المنشور

منع التجارة بالمبادئ وتدعيم التجارة الخاصة

يحاول المتاجرون بالمبادئ الإسلامية والماركسية والقومية والمسيحية واليهودية والليبرالية العربية أن يصلوا إلى الثروات الخاصة، ويدعموا جيوبهم.
فلماذا لا يختصرون الطرقَ ويؤسسون أحزاباً من أجل الرأسمالية؟
أهدافهم هي توسيع رأسمالهم والإكثار من النقود وجعل أسرهم تعيش في بحبوحة، وهي أهدافٌ لا يعارضهم فيها أحدٌ، ولكن لماذا يجري ذلك عبر المبادئ المُقدرة والأديان المحترمة، وهل في تطوير دخولهم عيب أو منقصة؟
الرأسماليات الغربية حددت ذلك وأوجدت تطوراً تاريخياً مشهوداً.
ولكن الرأسماليين الشرقيين يواصلون خداعنا والتظاهر بأنهم أصحاب مبادئ عظيمة، وقيم أخلاقية سامية، فيمتطون الأحزاب الدينية والعلمانية والأفكار القيمة للوصول إلى ذلك.
مَن يرد جمعَ المال والإثراء والارتفاع إلى مناصب الدول فلا عيب في ذلك، لكن من دون المتاجرة في الأفكار، ومن الضروري أن ينزعوا أقنعتهم هذه التي بُليت من الاستخدام ومن العَرق السياسي الكثيف الزائف، ومن الاعترافات والشهادات والخيانات ووضع الأرجل في كل الحاراتِ!
إن تكوين حزب رأسمالي ديمقراطي عَلماني هو الحل الذي يقوم بنقد الحكومات الرأسمالية المهيمنة على الثروات المباشرة وغير المباشرة، العينية والمجمدة، السائلة والمائلة، ويُطلق سراحَ الأموالِ العامةِ الهاربة إلى الجيوب، والذراري والغيوب، وقبل أن تنضح الزيوت والأقوات ونعود للتصحر ورعي الإبل وزرع الدخان.
سيقولون الحزب الرأسمالي الخاص خائف، وقليل التبصر، ومحدود الثقافة وكثير السيولة، وسريع العجلة، ويرفض أن يكون واجهة المعارضة، والتصدي للفساد، فدعوه وأسسوا حزبَ الرأسمالية الشجاعة.
لكن هل ستكونون أفضل من زعماء الأحزاب القومية والشيوعية والبعثية والدينية الذين أنهوا حياتهم بحب الثروة أو بالهروب إليها أو قُصمت أعناقهم وهم بين متعها؟ أو لم تطلهم يدُ العدالةِ بذهابهم للرفيق الأعلى؟ أو لعنتهم الجماهير بعد أنضبوا بيوتَ أموالِها والصناديق الوطنية الأمينة على عملاتها وسبائكها الذهبية؟
لن تكونوا أفضل من الرموز الكبار عبر العصور حيث أنهى تلامذتهم فصلَ الكفاحِ بفصلِ الجواري والفلل وتكوين الشركات الخاصة وهذه الأخيرة أفضل من المتع البذخية المهلكة لرأس المال.
لا تضحكوا علينا فلدينا كتبٌ ضخمةٌ من التجارات والادعاءات بالمبادئ، والأفضل تأسيس حزب موحد مناضل من أجل الرأسمالية الخاصة العاملة ضد الفساد ومن أجل الديمقراطية والعلمانية.
تأسيس حزب رأسمالي توحيدي يجمعُ كل هذه الأطياف الخائفة من الحقيقة، والمحبة للنقود، هو أفضل بكثيرٍ من تضييعِ السنوات الطويلة والعقود الكثيفة التي تنزلُ فوق رؤوس الناس جمراً وارتفاعَ أسعار وتلاعبَ وزاراتٍ بالمال العام، وضياعَ الأراضي وحقولَ النفط والغاز وتنامي عقول الفتيات المجنونات بالموضات والصبية المتاجرين بالمخدرات.
ثم بعد هذه السنوات تقولون كنا على خطأ، وهذه مجرد ايديولوجيات فاشلة مشبوهة، ونحن نقرّ الآنَ بالحقيقة وهي أن ليس ثمة أجمل من الدولارات.
اختصروا الطريقَ ولا تضيعوا أزمنةَ المسلمين الضائعة هي نفسها.
وفي النهاية كلكم رأسماليون باحثون بشوقٍ شديدٍ عن رأس المال، والحكومات بيدها رأس المال، وتضيعهُ، فاصنعوا حزباً يوزعُ رأسَ المال ولا يبددهُ ويكثرُ منه في مشروعات الإنتاج وفي دكاكين الحدادين وبيوت المقاولين ودور نشر المؤلفين، ويفجرُ الثروات لا الثورات، ويُطلقُ قوى العملِ في كل مكان، ويرفع دخولَ الجماهير فلا أحدَ يريدُ أن يكون عاملَ مصنع شقياً، فقيراً، حتى لو كان رئيس حزب عمالي والكلّ يريدُ الفرصَ والغنى والتطور، فإذا لم يستطعْ طور ثروتَهُ العملية والعقلية، وحولها إلى دخولٍ مرتفعة وفي هذا ثراء وطني.
ولهذا تنشأ أحزابُ المفلسين بعد أن يحلّ خرابُ المبادئ المُتاجر بها، وقد أضاعَ العاملُ المناضلُ رأسمالَه اليدوي أو العقلي، فلم يجدْ سوى الحيلة رأسمالاً يرتقُ بهِ شقوقَ ثوب النضال وحاجة العائلة المعدمة، أو تقوم الجماعة الرأسمالية الصغيرة المحاصرة بحيتان السوق الحكومي والسوق الخاص، بالتجارة بالدين علها تراكم من خلالهِ رأسمالاً مقدساً يرفعُ عنها عيون الحساد والرقابات المالية والسياسية والمصادرة الشعبية، ولكن ما ذنب الدين أن يُبتلى برساميل صغيرة تسولتْ وزحفتْ حتى مصتْ عروقَ البسطاء الأخيرة؟
سوف تمتلئُ يديكَ بالنقود حين تتركُ المتاجرةَ بالدين وبالماركسية وبالقومية، سوف تتفجرُ اختراعاتكَ وتتعمق رساميلكَ، وستكتشف مناجمَ هائلةً غابتْ عنك لأنك حجمت عقلك، وابتعدت عن ينابيع الثروة في المواد والمعادن والبحار لأنك حصرت عقلك في الورق واللغة والأفكار العائدة لقرون سابقة والتنقيب في جماجم ناضبة، وفي عمالة رثة خائبة تأخذ منك أكثر مما تعطيك وتشقيك أكثر مما تسعدك.
حولك الرمال والجبال والبحار العربية الهائلة غير المكتشفة وهي مليئةٌ بالثروات فلماذا تتاجرُ بمبادئ الناس وقيمهم؟
أسسْ شركات وبنوكاً وقمْ بغزوات ضاريات في حقولِ الفحم والحديد والفوسفات والزيوت واذهب للصحارى العربية الهائلة الحاوية للكنوز، لم يظهرْ الغربُ الثري من الورق والخطب، بل من المواد وشركات المغامرات والذهاب إلى أقصى الأرض وأنت جامد في مكانك تعيش على مناجم التراث.

