبط بشكل أعمق بهذه الاستراتيجية فهو يدخلُ كشريكٍ مباشر في أيِ عملية هجومية نظراً لهذا الترابط الذي هو إحدى مشكلات المنطقة الكبرى.
أشار وزير الدفاع الأمريكي:
(إلى أنه يعلم بأن مظلة الأمن بدأت تُقام أو تُشيد بالنسبة إلى دول الخليج العربي بسبب ردة فعل الاهتمام والتطور السريع لبرنامج إيران النووي).
ويضيف: (ونحن قد طورنا العلاقات الأمنية مع معظم دول الخليج العربي الآن ولعدةِ سنين، كالدفاع الصاروخي والجوي والاستطلاع البحري رغم شكوك السعودية حول الحصار وتأثيره على نظام طهران).
إذًا إن الخيار العسكري موجود كحل أخير ومرتب له، وكذلك تجرى عمليات تغيير على تلك السطوح من القشرة السياسية، أهمها عملية الانسحاب من العراق، وتغيير سوريا باتجاه الانفكاك عن التحالف مع إيران، وحل القضية الفلسطينية بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي لا ترى النور أبداً، وقيام العديد من الأنظمة في المنطقة بتحسين صورها السياسية الشمولية وإعطاء الجمهور بعض مستويات المعيشة المفقودة في بلدان يسيل فيها النفط.
لكن العقدة السياسية الإيرانية لا تحل كذلك بمثل هذه الأعمال العسكرية والسياسية المختلفة، فهي عقدة خطيرة كبرى خارج السيطرة، ولها قدراتها الداخلية العسكرية الكبيرة وجمهورها المؤيد في بعض دول المنطقة.
الأخطاء الأمريكية السياسية السابقة تجاه إيران تبرز الآن بقوة هائلة، ولم تزل متصلبة حتى في مرونتها الأخيرة، فيجب أن نعي بأن النظام الديني – العسكري الشمولي هو من نتاج السياسة الأمريكية على مدى أكثر من نصف قرن، لكن السياسيين الأمريكيين الحاليين لا يريدون الاعتراف بهذه الأخطاء وإصلاحها.
كان ثمة إمكانية كبيرة لذلك تم اختطافها بسياسة العقوبات، وغلب عنصر الكبرياء المتحدي على العقلانية السياسية، مثل تحسين العلاقات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والاعتراف بالأخطاء السابقة والاعتذار عنها، والكف عن التدخل في الشؤون الإيرانية، وإقامة صلات وحوارات سياسية غير مباشرة ومباشرة بعد تلك الخطوات السابقة.
إن امتلاك السلاح النووي لأي دولة يعني عدم قدرتها على المضي بسياسة الحروب.
في حين أن العكس صحيح، فيغدو الوضع الراهن أخطر وأحفل بالكوارث من امتلاك السلاح النووي، الذي هو موجود لدى دول عديدة في المنطقة كالهند والصين وروسيا وإسرائيل وباكستان وكوريا الشمالية.
إن عملية الثأر الأمريكية من إيران والخصومة – العقدة التاريخية منها، والتحديات الحادة التي تقذفها السياسية الإيرانية في وجه المخططات الغربية الوحيدة الجانب، هي كلها تصنع قصر نظر على عيون السياسة الأمريكية، وتوجهها للخصومة الشديدة فقط. وهو أمرٌ يؤدي إلى المزيد من المشكلات الاقتصادية والسياسية داخلها وفي الخارج. إنه من أكبر الأسباب في تفاقم الأزمة المالية العالمية، حيث تلتهم شركاتُ السلاح أغلب الموارد.
وحتى لو أننا افترضنا جدلا وقوع حرب مأساوية وكارثية بكل المقاييس، فلن يؤدي ذلك إلى هزيمة النظام الإيراني، وربما كان العكس هو الصحيح، وتتلقى السياسة الأمريكية هزائم مريرة وكوارث لا تتوقعها، وهو أمرٌ سوف يفاقم أوضاعها وتردي مكانتها.
وحتى الآن لا تمتلك السياسة الأمريكية مقاربة واضحة وبسيطة للعالم الإسلامي، فهو مغاير لكل من تعاملت معهم، ويتلخص في التعامل بقوة مع إسرائيل واحتلالها وغطرستها في المنطقة، وترك الشعوب تشكل طرق تطورها بنفسها، أما بغير ذلك فستجد نفسها في حالات استنزاف تاريخية عسكرية في أمكنة كثيرة تؤدي إلى سقوطها عالمياً كقوة أولى.

