المنشور

الدعمُ وأبعادهُ السياسية

أهم دعائم الاستقرار السياسي الاجتماعي هو التحكمُ الحكومي في الشركات الكبرى، وبدايةُ إبعادِها عن الفساد، ونشوء وزارة مالية مدققة متابعة لأي أخطاء في هذه الشركات الحكومية وفي المال العام عامة.
التحكمُ السياسي الاقتصادي الأدقُ والمتصاعدُ التطور يجرى من داخلِ الحكومة ولاتزال مؤسساتُ المجتمع المدني كالمجلس الوطني والجمعيات السياسية والبلديات والنقابات غير قادرة على التأثير في الأوضاع الاقتصادية العامة وتقريبها من مصلحة المواطنين والمقيمين لضعف الرقابة والتحليل والتدقيق وندرة التشريع.
أهم دعائم الاستقرار هو الدعم الحكومي للمواد الأساسية للأغلبية الشعبية مواطنين ومقيمين.
إن التفريق بين المواطنين والمقيمين هو في حد ذاته أمر مهين وغير إنساني، وغير ممكن التطبيق أصلاً، ولكن حتى لو كان ممكن التطبيق فهو خطرٌ مضادٌ للدساتير الإنسانية والمواثيق الدولية.
فلا يجوز لأفراد يُفترض أن يكونوا سياسيين ومسئولين التفريق بين البشر، هذا بحد ذاته تجاوز للقانون.
فهنا يتم تصوير المقيمين بأنهم خارج البلد ومسئولياته وظروفه، خارج إنجازاته ومصاعبه ومشكلاته! فعليهم أن يساهموا في البناء ولكن من دون حقوق.
كأنهم قطاع غير إنساني! مثل الغنم والماشية والأنعام!
كيف يمكن التفوه بهذه الألفاظ المعيبة؟!
هذه العقلية نتاج وعي سياسي بيروقراطي خاصة حين يقفز للتفريق بين البشر في البلد، فهناك أناس يجب أن يتحملوا ظروف تغيير الأسعار، وأناس لا يجب أن يتحملوا هذا التغيير!
أناس يشترون الخبز بأضعاف سعره الراهن وأناس يشترونه بسعره الراهن!
وكيف يحدث ذلك؟ من خلال بطاقات، ولكن هذه يمكن تطبيقها في مخابز باريسية وليست بحرينية، فأي خباز لدينا لديه قدرة على القراءة؟ إذا كان يقرأ يحتاج إلى نظارات طبية بثمن أجره! وأي خباز يمتلك كل هذه القدرات العقلية والثقافية لمعرفة البطاقات التموينية؟ وهل لديه وقت في الحرارة الرهيبة أن يبقى في خباز بهذه التعقيدات الاقتصادية؟
وكذلك بائع اللحم عليه أن يؤجر مجموعة من المحللين والمدققين في الهويات لكي يفرق بين من يستحق الدعم ومن لا يستحق؟
هذه العقلية البيروقراطية تعيشُ أزمنة الأنظمة الحكومية القومية العسكرية، واستمرار هيمنة القطاعات العامة على كل صغيرة وكبيرة في الاقتصاد والمعيشة وشراء الخبز واللحم، بدلاً من رفع هذه الهيمنة وتفعيل السوق الحرة بكلِ تركيبتِها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أي تأسيس نظام حر متكامل متدرج التكوين، ذي تلاق حكومي وشعبي.
الآن يحللا موعدُ دفع تكاليف هذه المظلة التي تأخر تغييرها وإصلاحها، بعد أن تسربتْ أموالٌ كبيرةٌ منها.
إن تكوين سوق رأسمالية حرة حقيقية أمر مكلف وذو أخطار، حين ينشأ بأشكالٍ عفوية وتجريبية، وحين يتوجه للقمة العيش ويبدأ التغيير منها، بدلاً من إعادة نظر اقتصادية سياسية اجتماعية شاملة، تتشكلُ من خلال مؤتمرات ودراسات، وتقترح مجموعة من القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتكاملة.
فهناك مصادر دخل هائلة في البلد، من أهمها تلك الشركات الحكومية التي تبيعُ الموادَ الخام الثمينة، والتي حدث فيها ما حدث، هذه مصدرٌ أساسي لدفع المال اللازم لأي تحول متدرج لاقتصاد السوق، وهناك الرسوم التي يدفعها المواطنون والمقيمون على كل خدمة، وهناك الضرائب الممكن تطبيقها على الدخول الكبرى والمؤسسات الاقتصادية كالبنوك.
إن المؤسسات الخاصة الكبرى يجب أن تدعم التحول التدريجي للاقتصاد الحر الديمقراطي، الذي تحدث فيه مصالح مشتركة للعاملين والقوى الاقتصادية المالية.
إن القيام بأي خطوات سهلة سطحية لها نتائج عكسية، فالقراءات المعمقة المدروسة هي ضرورية الآن، ويجب أن تكون صبورة وتأخذ وقتاً كافياً، لرؤية طريق التحول الممكن الشامل.
ويجب أن يبتهج المواطنون والمقيمون للتحولات السياسية لا أن يشعروا بالأضرار وفقدان المكاسب منها، فهي ليست لديها الإمكانات لتحويل طموحاتها وآمالها لسياسة اقتصادية حقيقية بشكل مستمر، فحراكها الأولي فقد حرارته وإذ تجيء مثل هذه القرارات المعاكسة لعيشهم يشعرون بإحباط رهيب.