صحيفة اخبار الخليج
30 يوليو 2010

اقرأ المزيد

انتبهوا في شهــر رمضان؟

كل عام وانتم بخير، بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك، الذي سيكون متزامنا مع بدء الحملات الانتخابية غير الرسمية، أعاده الله علينا وعليكم عاما بعد عاما، وتقبل الله صيامكم، فهو شهر خير وبركة، فلا تحولوه الى شهر نقمة.
شهر هو عند الله من أفضل الشهور، فلا تشعلوا في مجالسكم فتن الانتخابات، ولا تجعلوا السنتكم تلهج بذكر الزلات والنقمات.
كفوا عن التسقيط والتشهير، والتكفير، وإطلاق النعوت والاوصاف على الاخرين، فمن يختلف معكم لا تجعلوه زنديقا لا يدخل إلا جهنم، فأبوابها مؤصدة في هذا الشهر المعظم، ومفاتيحها ليست في خزائنكم.. وحراسها وخزانها ليسوا منكم.
لا أحد يعلم ما في ضمير الصامتين، ولا الناطقين، وجميع أعمال البشر بين القبول وردها، والإيمان ليس محصورا في أحد، فأي قائمة لا يمكن ان تحصر الايمان فيها، ولا الأخلاق ولا الفضائل، وإن كانت كذلك.. فالله وحده (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).
لا تجعلوا مجالس رمضان مكانا للتراشق والبهتان، وأن تكون وسيلة للوصول بغير حق الى كرسي البرلمان.
لا تظلموا الكفاءة.. بتحكيم الطائفية والنعرات.. صموا آذانكم عن كل من تسول له نفسه بالتدليس حتى في صغار الامور.
انتبهوا في رمضان.. وحكموا عقولكم، ولا تديروا للعواطف طرفا..
 
صحيفة الايام
30 يوليو 2010

اقرأ المزيد

ذاكرة المنامة في عيون عبدعلي

«الذكريات والوصايا» هو عنوان كتاب أصدره المنبر التقدمي مؤخراً، ويضم مقالات الراحل العزيز عبدعلي محمد أحمد، التي نشرت في أعداد نشرة «التقدمي» على مدار السنوات الماضية، وقد جرى تدشين الكتاب في حفل التأبين الذي أقامه «التقدمي» منذ يومين لفقيده المناضل، وأحد من رموزه الكبيرة التي ودعتنا مؤخراً.
يحتوي الكتاب على موضوعات متنوعة، تعكس اهتمامات الراحل الثقافية والسياسية وولعه بالتاريخ وبذاكرة المكان، وقد جرى تبويب الموضوعات في ستة فصول، تبعاً لمساحات التقارب بين الموضوعات، ويظل الاهتمام بالتاريخ، تاريخ البحرين بدرجة أساسية، هو الشاغل الأكبر للكاتب، بما في ذلك تاريخ الحركة الوطنية في البحرين، وبشكل خاص تاريخ جبهة التحرير الوطني البحرانية التي كان الرجل أحد كوادر صفوفها المتقدمة، هو الذي انضم إليها منذ مطالع الستينات ولما يزل في مطلع شبابه.
من أجمل فصول الكتاب تلك الصفحات التي تحدث فيها عبدعلي عن ذاكرة المنامة، وخاصة حي الحمّام الذي ولد وعاش فيه الشطر الأكبر من حياته، في كتابة حميمة، ورغم الإيجاز الشديد الذي تجنح إليه عبارة المؤلف، ألا أن الصفحة الواحدة مليئة بكم هائل من المعلومات، وهي ملاحظة نابهة توقف عندها الباحث في التراث عبدالله عمران صديق الراحل وجاره، الذي قدم عرضاً مصوراً عن المحطات الرئيسية في حياة صديقه.
في كتابه “سيرة مدينة” يصر عبدالرحمن منيف على أن المدن ليست هي المعالم، مهما بلغت البراعة في استعادة تفاصيلها وليست المياه والأرض والأشجار، وهذه كلها أو بعضها لاتزال قائمة أو يمكن تخيلها، فالمدن لا تقتصر على البشر، رغم أن هؤلاء هم الذين يعطونها القوام والنكهة.
«المدينة، أية مدينة، هي كل هذه الأشياء معاً وغيرها، وقد تداخلت وترابطت وتفاعلت بحيث أصبحت مختلفة عن العناصر التي كونتها مع استمرار صلتها بها واختلافها عنها”، هذا ما يخلص إليه عبدالرحمن منيف في إيجازه لفكرة أن المدينة هي الحياة بتعددها وتنوعها، فهي الأمكنة والبشر ورائحة المطر وهي التراب أيضاً، هي الزمن ذاته لكن في حالة حركة.
إلى شيء من هذا يوصلنا عبدعلي محمد أحمد في حديثه عن فريق الحمّام، وانطلاقاً منه عن المنامة وهو يتتبع إرهاصات التحول والحداثة والتجديد في العاصمة التي كانت بوابة البحرين إلى العالم، وهو يتقصى ذاكرة المكان مُحدثاً إيانا عن أماكن ومواقع زالت، ولم يعد لها من أثر، وان خلفت وراءها أسماءها.
وفي مزاوجة ذكية بين السياسي والثقافي يرصد عبدعلي محمد الكثير من الوقائع والأحداث التي عرفتها المنامة والبحرين كلها، تساعده في ذلك عدته الثقافية، هو القارئ النهم، الذي لم يحصر مطالعاته في حيز ضيق، وإنما انفتح على كل مجالات المعرفة المختلفة، لذلك فان ذاكرة النضال الوطني تطل بقوة من صفحات ذكرياته عن المكان، وهو هنا يستذكر الوقائع التاريخية والنضالات الوطنية وأسماء الشهداء في النضال من أجل الحرية.
في كلمات موجزات يطوف بنا عبدعلي محمد احمد في كتابه الصغير حجماً، الكبير والغني محتوى، في محطات متنوعة بما عرف عنه من بساطة لا تخفي الكامن خلفها من عمق.
 
صحيفة الايام
29 يوليو 2010

اقرأ المزيد

تقرير التنمية.. النجاح ومواقع الخلل!