صحيفة اخبار الخليج 
23 يوليو 2010

اقرأ المزيد

فضل الله.. هل يُرد الاعتبار إليه؟ (2-3)

إذا ما استثنينا المرجع الديني العراقي الراحل الشهيد آية الله العظمى محمد باقر الصدر الذي حال المناخ الاستبدادي الذي شهده العراق منذ أواخر ستينيات القرن العشرين دون أن يأخذ دوره الكامل الديني والسياسي في البروز على الساحتين العربية والإسلامية فإن الفقيد الراحل السيد محمد حسين فضل الله يكاد يكون المرجع الديني الشيعي العربي الوحيد الذي حظي بمكانة واحترام كبيرين لدى لفيف واسع من مختلف الأوساط السياسية والدينية ليس داخل طائفته فحسب بل لدى طوائف وديانات مختلفة في وطنه لبنان، وخارج وطنه بغض النظر عن توافقهم أو اختلافهم معه في جملة من المواقف والقضايا سواء على الصعيد الفقهي الديني أم على الصعيد السياسي. ولعل هذه الخاصية التي تفرد بها الراحل، ونعني بها التقدير والمكانة اللتين حظي بهما خارج طائفته، قلما توافرت في جل من رحلوا من نظرائه المراجع الشيعة سواء العرب منهم أم غير العرب منذ ثورة 1979 الإيرانية. صحيح ان ثمة شعبية وتقديرا يلمسهما المرء بهذا القدر أو ذاك داخل طوائفهم، لكن غالبا ما ينحصرا في النطاق الطائفي الضيق.
بهذا المعنى فلئن يحق لأي قومية أو ديانة أو طائفة أن تفتخر برمز كبير من رموزها في أي مجال من المجالات السياسية أو الدينية أو العلمية أو الثقافية أو الاجتماعية فإن دلالات هذا الافتخار لا تكتسب معناها الإنساني الكبير إلا بمقدار ما لعبه الرمز من انفتاح على الآخر وتخطي شرنقته القومية أو الدينية أو المذهبية وهذا ما كان يميز شخصية المرجع الراحل فضل الله والمشهود له بأنه كان شخصية وحدوية إسلامية وكان منفتحا على الآخر فقهيا ودينيا وسياسيا على اختلاف الانتماءات والمشارب السياسية والفكرية.
وكان فضل الله معروفا بتساميه فوق صغائر الأمور والضغائن والأحقاد، كما كان حذرا جدا من جره أو استدراجه إلى المهاترات أو الصدامات العنيفة مع منتقديه ومهاجميه سواء لمواقفه وآرائه الفقهية أم لمواقفه وآرائه الفكرية والسياسية، ولطالما رد باقتضاب لبق على تلك الانتقادات الهادفة إلى استدراجه إلى المسائل الخلافية الصدامية أو الصراعات الحادة، لكن مع تمسكه بآرائه ومواقفه المقتنع بها لا يفت في عضده استمرار الحملة العنيفة الظالمة بحقه مهما يكن تماديها وقسوتها.
ليس معنى ذلك أن آراء ومواقف وفتاوى فضل الله كانت دائما صائبة أو على حق، سواء بالمقاييس الدينية الشيعية أم بالمقاييس الدينية السنية، فيمكن الاختلاف معه فيها لكن شريطة ألا يصل ذلك إلى حد تكفيره والتشكيك في مرجعيته العليا أو مصادرة حقه في الاجتهاد وحرية الرأي والتفكير، ولئن صح ذلك على الصعيد الديني فمن باب أولى أن يختلف معه الكثير من العلمانيين في جملة من المواقف والآراء على الصعيد السياسي والحياتي وأن يختلف هو الآخر معهم في كثرة من الأفكار والآراء العلمانية، لكن وبكل المقاييس يمكننا القول إنه – كمرجع ديني – يعد رجل حوار وانفتاح بامتياز على الآخر لا يجنح إلى مصادرة حق الآخر في الرأي أو يضيق صدره به أو يلجأ إلى تكفيره أو تفسيقه مسوغا لافساد رأيه.