صحيفة اخبار الخليج
30 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

سلبيات نظامنا الانتخابي

استمراراً لحديث الأمس بين سلبيات وعيوب كثيرة أبرزتها، بشكل جلي، هذه المرة كما في المرة السابقة، الانتخابات البلدية والنيابية، تبدو سلبيات النظام الانتخابي المعمول به حاليا في مقدمتها، خاصة لجهة التوزيع الراهن للدوائر الذي يقسمها إلى أربعين دائرة، لكل دائرة الحق في انتخاب نائب واحد فقط.
تحدثنا أمس حول الأصوات المهدرة التي حصدها مرشحو التيار الوطني الديمقراطي، في نطاق ما دعوناه مصير من أسميناها بالقوى المتوسطة والصغيرة التي خرجت خالية الوفاض من السياق الانتخابي.
وسنظل نرى أن بقاء التوزيع الراهن للدوائر يعيق فرص هذه القوى في الفوز في المستقبل أيضاً، وان القوى الكبيرة ستظل من يمتلك إمكانات الفوز الفعلية لاعتمادها على أدوات وآليات أخرى في حشد الناخبين ليست متيسرة للقوى الأخرى، خاصة الديمقراطية منها بالنظر للطبيعة الفكرية والسياسية والتنظيمية المختلفة لهذه القوى .
لابد من التوضيح اننا عند مقاربة ملف النظام الانتخابي، خاصة الجزء المتصل بتقسيم الدوائر فيه، إننا نتعاطى مع هذا الملف من منظور مختلف عن ذاك الذي جرى به تناوله في الكثير من الحالات .
منطلقنا يرتكز على الحرص في إظهار ما في المجتمع من تنوع وتعدد سياسي وفكري واجتماعي، من المفترض أن يجد له تعبيرا في المجالس المنتخبة، وفق نظام انتخابي مرن يهيئ ذلك، ولهذا الأمر مزايا عديدة سنأتي على ذكرها، لكن أبرزها هو تأمين استقلالية القوى غير الكبيرة، متوسطة أو صغيرة الحجم، بحيث لا تجد نفسها أسيرة للقوى الأكبر منها طمعا في دعمها في الانتخابات.
وهذا يتيح لهذه القوى الأصغر توسيع دائرة حركتها في إبراز أوجه تمايزها في البرامج والرؤى عن تلك القوى الكبيرة، ومخاطبة القاعدة الاجتماعية التي تمثلها بالشعارات والبرامج التي تفهمها هذه القاعدة وتجد فيها تعبيرا عن مواقفها ورؤاها، إضافة إلى أن هذا النظام الانتخابي المرن الذي ندعو إليه يتيح إمكانيات التحالف والتنسيق بين هذه القوى الصغيرة والمتوسطة لتشكيل كتل انتخابية أكبر قائمة على تبادل المنفعة بين أطراف هذه القوى.
وهو أمر لا يوفره النظام الحالي، ذلك أن الكبير لن يتنازل عن مواقع نفوذه لمن هو أصغر منه قوة وتأثيرا، لأنه باختصار ليس مضطرا لذلك، فهو يرى أن من حقه طالما كان هو القوة الأكبر أن ينال ما يراه حقا مُكتسبا له خاصة في حال غياب النظرة الواسعة التي ترى الأمور من منظور وطني أشمل.
على خلاف الحال في تحالف القوى الأصغر التي تجد لها مصلحة متبادلة في التحالفات التي تخدم أطرافها مجتمعة، وهو أمر وجدنا نموذجا له في التحالف الذي نشأ في انتخابات 6002 بين الأصالة والمنبر الإسلامي والذي عاد بالمنفعة على الطرفين وجعل منهما قوة مؤثرة في مجلس النواب وفي المجالس البلدية أيضا في الفصل التشريعي والبلدي السابق .
هذا التفكير هو منطلق دعوتنا التي أطلقناها في عام 2006، ونعيد التأكيد عليها اليوم في ضرورة إعادة النظر في النظام الانتخابي، ووضع هذه المهمة ضمن أولويات الأجندة الوطنية التي يجب العمل في سبيلها، من اجل تعزيز شروط المنافسة الديمقراطية في الممارسة الانتخابية.
 
صحيفة الايام
30 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

إشكالية كتلة المستقلين (2)

في خضم الأيام الانتخابية الفائتة تمخض بكل وضوح عن صعود وتشكل كتلة ثالثة جديدة /قديمة ، ستكون القوة الثانية بعد تكتل الوفاق ، ولم تكن الأنوف السياسية ولا حتى الاستبيانات بعيدة عن إحساسها العام عن وجود حالة دفع مجتمعية قوية في اتجاه منح المستقلين فرصة الحلول في مواقع الإسلام السياسي السني داخل قبة البرلمان كبديل جديد ، يقود العملية النيابية بعد موقف الناخبين من جمعية الأصالة والمنبر الإسلامي ، بل وكشف الحقائق أمام ناخبين ناقمين على الجمعيتين ، فكان الخيار والبديل هو المستقلين وليس القوى الديمقراطية اليسارية ، المهم أن يأتي مولود جديد يحمل على عاتقه الملفات ويصبح اللاعب الأساسي في المجلس محاط بمقاعد خمسة للإسلام السياسي ستكون في حضنه في نهاية المطاف ، عندما تكون الحاجة ملحة في التضامن والتأييد. غير إننا نجد منذ اللحظة الأولى لتصريحات الوفاق أنها ستهتم بملف الخدمات ومن أولويات تلك الملفات ملف الإسكان ، حيث سيتبارى جميع النواب أمام من لديهم مشكلة سكنية متناسين أنهم أيضا يمثلون ناخبين ليس الإسكان مشكلتهم !! فماذا بصدد هؤلاء الناخبين المنسين والذين كانوا على قدم وساق منحوا صوتهم .
في غمرة التصريحات نكتشف خلل النواب الذين أتحفونا في حموة الانتخابات وتشنجات الحناجر الهادرة ، بأنهم سيكونون ،، الخدام الطيبين في خدمة الشعب /الناخبين ،، ولكن عندما نكتشف إن هناك مسافة شاسعة بين العمل الدعائي الانتخابي و الفعل الحقيقي اليومي لحجم هموم الناس وطموحاتهم ، سيلمس الناس بعدها إن الوعود ليست كل شيء فهناك الحلول المؤقتة والتي عادة تكون حلا مؤقتا للشعب أكثر من كونها حلولا جذرية لمشكلة مستعصية من الضروري حلها بخطط ثابتة وعملية ودائبة ، فالناس ملت الأصوات المتضخمة في الحملات الانتخابية ، بل وتكاد تهمس من الوراء بعد كل عشاء دسم ، لن يفعلوا لنا أكثر مما وعدونا في السابق ، حيث صارت تؤمن قوة الشارع الموزعة في الكم والنوعية ، بقدرة الدولة على حل مشاكلهم والذهاب إليها عبر قنوات متعددة أهم من أسئلة استفسارية ،، مدرسية ،، داخل قبة البرلمان !
ما ترشح من كلام عابر في الصحافة دلل على مدى الالتباس السياسي لهذه الكتلة ، فتارة سمعنا أنها كتلة اقتصادية فانبرى أخر يحتج بهدوء رافضا ذلك ، فيما أخر صرح أنهم يسعون لإعداد برنامج للكتلة وبأنهم سيسمونها ،، كتلة المستقلين الوطنية ،، وإذا بنا نكتشف أن الوطنية اختفت بقدرة قادر من التسمية مما يجعلنا نتحسس الطبيعة الفكرية والسياسية لهذه الكتلة الهلامية المبعثرة ، التي كلما تراخت أو تسيبت في كلامها يقفز الناظم لها ناصحا.
دون شك سيجد «المستقلين» وهم يتحاورون إن لكل واحد منهم برنامجه الانتخابي ، وعليهم استمزاج واستنباط واستخراج برنامج موحد من برامجهم ، فهم سيتفقون على مجملها وسيختلفون على تفاصيلها ، دون أن ينسوا أنهم في النهاية محكمون من جهتين بنقيضين ، الأول الناخب والآخر الحكومة ،التيه السياسي بدأ منذ اختفاء طبيعة التسمية التي تعكس مدى رؤية وفهم النواب لمعنى كتلة مستقلة دون أن نفهم مضمونها الفكري والسياسي والاقتصادي ، تسمية مختلفة عن مغزى مرشح دخل بتسمية مستقل للحملة الانتخابية ، ولكنه لن يكون داخل البرلمان كتلة هلامية بلا معنى أو مغزى أو اتجاه !! كتلة المستقلين التجارية الليبرالية ربما لا تناسب بعضهم وتناسب الآخرين ، المنتمين لشريحة التجار ، كتلة المستقلين الديمقراطية أو الوطنية فهذه تضعهم في مطبات ومنزلقات غير مرغوبة ، إذن عليهم البحث عن تسميات محددة لهويتها كتسمية كتلة المستقلين الدستورية أو النيابية أو الإصلاحية أو أي شيء يحدد تلك الملامح، هذا على سبيل المثال وليس الحصر ، ومثلما هم من البداية تحمسوا لتسمية كتلتهم بالوطنية وصرحوا أنهم ينوون تشكيل جمعية سياسية !، فنحن بانتظارها وبانتظار تسميتها ، وصيغتها المحددة ، لكي يتم التعامل مع مجريات العملية النيابية داخل القبة وخارجها ، فالنواب في المجلس مهماتهم ليست محصورة بالخدمات ولا بناخبيهم فقط ، كما نجدها في تصريحات لا تعبر إلا عن مستوى وعي النائب وثقافته وحسه السياسي .
فنحن طالما قرأنا بروشيه احد الفائزين أن ،، انجازه هو إمام مسجد ! ،، فهذا دليل واضح أنه لا يفقه الفرق بين المؤهلات والانجازات ليس ككلمة وإنما كمعنى ، بل ولم يتصد له ناخب لمناقشة هذه الهفوات المسلية في الأوراق والملصقات الانتخابية ! .
مثل تلك الهفوات سنجدها في باكورة تصريحات ذلك النائب الذي قال لجريدة الأيام إن لديه سبعة أسئلة وزعها على أربع وزراء ، غير إننا عندما تفحصناها وجدنا إن النائب لديه خلط بين السؤال والتساؤل والمساءلة ، والأخير ينبغي أن يدخل في دائرة الاستجواب ، بينما حقيقة الأسئلة السبعة كانت جميعها خدماتية حملها النائب من روح العمل البلدي ! والأكثر كانت أسئلة ذات طابع استفساري، أسئلة توضيحية واستيضاحية ، تفتش عن إجابة قديمة ومعطلة ، في نبرتها رسالة لناخبيه قائلا : ،، هاأنذا أوفي بتعهداتي الانتخابي لكم في السؤال عن مشاكلكم المعلقة في البلديات والإسكان والتعليم والتنمية ! ،، وهكذا ضاع السؤال من التساؤل واختفى السؤال عن المساءلة ، فجميع نوابنا باتوا يخافون المواجهة مع الحكومة حتى في حدود الحريات المتاحة في الميثاق والدستور ، وبدلا من أن يرفع نوابنا سقف الاثنين «الميثاق والدستور « في تنشيط فضاء الحرية والديمقراطية الوليدة في المشروح الإصلاحي لجلالة الملك ، لكي تتراكم العملية الديمقراطية ، نراهم يتراجعون بأقل من ذلك السقف ! فهل فعلا نحن أمام إشكالية جديدة في المناخ النيابي ، في كل الأحوال ستكون كتلة المستقلين حديثنا الشاغل في الأسابيع القادمة ، إذ أول الغيث في الدور التشريعي القادم ما زال غامضاً، طالما هذه الأنواع من الأسئلة ستكون هي السائدة ! وعلينا أن نستعد!
 