جميل أن يكون لدينا هنا في البحرين متابعات دورية وأرقام واستعراض لجملة النجاحات أو الإخفاقات التي يمر بها وضعنا الاقتصادي بصورة عامة، والأجمل منه أن تكون تلك التقارير تحمل في ثناياها الطموح والأمل لغدأفضل، بما يدلل على جدية التوجهات الرسمية المعلنة للخروج تدريجيا من حالة الانكفاء على الذات واعتماد أكثر الوسائل نجاعة في معالجة أوضاعنا الاقتصادية نحو تحقيق قفزات اقتصادية منتظرة. ذلك ما يمكن للمرء والمتابع الجاد تحديدا قراءته في مضمون التقرير السنوي الأول الذي دشنه مجلس التنمية الاقتصادية مؤخرا تحت عنوان “ نحو مستقبل أفضل” وهو عنوان نعتقد أنه يبعث على التفاؤل بالنظر إلى ما تمر به دول المنطقة والعالم من انعكاسات سلبية بسبب حالة الاقتصاد العالمي والشكوك التي تحوم حول إمكانية الخروج منها سريعا.
لا أريد أن أتوقف كثيرا عند تلك الأرقام التي تتحدث عن مؤشرات، من بينها ما يرتبط بنمو إجمالي الناتج المحلي للمملكة بنسبة تفوق 70% خلال السنوات العشر الأخيرة، أو الحديث حول بوادر تعافي الاقتصاد الوطني منذ نهاية 2009، أو كبح معدلات التضخم عند حدود 2%، أو توقعات ارتفاع معدل النمو تدريجيا ليصل إلى 5,5% بحلول 2012، أو حتى ارتفاع الإنتاج الصناعي إلى نحو 80% خلال السنوات الخمس الأخيرة، فكلها أرقام ومؤشرات يجب أن يمتلك مجلس التنمية الاقتصادية القدرة على الدفاع عن صحتها، سواء ما تم منها بالفعل أو ما هو متوقع خلال الفترة الزمنية المتبقية من عمر الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية المستمرة حتى 2014، لكنني أعتقد أن التحدي الأبرز أمام تلك الإستراتيجية، ربما يكمن في حجم انعكاسات الاقتصاد العالمي السلبية على اقتصادنا الوطني، وكيفية الخروج منها، حين يصبح لا عزاء للقائمين على وضع تلك الإستراتيجية سوى إثبات ما لديهم من قدرات وإبداعات على الإتيان بمبادرات فاعلة تتخطى ما هو قائم حاليا، حيث إن حجم التحدي يحتاج إلى خطوات عملية تتعدى استقطاب 40 شركة عالمية للاستثمار في البحرين ، وإن كنا لا نقلل من تلك الجهود المخلصة بطبيعة الحال، حيث يستطيع اقتصادنا الوطني بدقة التخطيط والإصرار على النجاح أن يحتل موقعا تنافسيا مهما على مستوى المنطقة، فقط لو اهتدينا إلى ما نريد، وهناك بوادر جادة على هذا الطريق كما أعتقد لعل أهمها الاتجاه نحو تحسن نوعية مخرجات التعليم والانتباه لقضايا تتعلق بالإنتاجية وتوظيف العاطلين وتقييد نمو العمالة الأجنبية وزيادة الأجور، ويجب الاستفادة مما تم عرضه خلال التقرير من بعض الحقائق التي تؤشر على مواقع خلل هيكلي مزمن في بنية الاقتصاد الوطني، تمنينا لو أخبرنا التقرير بالتوجه نحوها للتغلب عليها أو تطويعها، وارى في هذا المجال انه لا يجب التسليم فقط بما تعرضه بعض بيوتات الخبرة العالمية من نصائح، معظمها ربما يكاد يكون جاهزا ، بحيث لا يمكن ضمان نجاعته في التعاطي بنجاح مع ما يعترض مسيرتنا الاقتصادية من مصاعب وصولا لتحقيق تلك الخطوات المأمولة للانطلاق بقوة، فبعض تلك النصائح تحوم حولها مآخذ عدة، فإعادة هيكلة بعض القطاعات على سبيل المثال لا يمكن مثلا أن تختزل في مجرد اللجوء لحلول الخصخصة، دون إجراء حسابات ذات طابع يستند للمصالح الوطنية بالدرجة الأولى.
وعلى الرغم مما استعرضه التقرير من تحديات تعترض طريق التنمية لدينا، ومن بينها التحديات الديموغرافية ومخرجات التعليم والتحديات المالية، وتحديات الدين العام للدولة، الذي توقف التقرير عند انخفاضه فقط مع نهاية العام 2008، دون أن يتحدث عن دوافع ارتفاعه ابتداءً من 2009! كما أن إرجاع تنامي العجز المالي غير النفطي إلى سبب واحد ووحيد وهو ارتفاع الإنفاق الحكومي الذي وصل بحسب التقرير إلى 29% ، وكذلك ضرورة إعادة رسم السياسة المالية والنقدية للدولة دون مجرد استحسان بقاء ذات التوجه القديم بالاحتكام لسياسة الارتباط بالدولار دون إجراء مراجعات جادة من قبل المصرف المركزي والقائمين على رسم السياسات النقدية لدينا.
وبقدر ما نغتبط لوجود تقارير تتحدث بشيء من الوضوح حول واقع اقتصادنا الوطني وتوجهاته المستقبلية، إلا أننا حتما سنظل متابعين وراصدين لجدية خطوات الإصلاح الاقتصادي، وإذا كان عرض التقارير والحقائق على درجة مهمة، فالأهم من كل ذلك هو ما سيتلو تلك التقارير من خطوات ومعالجات نأمل أن تأخذ مداها بجدية وإصرار لأننا ببساطة نعتقد أن أمام اقتصادنا فرصا للنجاح يجب أن لا تضيع.
 
صحيفة الايام
28 يوليو 2010

اقرأ المزيد

لـــولا الوعــي

يمكن للوعي في لحظة من لحظاته، بل إنه غالباً ما يتحول إلى مشكلة حقيقية، ويعوذ المرء بنفسه أن يمجد الجهل، ولكن الجهل يبدو في لحظة من لحظاته، بل إنه غالباً، ما يتحول إلى نعمة بالنسبة للغارقين فيه من القانعين بما هم عليه.
الإنسان الجاهل، أو الجاهل بالأمور إن أردنا تعبيراً أكثر تهذيباً، هو شخص قنوع راض دائماً عما حوله. إنه بالأحرى لا يشغل باله بالبحث أو التنقيب أو التساؤل أو التحري، فكل ما هو معطى بالنسبة له يعد حقاً غير قابل للجدل أو النقاش، أما الإنسان المصاب بلوثة الوعي فإنه إنسان حائر، قلق يطحنه التمزق بين وعيه وبين ما يراه أو يعيشه.
يمكن أن يكون عذاباً وجحيماً أرضياً، لأن الوعي بالأشياء يخلق حرقة، فهو مبني على رغبة تصد دائم في مواجهة واقع بائس مرفوض، وفي البحث عن الأفضل والأحسن والأجمل.
والإنسان الواعي ذو نظرة أبعد وأشمل تتخطى المعاش وتتطلع نحو أفق آخر، نظرة تفحص وتحلل وتقارن وتنقد وتقترح البديل، لكن الوعي منبوذ دائماً شأنه شأن كل القيم والقضايا الجميلة.
الواعون هم تركيبة خاصة من البشر، فيهم مساحة للحلم والشعر والاستشراف، وإلى هؤلاء يجب أن ينتسب المثقف المسلح بالعلم والمضيء بالمعرفة والمنخرط في الحياة على خلاف أشباه المثقفين والمدعين والباحثين عن أدوار وبطولات، وما أكثرهم لسوء الحظ.
وللواعين دائماً حاسة نقدية إزاء القضايا والظواهر. إنهم يمتلكون تلك المقدرة المدهشة في النفاذ إلى عمق الأشياء، إلى جوهرها، ولديهم الجرأة والشجاعة على الإمساك بالجمر ضريبة بحثهم عن الحق والحقيقة.
إنهم مسكونون بقلق المعرفة، ومكتوون بحرقة السؤال ومفتونون بالمستحيل، وهم إذ يلقون بأنفسهم في خضم المجهول، فذاك لأنهم لا يقيمون كبير وزن لما عليهم أن يتحملوه لقاء انسجامهم مع ذواتهم، لقاء انحيازهم لخياراتهم في مواجهة الزائف والهش والمبتذل والسوقي والتافه والسطحي، وكل ما يزيد الناس استلاباً على استلابهم واغتراباً عن فطرتهم.
لولا هؤلاء لما كان الوعي، لما كانت منعطفات الحياة الكبرى وتحولاتها، ولما كانت الأفكار الكبيرة والكتب الخالدة والروايات والمسرحيات العظيمة، لولا هم لما كان التاريخ من حيث هو بحث دائم عن الأفضل والأجمل وتوق دائم لحياة أكثر إشراقاً.
الوعي هو الجذوة، وليس من طبيعة الجذوة أن تنطفئ مهما كانت الرياح عاتية.
 