ومن اللافت تاريخيا أن قوى الإسلام السياسي الشيعي البحرينية الموالية للمرجعية الإيرانية الرسمية لم تستطع في أحداث التسعينيات سوى الاستعانة بفتاوى فضل الله الموثقة لتجويز التحالف مع اليسار شرعا لأنها تعرف مقدما صعوبة استحصال مثل هذا التجويز من المراجع الإيرانية. لكن للأسف دونما أن ترى فيه – فيما عدا هذه النقطة – مرجعا كبيرا جديرا بالتقليد أو المرجعية العليا يضاهي على الأقل مرجعية مرشدي الثورة الإيرانية الراحل والحالي اللذين تملأ صورهما معظم مآتم وحسينيات البلاد، هذا رغم تفوقه عليهما في سعة الأفق والفكر الديني والسياسي.
لقد كان المرجع الديني فضل الله شخصية دينية وسياسية كبيرة حظيت بشعبية في أوساط طائفته وباحترام وتقدير خارج طائفته لدى أوساط إسلامية وعربية وغربية، وهذا ما تجلى بوضوح ليس في جنازته الجماهيرية التي سار وراءها عشرات الألوف اللبنانيين فحسب بل في الشهادات والمراثي التي قيلت في حقه بعيد رحيله من قبل لفيف واسع متنوع المشارب من قيادات الدول والقوى والرموز والشخصيات العربية والإسلامية والدولية.
كما كان فضل الله معروفا بموقفه المبدئي الذي لا يعرف الهوادة أو الكلل في الحرب على إسرائيل والصهيونية وحليفتهما الكبرى الولايات المتحدة، وتأييده ونصرته الدائمة للقضية الفلسطينية وللمقاومة ضد الاحتلال في لبنان وفي فلسطين ومعاداة الاحتلال الأمريكي للعراق، وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفع الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من الدول الغربية إلى وضعه على قائمة الإرهابيين، وهنا أيضا يمكن فهم الضجة التي أثارتها كل من واشنطن ولندن إزاء كل من المحررة الكبيرة في شبكة “سي.إن.إن” الأمريكية أوكتافيا نصر والسفيرة البريطانية في لبنان فرانسيس جاي وذلك لتعبير الأولى عن احترامها الكبير للمرجع الفقيد الراحل على موقع “تويتر” حيث تم فصلها من الشبكة بتحريض من جهات وعناصر صهيونية في الولايات المتحدة. أما الثانية، فرانسيس جاي، فلأنها وصفت الراحل فضل الله بأنه رجل دمث الخلق وان رحيله أحزنها وان العالم “بحاجة إلى مزيد من الرجال من أمثاله الذين يريدون التواصل بين الديانات” وأجبرت السفيرة على حذف هذه الرسالة من مدونتها على موقع الخارجية البريطانية والاعتذار عنها تحت ضغوط إسرائيلية وصهيونية أيضا.
وبطبيعة الحال ما كان فضل الله ليحظى بتقريظ تينك الشخصيتين النسائيتين الأمريكية والبريطانية رغم عدائه الشديد لسياسات بلاديهما لولا أنه – كما ذكرنا – رجل حوار من الطراز الأول جدير بالاحترام من قبل كل من عرفه أو عرف أفكاره عن قرب، أيا تكن انتماءاته القومية أو الدينية أو المذهبية وأيا تكن مشاربه الفكرية والأيديولوجية.
وغدا نكمل.
 