صحيفة الايام
28 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

معاناة الطبقات الشعبية !


هناك مغالطة رائجة بأنّ الكويتيين جميعا مترفون ليس بينهم مَنْ يعاني صعوبات العيش، وأنّ الغالبية الساحقة منهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى، إلا أنّ الواقع الاجتماعي يدحض هذه المغالطة، بل يكشف أنّ أقساما من الطبقة الوسطى نفسها قد تدهورت أحوالها المعيشية وتآكلت مدخراتها، وذلك نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات التضخم النقدي في الكويت خلال السنوات الأخيرة، بحيث أصبح مستوى معيشة هؤلاء أقرب ما يكون إلى مستوى معيشة الطبقات الشعبية!
 
فهناك أكثر من 27 أسرة كويتية تعتمد في معيشتها على ما تتلقاه من مساعدات اجتماعية شهرية تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
 
وبين الكويتيين هناك الآن أكثر من عشرين ألف عاطل عن العمل، حيث تبلغ نسبة البطالة بين قوة العمل الكويتية 5.9 في المئة وفق بيانات العام 2008، وهي نسبة آخذة في الارتفاع، حيث تقدّر البيانات الحكومية أنّ نحو ستة آلاف عاطل كويتي على الأقل سينضمون سنويا إلى صفوف العاطلين عن العمل في كل سنة من السنوات الأربع للخطة الإنمائية، وذلك في ظل تقلّص فرص الوظائف الحكومية المتاحة وعدم التزام القطاع الخاص بأداء مسؤولياته الاجتماعية المفترضة!
 
وكذلك فإنّه بسبب محدودية الأراضي المتاحة للسكن والمضاربات العقارية عليها فقد ارتفعت أسعار الأراضي والعقارات على نحو يصعب معه على الأسر الكويتية الشابة أن تحصل على سكنها الخاص من دون الاعتماد على برامج الرعاية السكنية الحكومية، حيث يبلغ عدد الأسر الكويتية على قائمة الانتظار أكثر من 90 ألف أسرة، وهذا يعني أنّ هذه الأسر لا تمتلك مسكنها الخاص، وهم في الغالب من المستأجرين، وبالطبع فإنّ بدل السكن لا يزال أقل بكثير من القيم الإيجارية السائدة.
 
أما معدلات التضخم النقدي خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقد زادت على نحو غير مسبوق حيث بلغت نحو 20 في المئة خلال الفترة بين العام 2008 والعام الحالي، وهذا ما أدى إلى تراجع ملحوظ في مستوى المعيشة… وأمامي نشرة الأرقام القياسية لأسعار المستهلك لشهر سبتمبر 2010 الصادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء، وهي تكشف أنّ الرقم القياسي العام لسعر المستهلك قد ارتفع بين سبتمبر 2009 وسبتمبر 2010 من 136.3 إلى 143.5، وهذا يعني أنّه ارتفع خلال سنة واحدة بنسبة 7.2 في المئة، بل لقد ارتفعت أسعار السلع خلال شهر واحد قياسا بما كانت عليه في شهر أغسطس 2010 بنسبة 1.6 في المئة، وكان الارتفاع الأكبر في أسعار المواد الغذائية، حيث ارتفع سعر المستهلك فيها بنسبة 16.3 في المئة، وبالتأكيد فقد تضررت ميزانيات الأسر والأفراد من جراء هذا التضخم، وتعرضت قواهم الشرائية إلى خفض ملحوظ، في الوقت، الذي لم ترتفع فيه دخولهم بما يتناسب مع هذه المعدلات المطّردة من التضخم، خصوصا بالنسبة للمتقاعدين وصغار الموظفين والعمال، ما أدى إلى إثقال كواهلهم بالمزيد من الأعباء المعيشية.
 