صحيفة الايام
28 يوليو 2010

اقرأ المزيد

تحدٍّ جديدٌ أمام الاقتصاد العالمي

اعتدنا أن نرى اليابان ريادية دائماً بمؤشراتها وسط البلدان المتقدمة. لكنها هذه المرة تتصدر هذه البلدان من حيث المؤشرات السلبية على المستويين الاقتصادي والسياسي.
تشير معطيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن حجم الدين الحكومي الياباني صار يشكل 205 % من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد. وتتصدر اليابان من حيث عدد السيارات التي يتم استدعاؤها بسبب مختلف أنواع الخلل المصنعي، حيث بلغت الملايين.
وقد ضربت اليابان رقماً قياسيا في عدد الحكومات ورؤساء الحكومات المتعاقبة.
ففي السنوات الأربع الأخيرة وصل عددها إلى خمس. ثلاث منها فقط تعاقبت خلال التسعة أشهر الأخيرة. النخبة السياسية اليابانية صارت تعاني من التخبط والارتباك.
منذ أيام أصبح واضحاً أن الحزب الديمقراطي الياباني الذي أطاح قبل أقل من عام بالحزب الليبرالي الديمقراطي الذي عشعش في الحكم مدة طويلة، عاد هو الآخر ليخسر انتخابات الغرفة البرلمانية العليا.
طبعاً لم يفقد الحزب وضعه كحزب حاكم بالتآلف مع الحزب الشعبي الجديد، لكنه لم يعد من السهل عليه أن يحكم بموجب سياسته الخاصة. رئيس الوزراء ناؤوتو كان قدم قبل أقل من شهرين اعتذاره أمام حزبه معلناً أن السبب الرئيسي وراء هزيمة الحزب كان اقتراحه حول زيادة الضرائب على المبيعات بنسبة 5 %. واعترف بأنه لم يوفق في شرح ضرورة الإقدام على هذا الإجراء غير الشعبي بشكل مقنع، ما أفقد حزبه ثقة الناخبين. الرئيس السابق يوكيو هاتاياما أيضاً لم يبرر الآمال التي عقدت عليه.
لم يكرس جهده من أجل إعداد الاستراتيجيات الاقتصادية، بل ركز على تحقيق وعوده الانتخابية، بما في ذلك الإقراض الميسر للزراعة وتملك المنازل. وبالنتيجة تم في العام 2010 إقرار الميزانية اليابانية التي ضرب فيها جانب المصروفات رقماً قياسياً، حيث زادت على 1 ترليون دولار. زد على ذلك أن ضعف هذا المبلغ سيغطى عن طريق سندات الدولة، وهذا رقم قياسي هو الآخر. ولم يستطع هاتاياما تحقيق وعد انتخابي آخر بنقل القاعدة العسكرية الأميركية من جزيرة أكيناوا.
باعتباره وزيراً سابقاً للمالية ركز ناؤوتو كان على اختصاصه. لقد صرح أن اليابان تقع على حافة الانهيار المالي بسبب الدين الكبير الحجم وسياسة الميزانية المحكوم عليها بالفشل؛ لكونها قائمة على الاقتراض. وضع رئيس الوزراء الجديد أمام الحكومة مهمة مزدوجة – حفز النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه إعادة التعافي إلى الميزانية. لكن ما الذي يمكن أن تفعله الحكومة من أجل حفز الاقتصاد إذا كانت موارد الميزانية قد استنفدت؟! ويسعى كان إلى تنشيط سياسة مصرف اليابان الإقراضية. وهو يرغب أيضاً في إعادة النظر في السياسة الضريبية، مقترحاً زيادة الضرائب على المبيعات إلى الضعف.
الآن أصبحنا نعرف كيف ارتد هذا الاقتراح على حزبه. أما كيف سيعود ذلك على الاقتصاد المشرف على حافة الإفلاس؟ يقول الخبراء إن زيادة هذه الضريبة لا تحفز الطلب الاستهلاكي، بل بالعكس، تخنقه. ومن ثم ستبدأ معدلات نمو الانتعاش الاقتصادي بالاعتلال. بينما كان هذا العام قد اعتبر بالنسبة لليابان واعداً تماماً. فحسب معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في الفصل الأول، والذي بلغ 1.2 % مقارنة بمثيله في العام الماضي و4.9 % بالحساب السنوي، تكون اليابان قد سبقت كلاً من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. أما الآن فالوضع يتغير نحو الأسوأ، فقبل قليل أعاد صندوق النقد الدولي النظر في توقعاته لنمو الاقتصاد الياباني بالاتجاه السلبي.
من حسن حظ السياسيين اليابانيين أن مواطنيهم يتحلون بالصبر الجميل تجاههم. إن أكثر من 90 % من السندات التي أصدرتها الدولة موجودة في حوزة المواطنين وصناديق الاستثمار الوطنية اليابانية. وربما لهذا الوضع بالذات يعود سبب تراخي الحكومة اليابانية في سياساتها المالية في عقود السنوات الأخيرة، كلما احتاجت الميزانية إلى الأموال اقترضت من السكان ومن رجال الأعمال. ويحدث هذا بسعر فائدة متدن للغاية. فالفائدة على سندات الحكومة اليابانية بالكاد تزيد على 1 %. ولا يمكن أن تصادف مثل هذا لا في اليونان ولا حتى في ألمانيا. لذلك فقد كان يصعب تصور أزمة مديونية شبيهة باليونانية في اليابان. لكن دَيناً بحجم كل ما ينتجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يعني سوى أن كامل الاقتصاد العالمي يجلس من جديد على قنبلة موقوتة. وفي اللحظة التي سينفد عندها صبر الدائنين الخاصين في اليابان فعندها سيحدث انهيار مديوني حقيقي.
يرى بعض الخبراء أنه لايزال يوجد الوقت لإدارة هذه المشكلة بهدوء. لكن خبراء آخرين أيضاً يرون أن اليابان تعاني أكثر ما تعاني من الحاجة إلى قائد فذ وحكومة بتوجهات صارمة.
ويبدو أن الحكومة الحالية غير قادرة على أن تصبح كذلك.
 