صحيفة اخبار الخليج
22 يوليو 2010

اقرأ المزيد

العقوبات والتحولات في إيران (3-3)

تلوحُ الضربة العسكرية الأمريكية لإيران في ثنايا الاستعدادات السياسية الجارية التكتيكية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، فهنا ليست العقوبات هي التي في مقدمة مسرح الصراع، بل تمزيق كل عرى النظام العسكري الإيراني بحلفائه الواضحين المعلنين وبحلفائه المتوارين والذين يشتغلون بهمة من أجله كذلك.
وتتوجه سياسة أمريكا بهذا الشأن إلى السطوح الخارجية لتضاريس السياسة في المنطقة، كربط الحلفاء باستراتيجية دفاع عسكرية قوية، والمشاركة في نظام العقوبات، بل الحصار البحري كذلك.
أما الحليف الإسرائيلي المرتبط بشكل أعمق بهذه الاستراتيجية فهو يدخلُ كشريكٍ مباشر في أيِ عملية هجومية نظراً لهذا الترابط الذي هو إحدى مشكلات المنطقة الكبرى.
أشار وزير الدفاع الأمريكي:
(إلى أنه يعلم بأن مظلة الأمن بدأت تُقام أو تُشيد بالنسبة إلى دول الخليج العربي بسبب ردة فعل الاهتمام والتطور السريع لبرنامج إيران النووي).
ويضيف: (ونحن قد طورنا العلاقات الأمنية مع معظم دول الخليج العربي الآن ولعدةِ سنين، كالدفاع الصاروخي والجوي والاستطلاع البحري رغم شكوك السعودية حول الحصار وتأثيره على نظام طهران).
إذًا إن الخيار العسكري موجود كحل أخير ومرتب له، وكذلك تجرى عمليات تغيير على تلك السطوح من القشرة السياسية، أهمها عملية الانسحاب من العراق، وتغيير سوريا باتجاه الانفكاك عن التحالف مع إيران، وحل القضية الفلسطينية بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي لا ترى النور أبداً، وقيام العديد من الأنظمة في المنطقة بتحسين صورها السياسية الشمولية وإعطاء الجمهور بعض مستويات المعيشة المفقودة في بلدان يسيل فيها النفط.
لكن العقدة السياسية الإيرانية لا تحل كذلك بمثل هذه الأعمال العسكرية والسياسية المختلفة، فهي عقدة خطيرة كبرى خارج السيطرة، ولها قدراتها الداخلية العسكرية الكبيرة وجمهورها المؤيد في بعض دول المنطقة.
الأخطاء الأمريكية السياسية السابقة تجاه إيران تبرز الآن بقوة هائلة، ولم تزل متصلبة حتى في مرونتها الأخيرة، فيجب أن نعي بأن النظام الديني – العسكري الشمولي هو من نتاج السياسة الأمريكية على مدى أكثر من نصف قرن، لكن السياسيين الأمريكيين الحاليين لا يريدون الاعتراف بهذه الأخطاء وإصلاحها.
كان ثمة إمكانية كبيرة لذلك تم اختطافها بسياسة العقوبات، وغلب عنصر الكبرياء المتحدي على العقلانية السياسية، مثل تحسين العلاقات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والاعتراف بالأخطاء السابقة والاعتذار عنها، والكف عن التدخل في الشؤون الإيرانية، وإقامة صلات وحوارات سياسية غير مباشرة ومباشرة بعد تلك الخطوات السابقة.
إن امتلاك السلاح النووي لأي دولة يعني عدم قدرتها على المضي بسياسة الحروب.
في حين أن العكس صحيح، فيغدو الوضع الراهن أخطر وأحفل بالكوارث من امتلاك السلاح النووي، الذي هو موجود لدى دول عديدة في المنطقة كالهند والصين وروسيا وإسرائيل وباكستان وكوريا الشمالية.
إن عملية الثأر الأمريكية من إيران والخصومة – العقدة التاريخية منها، والتحديات الحادة التي تقذفها السياسية الإيرانية في وجه المخططات الغربية الوحيدة الجانب، هي كلها تصنع قصر نظر على عيون السياسة الأمريكية، وتوجهها للخصومة الشديدة فقط. وهو أمرٌ يؤدي إلى المزيد من المشكلات الاقتصادية والسياسية داخلها وفي الخارج. إنه من أكبر الأسباب في تفاقم الأزمة المالية العالمية، حيث تلتهم شركاتُ السلاح أغلب الموارد.
وحتى لو أننا افترضنا جدلا وقوع حرب مأساوية وكارثية بكل المقاييس، فلن يؤدي ذلك إلى هزيمة النظام الإيراني، وربما كان العكس هو الصحيح، وتتلقى السياسة الأمريكية هزائم مريرة وكوارث لا تتوقعها، وهو أمرٌ سوف يفاقم أوضاعها وتردي مكانتها.
وحتى الآن لا تمتلك السياسة الأمريكية مقاربة واضحة وبسيطة للعالم الإسلامي، فهو مغاير لكل من تعاملت معهم، ويتلخص في التعامل بقوة مع إسرائيل واحتلالها وغطرستها في المنطقة، وترك الشعوب تشكل طرق تطورها بنفسها، أما بغير ذلك فستجد نفسها في حالات استنزاف تاريخية عسكرية في أمكنة كثيرة تؤدي إلى سقوطها عالمياً كقوة أولى.