إنّ ما تعانيه الطبقات الشعبية من صعوبات معيشية واقع حقيقي قائم لا يمكن إنكاره، ولم يعد هناك معنى لترويج المغالطة القائلة بأنّ الكويتيين جميعهم مترفون… فإذا كان صحيحا أنّ هناك أثرياء ومترفين بين الكويتيين، فإنّ هناك في المقابل أقساما واسعة بين الكويتيين من المهمّشين، الذين يمثلون الغالبية الساحقة ويشكون من الغلاء والبطالة وارتفاع إيجارات السكن وتكاليف المعيشة، وحان الوقت لأن يكون لهؤلاء المهمشين حركتهم السياسية الخاصة التي تمثّل مصالحهم وتتبنى همومهم وتتحسس مشاكلهم وتنظم صفوفهم، وتحوّلهم إلى قوة فاعلة ذات صوت وأثر، مثلما هي الحال في مختلف المجتمعات الإنسانية، فنحن في الكويت لسنا استثناء… وهذا هو الدور المفترض لليسار والتقدميين!
 
جريدة عالم اليوم  10 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

قراءة في المشهد العربي.. تجديد إشكالية المشروعية (2)

مكامن العجز
ما هي الاسباب أومكامن العجز؟ أو بصورة ادق كما يقول علي حرب اين مكمن الخلل في كل هذا العجز والتردي والتفكك؟
يعتقد الباحث ان جذور المشكلة يكمن في مرجعيات وانماط الرؤية اي في عالم الفكر بنظامه ومسبقاته او بقوله واحكامه او بادارته وسياسته وان ازماننا ليس مصدرها اقدارنا فقط بل افكارنا بشكل خاص كما تتجسد في العقليات والمرجعيات والنماذج والمقولات والعقائد والطقوس التي تهيمن على المشهد الثقافي العربي وتتحكم في الخطابات لكي تنتج المآزق والعوائق.
ويرجع كل هذا العجز والخلل الى المسببات التالية:
– عبادة الاصول ويقصد بذلك ان النرجسية الدينية وعقيدة الاصطفاء هي من ابرز عوائق المشروع الحضاري اذ هي تختم على العقل لكي تنتج النموذج المهيمن على المشهد الفكري بنسخه الثلاث:
1- الداعية التراثي الذي يعتقد ان الشرائع القديمة تنطوي على اجوبة وحلول لكل الاسئلة والمشكلات الراهنة او الذي يلجأ بنوع من الزيف والسطو على المعارف الى التفتيش عن نسب اسلامي لكل انجاز غربي في مجال المعرفة والحقوق والحريات كما هي دعوى الذي يقول ان الغربيين تقدموا لانهم اخذوا عن القرآن المنهج التجريبي في الدرس والبحث او الذي يقوى بان الاسلام اتى ليحرر المرأة.
2- الابله الثقافي هو الشخص القاصر الذي يجري غسل دماغه على يد شيخه او اميره لكي يصبح طوع امره بحيث ينفذ بصورة آلية ما يُملى عليه، بقدر ان سعادته تتحقق في تقليد الماضين والتطابق معهم في كل ما قالوه او فعلوه وفي مختلف شؤون الحياة.
3- الاصولي الارهابي الذي يدعى امتلاك مفاتيح الحقيقة والهداية والسعادة لانقاذ الامة الاسلامية والبشرية جمعاء من الكفر والفساد بمعاداة التغيير والعمل على استئصال الاختلاف والتنوع ولتطبيق تعاليم واحكام في الفكر والعيش تحول الاسلام الى ثقافة للتخويف والترهيب او شرطة للملاحقة والادانة.
هذه هي النماذج التي تنتجها الثقافة الدينية الرائجة بمرشديها ورموزها الذين يملأون الاسماع والشاشات باحاديثهم ومواعظهم والنتيجة هي التطرف والانغلاق والعجز والتحجر والادعاء والتقليد الاعمى.
– عبادة الحداثة و المقصود بذلك ان الحداثيين على اختلاف منطلقاتهم اخفقوا في تطوير العناوين والمفاهيم التي تداولوها طوال عقود حول التقدم والحرية والعقلانية والحداثة كما انهم لم يستطيعوا ابتكار صيغ ونظريات خارقة تتعدى النطاق العربي لكي تخلق مجالها التداولي على ساحة الفكر العالمي والعلة في ذلك انهم تعاملوا مع الافكار الحديثة بعقلية التبشير والترويج والتقليد بقدر ما مارسوا طقوس العبادة والتأليه للشعارات والاسماء والنصوص في حين ان الفكرة الحية والخلاقة تتطور من حيث دلالاتها ومفاعليها في اتون التجربة والمعاناة لكي تسهم في تغيير اصحابها وتحويل الواقع في آن.
وفي مقابل ذلك يقول: لا مراء ان في العالم العربي مفكرين وادباء وكتاباً وفنانين مبدعين او خلاقين في مجال المعرفة والثقافة ولكنهم ليسوا الفئة الغالبة فالسيطرة هي للوعاظ والمرشدين او لدعاة او لحراس الهوية وشرطة العقائد وسواهم من الذين يمارسون التعمية الايديولوجية والشعوذة الثقافية والتشنج القومي والتهويل الديني.
– هواجس الهوية في هذا الجانب يتحدث حرب عن هواجس الهوية كاحد العوامل المعيقة للتفكير الحي ومن هذا المنطلق ير تغليب الاعتبارات الايديولوجية على المشاغل العلمية تجعل العامل في ميادين المعرفة يتحول الى داعية يدافع عن هويته الثقافية او الى مناضل ضد الغزو الثقافي في حين ان الثقافة الحية هي قدرتها على الانتشار والتداول خارج موطنها الاصلي ومن المفارقات الفاضحة في هذا الخصوص ان نقف موقف السلبي والنفي من ثقافة وفلسفة الغرب على ما يفعل فلاسفتنا ونقادنا من حراس الهوية والخصوصية حيث نجد حماة الاسلام والعروبة يطلون عبر الشاشات بتهويماتهم النضالية لكي يهاجموا الغزو الثقافي والاعلامي والمحصلة لذلك هو التعامل مع الخصوصية الثقافية بصورة هشة.
– ارادة التأله يقول حرب عن هذه المشكلة ثمة صورة طاغية على الحياة العربية تفضح السلوك السياسي والثقافي هي صورة الزعيم الاوحد والقائد الملهم والبطل المنقذ الذي تمارس تجاهه طقوس التبجيل والتعظيم بقدر ما تملأ صوره وخطبه وتما ثيله الساحات والشاشات انها اطياف الحاكم بامره في شخصه المتأله الذي يختزل وطنه ودولته في شخصه المتأله الذي يسأل ولا يُسأل فهو المالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء فيستبيح الحُرمات ويصادر العقول والممتلكات لاهم له سوى البقاء في السلطة وجمع الثروة وتلك هي الفضيحة والخديعة.
– برؤيتنا الانسانية وحول ذلك يعتقد اننا نمارس وطنيتنا او عقيدتنا بل انسانيتنا بعقلية صدام او شارون وغوبلز والحجاج ونيرون وسواهم من الطغاة لان صور هؤلاء تستوطن العقل وتعشش في الذاكرة، نحن ندعي باننا دعاة تحرير وتنوير فيما نحن مصابون بالعمى الايديولوجي وممارسة التعصب الفاشي، والديني او القومي.
– ولذلك فان احوج ما نحتاجه اليه الآن هو ممارسة النقد لنماذجنا الانسانية والخلقية فليست الانظمة السياسية وحدها المسؤولة عن المظالم والهزائم والكوارث، العلة تكمن في نظام الفكر بقناعته الالفية وخرافاته العقائدية بتصنيفاته الارهابية وبقوالبه المتحجرة وشعوذاته الثقافية.
– الخلاصة اننا احوج ما نحتاج اليه الآن عرباً وبشراً في مواجهة التحديات والازمات والمخاطر المشتركة الامنية والبيئية او الصحية والاجتماعية كما تتجلى في تفاقم العنف او تزايد الفقر والتسلط او او تدهور البيئة والمجال الحيوي: تجديد اشكال المصداقية المعرفية والمشروعية الخلقية والسياسية بتغذية العناوين وتجديد المفاهيم والمعايير المتعلقة بمفردات الوجود، بالانسان والعقل والحقيقة او بالحقوق والعدالة والحرية او بالتقدم والسلام والنمو البشري او العمل الحضاري.
 