صحيفة الوسط
26 يوليو 2010

اقرأ المزيد

باكستان دولةُ القبائل العسكرية (3-3)

قاد الإقطاعان الديني والسياسي باكستان إلى التفتت، وبقيتْ البنيةُ الاجتماعية متخلفةً، منتجةً لكلِ أنواعِ المحافظة والتمزق الداخلي.
فجاءت أحداثُ غزو افغانستان لتعطي هذه الكتل السياسية والطائفية فرصاً للنمو والعسكرة، وتغدو هي مركز (إنقاذ) العالم!
لقد أكدت هذه الأحداث تناقض عالم الحداثيين الذين كانوا يريدون إيجاد عالم نهضوي تحديثي عالمي، بصرفِ النظرِ عن طبيعةِ منتجي هذا العالم سواءً أكانوا غربيين رأسماليين أم (اشتراكيين)، فدولةٌ تقدميةٌ كالاتحاد السوفيتي صارت (محتلة) لافغانستان في حين تقومُ الولاياتُ المتحدة بتسليحِ القوى الدينية الطائفية التي وجدتْ في باكستان المعادية للعلمانية والديمقراطية، مركزاً هائلاً، مليئاً بتضاريس حرب العصابات، وسلحتْ هذه العصابات كذلك بأقوى أسلحةِ الفتكِ الحديثة الملائمة لمثل هذه الحروب.
عبرتْ الحربُ الباردةُ عن تناقضِ الحداثيين، وعدم وصولهم لتشكيلِ نظامٍ سياسي عالمي متقاربٍ، نظراً لتخلفهم عن فهم البُنى الاجتماعية التي يتصارعون فيها، ولهذا فإن قوى ما قبل الرأسمالية حصلتْ على مواقع كبيرةٍ في العالم، وتم إعطاؤها الأسلحةَ والتقنيات التي تفتكُ بها وتنتشرُ، وتعيدُ أشكالَ حرب العصابات في العصر الوسيط وتضيفُ إليها تقنيات الحروب المعاصرة.
كان الموقع الملائم هو باكستان من بين الدول، وهو في حدِ ذاته إعلان إفلاس لحداثةِ باكستان ومضيها في عالم القبائل وعودتها إلى حكم الجماعات الخارجة عن القانون الحديث.
قدمت دولُ الغرب وبعضُ الدول العربية المليارات والكهوف والأرياف والجبال الواسعة من أجل هذه الجماعات، وجعلتْ من المخابرات الباكستانية الوسيطَ (الأمين) بينها وبين هذه الجماعات، فوضعتْ بين أيديها الكثيرَ من الأموال والقدرات بل وضعت (السلطة) التي تتراوح بين العصر الجاهلي والعصر الاستعماري، وأثبتت هذه الفاعليات دورها في التغيير نحو الوراء.
إن حربَ العصابات ناجعةٌ لتنظيم قبائل فقيرة وجعلها قبائل الهيمنة والنفوذ والأموال والزراعة اللاقانونية وحكم الأرض، أي جعل القبائل الإقطاعية المتاجرة بالإسلام تتحدُ بالمطلق والسماء، وتفكر بأنها هي هزمت العملاقين وهذا يثبتُ عظمةَ الجهاد!
وفي هذا تشكيل قوةٍ هجومية على الحضارة الحديثة نفسها مع تفاقم القراءات الصفراء للتراث، التي نزلت لقاعِ باكستان وافغانستان، وجاء العملاقان التحديثيان ليضربا قرنيهما هناك وينكسرا. وهذه نشرت ثقافةَ خرافةٍ في باكستان زادت من تحليقها في الفضاء الاسطوري الدموي.
لقد توسعتْ الأزمةُ وأُدخلتْ افغانستان فيها، أو أُدخلتْ باكستان في السيطرة على جارتها، وبالتالي غدتْ الأزمةُ التفتيتية الحربية القبائلية قارية وعالمية.
خرجت باكستان منذ البداية عن المعالجة الديمقراطية التحديثية، وفي برامج الجنرالات القادة السابقين كانت ثمة عناصر مهمة لم تُطبقْ كالإصلاح الزراعي والعلمانية، والتصنيع، لكن من دون ديمقراطية، والآن (ديمقراطية) من دون تلك العناصر التحويلية الضرورية.
عمليةُ التركيبِ بين عصري الجنرالات والديمقراطية الراهنة، غدت صعبة، وقوة الطبقة الوسطى التي تكونت في هذا المخاض العسكري الدموي عاجزة موزعة بين فئات عدة: دينية محافظة تعكس سيطرة الإقطاع ذي الجذور الريفية، وتحديثية غير ثورية لكون جذورها غير صناعية واسعة.
فالانتاج الزراعي ضخم، ويبلغ 40% من ناتج إجمالي الناتج المحلي، ويلعب تصدير السلع الزراعية والسلع المصنعة من المواد الزراعية دوراً أساسياً، تليها السلع الصناعية.
وتتدهور المناطق الريفية والجبلية بالصراعات فتتدفق القوميات والقبائل المتعددة على المدن التي تتضخم وتحدث فيها صراعات قبلية وقومية، وتعيش سوء خدمات كمدينة كراتشي التي تبلغ 15 مليون نسمة وهي العاصمة الاقتصادية التي يتدفق إليها الريفيون المقتلعون من الحروب والتنمية الرأسمالية المتخلفة التي تنمو ببطء وبتناقضات الجهات والمصالح، ويحملون إليها صراعاتهم الاثنية خاصة عرق البشتون الذي لم يجد إصلاحاً زراعياً وتنمية وتثقيفاً إسلامياً حقيقياً في قراه وجباله، وتطوير هذه القبائل وجذبها لعمليات الحداثة هو أساس الإصلاح.
لا تستطيع باكستان حتى أن تُوجدَ جهازَ دولةٍ متماسك وحديث:
يذكر أحد مسئولي صندوق النقد العالمي ان باكستان تعجز عن تجميع الموارد الضريبية فإن عدد سكان باكستان يتجاوز 170 مليونا ودافعو الضرائب لا يتجاوزون مليوني شخص.
وأسرة رئيس الوزراء مثقلة بفضائح الفساد وسرقة الأموال العامة، وهذه عينة من عجز الطبقة الحاكمة الثرية عن الإصلاح، وقد طالبت في الفترة الديمقراطية الراهنة بإزالة تلك القضايا الموثقة في الأجهزة والمحاكم، بدلاً من حلها ودفعِ ما أُخذ من مال الناس!
تظهر في المدن عمليات التنمية الرأسمالية الفوضوية المضطربة، وتعكس التناقض الفاجع بين المدن والقرى، وبين الإدارات البيروقراطية الاستغلالية وجمهور الفقراء والعمال، ووجدتْ الأريافُ المنهكةُ المدمرة حلولَها في حروب العصابات وتحولها إلى سلطات دينية مطلقة، ويهيمن عليها وهم هزيمة الغرب وانتصار الدين، في حين لا تهزم ولا تدمر إلا بلدها.
قيل لها على مدى عقودٍ إن الدينَ النقي هو الحل، فرأتْ انه فيها، ولا بد من تكوين سلطته عبرها.
عندما حولوا الإسلامَ إلى اداةِ صراعٍ ضد الهنود حولوه بعد ذلك إلى صراعٍ بين بلديهما القوميين باكستان وبنغلاديش، ثم حولوه إلى صراعٍ بين قبائلهم ومناطقهم وعوائلهم، وفي حين تدخل الهندُ الثورةَ الصناعيةَ التقنية يدخلون هم الثورة التفكيكية!
وفي الجانب الغربي ثمة حلولٌ عنفيةٌ لا تصلُ إلى فهم المشكلات ولا جذورها، ولابد من تحليلها في موضوعات أخرى، لأن هذه الحلول هي الجزءُ الآخر من المصيبة.
 