صحيفة اخبار الخليج
22 يوليو 2010

اقرأ المزيد

الوحدة الوطنية لماذا؟!

هناك حاجة ملحة، وحتى غير مسبوقة، للإعلاء من فكرة الوحدة الوطنية في الظرف الراهن الذي نعيشه. التأكيد على هذه الفكرة ليس ترفاً، ولا من باب القول المرسل الذي اعتدناه في العقود الماضية يوم كنا نؤكد في شعاراتنا على ما بات مؤكدا في وجدان الناس وأذهانهم حول هذه المسألة.
فالوحدة الوطنية لمجتمعنا في خطر جراء المساعي المحمومة التي تقف وراءها أكثر من جهة، لتفادي استحقاقات الإصلاح الكبرى، وتبدو أوجه الخطر على الوحدة الوطنية في المجتمع ماثلة بصورة خاصة في المقاربات السياسية التي ترمي لتصوير التناقض أو الصراع في المجتمع كما لو كان صراعا بين الطوائف والمذاهب، لا بين المصالح الاجتماعية والسياسية المختلفة، التي من شأنها أن توحد المواطن الشيعي البسيط مع أخيه السني البسيط في المطالب والطموحات.
وهو الأمر الذي عرفناه في الخمسينيات، أيام هيئة الاتحاد الوطني، وفي انتفاضة مارس المجيدة عام 1965، وفي النضالات العمالية والجماهيرية في السبعينات والثمانينات قبل أن تجتاحنا هذه الغلواء الطائفية التي أعادت فرز المجتمع على أسس واهية وهشة، خالقة الوهم لدى أفراد كل طائفة بأن الخطر الذي يتهددها آت من الطائفة الأخرى، مما يدفع الجميع إلى التخندق داخل شرنقة طائفته بدل الانصهار في البوتقة الوطنية الشاملة.
قلنا مرارا إن الرد على هذه الغلواء الطائفية يمر عبر بناء تحالف وطني واسع يتجاوز التصنيفات المذهبية والطائفية، وكنا نأمل لو أن قوى المعارضة تمكنت من بناء مثل هذا التحالف في الاستحقاق الانتخابي الراهن، بأن دخلت بقائمة واحدة تضم ممثليها من مختلف الجمعيات والشخصيات الوطنية ليكون هذا التحالف على مستوى البحرين كلها ويغطي مختلف المناطق، وهي دعوة لم تجد طريقها للنور للأسف.
وهو أمر لا ينتقص من فكرة الوحدة الوطنية في اتجاه تغليب المشتركات الوطنية والاجتماعية على أوجه التعارض، باعتبار ذلك الطريق المجرب في اتجاه العمل على حماية عملية الإصلاح، ويعزز مسار التحول باتجاه حياة ديمقراطية حقة قائمة على الفصل بين السلطات من خلال توسيع الصلاحيات التشريعية للمجلس المنتخب، وتأمين شروط المملكة الدستورية التي نص عليها ميثاق العمل الوطني، وهي مهام كبرى لن تنجز إذا ما استمر الدفع بالمجتمع نحو الاصطفافات المذهبية أو الطائفية التي ستعيدنا عقودا إلى الوراء وستصــرف الأنظـــار عن مهام التحول الديمقراطي الحقيقي الذي ناضل شعب البحرين وضحى في سبيله.
 