صحيفة الايام
27 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

هندسة الأذهان

حين اندلعت حركة الشبيبة والطلبة في فرنسا والبلدان الأوروبية الأخرى في الستينات الماضية، كانت نظم التعليم الجامعي والتعليم العام أحد مواضع انتقاد هذه الشبيبة، وأحد بواعث التحرك الطلابي المتمرد على الواقع، بما في ذلك على النظام التعليمي الصارم.
يومذاك كتب روجيه غارودي كتابه «البديل» الذي كان بمثابة دليل ثوري للشباب والطلبة في تحركاتهم، والذي رصد فيه الظواهر المستجدة التي أفرزت هذه الظاهرة الجديدة. وفيه شخّص حقيقة ان المعرفة التي تقدم للشبيبة تخفي الواقع بدلاً من ان تكشفه.
في حينه جرى التركيز على ان «العلوم الانسانية» أي تلك المعنية بدراسة المجتمع والانسان تعد حالا نموذجية لدراسة مدى التزييف الذي تتعرض له المعرفة.
ويومذاك ايضا نظم طلاب علم الاجتماع في جامعة امستردام محاضرة بعنوان «هل ينبغي ان يكون علم الاجتماع علماً انسانياً؟!» خلصوا فيها إلى ان علم الاجتماع وكذلك الاقتصاد السياسي وعلم النفس ليست علوما انسانية اذا ما أخذت بعين الاعتبار الطريقة التي تدرّس بها على وجه العموم في الجامعات، وإنما هي محض توابع فقيرة لعلوم الطبيعة.
فعلماء الاجتماع وعلماء النفس ينظرون بوجه عام الى الكائنات الانسانية نظرتهم الى مستعمرة من الجرذان في محاولتهم تحديد سلوكها وقياسه، كل ما هنالك ان درجة أعلى من التركيب أو التعقيد تبرز على مستوى المجتمعات الانسانية أو الأفراد، وعليه فإن العلوم المسماة بـ«الانسانية» تستخدم نفس منهج علوم الطبيعة، ولها بوجه خاص غرضها نفسه: «التحكم بالظاهرات التي هي هنا بشر»!
على ان ما طرحته الشبيبة في عام 1968 لم يبدأ بتحركها يومذاك ولم ينته عندها، انه أمر سابق له بكثير وأمر لاحق له، وما زال قائما حتى اليوم وسيستمر في المستقبل كذلك.
من يعاين واقع المنظومة التعليمية في كل المجتمعات، سيلاحظ انها تشكل حجر الزاوية في هندسة أذهان أفراد هذه المجتمعات، بما يضمن تأبيد هيمنة المهيمنين عليها.
وليست المصادفة وحدها ما يفسر ان حركات التمرد الطلابي تلك قد انطلقت من كليات علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة، في اشارة واضحة الى ان حجم النفاق في المناهج التربوية فيها يبدو فاضحاً ومحرضاً على الاحتجاج، حين تصطدم بتطلعات الأجيال الجديدة نحو منظومات قيم وأفكار جديدة اكثر اتساقا وصدقية، من تلك السائدة التي ترمي الى تكريس واقع فاسد وتأبيده، أو على الأقل إطالة عمره ما أمكن.
 
صحيفة الايام
27 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

هل تتواصل الخدعـة ؟!!


لقد كان حديثا مكتوبا موجعا ذلك الذي رفعه إلى مسامعنا، على جرعات، أمين عام المنبر التقدمي والكاتب حسن مدن من خلال عموده «فسحة للتأمل» والمتعلق بتجربته في خوض انتخابات 2010، هذه الانتخابات التي انتظرناها بأمل دخول الليبراليين تحت قبة البرلمان حتى نرى حراكا غير الحراك الذي مللنا معايشته على مدى أربع سنوات عجاف، ونستشعر إنجازا يغير في الأوضاع المعيشية ويخفف من وطأة غلاء احتياجاتها. وظني أن الدكتور حسن قد أحسن فعلا عندما أعاد إسماع ذات الحديث المكتوب إلى شريحة أكبر من الناس في اللقاء المتلفز مع الكاتبة والإعلامية سوسن الشاعر في برنامج «كلمة أخيرة».

مصدر الوجع هو تلك القسوة التي تعاملت بها «جمعية الوفاق» مع الدكتور حسن مدن الذي زرع الخوف فيها وقض مضجعها في ما تدعوه بدائرتها المغلقة، عندما أرعبها هدير الأصوات المنحازة إليه «كبديل وطني» محلٍ للثقة. والحال أن هذه القسوة في التعامل هي ما تجيده تيارات الإسلام السياسي جميعها، من دون استثناء، وتتعامل بها مع الأطياف الوطنية الأخرى التي تتقاطع معها في الرؤى والأفكار.