صحيفة اخبار الخليج
26 يوليو 2010

اقرأ المزيد

من أجل مجلس متوازن

نأمل ألا يكون هناك ما يغيظ الأخوة أعضاء مجلس النواب المنقضية ولايته، الذين نكن لشخوصهم كل التقدير، في قولنا إن مجلسهم لم يعكس التعددية الموجودة في المجتمع، والتجاذب الطائفي الذي شهدنا فصولاً له بين الكتل الانتخابية لا يخفي حقيقة أن المجلس، في الإجمال، كان من لونٍ واحد، وان المجتمع البحريني أكثر غنى وتنوعاً من قوام المجلس.
ولسنا في وارد الانتقاص من الصفة التمثيلية لنواب المجلس السابق، ولا من الثقل العائد لكتلهم في المجتمع، لكن هيمنة لون واحد على السلطة التشريعية أمر مخالف لمنطق الأمور، ولطبيعة البحرين القائمة على التنوع الثقافي والاجتماعي، ناهيك عن السياسي.
ومن اجل التطور الصحي والمعافي لمجتمعنا يجب أن نحافظ على هذا التنوع، فهو مصدر حيوية البحرين وتميزها، بينما الذي حدث أن نواب المجلس السابق أرادوا توظيف انفرادهم بعضوية المجلس لفرض مزاجهم العام على هذا المجتمع الذي لا يمكن حمله قسراً على نفي تنوعه.
ولكي نسمي الأمور باسمها نقول ان الصوت الغائب في هذا المجلس كان الصوت الوطني الديمقراطي، وليس من باب التباهي التأكيد على أن التيار الذي يمثله هذا الصوت كان من دفع الضريبة الأكبر على مدى عقود وهو يطالب بالديمقراطية والحياة النيابية، وتضحياته في هذا المجال ماثلة للعيان لا ينكرها الا غلاة الجاحدين، ومن المفارقات المرة أن هذا التيار بالذات جرى تغييبه عن المشهد النيابي في السنوات الأربع المنقضية، ليتقاسم زعماء الطوائف مقاعد المجلس النيابي، ويشغلوا أنفسهم والمجتمع معهم، في كثير من الحالات، بسجالات أقل ما يقال عنها انها غير جوهرية وانها بعيدة عن الهموم المباشرة للناس، وبدل أن يكونوا قاطرة للوحدة الوطنية حولوا المجلس النيابي إلى عامل مشجع للفرقة.
من هذه الزاوية بالذات يمكن قراءة هذا الاستنفار اليوم ضد المرشحين الوطنيين للانتخابات القادمة، هنا وهناك، والتهويش الذي يمارس ضدهم، والترويج لمزاعم سقوطهم المؤكد في الانتخابات القادمة، وهناك من نصحنا، عبر الصحافة، بأن نوفر جهدنا ووقتنا ومالنا ونحفظ ماء وجوهنا، فالنتيجة، برأيهم، محسومة لصالحهم منذ الآن، ولسان حالهم يقول: اجلسوا في بيوتكم واتركوا الساحة لنا، فلا مكان لكم فيها.
لكن هذا لن يحدث، وسنبذل أقصى ما نستطيع من جهد وطاقة في أن يكون المجلس القادم أكثر توازناً بوجود صوتنا الوطني فيه، واذا قدر للعملية الانتخابية أن تتم بدون ضغوط وابتزازات سياسية، فان التيار الوطني سيكون ممثلاً في المجلس القادم.
ولسنا نبيع الوهم للناس، فلا نقول ان المرشحين الوطنيين حين يصل بعضهم الى المجلس سيجترحون المستحيل، وسيقلبون الدنيا عاليها سافلها، ولكنهم بالتأكيد سيفرضون صوتهم الوطني العاقل والمسؤول، بما يمتلكونه من تجربة سياسية طويلة، ومن رؤية وطنية شاملة ومتوازنة، ومن تعبير عن روح التنوع والتعدد في البحرين، وهي نفسها المنطلقات التي جسدها ميثاق العمل الوطني والمشروع الإصلاحي لجلالة الملك، من أجل الذهاب بالبحرين إلى المستقبل، لا إعادتها القهقري.
وجود الصوت الوطني المتجاوز للعصبيات الطائفية في المجلس النيابي القادم ضرورة ليكون المجلس متوازناً، وهو ضرورة، أيضاً، لأن تكون السلطة التشريعية مرآة لما في مجتمع البحرين من تنوع، ما أحوجنا للحفاظ عليه والتباهي به أمام العالم.
 
صحيفة الايام
26 يوليو 2010

اقرأ المزيد

باكستان دولةُ القبائلِ العسكريةِ (2-3)

خلافاً لتطور الهند النهضوي الديمقراطي توجهت باكستان نحو تصعيد القوة العسكرية الشمولية الحاكمة ضد أغلبية الشعب في تناغمٍ وصراع مع الطبقةِ الغنية الحاكمة، فالقياداتُ العسكريةُ الإصلاحية الكبرى تتناغمُ مع هذه الطبقة وتحاولُ كذلك فرضَ إصلاحٍ لا يتحقق فتستمرُ باكستان في أزمتِها البنيوية السياسية عبر العقود.
توجهتْ الهندُ نحو معسكرِ الحياد والتحرر الوطني والديمقراطية والثورة الصناعية فيما بعد، فيما سلكتْ باكستان طريقَ التبعية والتخلفِ والعداء لمعسكر التحرر والديمقراطية، وكان فرضُ الجيشِ المدعوم من قبلِ الهيمنة الأمريكية قد صنعَ بصماتٍ مريرةً على التطور التاريخي اللاحق.
حاولتْ الهيمنةُ الأمريكيةُ أن تجعل من أيوب خان كمال أتاتورك ثانياً في باكستان من دون نجاح بسببِ ترددهِ في تشكيلِ علمانية ديمقراطية وفي إيجاد إصلاحاتٍ عميقةٍ للأغلبية الشعبية تستند إلى الموروثِ الإسلامي الديمقراطي، فكانت العملية السياسية بحاجةٍ إلى أن تكون مركبة وليست إصلاحات جزئية تضرُ أكثرُ مما تنفع، وتحتاج إلى ديمقراطية وعلمانية وإصلاحات عميقة لجمهور الفلاحين والنساء والفقراء، وبأضعف الإيمان أن تجرى مسايرة الهند في الحداثة. لكن العسكريين الباكستانيين الإصلاحيين أخفقوا على الجانبين بالصراعِ مع الهند وبعدم التماثل معها.
في حين كانت الهند قد قفزت بقوة في المسار الديمقراطي العلماني، مُبعدةً أي قوةٍ سياسية اجتماعية عن التحكم الأبدي في الحكم، فاستطاعتْ إحداثَ التراكمات الرأسمالية المتصاعدة فيها فوسعتْ أسواقَها الهائلةَ أصلاً وأحدثت طبقةً وسطى كبيرة ذاتَ فرصٍ لا تُحصى، وهَزمتْ باكستان التي مَزقتْ أسواقَها عبر شطري البلد، ثم عجزتْ عن تشكيلِ تجربة ديمقراطية تبادلية للسلطة لتحجر السلطات السياسية والاجتماعية والمناطقية فدخلت كذلك في تمزيقِ بلدها نفسه.
كان العجزُ عن تشكيلِ مسارٍ ديمقراطي علماني وبدلاً منه تصعيد القبائل والطوائف وهيمنة الجيش قد جعلتْ من باكستان دولةً متخلفة عاجزة عن القيام بثورة صناعية ديمقراطية كالهند.
إن القادة العسكريين الكبار كأيوب خان تداخلت فيهم العلمانية والحداثة مع الوعي الديني المحافظ، وتغلغلتْ الرغبةُ في التطور الوطني الواسع مع العجزِ عن مكافحةِ الفساد وعن تفكيكِ سيطرةِ الطبقة الثرية الإقطاعية – البرجوازية من على السلطة، فلم يكن مثل أتاتورك أبداً:
(اتسمتْ حقبةُ أيوب خان بثورة صناعية في الدولة. فقد ابتكرَ بيئةً تشجعُ على إنشاءِ القطاعِ الخاص والصناعات الصغيرة والمتوسطة في باكستان، وهذا التوجه فتحَ آفاقاً لفرصِ عملٍ جديدة مما أدى إلى ارتفاع الخط البياني الاقتصادي للبلاد، وقدمَ إصلاحات في مجالاتِ التعليم والزراعة والقانون والإدارة وقوانين الأسرة وما إلى ذلك، وغير العاصمة من كراتشي إلى إسلام آباد عام 1962)، موقع المعرفة.
إن كل قائد عسكري كبير في باكستان يسيطر على البلد يحاول القيام بإصلاحاتٍ من دون أن يقبل بدولةٍ ديمقراطية علمانية حقيقية، تحرر النساء والفلاحين والعقول من هيمنة الإقطاعين السياسي والديني المتسلطين على المجتمع المعرقلين لتنامي قواه المنتجة، فيقومُ بتلك الإصلاحات الجزئية ثم تثور عليه القوى الاجتماعية الغنية الكبرى المهيمنة على الحياة. فهو ذاتهُ كذلك يشكلُ جماعةَ فساد جديدة، ولهذا فإن السباق بين الهند وباكستان يغدو غير متكافئ، فتلك تمضي بالتوحيد والثورة الصناعية التقنية وهذه تتفككُ وتدخلُ حروباً استنزافية. ويعبر أيوب خان عن سمات الحكم العربي الإسلامي المحافظ جميعه.
إذاً لقد خابَ أيوب خان وجاءَ بعدهُ رؤساء ومنهم برويز مشرف وحدث له ما حدث:
(وخاض العسكرُ حرباً أخرى في جبهة مع الإقطاعيين الموالين للأحزاب المدنية الكبرى، فحسب بعض الإحصائيات فإن خمسين أسرة ثرية – وهم رؤوس الإقطاعيين والصناعيين الأثرياء – تحكمُ باكستان وتتولى مصيرَ البلاد بيديها، وقد حاول برويز مشرف التخلصَ من هؤلاء، فأعلن في فبراير 2000 عزمه عن بدءِ مشروعِ إصلاح الأراضي، الذي يعني توزيعها لقطعِ أوصال الإقطاعيين، لتنمو بدلها طبقة متوسطة تقدرُ على دفع الضرائب وتستطيع الحكومة تطويعها، وقد تكهن الاقتصاديون بأنه لو استمرتْ الظروفُ على غرار ما هي عليه الآن، فإنها ستمحو تدريجيا الطبقة المتوسطة، لتحل محلها الطبقتان الفقيرة والثرية.)، موقع إسلام أون لاين.
هنا نجدُ مثالاً للدولةِ الدينية التي لاتزالُ في مرحلةِ الإقطاع، وترفضُ الحداثةَ، وهو مصيرُ الدولِ العربيةِ الإسلامية عامةً، حسب ذات القوانين والسببيات الاجتماعية، فهو عجزٌ عن تكوينِ دولةٍ حديثة ثم الدخول في التفكك بسبب ذلك، وسنجدُ التفككَ في باكستان ينتقلُ من الحواضر والمدن، ثم يتوسع هذا التناقضُ العميقُ حتى يصل إلى الأرياف والجبال، ونجدُ في رؤساء الجمهورية عنصري الإصلاح والفساد، حتى يغدو الرئيس بلا قيمةٍ محوريةٍ مع غليان التفكك، فيما ينتقل المرضُ الإقطاعي إلى الأرياف والجبال، ليصبحَ كل شيخِ قبيلةٍ ذا عسكرٍ رئيساً وزعيماً مطلقاً.