صحيفة الايام
22 يوليو 2010

اقرأ المزيد

فضل الله.. هل يُرد الاعتبار إليه؟ (1)

يشكل رحيل العلامة والمفكر الديني العربي اللبناني الكبير آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خسارة فادحة للساحتين السياسية والدينية سواء على المستويين اللبناني والعربي، أم على الصعيد الاسلامي بوجه عام وعلى المستوى الشيعي العربي بوجه خاص، ولربما احتاج الشيعة العرب إلى وقت طويل حتى يدركوا معنى وحجم غياب مرجع ديني عربي كبير عن ساحتهم السياسية والدينية معا لطالما أغمطوا حقه طوال حياته الفقهية والسياسية.
ففي ظل حالة البلبلة والضبابية الدينية – السياسية والفكرية التي تسود هذه الساحة وانقسامات قواها السياسية والدينية منذ الثورة الايرانية قبل 30 عاما ونيفا، من المشكوك فيه ان يستيقظ أو يفيق الوعي أو العقل الجمعي لنخب وقوى الاسلام السياسي الشيعي العربي فجأة ليدرك قيمة ومكانة فضل الله ويرد الاعتبار إليه وإلى ما خلفه من تركة فقهية وفكرية لا تقدر بثمن في عظمتها الاستثنائية كان يمكن استفادة الشيعة وساحة الاسلام السياسي الشيعي منها فقهيا وسياسيا أيما استفادة لولا حالة الضبابية والتشويش التي مازالت تتلبسهم ولاسيما في ظل التأثير والنفوذ الهائلين للنظام الايراني – فقهيا وسياسيا – في صفوف غالبية الشيعة العرب على المستويين النخبوي والجماهيري العام.
فطهران ومنذ انتصار ثورة 1979 دأبت بانتظام وعلى الدوام على الحيلولة دون ظهور مرجعية شيعية عربية كاريزمية عليا يلتف حولها الشيعة العرب وتنافس المرجعية السياسية والدينية الحاكمة في ايران، كما استفادت أيما استفادة من عدم استعادة الحوزة الدينية في مدينة النجف الاشرف العربية العراقية عافيتها لا في ظل النظام السابق ولا في ظل النظام الحالي المحمي بحراب المحتل الامريكي.
ومن ثم يمكن القول بكل اطمئنان ان طهران، أو حوزة قم المؤتمرة بامرتها، تقف بصورة مباشرة أو غير مباشرة حول جل البلبلة واللغط اللذين استمرا طويلا في أوساط الشيعة العرب حول مرجعية الفقيد الراحل فضل الله، وحول فتاواه، وحول مواقفه وآرائه السياسية والدينية أيضا.
وبقدر ما تثير الارتياح تلك الحفاوة الجماهيرية والنخبوية الدينية المنقطعة النظير بالفقيد الراحل على الساحة الشيعية التي بدت مفاجئة وغير متوقعة قياسا للحصار السياسي والفقهي المضروب على فضل الله والتشكيك في اهليته للمرجعية وحدة مراتب وصنوف الاساءة إليه بقدر ما يصعب اعتبارها – الحفاوة – مؤشرا على كسر الحصار المضروب عليه أو على الادق على تراثه الفقهي والفكري بعد رحيله الفاجع.
ويمكن القول إن قسما من الذين رثوه واحتفوا بسيرته الجهادية والفقهية كانوا تحت تأثير تأنيب الضمير لما مارسوه بحقه من عنت وايذاء تجاوز كل حدود النقد، ولطالما اشتهر العرب بهذه العادة الذميمة، أي النزوع العاطفي الجامح مع امواتهم ويتناسون ما ارتكبوه من اساءات بحقهم مراهنين على عطب الذاكرة الجماهيرية وهم يفعلون ذلك، ويستوي في ذلك مثقفو وكتاب الاسلام السياسي الشيعي مع بعض المراجع والمشايخ الدينيين الشيعة.
أما الجزء الآخر من المحتفين والراثين لفضل الله فهم ممن لا يجدون أي غضاضة أو تحرج في ممارسة الرياء الصريح بتدبيج المراثي خلف جنازة كل عالم دين حتى لو كان مثيرا للجدل كالفقيد الراحل فضل الله، ويدخل في عداد هؤلاء بالطبع المبعوثون الذين ارسلتهم طهران الرسمية لتعزية ذويه والسير في جنازته ببيروت وما صدر في طهران نفسها من تصريحات او بيانات رثائية لبعض رموزها أو جهاتها العليا الرسمية.
لكن تبقى الفئة الصادقة هي التي تمسكت بموقفها الثابت العدائي لفضل الله وهي التي التزمت الصمت وبضمنها عدد من الفضائيات الشيعية والمشايخ الذين رفضوا اقامة مجالس العزاء عليه في بعض البلدان العربية ومنها البحرين، ومن ثم نأت عن نفسها جميعا عن محفل الرثاء الريائي.
ولئن كانت ثمة مجموعة من العوامل الرئيسية المتداخلة هي التي كانت وراء تحامل ووغر صدر طهران على آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله وتأليب اتباعها من “المراجع” والمشايخ وكتاب الاسلام السياسي الشيعي عليه فانه يمكن القول إن ثلاثة تبرز بين تلك العوامل الرئيسية:
الأول: وقوفه العقلاني الوحدوي النزيه من إحدى مرويات الشيعة المشكوك في صحتها حول الادعاء بهجوم الخليفة عمر بن الخطاب على السيدة فاطمة الزهراء “ع” وتكسير اضلاعها والتسبب في اجهاضها رغم انه لم ينف الرواية ولم يؤكدها، الامر الذي استغلته طهران الرسمية وحوزتها في قم الذيلية لها واستخدام نفوذها على اوسع نطاق في صفوف الشيعة العرب ومراجعهم للتشكيك فيه وتفسيقه والطعن واتهامه بالتنكر لظلامية الزهراء “ع”، ولاسيما ان موقفا كهذا من شأنه ان يضيق الفجوة الدينية بين الشيعة واخوانهم السنة، وهذا ما لا تريده طهران لانه يهدد مصالحها وزعامتها السياسية والدينية للشيعة في العالم. الثاني: رفضه الانقياد للزعامة السياسية والفقهية لطهران وتمسكه بالنهج المستقل في مواقفه الدينية والسياسية، بما في ذلك على وجه الخصوص رفضه نظرية ولاية الفقيه على نحو ما يطبقه النظام الايراني لفرض سيطرته الاستبدادية دينيا وسياسيا ليس داخل ايران فحسب بل على عموم الساحة الشيعية في العالم ما امكن ذلك ديماغوجيا سبيلا.
الثالث: اعتماده الطريقة الفلكية لتحديد غرة رمضان وغرة شوال وهي طريقة علمية دقيقة صائبة بدت تثير ضيق صدور المراجع بها الذين يعتمدون على العين المجردة أو المسلحة ويبتغون استقطاب أكبر شرائح ممكنة من الشيعة خلفهم كمؤشر للدلالة على حجم شعبيتهم وحيث ان هذه الطريقة تتوافق في اغلب الاحيان مع اثبات رؤية هلال رمضان أو شوال لدى السنة.