لم يكن كلام الدكتور حسن مدن مفاجئا، إذ ان سلوكا كهذا الذي مورِسَ ضده، لا بد وأن يكون متوقعا صدوره ممن يخطط لاعتلاء كرسي التشريع؛ ليذهب بعيدا، من دون أن تحده حدود، أو توقفه معطيات الحضارة الحاضرة، في التفكير ببناء الدولة الدينية وسن قوانين تعيق التطور وتكبل المجتمع وتجعله أبعد ما يكون عن مسايرة متغيرات الألفية الثالثة، ومن هذا المنطلق ليس من مصلحة أصحاب الفكر المنغلق أن يتجاوروا في المجلس التشريعي مع أصحاب فكر مغاير يسعون إلى تعزيز دور المؤسسات، ويساهمون في بناء الدولة المدنية، وخصوصا إذا ما كان أصحاب هذا الفكر مثل الذي يحمله ويعبر عنه أمين عام المنبر التقدمي المشهود له بالتعاطي المرن والمسؤول مع القضايا الوطنية كافة.

لكن ما يخفف من تلك القسوة ويفتح نافذة على الحلم هو تلك الأرقام الباعثة على الأمل التي حققها معظم المترشحين الليبراليين، وأخص بالحديث هنا الدكتورين حسن مدن وحسن العالي بالذات وهما اللذان خاضا الانتخابات في دائرتين مغلقتين كما يحلو لـ«الوفاق» أن تتباهى به، وسط ضجيج وفاقي لا معنى له؛ للنيل من شخصيهما عبر إطلاق نعوت وأوصاف تعرف هي، أي الوفاق، قبل غيرها أن لها مكانا في المنطقة المقدسة في وجدان الناخبين، وأحسب أن الدكتورين قد حولا الدائرتين من المغلقتين إلى دائرتين مقلقتين للوفاقيين حتى دفعت بهم إلى الركون إلى التشهير وإطلاق تلك الأوصاف والنعوت التي يراد من ورائها التشهير. هذه الأوصاف والنعوت تعمل بكفاءة عالية على حرف رأي الناخب عن أن يكون صاحب قرار مستقل في تحديد اختياراته. والحال إن احتكار الإيمان، وقذف الآخرين بشتى النعوت التي تستهدف الإنسان وتخرجه من ملته هو سلوك قميء وشائع احترفت توظيفه التيارات السياسية الإسلامية كلها ومن سار في ركبها ضد الانفتاح على المختلف، وهو مفتاحها الانتخابي الأكثر نفاذا إلى وجدان الناخبين وقلوبهم فيما مضى من زمن، غير أن هذا الأسلوب بدأ يفقد بريقه، وبالتالي تأثيره، لدى الناخبين الذين أصبحوا يطمحون إلى التغيير، وإشاعة السلم الاجتماعي انطلاقا من المؤسسة التشريعية.

ولسنا هنا لنلقي الكلام على عواهنه، إنما هذا هو الواقع الذي أظهرته نتائج الانتخابات في أكثر الدوائر التي بها حضور لهذه التيارات في محافظة المحرق والوسطى، وغدا سوف تتسع الدائرة، وتدور الدوائر.

وفي رأيي ان نجاح الوفاقيين في توظيف الدين، واحتكار الإيمان ساهم فقط في إرجاء وصول الدكتورين إلى البرلمان لمدة أربع سنوات أخرى، ولم يمنع إظهار اتساع شعبية الليبراليين وتقلصها في كتلة «الإيمانيين»، وهذا بحد ذاته محفز إلى العمل الجماهيري في المستقبل كما أشار الدكتور مدن في مقابلته المذكورة.

ولا بأس، من وجهة نظري، في عدم وصول الدكتورين البرلمان؛ حتى وإن كان عدم وصولهما لا يمثل إلا تشويها لصورة البرلمان لجهة تمثيله الحقيقية لكافة أطياف المجتمع، غير أن البأس، كل البأس، هو في ذلك الفتق الذي زاد اتساعا في الثوب الوفاقي؛ حتى بات لا يستر مخفيات الكراهية التي يكتنزها تاريخ من العداء مع الفكر التقدمي ورافعته الديمقراطية، وتعجز عن رتقه كل تلك التصريحات والادعاءات الجوفاء ببناء تحالف وطني، ويؤكد أن البعد الطائفي هو ديدن تيارات الإسلام السياسي كلها بصرف النظر عن المذهب الذي تعتنقه. وإني لأعجب حقيقة ممن لازال يثق بدعوات الوفاق إلى التحالف، وأسوق هنا تساؤلا: التحالف من أجل ماذا؟ هل هو من أجل الوقوف عند ملفات التأزيم، وإلهاء المواطنين بأحاديث وحوارات لا تسمن من جوع؟ لا ينبغي أن تتواصل الخدعة، وحان الوقت لوقف الحديث عن المهزلة التي نسميها تحالفا مع من يضع هدم الدولة المدنية على قائمة أهدافه الإستراتيجية، فمسعى «جمعية الوفاق» هو البحث عن غطاء وطني تخفي من تحته المذهبية الفاقعة.

الأيام  26 نوفمبر 2010
 

اقرأ المزيد

ابدأ حكايتك من «ثانياً»

الحقيقة واحدة ولكنها تتكون من بنود، من حيثيات وتفاصيل وأمور جزئية، حاصل جمعها هو الحقيقة كاملة، أو هو الحقيقة في اللحظة التي يجري فيها الحديث.
إن أنت ألغيت قاصدا او غير قاصد، اي بند من البنود، اي تفصيل من الصورة العامة، الشاملة التي هي الحقيقة تكون قد اصبتها بتشويه في احد مواقعها.
وليس الأمر بهذه البساطة، انك لا تلحق التشويه وحده بها، انك قد تقلب الحقيقة كلها رأسا على عقب، المقدمة الصحيحة تفضي، في حال اليقظة والنباهة وحسن النية، الى نتيجة صحيحة.
حتى الفكر ما هو إلا نمو اعتيادي للأشياء، كل فكرة تنبني على فكرة سابقة لها، والثانية تفضي، هي الاخرى، الى فكرة ثالثة وهكذا دونما نهاية.
تلفيق الحقائق، وهي مهمة جزء من الاعلام الموجه، الاعلام المغرض انما يقوم على طمس هذه الحقائق، وتقديمها مقلوبة في مغزى نقيض لمغزاها الاصلي، «وابتكار» وقائع ليست قائمة.
هذا النوع من التلفيق سهل الفضح، مكشوف.
الأخطر منه ذاك النوع من الكذب القائم على تقديم شيء من الحقيقة، جزء من اجزائها واغفال الاجزاء الاخرى. الجزء حين يؤخذ معزولاً عن السياق العام يعطي دلالة مغايرة وتفسيراً اخر.
الجدل مع هذا النوع من تقديم الواقع اكثر صعوبة واشد تعقيداً، لأن جزء الحقيقة الذي يقدمه حدث فعلا ولا سبيل لنكرانه، ولأن الامر كذلك فإن الحيلة يمكن ان تنطلي على المتلقي المحايد او البريء او الساذج او طيب النية او ذاك المتلقي السلبي الكسول الذي لا يعنيه تتبع الامور من بداياتها، ويمتص المعلومة التي تقدم له دون ان يبذل جهدا في التحقق من مدى صحتها.
يمكن صوغ هذه الفكرة التي تبدو طويلة وبحاجة الى إسهاب في شرحها، في كلمات مقتضبة، موجزة، معبرة بالقول التالي: «من السهل طمس الحقيقة بحيلة لغوية بسيطة: ابدأ حكايتك من «ثانيا»!».
سيعني هذا تجاهل ما حدث أولاً، وشطبه من الذاكرة، كأنه لم يحدث أبداً، وسرعان ما يتحول النتيجة الى سبب، ويجري الغاء السبب الأساس كلية، وما أكثر ما كتب التاريخ بهذه الطريقة، حيث غُيبت منه صفحات كاملة، وصنعت تواريخ جديدة لم تكن اصلا، أو كانت بصورة مغايرة لتلك التي وصلتنا.
وهو الامر الذي يعني تجاهل ما حدث أولاً، فغالبا ما يكون أولاً هو المقدمة و«ثانيا» هو النتيجة، حين تلغي أولاً تصبح النتيجة سبباً وردة الفعل تصبح هي الفعل.
إن عدم رد الامور الى اصولها، الى جذورها، إلى اسبابها الأولى هو النقصية الكبرى التي تطبع امورا كثيرة في حياتنا، في الفكر وفي السياسة وفي السلوك وفي العلاقات اليومية المباشرة.
 