 
صحيفة اخبار الخليج
25 يوليو 2010

اقرأ المزيد

‮»‬فريق‮« ‬المفاوضات المباشرة في‮ ‬السلطة‮.. ‬هل‮ ‬يكسب الرهان؟

بعد ترتيبات سياسية وأمنية كواليسية مسبقة‮ ‘‬زُف‮’ ‬رئيس حكومة تسيير الأعمال الفلسطينية سلام فياض في‮ ‬العاصمة المصرية القاهرة على وزير الدفاع الإسرائيلي‮ ‬إيهود باراك ليدشنا بذلك انطلاق المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس وإسرائيل‮.‬
في‮ ‬اليوم التالي‮ ‬لهذا اللقاء الذي‮ ‬زعم فياض وكبار مساعدي‮ ‬الرئيس محمود عباس أنه لقاء للتباحث حول بعض القضايا المتعلقة بتخفيف القيود المفروضة على حركة سكان الضفة الغربية‮ ‬‭-‬‮ ‬أعلن إيهود باراك أن المفاوضات المباشرة سوف تُستأنف قريباً،‮ ‬ثم تتالت التصريحات الأمريكية المتفائلة بهذا الخصوص،‮ ‬بل إن وزير الخارجية الإسرائيلي‮ ‬افيغدور ليبرمان حدد موعداً‮ ‬لانطلاقها وهو شهر سبتمبر المقبل‮.‬
موقف رئيس الحكومة سلام فياض هذا‮ ‬يتناقض تماماً‮ ‬مع المواقف المعلنة لصائب عريقات مسؤول ملف المفاوضات في‮ ‬السلطة الوطنية الفلسطينية الذي‮ ‬حرص على التأكيد تباعاً،‮ ‬قبل لقاء فياض-باراك وبعده،‮ ‬بأن الانتقال إلى المفاوضات المباشرة مشروط بإحراز تقدم ملموس في‮ ‬المفاوضات‮ ‬غير المباشرة في‮ ‬ملفي‮ ‬ضمان أمن الدولة الفلسطينية الموعودة وحدودها التي‮ ‬هي‮ ‬حدود الخامس من‮ ‬يونيو1967‮ ‬والحدود‮. ‬ناهيك عن تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس نفسه وآخرها ما صرح به السبت‮ ‬10‮ ‬يوليو‮ ‬2010‮ ‬خلال احتفال في‮ ‬رام الله في‮ ‬ذكرى الإسراء والمعراج من أنه‮ ‘‬إذا حصل تقدم في‮ ‬المفاوضات‮ ‬غير المباشرة في‮ ‬قضيتي‮ ‬الحدود والأمن نذهب إلى المفاوضات المباشرة،‮ ‬إنما إذا لم‮ ‬يحصل أي‮ ‬تقدم فما هي‮ ‬الفائدة من المفاوضات،‮ ‬ستكون عبثاً‮ ‬لا فائدة ولا طائل منها إطلاقاً‮’.‬
مما لاشك فيه،‮ ‬والحال هذه،‮ ‬أن إسرائيل الواقعة تحت وطأة‮ ‘‬حصار‮’ ‬سياسي‮ ‬ومعنوي‮ ‬جراء توقف المفاوضات بينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية،‮ ‬قد هللت كثيراً‮ ‬لهذا الاختراق‮ (‬نقصد لقاء فياض-باراك‮) ‬للحصار السياسي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يناسب بل‮ ‬يزعج ويضايق وظيفة‮ ‘‬دولة العلاقات العامة‮’ ‬التي‮ ‬تتعيش عليها الدبلوماسية الإسرائيلية وماكيناتها البروبغاندية‮.‬
وإذا ما لملمنا شتات المعطيات المتعلقة بهذا الموضوع ووضعناها في‮ ‘‬نموذج‮’ ‬مختبري‮ ‬تحليلي،‮ ‬وبضمنها التحركات الدبلوماسية والسياسية الأمريكية النشطة على هذا الصعيد‮ (‬لقاء أوباما ونتنياهو في‮ ‬واشنطن واتصال أوباما بمحمود عباس في‮ ‬أعقاب ذلك اللقاء وزيارة عباس ومن بعده نتنياهو إلى القاهرة خلال هذه الأيام والتصريحات المرتبطة بهذه التحركات والمعنوية بحرص‮)‬،‮ ‬يمكننا الاستنتاج بأن إسرائيل قد كسبت الرهان بحصولها عما قريب على مبتغاها في‮ ‬استئناف المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية،‮ ‬ذاهبةً‮ ‬بخلاصات أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى من أن المفاوضات‮ ‬غير المباشرة مع إسرائيل تشارف على الانهيار وأنه لا جدوى منها،‮ ‬أدراج الرياح‮. ‬وهو ما سيجعل مهلة الشهور الأربعة التي‮ ‬أعطتها لجنة المتابعة العربية لاختبار مدى صدقية الطرف الإسرائيلي‮ ‬في‮ ‬المفاوضات‮ ‬غير المباشرة،‮ ‬لا قيمة لها‮.‬
نعم إسرائيل نجحت في‮ ‬تغيير موقف الرئيس الأمريكي‮ ‬باراك أوباما من قضية الاستيطان اليهودي‮ ‬وذلك بإسقاط واشنطن شرط تجميد الاستيطان الجزئي‮ ‬في‮ ‬الضفة الغربية لقاء استئناف المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية وتحول الضغط الأمريكي‮ ‬باتجاه محمود عباس لاستئناف هذه المفاوضات مقابل بعض الإجراءات الإسرائيلية الشكلية من جنس تلك التي‮ ‬يطالب بها رئيس حكومة السلطة الفلسطينية سلام فياض،‮ ‬على شاكلة تقليص النشاط العسكري‮ ‬الإسرائيلي‮ ‬في‮ ‬عدد من مدن الضفة الغربية وإزالة عدد الحواجز العسكرية ونقل المسؤولية الأمنية عن مناطق إضافية إلى أجهزة السلطة الفلسطينية‮. ‬وقد حدث ذلك نتيجة لأسباب أمريكية داخلية تتعلق بالانتخابات النصفية للكونجرس،‮ ‬إضافة طبعاً‮ ‬لضغط اليمين الصهيوني‮ ‬داخل الإدارة وداخل دوائر الكونجرس على أوباما للتوقف عن‮ ‘‬زجر‮’ ‬إسرائيل‮.‬
إنما بدون حصول أوباما على تنازل من السلطة الفلسطينية فإنه لا‮ ‬يستطيع مساعدة نتنياهو على تحقيق مبتغاه‮.. ‬أي‮ ‬المفاوضات المباشرة التي‮ ‬ستغنيه عن إشراك تسيبي‮ ‬ليفني‮ ‬زعيمة حزب كاديما في‮ ‬حكومته،‮ ‬وتعيد الفلسطينيين إلى دوامة وهم وسراب المفاوضات التي‮ ‬استنفدت جميع طاقاتهم وإمكاناتهم وأوصلتهم إلى حالة التشظي‮ ‬التي‮ ‬يعيشونها اليوم‮.‬
تصريحات محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية توحي،‮ ‬حتى الآن،‮ ‬بأنه مازال متمسكاً‮ ‬بمرجعية لجنة المتابعة العربية المتمثلة في‮ ‬مهلة الشهور الأربعة التي‮ ‬أُعطيت للإسرائيلي‮ ‬لتقديم تنازلات على صعيدي‮ ‬الأمن والحدود،‮ ‬قبل إعطاء الموافقة على الانتقال للمفاوضات المباشرة‮. ‬ولكن تصريحات عباس لم تعد بنفس القوة والثبات اللذين كانتا عليهما إلى ما بعد الاتفاق العربي‮ ‬سالف الذكر‮. ‬فهنالك بالتأكيد داخل أركان السلطة من أغرتهم وعود نتنياهو الشفهية بتقديم‮ ‘‬تنازلات مؤلمة‮’! ‬في‮ ‬حال وافق الفلسطينيون على استئناف المفاوضات المباشرة‮. ‬وهو ما‮ ‬يفسر مسارعة مركزية فتح لإعادة التأكيد على موقف السلطة الرافض للانتقال للمفاوضات المباشرة قبل تحقيق تقدم ملموس في‮ ‬قضيتي‮ ‬الأمن والحدود‮.‬
في‮ ‬كل ذلك دعونا نتساءل‮: ‬ما الذي‮ ‬يبتغيه رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض والمؤيدون لنهجه داخل أجهزة السلطة الفلسطينية وداخل حركة فتح التي‮ ‬تشكل الجناح السياسي‮ ‬للسلطة،‮ ‬من وراء هذا اللهث نحو الإسرائيليين؟
هم‮ ‬يريدون الانصراف لاستكمال إقامة بيئة اقتصادية‮ ‘‬ملائمة‮’ ‬للرأسماليين الفلسطينيين وجاذبة للمستثمرين الخليجيين والعرب للضفة الغربية لإنعاش وتدوير الحركة الاقتصادية هناك وصولاً‮ ‬إلى بناء اقتصاد كونكريت باعتباره نموذجاً‮ ‬تنموياً‮ ‬سهل التحقيق والبلوغ‮ ‬من بناء اقتصاد إنتاجي‮ ‬متوازن،‮ ‬وذلك من دون الاتعاظ من التجربة السابقة حين انصرفت السلطة الوطنية الفلسطينية إبان زعامة الرئيس الفلسطيني‮ ‬الراحل‮ ‬ياسر عرفات بحماس شديد لبناء البنية الأساسية للدولة الفلسطينية الموعودة ومؤسساتها،‮ ‬معتقدة أن اتفاقات أوسلو و‮’‬ضماناتها‮’ ‬الأمريكية الشفهية كافية لتحقيق هذا الطموح،‮ ‬فإذا بالطائرات والدبابات والجرافات الإسرائيلية تحيل كل ذلك في‮ ‬لمح البصر إلى ركام‮!‬
هذا ناهيك عن أن اقتصاد الكونكريت من أبراج وفنادق وملاه ومنتجعات ترفيهية لا تؤسس لاقتصاد مستدام لدولة هي‮ ‬بالأساس تعتمد على المعونات الأجنبية‮.‬
ومع ذلك،‮ ‬فإن الذي‮ ‬يلوح في‮ ‬الأفق هو أن الفريق المؤيد والمندفع للمفاوضات المباشرة والحصول على صفقة على‮ ‬غرار صفقة أوسلو وأخواتها،‮ ‬ربما تكون له في‮ ‬نهاية المطاف الكلمة العليا في‮ ‬تقرير مسار التفاوض مع الإسرائيليين،‮ ‬خصوصاً‮ ‬بعد تحول الضغط الأمريكي‮ ‬باتجاه السلطة الفلسطينية ورئيسها،‮ ‬وبعد أن أثبت الرئيس أوباما أنه لم‮ ‬يعد ذلك‮ ‘‬القديس‮’ ‬الذي‮ ‬احترف إلقاء الخطابات العاطفية المؤثرة في‮ ‬تركيا ومصر وإندونيسيا لدغدغة مشاعر العرب والمسلمين‮.‬
 
صحيفة الوطن
24 يوليو 2010

اقرأ المزيد