صحيفة اخبار الخليج
21 يوليو 2010

اقرأ المزيد

العقوبات والتحولات في إيران (2)

إن إمكانية سقوط نظام اجتماعي بالعقوبات هي مسألةٌ خيالية، ولا يمكن أن تؤدي العقوبات إلا إلى مزيد من الضرائب والصعاب الاقتصادية على الجمهور الإيراني العادي، فيما الطبقة الحاكمة بجناحيها الكبيرين المتصارعين خارج هذه المعاناة.
فيما لا تؤدي مثل هذه الضغوط على الشعب العامل إلى أن يخرج مناهضا للنظام، فرأسمالية الدولة الشرقية الشمولية المُدعمة في إيران بنظام جماهيري ديني، ووجود قنوات عديدة للصراع السياسي، تؤدي إلى نتائج معاكسة وهي التفاف الجمهور أكثر حول النظام، بسبب تأجج المشاعر الوطنية والتصور بأن العقوبات هي محاولة لتكسير إرادة الأمة.
كما أن أكبر بلد يقود نظام العقوبات وهو الولايات المتحدة علاقاتها الاقتصادية ضئيلة مع إيران، فكيف يمكن أن ينجح مثل هذا النظام؟
وبسبب ذلك فعلى النظام الاقتصادي الأمريكي أن يدفع إلى الدول الأخرى أثمان مقاطعتها ويوفر لها البديل الاقتصادي للخسائر الهائلة التي تتعرض لها بسبب الدخول في نظام العقوبات، وهذا يؤدي إلى مشاكل اقتصادية لهذه الدول وخسائر تتحملها الشعوب.
نلاحظ ذلك في التحول في السياسة التركية من دعم الخيار النووي الإيراني إلى المشاركة في نظام العقوبات، فتحولت مشروعات ضخمة إيرانية مقدمة لتركيا إلى دول غيرها.
(وبسبب هذا حصل الحرس الإيراني من وزارة النفط الإيرانية عبر شركة (خاتم الأنبياء) الذراع الاقتصادي للحرس الثوري لتنفيذ مشاريع نفطية وغازية بـ10 مليارات دولار، لتأهيل أكبر مشروع يتعلق بمراحل التطوير الثلاث لحقل الغاز العملاق “فارس الجنوبي” في الخليج العربي، بدلا من الشركة التركية للاستثمارات النفطية التي اسُتبعدت من الصفقة).
وبطبيعة الحال هنا تتداخل مسائل الصراعات السياسية الإقليمية بين الدول الإسلامية للأسف مع الصراعات العالمية، ويحدث صراع بين الدورين الإيراني والتركي في المنطقة، ويخسر الجانبان.
والصين في حالة تردد كبيرة للانضمام إلى نظام العقوبات، فهي من أكبر الدول ذات العلاقات الاقتصادية القوية مع إيران: (وحتى عام 2003 استوردت الصين 13 في المائة من احتياجاتها النفطية من إيران، وفى العام الذي تلاه وقعت الصين عقدا مع إيران لتوريد الغاز بقيمة تتعدى 100 مليار دولار، وهو ما أطلق عليه “صفقة القرن”).
إن القيادة العسكرية الإيرانية تتحمل بشكل خاص مسئولية جر المنطقة لكارثة محققة بسبب هذا السلوك الشمولي، وتفردها يقود إلى مزيد من النفوذ الاقتصادي، والهيمنة السياسية، عبر هذا التحكم في الكثير من المؤسسات القديمة والجديدة ذات الطابع الاقتصادي التقني الخطير، مثل المشروعات النفطية العملاقة.
إن إيجاد التوتر السياسي بين إيران والعالم يصب في مصلحة الحرس الإيراني وهو يؤججه بسبب ذلك، فهي مؤسسات عسكرية دخلت الاقتصاد وخيراته الكبرى، وتريد أن تتشبث بها، وتوجد مبررات الصراعات والتوترات، ومن هنا تحيل العقوبات إلى هيمنة بوليسية كذلك على الشعب وتعسكرُ النظامَ بشكل متزايد.
هنا نتذكر كيفية تصعيد النظام العراقي السابق للأزمات وجعل الحرس الجمهوري يلعب الدورين العسكري والاقتصادي، عبر التحايل على نظام العقوبات، واستغلاله المزيد من المكاسب والنفوذ.
هيمنة العسكر المطلقة وتدهور حياة الجمهور وتمزيق البلدان ونشر الفوضى والخراب في بلدان المنطقة، هذه هي ثمارُ الاستكبار العسكري النخبوي.
أي أن نظام العقوبات ينقلب كذلك ضد مصلحة الشعب الإيراني، ويقوي ضده هذه المؤسسات القوية المتنفذة، مع عدم وجود معارضة شعبية واسعة مؤثرة في عملية التغيير، وليس فقط في الاحتجاج المفيد كذلك.
أي أن نظام العقوبات ينقل الوضع إلى حافة المواجهة، العسكرية الخطرة في الخليج، ويعرض شعوبه لأخطار فادحة إذا تحول إلى مواجهة عسكرية عبر هذه الاحتكاكات اليومية المستمرة بين القطاعات العسكرية المتداخلة، ولغات الشحن والصراع، وخاصة أنها تتم مع تحركات سياسية واسعة النطاق، وزيارات ولقاءات ومؤتمرات وإحتجاجات وتحولات في المواقف متداخلة مع جبهة المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية، الوجه الآخر لأزمة السلاح النووي الإيراني.
ليس ثمة بديل عن نظام العقوبات السلمي لكنه نظام غير مؤثر باتجاه إيجابي بل باتجاه سلبي خطر.
وعلينا أن نقرأ الوضع بدقة لا أن نتخيل ونحلم فقط.

صحيفة اخبار الخليج
21 يوليو 2010

اقرأ المزيد