صحيفة الايام
24 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

التأمينات الاجتماعية خطوات لابد منها

مرة أخرى تقفز للسطح قضية مستقبل صناديق التـأمينات الاجتماعية، وهي قضية كبرى كثيرا ما يتحاشى الجانب الرسمي وكذلك السلطة التشريعية ملامستها بالجدية المطلوبة وذلك لعدة اعتبارات معلومة، وهي باعتقادي قضية لا يجب أن يتم التعاطي معها باستمرار باعتبارها شأنا ثانويا، كونها تدخل في ضمن نظام الرعاية الاجتماعية الذي يدخل في صلب المسئولية الدستورية للدولة تجاه مواطنيها، الأمر الذي يفرض ضرورة مراجعتها بين فترة وأخرى وذلك تبعاً للحالة العامة للاقتصاد والأوضاع الاجتماعية. ففي المؤتمر الصحفي الأخير للرئيس التنفيذي للهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة كان لافتا تأجيل مسألة غاية في الأهمية، تتعلق بموضوع العجز الإكتواري وكل ما يرتبط بمسألة الوضع المالي للهيئة، وما يرتبط بالموقف من مسألة الاشتراكات التقاعدية في الوقت الذي تبقى القضية محل تردد وتمنّع واضح لدى ممثلي أطراف الإنتاج الثلاثة، وجدوى استمرار الاعتماد على ضخ الدولة لأموال لإطالة عمر تلك الصناديق حتى تستطيع أن تقوم بمسئولياتها تجاه ضمان حقوق المؤمن عليهم، وحيث لا يمكن التكهن بضمان استمرارية هكذا دعم فضلا عن أنها مسألة فيها نظر بكل تأكيد. ونحن نثق أن الدولة، أي دولة والبحرين ليست استثناءً من ذلك، لا يمكن لها أن تهمل إلى ما لا نهاية قضية بهذه الأهمية، نظرا لما لها من انعكاسات متوقعة ومباشرة على مجمل الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
وحتى نكون أكثر إنصافا فإننا لا نستطيع أن نحمل مجلس إدارة هيئة التأمينات الاجتماعية أو حتى إدارتها التنفيذية كامل المسئولية في صياغة ورسم سياسة النظام التقاعدي في البحرين، فالوضع يحتاج إلى قرارات على أعلى مستوى وبما يتماشى مع رؤية البحرين 2030 وغيرها، لكنها كجهة تنفيذية معنية بكل تأكيد بدفع وتهيئة الأطراف الثلاثة ومعهم الرأي العام بأهمية النظر بجدية تجاه هذه القضية الهامة التي نعتقد انه لا مجال لتركها أكثر مما تركت أو تحت رحمة الأوضاع الاقتصادية التي هي بطبيعتها متغيرة، ولا حتى تحت رحمة مجلس النواب وكتله، على اعتبار أن هذه القضية حتما ستتداخل فيها حين يراد طرحها مصالح انتخابية ومزايدات معهودة كثيرا ما تتزامن مع طرح هكذا قضايا، كما أن السلطة التنفيذية لم تعد طليقة اليد كما كانت عليه من قبل للتفاهم مع ممثلي القطاع التجاري حول مسألة مثل الاشتراكات التأمينية، كما كان عليه الوضع في العام 1989 إبان أزمة الوضع الاقتصادي وتراجع أسعار النفط.
مؤخراً فقط تابعنا كيف استطاعت قضية التقاعد أن تثير قلاقل كبيرة في دولة ديمقراطية مثل فرنسا وقبلها في بريطانيا والعديد من الدول الأوروبية والاسكندنافية أيضا، وهناك اخذ ورد في هذه القضية المتوقع لها أن تعجل برحيل حكومة الرئيس سركوزي حتى بعد التحسينات الأخيرة التي ادخلها الرئيس الفرنسي على حكومته، حيث أن تمديد العمر التقاعدي من 60 الى 62 عاما قضية تستحق أن تكون لها مضامين اجتماعية واقتصادية مقلقة للفرنسيين، رغم أنها وضعت ضمن سلة حلول ومحفزات وضعتها الحكومة هناك لإصلاح الوضع التقاعدي وتقوية الأوضاع المالية والعمر الافتراضي للصناديق التقاعدية في فرنسا، كذلك فان حقيقة أن كل صناديق التقاعد في العالم تنظر لفترة 75 عاما للأمام في رسمها لنظامها التقاعدي، هي مسألة يجب أن لا تغيب عن بال احد، وعندما يصبح الحديث مؤجلا ومواربا عن الأوضاع المالية لصناديقنا التقاعدية فعلينا الاستعداد لما هو قادم، وهو أمر يشي بأن علينا ترقب تغييرات فما يجري الآن ما هو إلا محاولة التقاط الوقت المناسب لطرح تلك المعالجات أو بعضها، وهو أمر لا يمكن الاعتراض عليه بطبيعة الحال كونه يتحسس في جوهره ردة الفعل المجتمعية المنتظرة ويتحسب لها.
باعتقادي أن معالجة أوضاع ومستقبل الصناديق التقاعدية في البحرين يحتاج بدلا من التأجيل والتردد، يحتاج إلى مبادرات وخطوات جريئة تقوم بها الدولة ويتفهم غاياتها المجتمع، وهذا الأمر لن يكون ممكنا من دون أن تكون هناك خطوات وبرامج تهيئة ووعي عام بأهمية الحفاظ على الصناديق وإطالة عمرها، ومن الممكن للناس أن يتفهموا ذلك بل ويتعاونوا مع الدولة في وضع تلك الحلول إذا ما اطمأنوا بالفعل إلى أن الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي الجهة المعنية بتقاعد كل البحرينيين في القطاعين العام والخاص قد أصبحت بالفعل تدار بحرفية أكبر، وتوجه استثماراتها بشكل مدروس يعزز مواردها وعوائدها وأصولها بما يقوي مركزها المالي ويُطمئن عشرات الآلاف من المتقاعدين ومن سيدخلون مرحلة التقاعد على مستقبلهم ومستقبل أسرهم، حينها فقط سنجد وعيا يتبعه تعاون متزايد بأهمية ما تنوي الحكومة أن تُقدم عليه من خطوات نعتقد جازمين أنها قادمة لا محالة وإن تأجلت!
 
صحيفة الايام
24 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

ألمانيا والعرب المعاصرون (2-2)

ليست المشابهة بين ألمانيا والعالم العربي المفتت دولاً وشعوباً سوى مشابهات محدودة، فرغم أن ألمانيا كانت مفتتةً في أوائل القرن التاسع عشر، فإنها كانت ضمن سيرورة الدول المسيحية الغربية التي كونت ايديولوجيات الإصلاح البروتستانتي، كبريطانيا وهولندا الرائدتين في النمو الرأسمالي، كذلك كان تسارع الصناعة الخاصة فيها كبيراً بخلاف العالم العربي، وهو ما أهل ألمانيا لأن تَكونَ قوةً صناعيةً كبرى، لكن الغلافَ الإقطاعي السياسي – الايديولوجي عرقلَ ذلك فترة سابقة طويلة نسبيا، حتى إذا هيمن على ألمانيا الموحَّدةِ عبر جيوش بسمارك سرّعَ بالتطور الرأسمالي الاقتصادي الخاص عبر أملاك النبلاء.
إنها تجربةٌ خاصةٌ بالشعب الألماني لا يمكن نسخها، بسبب ظروفها الموضوعية الاقتصادية المتقدمة قياساً للشعوب العربية، فإذا حاولت قوى سياسية واجتماعية عربية تقليدها فهي تنتزعُ بعضَ الجوانب من خيوط الايديولوجيات القومية الفاشية، وتغدو “الأمة العربية فوق الجميع” مهزلةً فيما كانت لدى الألمان مأساةً.
وقامت التجاربُ العربيةُ الشمولية العسكرية القومية والدينية المذهبية على استيرادات جزئية متضاربة، لفقدان طبقة توحيدية قومية صارمة كنبلاء بسمارك، أسست الوحدة القومية والعسكرية ولكنها جذرت البرجوازية الخاصة، صحيح ان هذه البرجوازية ظهرتْ من ضلوع هؤلاء النبلاء الشموليين لكنها أسست صناعة متقدمة.
فيما تعددتْ مساراتُ الفئاتِ الحاكمة العسكرية بين اشتراكية حكومية يرثها الضباطُ غير الأحرار من ذوي الثقافة المتخلفة قياساً حتى بالمعايير الألمانية، إلى إبقاء التخلف الريفي وسيطرة الإقطاع الزراعي، وتجميد حريات النساء وإبقاء النصوصية الدينية.
فلا يمكن مقارنة البرجوازية النبيلة الألمانية أو النبلاء المتبرجزين الألمان، بفئاتٍ ريفية عسكرية عربية متخلفة ظلت إقطاعية مذهبية دينية لم تطرح حتى شكلا توحيديا إسلاميا بمجاراة البروتستانت، وهي لم تؤسسْ نهضةً كاسحةً تشمل القطاعات كافة وتكون رأسمالية بحتة فلم يوجدْ بسمارك عربي أبداً حتى هذه اللحظة.
كما أن الأمة العربية من جهةٍ أخرى غير الأمة الألمانية، فهي شعوب دينية قاربتْ الحداثة قبل الألمان، لكن قضايا التصنيع والعلوم لم تُنجزْ لديها، وفي عهد التبعية للاستعمار الغربي مُنعت من التصنيع، والأنظمة التي نشأت فيها لم تقارب لا البسماركية الرأسمالية الخاصة العسكرية ولا التنمية الرأسمالية الغربية الحرة أو الهندية واليابانية، ولا التنمية الحكومية الرأسمالية الشاملة على طريقة روسيا والصين.
فهي أمةُ التفتت والضياع البرامجي، وما الإشارات في تجربتها لألمانيا إلا مثل إشاراتها الكثيرة لروسيا السوفيتية والصين الماوية، وأمريكا البراجماتية، تأخذُ من كل تجربة شعرة على كثرة دولها وجماعاتها ومذاهبها، من دون أن تحول هذه الشعرة إلى نظام.
فلم توجد وتتكرس تجارب تتجذر في أرض الحداثة والحرية والتصنيع وتلقي بالتخلف إلى الوراء.
وما نشوء طالبان والقاعدة وغيرهما سوى علامات واضحة على العجز البرامجي.
ألمانيا كانت صغيرة قياساً للعالم العربي، وذات مقدمات نهوضية أكبر، وحولها بسمارك لمدارس ومصانع عسكرية، فيما العالم العربي يحتاج إلى أنظمةٍ ديمقراطية ليبرالية تنمو بأشكالٍ متعددة متعاضدة، وتنشرُ العلاقات الرأسمالية الصناعية التحولية في الأرياف، وتجذبُ النساءَ للصناعة، والرأسمالية التجارية والمالية للإنتاج المتطور.
وفيما يتعلق بالأشكال الثقافية فإن العرب لهم تاريخ زاخر في الثقافة الإنسانية والعقلانية، كما أن الأشكال العنفية المتعصبة تنعزلُ يوماً بعد يوم.
إن للأمةِ العربيةِ تطورا خاصا فريدا في البشرية، وهي لن تنسخ تجارب الأمم الأخرى بل ستولدُ نموذجَها الإبداعي التاريخي الخاص، بنشاط مناضليها وشعوبها.
فمع تولد دول ديمقراطية رأسمالية عامة وخاصة بشكلٍ تدريجي وحسب مصالح شعوبها وطبقاتها ستلتئم أجزاؤها وتطور تبادلاتها وإنتاجها وتوسع صلاتها السياسية التوحيدية.
يمكن أن تقوم مجموعاتُ دولٍ نهضوية ديمقراطية عربية وتعمق التعاون والتوحد التدريجيين بينها، مصعدةً الثروتين المادية والثقافية للأمة العربية عامة، من دون بسمارك أو ستالين أو ماو.

صحيفة اخبار الخليج
23 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد