المنشور

شُعلةُ أُكتوبَر السّرمَدِيّة


شهد التاريخ البشري في مثل هذه الأيام قبل 93 عاما ( 6-7-8 من نوفمبر 1917 التي كانت في وقته حسب التقويم الروسي القديم 24-25-26 من أكتوبر) حدثا تاريخيا فريدا من نوعه، لم يكن في حسبان الناس في كرتنا الأرضية قاطبة-يومئذٍ- عدا فكرة تخمّرت، منذ بعض الوقت في أذهان ثلّة من المثقفين الألمعيين الروس، الذين وضعتهم صدفة الضرورة الموضوعية على رأس منظمة ثورية من طراز جديد، قوامها بضع مئات من الألوف، يمثلون–وقتئذ- خميرة البروليتاريا العالمية وطليعتها.. حين أبوا -هؤلاء- إلا أن يكونون سباقين، قبل غيرهم من الأمم، في تدوين سفرٍ تاريخيٍّ مجيدٍ للبشرية.. بل وتعبيد سكة جديدة رائدة ،غير مطروقة أو مسبوقة من قبل! كان هذا ما وضعه التاريخ على أجندة حزب البلاشفة (الأكثرية بالروسية)، ليقتحم المجهول-بكل جسارة وثبات- ويبادر في الإستيلاء على السلطة السياسية من أجل وضعها في تصرف ومصلحة الكادحين في روسيا والعالم قاطبة

رُبّ قائلٍ يحاججنا هنا ( ما أكثرهم ): … “ما فائدة هذا السرد التاريخي لمعبدٍ قد غرق وفكرٍ قد أفل ؟!” .. جوابنا بسيط : لم يعرف البشر منظومة فكرية مماثلة، سيطرت على عقول وقلوب الملايين الكادحة -في فترة قياسية قصيرة- ألهمتهم للنضال الدؤوب في سبيل تجاوز المنظومة الرأسمالية المستغِلة! ولم تعرف المجتمعات البشرية نظاما سياسيا مماثلا، في: مفارقته، إلتباسه، وقصوره –أخطائه- من جهة! وفي: انجازاته- من جهة أخرى- التي يعجز المرءُ عن تعدادها، في ظروفٍ عصيبةٍ، عصيّةٍ وغير مؤاتية، في زمنٍ قياسيّ وبموارد ذاتية فحسب.. مقارنة بالمنظومة الرأسمالية السائدة العجوز، التي احتاجت لقرونٍ طويلةٍ لتصل إلى ما وصلت إليه، معتمدة على: نهب خيرات الشعوب، حرائق كونيّة مدمّرة، تلوّث ايكولوجيّ شامل ( جالب للأوبئة والأمراض) وتفسّخ أخلاقي وخُلقي لا حدود له ! وهي ما زالت- كالإخطبوط- تشطف رحيق “القيمة الزائدة”، المتأتية من عرق كادحي العالم أجمع، بنهمٍ مرضيٍّ لا يشبع، وطمَعٍ بشريٍّ لا قاع له !

بلا شك من أن ثورة أكتوبر قد دشنت مرحلة جديدة في مسيرة التاريخ المدوّن وفتحت صفحة مشرقة، لا تهترئ بتقادم الزمن.. أعطت الملايين الكادحة أملاً وإلهاماً جديدين، بُغية تحويل حلم البشرية الأزليّ في تحقيق العدل، من يوتوبيا إلى واقع فعليّ. وعبّدت: سُبُل إمكانية تشييد مجتمع جديد منصِف، إنهاء عسف القرون المظلمة ووضع حدٍّ لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان! وكون المقالة هذه كُتِبت أصلاً، في هذه العجالة : لا لتحليل وأسباب بُنية المنظومة الاشتراكية التي تفككت ( موضوع شائك سنوافيه مستقبلا)، لكن فقط لتبجيل مناسبة عزيزة على أفئدة كادحي ومثقفي العالم، عانقي وحاملي هذا الفكر الجديد.. ولهذا سنكتفي هنا بأهم إنجازات ثورة أكتوبر، وتفاعلاتها الحالية والمستقبلية على مصير البشرية، بغض النظر عن مكر التاريخ ، سيره الملتوي ومَتْنه الملتبس! … على أن نرجع في سانحة أخرى، في وقفة متأنية، لتحليل الأسباب والعوامل الفعلية (الموضوعية والذاتية)، خاصة الأخطاء الذاتية المتراكمة عبر فترة طويلة والتي أفضت إلى تفكك هذه المنظومة الرائدة، عمداً وفي وضح النهار!… ولعل أهم المنجزات تلك نلخصها أدناه :

في مثل هذا الأيام الخريفية العصيبة والعظيمة (قبل 93 عاماً) بعد سقوط “قصر الشتاء” مباشرة، والإعلان عن تشكيل أول حكومة للعمال والفلاحين، صُدر أول مرسوم ( مرسوم السلام الشهير)، الذي كان يعنى إنهاء الحرب من قِبَل روسيا فوراً، وتدشينا أوليا لمعنى السلم العالمي وأهميته للبشرية!.. ثم تلاه “مرسوم الأرض”، الغنيّ عن التعريف كونه يجسّد أهدافاً عظيمة وآمالاً عريضة للفلاحين الفقراء (القِنّ الروسي) ويدشّن بداية النهاية لأحقاب مظلمة من العلاقات البطريركية الروسية السوداء.

في فترة قصيرة بعد فشل الثورة المضادة (الحرب الأهلية) ودحر التدخل الخارجي المشهور من قِبَل أكثر من دستة من الدول الغربية، بدأت روسيا ( الاتحاد السوفيتي منذ 1922 ) تدريجيا بالتعافي والتطور المضطرد والسريع بحيث قُضِيَ -في فترة سنوات قصيرة- على آفة الأمية والجهل والعوز والبطالة والحاجة لسكن لائق. تلتها إنجازات في البُنية التحتيّة والعمرانية، لعل أهمها توفر شبكة مواصلات عصرية عملاقة، اتسمت برمزية أسعار تذاكرها ( ما زالت لشبكة المواصلات تلك الأفضلية على الدول الغربية). وفي فترة أقل من ثلاثة عقود استطاع الاتحاد السوفيتي الّلحاق وتجاوز الدول الصناعية الكبرى ليحل ترتيب ثاني دولة بعد الولايات المتحدة الأمريكية، في مختلف الصُّعد.. بل تجاوز الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة في الحقول الاجتماعية والثقافية والرياضية وبعض المجالات العلمية والطبية، العسكرية منها والمدنية، كغزو الفضاء.

توفّق الاتحاد السوفيتي، إلى حد ملحوظ، في حل المشكلة القومية والاثنية، التي ورثها من روسيا القيصرية، انطلاقا من المبدأ الاشتراكي : “حق الأمم في تقرير مصيرها”.. ومن هنا سُمِح بالخروج الطّوعيّ المبكر لفنلندة من مجموعة الأمم والشعوب، التي حاولت تأسيس الاتحاد السوفيتي ونجحت في تشييده في سنة 1922.. حتى أن بعضها أعلنت استقلالها في البداية ( جيورجيا كمثال ) إلا أنها رجعت إلى حظيرة الاتحاد بعد لأيٍ، على أثرعودة البلاشفة المحلين للحكم هناك. من الجدير بالذكر ان الاتحاد السوفيتي –بعد الحرب العالمية الثانية- رسى على 14 جمهورية مستقلة، بجانب مجموعة كبرى من الجمهوريات ذي الحكم الذاتي، بالإضافة إلى عدة عشرات من دوائر قومية وإثنية لشعوب أصغر (اليهود احدهم على سبيل المثال). ولعله من المفيد أن نذكر أن هناك كانت شعوب بدائية ورعوية، لم تملك حتى أبجديتها الخاصة في البداية، لكنها أضحت بعد سنوات تملك أكاديمية للعلوم تخصها وبلغتها! ولابد أن نسأل هنا أي منصِف محايد: هل حدث شئ من هذا القبيل في التاريخ وحتى في أعرق الدول الرأسمالية؟!.. ليس هذا فحسب بل أن شعوبا شرقية واسلامية كان وعيها الجمعي ليس بأفضل من مستوى الوعي الاجتماعي الثقافي الافغاني والباكستاني (على سبيل المثال وليس التندر)، انتقلت من حال بدائية إلى تقدم حضاري فريد من نوعه، وصلت فيه المرأة الشرقية المسلمة إلى تقدم ومساواة جنسوية لا تحلم بها المسلمات – حتى يومنا هذا- للوصول إليها في أي قطر إسلامي آخر! أكيد كان من المستحيل أن يحدث هذا التحول المعجزة تحت أي نظام آخر!

دورُ الاتحاد السوفيتي، في الحرب العالمية الثانية (الحرب الوطنية العظمى حسب النظرة السوفيتية) في هزيمة النازية وإنقاذ البشرية من تسييد منظومة متخلفة من التراتبية العنصرية البغيضة في العالم، معروفٌ للقاصي والداني (لو نجحت الفاشية في مسعاها لتأخر العالم عدة قرون إلى الوراء).. والحقيقة أن ألد أعداء الاشتراكية والإتحاد السوفيتي لا يمكنهم إنكار ذلك الدور التاريخي الحاسم، الذي وضعه التاريخ على أكتاف الجيش الأحمر وعلى أجندة المجتمع الاشتراكي الجديد!.. وأكيد أن البشرية، في مشارق الأرض ومغاربها، ستكون مدينة إلى الأبد لتلك الملحمة البطولية الخالدة، ولأكثر من عشرين مليون سوفيتي سقطوا دفاعا عن المدنية، الحضارة والتمدن الإنساني

لم يكن التأثير الايجابي لثورة أكتوبر ووجود الاتحاد السوفيتي هائلا على الُمستعمَرات السابقة ،وتقويض تلك المنظومة السخرة فحسب، بل تعداه إلى الدول المستعمِرة نفسها وغيرها من الدول الغربية الأخرى! فأكثر المستعمرات استقلت، مكونة دولاً جديدة بفضل العضد السوفيتي لحركات التحرر الوطني، في المستعمرات وشبه المستعمرات.. ونشأت منظومة جديدة من العلاقات الدولية، كحاضنة لحضور تشكيلة جديدة من الدول على المسرح الدولي. ليس هذا فحسب، بل –كما اسلفنا-أن تأثير المجتمع السوفيتي الجديد وانجازاته كان عظيما حتى على الدول الغربية نفسها، الأمر الذي أجبر ساسة الغرب المكارين – تحت هلع عنصر الجذب السوفيتي وتأثير ذلك على الوعي الجمعي لشعوبها- من تغيير سياستهم الداخلية، حيث إرتأت الاستفادة مما في جعبة الفكر الاشتراكي التعاوني، تجسّدت ذلك بتدشين ما عُرف، بدولة الرعاية والحماية الاجتماعية ، خاصة بعد الحرب العالمية لثانية.. وهو المشروع الاستراتيجي الرأسمالي،الذي هُندِس بُغية تحقيق عدة أهداف في نفس الوقت، لعل أهمها : سياسة سحب البساط من تحت أقدام الطبقة العاملة الأوروبية والغربية، بالتنازل لها عن هامشٍ معيّنٍ من الثروة (في صورة منح وحماية اجتماعية) .. اي سياسة ” برجزة” البروليتاريا الغربية، المنحى الذي مازال قائماً في السياسات الداخلية للدول الغربية، ولو أن “البحبوحة” تلك، ما فتئت تنكمش، منذ أن تفككت المنظومة الاشتراكية وأضحت الآن عُرضة للتراجع التام، على أثر الأزمة المالية العالمية الحالية .

حقق المواطن السوفيتي منجزات كثيرة بعرق جبينه وضَمَن حقوقا خيالية لنفسه، من مجانية التعليم والتطبيب وفي مختلف حقول المعرفة والفن والجمال والرياضة.. وأضحت هذه الأخيرة بالذات منتشرة للكل بل ومسنودة بقوة القانون لتكون هواية فحسب وليست احترافاً، حتى لا تتحول إلى سلعة ولا يتحول النجم الرياضي إلى فرسٍ للربح والمراهنة، حسب ما نراها في المجتمعات الأخرى! وطبق نفس التوجه على مجمل حقول الفنون والآداب.. إلى درجة أن فنونا راقية ومكلفة كالمسرح والباليه والسينما وغيرها ( في المجتمعات الغربية) أضحت في متناول المواطن العادي (بأسعار رمزية)، الذي أصبح يختار بكل حرية ما يريده، بُغية إشباع غليله الثقافي والروحي.

فيما يتعلق بحقوق المرأة والطفولة.. من المكن أن لا نبالغ إذا قلنا أن أرقى المجتمعات البشرية ( في الدول الرأسمالية المتطورة) ، لم تستطع- حتى الآن- تحقيق المساواة الكاملة والشاملة بين الجنسين كما فعله الاتحاد السوفيتي، حيث وصلت المساواة التامة بين الجنسين إلى مشارف غير مسبوقة. ولابد من ذكر حقيقة مشرقة ومشرفة في مجال تحرر المرأة وتعزز شخصيتها الإنسانية وهي إختفاء أقذر مهنة – مُهينة للمرأة- عرفتها المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، ألا وهي البغاء! أما حقوق الأمومة والطفولة فقد وصلت إلى درجة كانت تذهل السواح الغربيين وقد كان بعضهم يطلق على الطفل السوفيتي كأسعد أطفال الدنيا !

لا نضيف جديداً إذا قلنا أن شُعلة أكتوبر لا تنطفئ أبداً، بالرغم من انتكاسة المنظومة التي مثلتها بعد تجربةٍ ثريةٍ ودروسٍ بليغةٍ، دامت سبعة عقودٍ ونيف.. وذلك ببساطة لأن الزمن سوف يأخذ دورته الكاملة، وتعود الأمور إلى نصابها-آجلاً أم عاجلاً- مادام في قناديل الفقراء زيت! بالرغم من أن وضع الوعي الاجتماعي الحالي متسم بالفراغ الإيديولوجي-إن صح التعبير- ، الذي امتلأ بخُزَعبلاتٍ من أفكارٍ، ضبابية الرؤية ، تتحكم –حاليا- في تشكيل رأي عام عالمي ملتبس ومسطّح! لكن يمكن للراصد النزيه أن يرى بوضوح البشائر الأولى لعودة الحرارة للفكر الاشتراكي والرؤية الماركسية من جديد.. نعم النهوض الجديد لا يبدأ من الصفر ولا ترتد المنجزات البشرية المحققة في العهد الاشتراكي وتأثيراتها الإنسانية الواسعة، من حقل التطبيق إلى حقل النظرية المجردة ثانية.. بل يُبني الجديد القادم على ما قبله من تجربة – بمآثرها وأخطائها- ويكون أكثر غنىً ومناعةً عما مضى !.. ولابد أن “العنقاء” –في نهاية المطاف-ستخرج من بين الرماد !
 
 

اقرأ المزيد

السداسي.. تجارب وعبر للتاريخ!!

بعد الانتخابات النيابية والبلدية الأخيرة، بات في حكم المؤكد أن تتجه بوصلة العمل السياسي نحو مسارات مختلفة عما كانت عليه قبل الانتخابات، على اعتبار أن العمل السياسي الذي يحتمل اجتهادات ورؤى تيارات وجمعيات سياسية وقيادات، لابد له من وقفات جادة ومسئولة وفي مفاصل تاريخية محددة وذلك لإجراء بعض أو كثير من المراجعات التي من شأنها أن تطور وترتقي بمسار العمل السياسي وتصوب اتجاهاته وتمنع إعاقاته والوقوف عند مسبباتها والبحث عن بدائل أكثر جدية يؤمل منها دائما أن تكون أكثر نفعا لمسار التحول الديمقراطي برمته، وهي أمور في المجمل تنعكس على طبيعة المزاج العام لدى الجماهير إما سلبا أو إيجابا، لكنها بكل تأكيد تفصح عن حالة من التطور والمرونة وعدم الجمود والارتهان لمسلكيات رتيبة وعدمية في العمل السياسي، ولذلك تبقى من الضرورة بحيث لا يمكن أن يستقيم مسار العمل السياسي فقط كما يشتهيه أو يحدده طرف بعينه بغية تحقيق مصالح ضيقة أو مكاسب سياسية آنية بعيدا عن مكاسب السواد الأعظم من القوى والتيارات وعلى قاعدة التنوع وإثراء الرؤى لتحقيق المشتركات حول أهداف محددة بين تلك المكونات التي ارتضت أن تنسق فيما بينها وتضغط معا لتحقيق نجاحات تأملها الجماهير من قواها السياسية.

 
لذلك عندما يتكرر الحديث حول مصير التحالف السداسي الذي نعلم ويعلم الجميع أنه لم يرق يوما ليصبح تحالفا بقدر ما كان إطارا للتنسيق بين مكوناته الستة، حيث وقفت الظروف داخله وأحيانا خارجه عقبة كأداء دون أن يبلغ صيغة التحالف الحقيقي، فمن جهتنا في المنبر التقدمي على الأقل كنا أمام تحدٍ من نوع آخر مع أنفسنا ومع جماهيرنا وأصدقائنا ومنتسبينا حين ساهمنا وبفاعلية في هذا الإطار التنسيقي، حيث تتباين القناعات بل وتتعارض أحيانا حول جدوى وأفق العمل ضمن هذا الإطار، وكنا على الدوام نؤمل أن يتجاوز هذا الإطار ولو الحد الأدنى من مبررات وجوده، يدفعنا إلى ذلك الرغبة في العمل المشترك مع الآخرين، لكن ذلك لم يكن ممكنا بكل أسف طيلة أكثر من أربع سنوات مضت، وهي فترة كفيلة وكافية جدا لخلق انسجام يتجاوز الاصطفاف الهش الذي بقي عليه التحالف السداسي إذا أردنا أن نسميه تحالفا، وعلينا أن نقولها صراحة إننا لم نلمس يوما غايات وأهداف إستراتيجية واضحة جامعة يمكن أن تحكم طبيعة التنسيق والعمل المشترك فيما بيننا، سوى ذلك الهامش من المناورة لدى الطرف الأكبر في التنسيق، مستفيدا من وجوده داخل المؤسسة التشريعية سعيا منه لطرح ملفاته البرلمانية أو حتى الذهاب بها منفردا بعيدا عن مداولات السداسي، في حين لم يكن هذا البعض في وارد خلق فهم أكبر لطبيعة ما يمكننا أن نبنيه معا بعيدا عن التمايزات الحادة التي حكمت طبيعة العمل داخل مكونات السداسي نفسه، لكننا نفخر أننا كنا مؤثرين وبقوة في الكثير من القرارات المصيرية التي اتخذها السداسي وحتى تغيير بعض القناعات داخله، ولكن ذلك كان محكوما بما تتيحه طبيعة المداولات والبيانات المشتركة الصادرة بشكل جماعي، وكان لحكمة بعض المكونات داخل السداسي أثرها في عدم انجرار العمل السياسي إلى متاهات لا تحمد عقباها أحيانا كثيرة.

نقول ذلك بمرارة وضيق ونحن الذين تعرضنا أكثر من غيرنا لإساءات لا تُحتمل ممن يفترض أنهم حلفاء لنا، لكننا تحملناها وتعالينا على جراحاتنا ولم يعد ممكنا أن نستمر في تحملها أكثر وهي إساءات مخطىء من يقول إنها عرضية أو غير مسئولة ولا تسأل عنها القيادات، فهي ليست وليدة إرهاصات الانتخابات الأخيرة لوحدها بل قبلها كانت انتخابات2006 وما قبلها أيضا حيث الإساءات هي هي والتسقيط والتشهير الشخصي والعائلي والطعن حتى الهذيان الفج في تاريخ وذمم المنافسين الذين كانوا حتى الأمس أخوة وشركاء عمل وحتى أقارب.

ليس قدرا مكتوبا علينا أن نعيش مرارات وعقم التجارب وعدمية الممارسة انتظارا لصحوة الضمير، فهناك تنتظرنا الكثير من الفرص لبناء اطر أكثر جدية بعيدا عن المضي حتى آخر الشوط، والعمل السياسي كفيل بأن يصحح الكثير من الممارسات والأخطاء، وعلى الآخرين أن يتحملوا جزءا من مسئولية هروبهم المستمر من استحقاقاتها ظنا منهم أن الهروب إلى الأمام يصبح أجدى من مقاربة الاستحقاق والوفاء للشعارات، كما أن اتباع أسلوب الهجوم خير وسيلة للدفاع، لرد التهمة لن يجدي فالضلوع في استهداف الشركاء أصبح مكشوفا وهو يتوجب الاعتذار كخطوة أولى بعد أن أضحى أسلوب حياة بالنسبة للبعض ممن تفضحهم ممارساتهم في مواسم الحصاد تحديدا.

لقد أثبتت تجربة الانتخابات الأخيرة وما قبلها في 2006 أن خيار الجماهير الذي يراد له أن يكون مصادرا ومحاصرا ومجيرا، أضحى اليوم أكثر نضجا ووعيا ويمكن للقوى الوطنية الديمقراطية إن هي أرادت أن تراهن وتبني عليه للمستقبل مستغلة هذا الحضور الطاغي لعناصر وخطاب التيار الوطني الجامع في الدوائر التي أحدثوا فيها زلزالا، ربما أغاض من تعنيهم الرسائل التي وصلت واضحة فاستنفروا كل أسلحتهم المجربة والصدئة، ولم يعد يعنيهم من أمر تلك التحالفات سوى كيفية الإبقاء على هياكلها ولو عمدوا لاحقا إلى ترقيعها بخرق طالما رفضوها مرارا، بغية أن تكون حصنا وغطاء يداري سوءآتهم ..

أخيرا نقول..تجربة السداسي لن تعود كما كانت رغم أننا لن نأسف على خوضها فقد كانت مَلأ بالبراهين والدروس والعبر لمن يريد أن يتعلم ويتعظ!!

 
صحيفة الايام
10 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

المراجعة المطلوبة

 
كل القوى التي خاضت الانتخابات التشريعية والبلدية الاخيرة بحاجة الى مراجعة جدية لأدائها، وفي مقدمتها القوى المنتشية اليوم بفوزها، فلقد اظهرت مجريات العملية الانتخابية الاخيرة في العديد من الدوائر ان ارهاصات التحولات الكبرى قادمة لا محالة، فدوام الحال من المحال.

خاصة وأن بعض من فازوا يعرفون انهم لم يفوزوا استناداً على كفاءتهم وحسن أدائهم، وانما لعوامل الدفع التي أتتهم من خارجهم، بالطريقة التي تجعلنا لا نمر مرور الكرام أمام الطرائف المتداولة هذ الأيام، التي لن ننقلها هنا تعففاً، ولكنها تندرج بأكثر العبارات تهذيباً في إطار: «صحيح ما سووا لنا شي، لكن اذا قالوا لنا انتخبوهم سوف ننتخبهم»، وقديماً قالت العرب أن شر البلية ما يضحك.

لكن اكثر تيار مدعو لمراجعة ادائه على ضوء هذه النتائج هو التيار الوطني الديمقراطي، وأن يمتلك الشجاعة لأن يفعل ذلك، لذا أجدني أحيي الدعوات التي أطلقها بعض المخلصين من أصدقائنا، من خارج تنظيماتنا، ولكنهم، يجدون أنفسهم في دائرة المزاج الاجتماعي الذي نعبر عنه، حتى لو انطوت دعواتهم على نقد مر لأدائنا، فهذه المرارة نابعة من الحرقة التي نكتوي بها جميعاً جراء ما علينا مواجهته والاعتراف به.

وبوسعي ان أشير الى نماذج من هذه الدعوات فيما كتبه الصديق والزميل القديم في الصحافة الأستاذ عقيل سوار، وما سبق أن كتبته الأستاذة سوسن الشاعر، وتناوله كذلك الصديق ابراهيم علي وآخرون، وهو أمر تداولته أيضاً في حديث جانبي مع الكاتب والباحث الرصين الدكتور أحمد عبيدلي في إحدى المناسبات الاجتماعية مؤخراً.
هناك الكثير الذي يمكن قوله في هذا الاطار، وستكون له مناسبات قادمة بالتأكيد، لكن ما نود التشديد عليه، في ضوء مداولات خضناها في المنبر التقدمي مؤخراً، هو الحاجة لابراز الوجه المستقل للتيار الوطني الديمقراطي في الموقف من كافة القضايا، بناء على التحليل المستقل والموضوعي لكافة الملفات، حتى تلك التي نتفق فيها، ولو من حيث الاطار العام، مع من توصف بقوى المعارضة الأخرى. حتى الان كان شعار وحدة المعارضة هو الذي حكم سلوك التيار الوطني الديمقراطي في كافة مواقفه، أو فلنقل في أغلبها من باب التلطيف والتخفيف، وهذا جر للكثير من المواقف الشعبوية المأخوذة بنشوة اللحظة، الخالية من التبصر في دور ووضع هذا التيار ومستقبله.

ولا يوجد مخلص لا يريد وحدة المعارضة اذا كان في ذلك خير للوطن ولمستقبل التطور السياسي والديمقراطي فيه، لا لمصلحة جهة واحدة من جهات المعارضة لتحسين مواقعها وفرصها في المجتمع، والتفاوض مع الجميع، وفي مقدمتهم الدولة، من هذا الموقع، لجني المزيد من المكاسب، والدخول في مقايضات، تأخذ وتعطي، وفق ما تقتضيه المنفعة الخاصة بهذه الجهة.
يكفي ما نسمعه ونقرأه هذه الأيام من دعوات متكررة للعودة للتعاون، ولسان حال الداعين يكاد يقول: بعد أن أخذنا ما

أخذنا في الانتخابات، وبصرف النظر عما أصابكم منا من أذى، تعالوا نواصل العمل المشترك، فما يجمعنا بكم أكبر من معركة انتخابية لا تأتي إلا مرة واحدة كل أربع سنوات.

نعم، القضية ليست قضية معركة انتخابية تأتي كل أربع سنوات، انها قضية مصيرية تطال مستقبل خيارات هذا الوطن.

صحيفة الايام
10 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

من (شقة الحرية) إلى (أبوشلاخ البرمائي) (1 -2)

لغازي عبدالرحمن القصيبي تجارب إبداعية كثيرة خاصة في العقدين الآخيرين من القرن العشرين ثم في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين الذي لم يكمله. ونلاحظ ضخامة النشاط الثقافي المتنوع وهو أمرٌ أثر في طبيعة الرواية.
كانت روايةُ غازي القصيبي (شقة الحرية) هي أولى رواياته وهي ذات المقاربة مع الرواية الكلاسيكية الواقعية، لكنها روايةٌ تسجيلية محضة، فهي تصورُ فترةً تبدأُ من سنة 1956 ومن شهر أكتوبر فيها وتنتهي في سنة 1961 وبشهر أكتوبر كذلك، وتدور حول مجموعة من الطلبة البحرينيين وزملائهم العرب تعيشُ في القاهرة في تلك الفترة (القوميةِ) الملتهبةِ في صراعاتِها السياسية وتحولاتِها الفكرية والاجتماعية.
التأريخُ جزءٌ من المنهجِ الفني التسجيلي، وهو عمليةُ رصدٍ لما حدثَ للمجموعةِ ولعلاقاتِها فيما بينها وفي محيطِها المصري من مُلاكِ عماراتٍ ومن أصدقاءٍ وعمالٍ يخدمون المجموعةَ ومن علاقاتٍ نسائية تنشأُ في خضمِ ذلك، إلى الدائرةِ الكبرى السياسية الحاكمة والأعمال التي تقومُ بها من سيطرة وتأثيرٍ في المنطقة والعالم.
إن بؤرةَ التصويرِ التسجيلي هي المجموعة، والسارد الروائي الشاعر غازي القصيبي مُلتصقٌ بشخصيتهِ الحقيقية (فؤاد الطارف)، التي يبدأُ منها نسج خيوطِ الرواية.
إنه يفتتحُ الروايةَ:
(كانت الأسئلة التي في ذهنه لا تنتهي. ولا يعرف جواب أي منها. والآن يشغله قائد الطائرة بسؤال جديد)، (شقة الحرية، ط4، ص17) فهو يتتبعُ تفاصيلَ الرحلة الجوية من البحرين للقاهرة بحذافيرها، إنها تولدُ لدى السارد الذكريات الملموسة الحارة المتتالية، وهي تفاصيلٌ كثيرة صغيرة طويلة، لا تدخل معمار رواية مكثفة ملمة بجوهريات الحبكة والمرحلة بل تفترش فيها طولاً وعرضاً، إن الروائي السارد يبقى عند المادة التاريخية الحقيقية، وهو ينتقل من الشعر إلى الرواية، مثلما أن منطقتَهُ الخليجية الجزيرية العربية تنتقلُ من الشعر الرومانسي إلى الرواية التسجيلية في غالب الأحيان، فيسجلُ كلَ شيء وها هو يرصدُ مخاوفَه مما قد يحدث في المطار، ثم يبحث عن أصدقائه ويعثر عليهم بعد زمن وهو يروي كل هذه التفاصيل وهو يتجول، ويشدو بحب مصر، فالناصري العاطفي جاءَ إلى عاصمة (الثورة)، ثم تتالى التفاصيل المختلفة للسكن في شقةٍ غيرِ مناسبة ثم العثور على شقة واسعة مناسبة للعزاب الأربعة الطلبة الذين سوف يسكنون بها، ثم تتالى الفصولُ المتابعةُ للأشهر الدراسية خلال تلك السنوات مفصلة حيناً ومجملة حيناً آخر!
وفي أثناء ذلك تظهر شخصياتٌ ثم تختفي، وتستقر الروايةُ على الشخصيات الأربع التي تعيش في الشقة، وهي أصدقاء فؤاد الطارف، وهو يتحدثُ عنهم وعن سماتِهم الفكرية قبل أن يلتقيهم، ثم تنهمرُ أعمالُهم وقصصُهم في متن العمل، يتكلم عنهم أو يعيشون فقراتهم الخاصة.
الشخصياتُ الأربعُ تنسج شبكة من الأحداث والعلاقات، وهي كلها لها تفاصيلها الخاصة، والساردُ يتسربُ لهذه التفاصيل بطريقة الحكواتي، الذي يقدمُ فرجةً عن كل شيء، إن الشخصيات لا تعيش في منولوجاتِها الذاتية وعلاقاتها التفصيلية فقط، لكنها تعيش مع الخطبِ المطولة عن النظام مع وضد، كل شخصية لها موقف وهذه المواقف كلها تُنشر في العمل.
وتنهمرُ تفاصيلُ التيارات والأحزاب السياسية: الناصرية وهي بؤرةٌ رئيسيةٌ بحكم البلد وقائدها وهزته الكبيرة للعالم العربي، ثم البعث والشيوعية والقومية.
وإذا كان الحديث عن مصر فيتنوع بين الشخصيات بين مؤيد ومعارض، كما تظهر مصر بكل مشكلاتها وتناقضها الرئيسي بين نظام (ثوري) محبوب وعظيم، وبين نظام عسكري حلّ محل الإقطاع السابق وورثه.
والسارد المؤلف موضوعي في سرد الجانبين، ونلاحظ تطور شخصية فؤاد الطارف المجسدة لغازي القصيبي، حيث يبتعد عن الناصرية العسكرية والقومية والبعث وكل التيارات الشمولية مؤيداً الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي بطريقة حزب العمال البريطاني.
هذه العاصفة من التيارات والأفكار والتنظيمات والاجتماعات كلها تُسرد وكأن الروائي مؤرخٌ سياسي معنيٌّ بملاحقةِ كلِ شعيرةٍ من المرحلة.
هذه المقالاتُ والأحاديثُ التقريرية والخطب تتضافرُ مع الحوارات الشخصيةِ الحميمة، والسرد المشهدي التحليلي للشخوص ولحظاتهم الصراعية العنيفة والعادية.
والمواقفُ الحميميةُ للشخصيات من معيشة ولقاءات تنفصل عن صراعات المرحلة، والعروضَ الفكرية لا تندمج في عظام الشخوص، والمواقف الحدثية، بل تنهمر على القارئ حواراً ومقالات.
البؤرة الحدثية وهي الدراسة تغدو عرضية، فيما العلاقات العاطفية والجنسية والفكرية والسياسية تغدو هي البؤرة، هي بؤرةٌ واسعة مشتتة، موزعةٌ على الشخصيات الرئيسية وتنضم إليها شخصيات أخرى ثانوية كثيرة، وتخرج منها من دون علاقة عضوية بهيكل الرواية المفترض، وتدخل حتى شخصيات من الحياة الواقعية كجمال عبدالناصر وإبراهيم العريض ونجيب محفوظ وطه حسين وصدام حسين وغسان كنفاني وغيرهم!
وكلٌ له لحظته من تطور الأحداث الخاصة ثم غيابه عنها.

صحيفة اخبار الخليج
8 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

من المحرق أتى التغيير

فوز السيدة فاطمة سلمان بعضوية المجلس البلدي في المحرق يحفز على التفكير في عدة أمور، وفي مقدمتها ان التحولات في الوعي وفي جاهزية المجتمع لقبول البديل تشق طريقها موضوعياً، وترسم لنفسها مسارات قد تكون خارج التوقع، فبينما كانت التوقعات أن يأتي اختراق المرأة لأحد المجالس المنتخبة عن طريق الجمعيات السياسية صاحبة التأثير، أتى عبر فوز سيدة مستقلة، لا يعرفها الكثيرون خارج دائرتها الانتخابية.
هذا الفوز هزم كل مساعي عدم تمكين المرأة، وفند كل الذرائع التي تسوقها بعض الجمعيات السياسية لاخفاء موقفها المعادي لانتخاب المرأة، بحجة أن المجتمع غير مستعد لقبول ذلك، فيما تتبارى هذه الجمعيات على كسب أصوات النساء، وحشرهن في الباصات نحو مراكز الاقتراع، وتهديدهن بالويل والثبور إن هن لم يصوتن للمرشح الذي فرضته هذه الجمعيات.
وحققت فاطمة سلمان هذا الفوز في المقام الأول بارادتها وعزمها وتصميمها، خاصة حين عرفنا انها المرة الثالثة التي تترشح فيها للانتخابات البلدية منذ عام 2002، دون أن يثنيها اخفاقها في المرتين السابقتين عن تكرار التجربة مرة ثالثة، معولة على أن الأمور تتغير نحو الأفضل، وأن ما تعذر بالأمس سيكون ممكناً في المستقبل، وفعلت ذلك بهدوء، بعيداً عن أي «هيلمان» اعلامي، أو ضجيج سياسي.
وفي هذا تقدم فاطمة سلمان، من حيث لم ترد، درساً بليغاً لا للنساء وحدهن، وانما للرجال أيضاً، بما في ذلك للجمعيات السياسية التي أخفقت حتى الان في احداث الاختراق الذي قامت به هذه المرأة بجهدها الذاتي قبل كل شيء.
الأمر الثاني الجدير بالوقوف أمامه هو أن هذا التحول الأهم أتى من المحرق تحديداً، من المدينة التي عرفت بأنها قدمت نموذجاً يحتذى به في الانفتاح على الأفكار الجديدة وفي قوة ورسوخ الوحدة الوطنية للمجتمع، وفي اندماج كافة مكوناته في نسيج مديني ووطني واحد، كان أبعد ما يكون عن أشكال الفرقة، قبل أن يدخلها من هيمنوا على شارعها في غفلة من الزمن في التجاذبات الفئوية والطائفية، ولكن مؤشرات الصحوة بدأت تظهر من جديد لا في المحرق وحدها، وانما في مناطق مختلفة في البلاد، وجدير بالمحرق أن يكون لها سبق الريادة في ذلك هذه المرة أيضاً.
لو أن فاطمة سلمان انتظرت أن تتبناها واحدة من جمعيات الاسلام السياسي، فتشملها برعايتها الانتخابية، لطال انتظارها دون أن يتحقق ذلك، وربما لو حدث هذا التبني لأضعف فرصها في الفوز، لأن المجتمع البحريني يسعى لاستعادة عافيته، بأن يعود الى سويته التي كانت يوم كان الاعتدال الديني، البعيد عن كل غلواء، هو سمة هذا المجتمع.
ولولا مزاج الاعتدال والتسامح هذا لما امكن للبحرين أن تكون ما كانت، حيث بات المثل يضرب بها في الانفتاح على الجديد، وفي تفاعل الأقكار والاراء، وتوليد قيم الحداثة المنبثقة من حاجات المجتمع، والمنسجمة مع روحه وديناميكيته الداخلية المنفتحة على الآخر بدون خوف أو عقد.
لا أريد أن أفتعل لفوز فاطمة سلمان أبعاداً ليست فيه، ولكن لا يجب عدم رؤية ما يحمله هذا الفوز من بشارة لتحولات مقبلة، إن وجدت من يثابر في سبيلها.
 
صحيفة الايام
8 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

رؤيتان للدين

خلال القرون الأخيرة تشكلتْ رؤيتان للأديان في العالم: رؤيةٌ جامدةٌ غيرُ منفتحة، نصوصية، وقراءة متفهمة لتغييرات الأوضاع، مجددة.
في بلدان مثل الهند والصين وجنوب شرق آسيا لم تُطلْ الشعوبُ الهائلة الأعداد لإنتاجِ نسخةٍ تجديديةٍ للأديان الكثيرة فيها، الغارقة في تفاصيلِ الوجودِ والأرض بأشكالٍ إحيائية تجسيدية خرافية، أسطورية، لأن هذه الأديانَ دأبتْ على التسامح والغفران للبشر كذلك، وعدم إيجاد أشكالٍ سلطويةٍ قامعةٍ متدخلةٍ في كلِ تفاصيلِ حياة الناس.
إنها تنشرُ أفكارَها وتصوراتها وهيمنتَها لكن بأرواحٍ شفافة، وقدمتْ رجلَ الدينِ البسيط الرحال الفقير، مقدم الحكمةِ، اللائذ في الغابات، المتوجه للتصوف والنيرفانا أي الصعود للسماء والذوبان في المطلق الإلهي وترك المادة الخسيسة والتعالي عن صغائرها.
رغم الطابع المثالي الأرواحي لهذه التصورات الدينية وهو أساسٌ مشتركٌ لكلِ الأديان، وعبر تغلغل تصوراتها في ثقافة العوام كذلك، فإنها تركتْ مساحاتٍ كبيرةً للسياسةِ والاختلاف وحين جاءت الأفكارُ الحديثةُ الغربية لم تجد معاناة شديدة وهي تعطي الصينيين والهنود وغيرهم من شعوبِ الشرق أدوات التغيير عبر الأفكار الاشتراكية والرأسمالية الديمقراطية.
كما أن توحد هذه القارات وضخامة مشكلاتها والدور الكبير للفلاحين المسالمين الإحيائيين للزراعةِ والثقافةِ والوجودِ عامة وهو ما يتجسدُ في تقديرِ الأمِ المرأةِ المنتجة الولادة، بحيث إن هوات كبيرة لم تتشكلْ بين الأفكارِ القديمةِ والأفكارِ الجديدة فقفزوا في عقودٍ قليلة لمستويات الغرب المتطور.
فيما كانت الأديانُ السماوية هي نتاجُ عوالمِ البداوة والدول الشمولية القديمة المهيمنة بشكل كلي على البشر، وقد أعطتْ أهلَ المنطقة مفاتيح التغيير والنهضة، ليتجاوزوا عوالمهم هذه، لكن الأنظمة التي سادتْ أنتجت ثقافات أخرى تقومُ على التفتيت والتعصب والعنف.
حين غادرت المسيحيةُ البلادَ العربيةَ أخذتْ قروناً لكي تحولَ البذورَ الإنسانية فيها لديانةٍ أخرى هي البروتستانتية المعارضة للشمولية ولهيمنةِ الكنيسةِ متلاقيةً في بعض روافدها مع الحريات الاقتصادية والفكرية والسياسية التي أنتجتْ العالمَ الحديثَ الديمقراطي المتنوع الحضارات والأفكار.
لكن الشرق العربي الإسلامي ثم اليهودي الغازي فيه، استمرا على صيغةِ الجمود والتفتيت والصراعات الدامية، وتلك القرون الطويلة من عصورِ النهضة والثورة الصناعية والديمقراطية لم تمسْ سوى السطوح الخارجية من وجودهما.
مازال (الباباوات) في غرفِهم المغلقةِ يختصرون مشكلات الملايين في كلماتٍ موجزةٍ لا تقبلُ الردَ والرفض، ولاتزال الأنظمةُ المتوجسةُ من التغيير التي تهيمن عليها الأوامرُ العسكرية توجه القارات وتدب الفوضى التي تسمح للقتلةِ السياسيين بتوجيه الرسائل الملغومة للناس المسالمين، ويتم رفض التعدديات المنزلية والاجتماعية والسياسية وإعلاء الحروب والعداوات.
عالمُ التسامحِ وتقبلُ التعدديات والسلام والعقلانية السياسية عالمٌ مترابط، مثلما عالمُ الحروبِ الدينية والكراهية والشموليات وخنق الأسواق والأفكار الجديدة مترابطٌ هو الآخر.
سيادةُ نسخٍ صفراء من الأديان السابقة، وتشغيلُ مكائن الصحارى الحارقةِ الكارهة لكلِ جديد وآخر، والمتاجرات الواسعة بميراث الشعوب وثرواتهم، أنتجَ قتلةً لم يعرف التاريخُ مثالاً لهم إلا في قادة الأفران الغازية.
رؤيتان للدين إحداهما ديمقراطية والأخرى عنفية شمولية، الأولى إنسانية والأخرى غير إنسانية، وليس ثمة رؤية أخرى بينهما.
فلا مجال للتوسط والحل الثالث، والأولى تجددُ الحضارات والأفكارَ والأخرى تسدُ ينابيعَ التغيير والتعاون والإنسانية.

صحيفة اخبار الخليج
7 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

الفاجعة الانتخابية للمنبر الإسلامي!!

استعيد الآن ذاكرة عام 2002 وذاكرة عام 2006 كدورتين انتخابيتين ، كنا نرى فيها الزهو السياسي والغطرسة المتناهية من بعض الأصوات السياسية والإعلامية ، إزاء الآخرين وتحديدا الشماتة الكبيرة والمخجلة ضد مرشحين من اليسار والليبراليين ، وكنت يومها من ضمن المترشحين . فتحت مقالات ذلك الوقت وتصفحت بعض الجمل ، فإذا بنا نحن الآخرين مهما كان لون توجهنا السياسي لسنا إلا « شرذمة « جاءت فجأة وطارئة على العمل السياسي . يومها فضلت الصمت لكون المساجلات الانفعالية لا تجدي نفعا ، فمن لا يقرأ حركة التاريخ لا يمكنه هضم مفردة ومقولة قانون التطور والتغيير وسنن الكون المتبدلة ، اذكر المقالة جيدا كيف تطاولت علينا ووصفتنا بنعوت مخجلة ، فقلنا من الأفضل ترك اللحظة فنشوة الانتصارات المؤقتة تاريخيا لن تجعلهم يفوقون من سباتهم ، فكانوا ملوك الطوائف العتاة وأسياد زمن مؤقت في ترانزيت التاريخ ! نعم في التاريخ هناك ترانزيت ، ثم تتحرك عجلة التاريخ في الاتجاهات الموضوعية المعاكسة، حتى وإن كانت رغبتنا الذاتية تغيير الكون وما لا يمكن تغييره لكوننا نعاند قوة التاريخ وسطوته. بعد خسارتي في الدورة الأولى أمام النائب السابق سعدي والعسومي واللذين تواجها في دورة ثانية ، في الأسبوع الفاصل طلبني السعدي للتحدث في مجلسه بعد أن هنأءته بنتيجته .
كانوا الأخوة في ضفة العسومي غيارى لماذا تحدثت هناك فتوهموا إنني ذاهب لعقد صفقة وصب الأصوات في صندوق سعدي ، غير أن الكلام الذي دار في المجلس يهمني أن اكتبه للتاريخ ، وهم شاهدين عليه بما فيه بعض من مفاتيح حملته الانتخابية ، يومها قلت لهم إن النسبة التي حظيتم بها لا تتعدى السقف الذي حصلتم عليه في انتخابات البلدية وهؤلاء معيار واضح لقوتكم وحدودكم ، ولن تستطيعوا تحقيق رقما اكبر من هذا السقف ، إنما العكس فمؤشرات المستقبل تبدو إنكم ستهبطون ، فهذه حدودكم وإمكانياتكم ، احدهم قال لي إن الكلام الذي تقوله كلاما خطيرا ، ولكن الأيام أكدت لهم تلك المساحة المتاحة من الأصوات في دائرتنا ، فربح العسومي المقعد في عام 2006 ، وعاد وانتشله من بين أيديهم هذه المرة بكل سهولة ، منتزعا من أيديهم أيضا البلدية ، لتنسجم الدائرة بقطبيها النيابي والبلدي ، بحيث لا يكون للمنبر الإسلامي مكانا في تلك الدائرة . ومن مساحة الحورة والقضيبية ، كان سريان التغيير يجري في قاعدة وشعبية جمعية المنبر الإسلامي ، إذ كانت خسارته تراجيدية بكل معنى الكلمة ، بل وكانت المقاعد الثلاثة كلها عرضة للضياع لولا أن لعبت عوامل عدة لإنجاح مرشحيهم ، حيث لم يكن للتخطيط والقدرة الشعبية في الدائرة حضور ملموس كالدورتين السابقتين .
الفاجعة ليست فقط في خسران دوائر عدة ، وإنما بهزيمة الأمين العام للمنبر الإسلامي وهو ليس عمودها الفقري ، وكان من المفترض أن يشعر بطمأنينة انتصاره أكثر من غيره نتيجة مكانته السياسية والدينية والنيابية ، فكيف انحسرت الأصوات لتنظيم بهذا الحجم في مناطق عدة ؟، وهم الذين يمتلكون كل وسائل وعوامل الحركة والتأثر ولاتصال والطاقة البشرية والمالية ؟ علينا أن نفتش عن الخلل في أداء هذه الجمعية خلال الدورتين وعدم الوفاء والالتزام أمام الناخبين بوعودهم ، فكان لابد وان يحدث شرخ كبير بين قاعدة جماهيرية واسعة كانت معها ثم فجأة انفضت عنها بتلك الصورة.
للآخرين دور في سحب بساط تلك القاعدة من تحت أقدامهم ، غير انك لا يمكن أن تحرق وتسحب بساطا عن جمعية إن لم تكن في الأداء النيابي أخلت بمصداقيتها أمام الناخبين ، فعاقبوها بنقل أصواتهم للمستقلين والأصالة بل ولأي مرشح قد يحمل لهم تجربة جديدة ووعودا لا بد من امتحانها .
الخذلان والتخلي كان هو العقاب النيابي من الناخبين للمنبر الإسلامي ، الذي قال كثيرا في حملاته الانتخابية ، وفعل قليلا أثناء صمته النيابي الطويل إلا فيما هو شكلي ، لم يشفع لهم عند لحظات المساءلة في أمسيات الحملات الدعائية. بإمكان أي جمعية الحفاظ على أعضائها الملتزمين ، ولكن من الصعب الحفاظ على قاعدة متعاطفين ومؤيدين لك نتيجة تجارب سابقة ايجابية كالأعمال الخيرية ، ولكن عند دخولك اللعبة السياسية ، فان الإرادة الشعبية لها مطالب مختلفة ورؤية قد لا يمكنها أن تنسجم معك طول الوقت ، فعيونهم تراقب فعلك وآذانهم تسمع صوتك ووعيهم يتربص بسلوكك السياسي، ولكنك تتجاهلها دون وعي ، ولكن عند لحظة الامتحان العسير أمام صناديق الاقتراع ، هناك تكتشف لماذا صرت وحيدا بلا «قاعدة شعبية واسعة متغلغلة « تسعد خيلاءك السياسي وتهز شجرتك من الجذور حتى الأوراق والأغصان .
دون شك مثل هذه الفاجعة ستنعكس بقوة تنظيمية على القيادة والكوادر وكل الطاقم المسؤول ، إذ عليهم إعادة قراءة النتائج بشكل معمق ، وتشكيل دم قيادي جديد للمنبر الإسلامي ، يفهم اللعبة بشكل مختلف وينظف بيته ويستعيد الثقة المفقودة فرغم اختلافي معهم أنا مع التعددية والتنوع العقلاني في المجلس لحفظ التوازن .
 
صحيفة الايام
7 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

قراءة مع فنجان قهـوة ،،

 
انفض سامر الانتخابات ولنا فيها دلو ندليه..  نبوبه كالتالي:
 
الشارع السني.. تفوق على نفسه ..
 
هذه المرة.. تمرد الشارع السني على الإملاءات وسلطة الجمعيات وتمسك بتلابيب المستقلين.. لم يقف عند جزئيات : كهذا مصليً وهذا هاجرٌ للمسجد ، وهذا حليق وذاك ملتحي، وهذا ” حبوب” وذاك نزق بل.. تصرف بفطنة وبرغماتية بعد أن درس في جامعة ألاعيب السياسة لـ 8 سنوات وختم الدرس وتخرج.. بخيبة !

فالشارع السني ، وخلافاً لما يرى على السطح، يغلي بالرغبة في التغيير ويحترق من الداخل جراء هدر حقوقه ولكنه لا يجد من ينطق بصوته لأن جُل من يحلفون باسمه مداهنون وصوليون. هذه المرة.. كشر عن أنيابه، ووجه صفعة مدوية لكل من استهان به واستهتر بأحلامه.. لقد خرج السلفيين والأخوان هذه المرة بست مقاعد وبشق الأنفس ” أقل من نصف مقاعدهم السابقة بالمناسبة” ولولا فوز عادل المعاودة بالتزكية بعد انسحاب منافسه في ظروف غامضة، ووجود اثنان من أصل هؤلاء الستة في مناطق جمعية ( وعد) المغضوب عليها، لخرجت ” الأصالة والمنبر” بنصف هذا العدد على الأرجح..!! 

 هي على كل حال رسالةٌ لهم وللمستقلين الذين خلفوهم أيضاً :
لا تستغلوا هؤلاء الطيبين ولا تفهموا سكوتهم خطأً.. تجنبوا الاصطدام مع الحكومة على حسابهم وستندمون.. فعندما يتألم الشارع السني من التجنيس ومن هدر المال العام وعدم عدالة توزيع المساكن ويجد من أنابهم لتمثيله يتجاهلون أنينه فأنه يغضب..
وإياكم.. إياكم وغضب الحليم ..
 
 
الشارع الشيعي .. و” سنور” الوفاق ..
 
على الضفة الأخرى لم تبتعد خيارات الشارع الشيعي بوصة واحدة عن سابقتها.. تشبثوا بالوفاق  واسقطوا المستقلين بالجملة لأسباب لا يغفلها ناظر :
· فحتى أشهر قليلة مضت كان هناك تململٌ واسع من أداء بعض وجوه الوفاق ومن الأداء المتواضع لكتلةً هي الأكبر في البرلمان.. لاشك لمعت بعض وجوه الكتلة وتألقت ولكن السواد الأكبر كان ” تكملة عدد” وكثيرٌ منهم أغضب بجفائه وإهماله أهل دائرته ما وشى بأن الناس ستتطلع لتغييرهم ولكن.. بدأت الحملة الأمنية وتزامنت معها حملاتٌ شرسة للتشكيك بولاء الشيعة بغرض تشويه علاقتهم بمؤسسة الحكم وأطياف المجتمع وهو ما أدى – بطبيعة الحال- لتكتل الجماهير المذعورة والتفافها حول الوفاق ” باعتبارها التجمع الأكبر والأكثر تنظيماً في الصف الشيعي “..

بدورها استثمرت الوفاق – بذكاء- ما وجه لها من سهام حقودة لإثارة ” الفزعة” لقائمتها بغض النظر عن كفاءة شخوصها ومستوى القناعة بهم.. هذه المرة لم تلعب الوفاق على وتر ” الجنة وجهنم ” كما فعلت قبلاً بل عزفت ، بكل اقتدار، على وتر ” تحديات الطائفة” فاستحثت الجموع لنصرتها.. وأطرف تعليقً يختصرُ المشهد هو ذاك الذي سمعته محدثتكم من شاب قال ” شوفي أستاذة؛ لو ترشح الوفاق سنور..بعد بننتخبه” !!
· خدم الوفاق أيضا أن الوجوه التي نافستها كانت إجمالاً مغمورة، حتى تصور البعض أنها مدفوعة ” لسرقة” مقاعد من الوفاق كما راجّ.. أما المستقلين من أهل العلم والسياسة والكياسة فتقاعسوا عن الترشح خوفاً من المغامرة بجهودهم وأموالهم مقابل فتوى صغيرة – قد- تخرجُ في ساعة الحسم فتسقطهم..! 

 ولا يمكن هنا أن نغفل مدلولات حصول د. حسن مدن على 44%  من أصوات الدائرة التي نافس فيها جواد فيروز. وأحدس أن د.مدن لو نافس الوفاق في غير منطقة فيروز، وهو من أقوى وأكفأ عناصر الوفاق، لفاز.. بيد أن ظفر د.مدن بهكذا نسبة – في منطقة فيروز بالذات–  تعطينا مؤشراً إيجابياً ينبئ أن الناس ، إن وجدت بدائل مقنعة في المستقبل للوفاق، فستنحاز لها.. لا نقول ذلك كرها في الوفاق – حاشا- فهي جمعية مجتهدةٌ وطنيةٌ لها وعليها.. ولكن الوفاق ليست ولية أمر الشيعة.. ولا تمثل كل شيعة البحرين على الأرض لتحتكر تمثيلهم في البرلمان. لذا نتمنى أن يذوق الناس عنب سواهم سيما أن تجربة الدورة الأولى ” بوجود عبد النبي سلمان ومرهون وغيرهم” أثبتت أن هناك كفاءات ضمن الطائفة تستطيع ان تمثلها وتمثل الوطن دون إثارة حساسيات مذهبية..

عموما قد يتغير، نتمنى أن تتغير، مقاربات الوفاق هذه المرة.. لئلا يضربها برق السخط في المرة القادمة..
 
 
الإعلام الأخرق.. والدرس القاسي :
 
شاءت بعض الجهات في الدولة أن تخلق ماكنة أعلام تخدمها وتمثلها فرعت كيانات وزرعت أقلاماً هنا وهناك لتنفذ توجهاتها وتخوض حروبها.. تلمع هذا وترمى ذاك بالوحل وتشوش بث هذه الكتلة و” تدفدف” على تقصير تلك.. ولهذا الغرض سُخرت أموال طائلة ( أحد الزملاء قال لي في لحظة طيش وأنا أطالبه بالكتابة بضمير ” وهل ستدفعين لي 5 آلاف شهريا” فعقد لساني، فإن كان كاتب متواضع الشعبية والموهبة يحصل على ” أكرامية” كهذه.. فلابد أن تتساءل علام يحصل سواه )!!

ليس هذا موضوعنا على أية حال.. بل دراسة حقيقة أن من روجت لهم هذه الترسانة الإعلامية بتأدً وثبات لسنوات ؛ سقطوا.. ومن تغتصبُ سمعتهم ومصداقيتهم على الورق كل صباح فازوا أو تعملقت شعبيتهم تعاطفاً معهم ” وعدُ مثالا”.. وفي تلك رسالةٌ مهمة للجهات ” الحاضنة” لتعيد النظر، بشكل جدي ، في تمويل تلك الاطروحات التي – لم تثبت فشلها فحسب- بل وأنها تأتي بنتائج عكسية !!
 




 
 العسكريين .. بقعة الحبر
 


لا يمكن لمنصف ان ينكر كم كانت الانتخابات شفافة ونزيهة ، مخالفاتها لا تكاد تذكر وتنظيمها مُبهر، وحتى المراكز العامة التي يُرعد ذكرها فرائصنا لم تؤثر في النتائج ” من فاز فاز بصناديق منطقته ومن خسر خسر بسببها ” سارت الأمور بسلاسة – نقول- ولكن بقعة الحبر التي لوثت ثوب الانتخابات كانت تجيير أصوات العسكريين.. أولاً بإجبارهم على التصويت رغم كونه اختياريا ” مشهد العسكريين الذين منعوا – لسبب ما- من التصويت وهم يترجون المشرفين لختم جوازاتهم خشية التعرض للعقاب كان مألوفاً في عددً من المراكز”.. أضف لذلك ما أُشيع في صفوفهم – عمداً- من أن الدولة ستعرف لمن منحوا صوتهم من خلال العلامة اللامعة في الورقة..!
 
عدد العسكريين في البحرين ليس بالهين. هم 30 ألف أو يزيد متمركزون في مناطق معينة وتجييرهم لصالح أسماء بعينها غير معالم النتيجة دون شك في بعض المناطق.. وكل تلك ممارسات يجب التحقيق فيها من قبل ذوي القرار لمحاسبة من بدرت منه – أو بمعيته- لما فيها من هتك لحقوق العسكريين والمرشحين في آن..
 
 
وعد.. هزيمة بطعم النجاح..


 
كنا نأمل أن تزخرف وجوه “وعد” مقاعد المجلس لتكتمل تلاوينه ولكن..ما تحقق المنى ولعل الرابعة.. تكون الثابتة !!
رموز ” وعد” استفادوا من فترة الانتخابات للتعبير عن أطروحاتهم ونشر أفكارهم والتقرب من الشارع – وهذا بحد ذاته مكسب- واللافت أن شعبية ” وعد” تتزايد مع كل هزيمة.. ولهاته الكفاءات المغيبة نقول: لستم بحاجة للبرلمان لتمثلوا الشعب.. كل من لديه صوت وحجة ومنطق وقلم من حقه أن يمثل الشعب بطريقته.. استثمروا ما اكتسبتموه في الانتخابات من صيت ولا تدخلوا في “بيات نضالي” حتى الانتخابات القادمة.. كونوا نواب غير متوجين والميدان لكم وسماء البحرين قبتكم..
 


*****
 
قُضي الأمر اليوم وما لنا إلا أن نقول ختاماً سوى حفظ الله البحرين وأهلها الطيبين من الدسائس والخبث والخبثاء..
رب وفق أهل البحرين لنواب يصدقونهم ويمثلونهم ولا يمثلون عليهم ..
رب أحفظ ملكنا وقيادتنا من بطانة السوء واحفظ شعبنا من سماسرة الفتن وتجارة الذمم..
انك سميع مجيب عالم بالحال بلا مشتكي .. 



  
 حرر في 2 نوفمبر 2010
 

اقرأ المزيد

حول انتخابات البحرين


ليسَ في أرشيفِ ما نتذكّرُ من انتخاباتٍ عربيّة، أو غيرِ عربيّة ربما، أنَّ مرشحي حزبٍ أو تجمّعٍ سياسيٍّ مُعارضٍ فيها فازوا جميعُهم. هذا ما حدَثَ في انتخاباتِ مجلس النواب البحريني (40 مقعداً) التي اكتملت الأُسبوعَ الماضي، فقد نال المرشحون الـ18 لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية مقاعدَهم كاملة، وهي الجمعيةُ المعارِضةُ الموصوفةُ بأنها الممثلُ الأبرز للشيعةِ البحرينيين، وإحدى 15 جمعيةً سياسيةً في البلاد، قاطعت ثلاثٌ منها الانتخابات. وربّما يؤشر هذا الفوزُ الاستثنائيُّ إلى قدرةِ “الوفاق” على حيازةِ أغلبيةٍ نيابيةٍ إنْ أرادت، ما قد يبعثُ رسالةً مهمّةً إلى صانعِ القرارِ الأول. وكان من نتائجِ الانتخاباتِ أيضاً (فاز خمسةٌ بالتزكية) تراجُعُ الجمعيّتين السنيّتين البارزتين، “المنبر الإسلامي” الإخوانيّة و”الأصالة” السلفيّة، ونالت الأولى ثلاثةَ مقاعدَ بخسارةِ اثنيْن، ونالت الثانيةُ ثلاثةً بخسارةِ أربعة. وأُعيدَ ذلك إلى الخصومةِ بينهما إلى حدِّ العداءِ أحياناً، وتواضعِ أداءِ نوابِهما في البرلمان السابق بشأنِ ملفاتٍ وقضايا سياسيّةٍ وخدماتيّة، وما تردّدَ عن رفعِ الدولةِ غِطاءَها عنهما، بعد أن كانت هيمنتُهما واضحةً على الدوائر ذاتِ الأغلبيّة السنيّة.

عُرفت البحرين بوجودِ تياراتٍ وتوجهاتٍ ليبراليةٍ ويساريةٍ وقوميةٍ نشطت طويلاً فيها، مثّلتها معارضةٌ وطنيّةٌ كانت أسماءُ ورموزٌ عديدةٌ فيها منفيّةً اختيارياً خارجَ بلادِها، بسببِ قوانين متشددةٍ واعتقالاتٍ مشهورة. انتهى هذا الحال مع “المشروع الإصلاحي” الذي يقودُه الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وبدأَ بالعفو العام وإلغاءِ قانون ومحكمة أمنِ الدولة وصياغةِ الميثاق الوطني. وفي تلك الحقبة، كان دورُ ذوي الخياراتِ اليساريّةِ والليبراليّةِ والحقوقيّةِ حيوياً في النضالِ من أجلِ الإصلاحِ الديمقراطي والوطني، وقد مُنيَ أصحابُ هذه التوجهات في الانتخابات الجديدة بخساراتٍ فادحةٍ أمام “الوفاق” والإسلاميين الآخرين، وأمام المستقلين (16مقعداً) من رجالِ أعمالٍ وتكنوقراط وذوي نزوعٍ ليبرالي، ومنهم قريبون إلى الحكومة. وعلى غيرِ الذي استجدّ في الكويت، لم تتمكن أيٌّ من المرشحاتِ الثماني من الوصولِ إلى الندوةِ البرلمانية، باستثناءِ زميلةٍ لهم مستقلةٍ فازت بالتزكية، ما دلَّ على عدمِ جاهزيّةِ المجتمعِ البحرينيِّ لتمكينٍ حقيقيٍّ فيهِ للمرأة، وهو الذي تَتبدّى فيه مظاهرُ انفتاحيّةٌ لافتة.

المؤسفُ في المشهد السياسيِّ، والانتخابيِّ بالضرورة، في البحرين (مليون و39 ألف نسمة، الأجانب أكثر من 51 %) أنّ الطائفيّة عنوانٌ رئيسيٌّ فيه، وفي محله القولُ إنَّ فوز “الوفاق” في كاملِ الدوائرِ ذاتِ الكثافة الشيعيّةِ يطمسُ التنوعَ السياسيَّ والاجتماعيَّ فيها، لمصلحة لونٍ واحدٍ مذهبياً وسياسياً. ولا دقّةَ في وصفِ هذه الجمعيّةِ بأنها المعارَضةُ البحرينية، لأنّها تمثلُ جزءاً من هذه المعارضة، وإن كانت الجمعيةَ الأكبر بينها، لكنها تبقى محكومةً بتوجيهاتِ المرجعيّة الشيعيّة التي ناهضت مرشحينَ شيعةً ليبراليين ينتسبونَ إلى جمعياتٍ ديمقراطيّةٍ ووطنيّة، على ما أوضحَ صديقُنا حسن مدن الذي يتزّعم جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي، ولم يحالفْهُ النجاحُ في الاقتراع. ويدعونا إلى التوقفِ كثيراً أمامَه، قولُ المثقفِ الرائق والوزير السابق، الدكتور علي فخرو، إنَّ سيطرة الهاجسِ المذهبيِّ لدى المواطن البحرينيِّ هو ما لا يمكِّنُ الشخصياتِ القوميةَ والليبراليةَ واليساريةَ من الوصولِ إلى البرلمان، كما تحذيرُهُ من “استقطابٍ طائفيٍّ غيرِ مطمئنٍ ستكونُ له تداعياتُه الخطيرة”، وكذلك تأشيرُهُ إلى أنَّ البحرين تعيشُ في اللحظةِ الراهنةِ انقساماً طائفياً حادّاً.

تُؤشِّرُ المواسمُ الانتخابيةُ العربيةُ، على ما لها وما عليها، إذنْ، إلى خرابٍ غيرِ هيّنٍ في أنماطِ التفكيرِ السائدةِ والنزوعاتِ التي صارت متوطنّةً في بيئاتٍ وحواضنَ اجتماعيةٍ راهنة، تدعونا الواقعةُ الانتخابيةُ البحرينيةُ الجديدةُ إلى استكشافِها في بلادها، كما جهدٌ مماثلٌ سيكونُ مطلوباً في الأردن بعد انتخاباتِنا يوم الثلاثاء، بشأنِ تفاصيلَ مُغايِرةٍ، إنْ كانت تخلو من الطائفيةِ فثمّةَ غيرُها.


جريدة الغد الأردنية
6 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

الحداثة القومية والديمقراطية

القوميتان العربية والفارسية المتقاربتان على ضفتي الخليج وحدود العراق تشكلتا من خلال مسيرات معقدة متداخلة متصارعة، وترثان صراع الامبراطوريات الكبرى التي هجمتْ كلٌ منها على حدودِ وأعماقِ الأمةِ الأخرى، وشابتْ علاقتهما الكثيرُ من المحنِ والثمار المشتركة المفجرة لثورات النهضة القديمة وكذلك الأخاديد المؤلمة التي تغلغلتْ في العظامِ السياسيةِ والاجتماعية على مدى قرون.
في السنوات الأخيرة تفارقت خطى الأمتين على هذه الضفاف، النظامُ المذهبي الجمهوري الإيراني يمثلُ ذروة تطور هذه الأمة التي وضعتْ عباءةَ المذهبِ الديني وهي تعبرُ من العصور الوسطى نحو العصر الحديث، هذه العباءةُ التي تلاءمتْ مع مسالمة هذه الأمة وبحثها عن التطور السلمي والتي طردتْ بها المغولَ المحتلين، لكن الأنظمةَ الوراثية الاستبدادية حولتها لعملية التهام للقوميات الإسلامية الأخرى خاصة العرب.
كان المذهب الاثنا عشري مذهب السلام المؤسس، المتجنب للاسماعيلية والزيدية الحربيتين، لكن الملوك حولوه إلى إمبراطورية مثل المذهب الحنفي السني الذي تحول بدوره لدى العثمانيين إلى امبراطورية مهيمنة على عالم واسع.
في الشكلين المتصارعين الشيعي والسني الممهورين بخواتم إمبراطورياتِ الارستقراطيين، تم تصعيد عناصر الاختلافاتِ البسيطةِ بين الصحابة، إلى إيديولوجيتين مذهبيتين متعاديتين.
كان التكوينان القوميان الفارسي والعربي بحاجةٍ إلى مثل تلك العناصر الدينية المتصارعة لكي يبرزا من خلالِهما، ويشكلان تاريخين مختلفين للإسلام يمثلان أجنةً لهاتين القوميتين.
وفيما انهارتْ الامبراطوريةُ السنيةُ بقيتْ الشيعية، التي لم تستلهمْ كثيراً العقلانيةَ النصوصيةَ الحنفية ولا العقلانية الحديثة، بقيتْ الامبراطوريةُ الإيرانيةُ وجددتْ نفسَها بصعوباتٍ وتناقضات كبيرة مصعدةً العناصرَ المفارقة لبقية المسلمين.
لكن كان ذلك أغلبهُ في العصرِ الوسيط وبعضه في العصر الحديث.
إن المشروعَ القومي الإيراني كان بحاجةٍ إلى العباءةِ المذهبية، وربما لايزال، وهو مترددٌ مضطربٌ بين مشروع الامبراطورية المذهبية وبين الدولةِ القومية الديمقراطية.
مشروع الامبراطورية يؤدي إلى التصاعد العسكري، ومشاكل الحصار والعقوبات والأزمات المعيشية والشمولية.
ومشروع الدولة القومية الديمقراطية يتطلب طبقات وسطى واسعة وازدهار الصناعات والتجارة الخاصة فيظهر الخوفُ من تفكك الدولة واستقلال القوميات.
إن القوميات الأخرى غير الفارسية كالعربية والكردية والبلوشية تتحرك هي الأخرى ولا تسمح لها قدراتها الاقتصادية والاجتماعية بأن تكوّن دولاً مستقلة، وهو أمر تفتيتي خطر.
القوميةُ العربيةُ التي ظهرتْ كأجنةٍ في المذهبيةِ السنية والوعي التحديثي لم تتمازجْ هي الأخرى مع الديمقراطية، فخوفتْ الأقليات والمذهبيات والأديان والقوميات الأخرى، ومرتْ فترتُها الذهبية الحديثة ولم تقمْ بتجارب انصهارية بين القومية والديمقراطية، وجاءتْ المذهبيةُ السنيةُ المحافظة على أعقابِ هذا الفشل وكانت أبعد كثيراً عن القومية والديمقراطية معاً.
وهي تعبيرٌ مذهبي يعود إلى العصر السابق ليس عن القومية العربية فحسب بل عن قوميات أخرى كالكردية والافغانية وعن تراجع العلاقات الاجتماعية المتطورة فيها وصعود البداوة وآفاقها السياسية الضيقة. وهو أمرٌ يعبر كذلك عن عدم تطور العلاقات الديمقراطية في تلك القوميات والشعوب الإسلامية.
واتضحَ ان أي تطرفٍ فيها مثل القاعدة يؤدي إلى حرقِ العلاقات الأخوية بين القوميات والأديان والشعوب والمذاهب جميعاً في المنطقة.
الحركةُ البندولية القومية المذهبية وصلتْ عبر هذا كله إلى اقصى تطرفها، في الجانبين الفارسي والعربي، ولم يعدْ ثمة إمكانية للتصعيد وإلا وقع الخرابُ للجميع.
لا شك أن القادة والمسئولين في الدول الإسلامية يحسون بالخيوط المرهفة لمثل هذا الغول الذي يكبرُ يوماً بعد يوم، ويَعدُ بالتهام الجميع، وبأن تَكونَ الدول الوطنية والقومية ينبغي أن يغدو مصهراً لجميع المواطنين، وأن الثقافة السياسية المذهبية لم تعدْ مفيدةً كتمييزٍ للمواطنةِ والقومية.

صحيفة الوسط
6 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد